صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إعراب القرآن لابن سيده |
فأكرم عندهم صلة للبيت لا موضع له من الإعراب، كذلك: من بني إسرائيل، العامل فيه لا موضع له من الإعراب. (2/18)
{مِن بَعْدِ مُوسَى} متعلق بما تعلق به: {من بني إسرائيل} هو كائنين، وتعدّى إلى حرفي جر من لفظ واحد لاختلاف المعنى فمن، الأولى تبعيضية و: من، الثانية لابتداء الغاية، إذ العامل في هذا الظرف، قالوا: تر، وقالوا: هو بدل من: بعد، لأنهما زمانان لبني إسرائيل، وكلاهما لا يصح.
أما الأول: فإن ألم تر تقرير، والمعنى: قد انتهى علمك إلى الملأ من بني إسرائيل، وقد نظرت إلى بني إسرائيل إذ قالوا، وليس انتهاء علمه إليهم، ولا نظره إليهم كان في وقت قولهم لنبي لهم: {ابعث لنا ملكاً} وإذا لم يكن ظرفاً للانتهاء، ولا للنظر، فكيف يكون معمولاً لهما، أو لأحدهما؟ هذا ما لا يصح.
وأما الثاني: فبعيد جداً، لأنه لو كان بدلاً من: بعد، لكان على تقدير العامل، وهو لا يصح دخوله عليه، أعني: من، الداخلة على: بعد، لا تدخل على: إذ، لا تقول: من إذ، ولو كان من الظروف التي يدخل عليها: من، كوقت وحين، لم يصح المعنى أيضاً، لأن: من، بعد: موسى، حال، كما قرّرناه. إذ العامل فيه: كائنين، ولو قلت: كائنين من حين قالوا لنبي لهم إبعث لنا ملكاً، لما صح هذا المعنى، وإذا بطل هذان الوجهان، فينظر ما يعمل فيه مما يصح به المعنى، وقد وجدناه، وهو: أن يكون ثَمَّ محذوف به يصح المعنى، وهو العامل، وذلك المحذوف تقديره: ألم تر إلى قصة الملأ، أو: حديث الملأ، وما في معناه. لأن الذوات لا يتعجب منها، وانما يتعجب مما جرى لهم، فصار المعنى: ألم تر إلى ما جرى للملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، إذ قالوا؟ فالعامل في: إذ، هو ذلك المحذوف.
{قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَتِلُواْ} وقد تقدّم الكلام على: عسى، قال أبو علي: الأكثر فتح السين، وهو المشهور، ووجه الكسر قول العرب: هو عس بذلك، مثل: حر وشج، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم، أن يقال: عسي زيد، مثل: رضي، فإن قيل: فهو القياس وإن لم يقل فسائغ أن تأخذ باللغتين وتستعمل إحداهما في موضع الأخرى، كما فعل ذلك بغيره. إنتهى. والمحظوظ عن العرب أنه لا تكسر السين إلاَّ مع تاء المتكلم والمخاطب ونون الإناث، نحو: عسيتُ، وعسينَ، وذلك على سبيل الجواز لا الوجوب، ويفتح فيما سوى ذلك على سبيل الوجوب، ولا يسوغ الكسر نحو: عسى زيد والزيدان عسيا، والزيدون عسوا، والهندان عسيا، وعساك، وعساني، وعساه. وقاله أبو بكر الأدفوي وغيره: إن أهل الحجاز يكسرون السين من عسى مع المضمر خاصة، وإذا قيل: عسى زيد فليس إلاَّ الفتح، وينبغي أن يقيد المضمر بما ذكرناه. وقال أبو عبيد: لو كان عسيتم بكسر السين لقرىء: عسي ربكم وهذا جهل من أبي عبيد بهذه اللغة، ودخول: هل، على: عسيتم، دليل على أن عسى فعل خبري لا إنشائي، والمشهور أن عسى إنشاء لأنه ترج، فهي نظيرة لعل، ولذلك لا يجوز أن يقع صلة للموصول، لا يجوز أن تقول: جاءني الذي عسى أن يحسن إليّ وقد خالف في هذه المسألة هشام فأجاز وصل الموصول بها، ووقوعها خبراً لأن، دليل على أنها فعل خبري، وهو جائز. قال الراجز: (2/19)
لا تلحني إني عسيت صائماً
إلاَّ إن قيل: إن ذلك على إضمار القول، كما قيل في قوله:
إن الذين قتلتم أمس سيدهم
لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما لأن: إن وأخواتها لا يجوز أن تقع خبراً لها من الجمل، إلاَّ الجمل الخبرية، وهي التي تحتمل الصدق والكذب، هذا على الصحيح، وفي ذلك خلاف ضعيف.
وجواب الشرط الذي هو: إن كتب عليكم القتال، محذوف للدلالة عليه، وتوسط الشرط بين أجزاء الدليل على حذفه، كما توسط في قوله: {وإنا إن شاء الله لمهتدون}(البقرة: 70) وخبر عسيتم: أن لا تقاتلوا، هذا على المشهور أنها تدخل على المبتدأ والخبر، فيكون: أن، زيدت في الخبر، إذ: عسى للتراخي، ومن ذهب إلى أن: عسى، يتعدّى إلى مفعول، جعل: أن لا تقاتلوا، هو المفعول، و: أن، مصدرية، والواو في: وما لنا، لربط هذا الكلام بما قبله، ولو حذف لجاز أن يكون منقطعاً عنه، وهو استفهام في اللفظ، وإنكار في المعنى، و: أن لا نقاتل، أي: في ترك القتال، حذف الجر المتعلق بما تعلق به: لنا، الواقع خبراً لما الاستفهامية إذ هي مبتدأ، و: أن لا نقاتل، في مضوع نصب، أو: في موضع جر على الخلاف الذي بين سيبويه والخليل و: ذهب أبو الحسن إلى أنَّ: أن، زائدة، وعملت النصب كما عمل باء الجر الزائد الجر، والجملة حال، أي: وما لنا غير مقاتلين، فيكون مثل قوله تعالى: ما لك لا تأمنا على يوسف}(يوسف: 11) ما لكم لا ترجون لله وقاراً}(نوح: 13) وما لكم لا تؤمنون بالله}(الحديد: 8) وكقول العرب: ما لك قائماً؟ وقال تعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين}(المدثر: 49) وذهب قوم منهم ابن جرير إلى حذف الواو من: أن لا نقاتل، والتقدير: وما لنا ولأن لا نقاتل؟ قال: كما تقول: إياك أن تتكلم، بمعنى إياك وأن تتكلم، وهذا ومذهب أبي الحسن ليسا بشيء، لأن الزيادة والحذف على خلاف الأصل، ولا نذهب إليهما إلاَّ لضرورة، ولا ضرورة تدعو هنا إلى ذلك مع صحة المعنى في عدم الزيادة والحذف، وأما: إياك أن تتكلم، فليس على حذف حرف العطف، بل: إياك، مضمن معنى إحذر. فأن تتكلم في موضع نصب كأنه قيل: احذر التكلم، وقد أخرجنا جملة حالية: أنكروا ترك القتال، وقد التبسوا بهذه الحال من إخراجهم من ديارهم وأبنائهم، والقائل هذا لم يخرج، لكنه أخرج مثله، فكان ذلك إخراجاً له، ويمكن حمله على الظاهر، لأن (2/20)
كثيراً منهم استُولي على بلادهم، وأسر أبناؤهم، فارتحلوا إلى غير بلادهم التي كان منشأهم بها، كما مر في قصتهم. (2/21)
وقرأ عبيد بن عمير: وقد أخرجنا، أي العدو، والمعنى. في: وأبنائنا، أي: من بين أبنائنا، وقيل: هو على القلب أي: وأخرج منا أبناؤنا، ويحتمل أن يكون الفاعل: بأخرجنا، على قراءة عبيد المذكور ضميراً يعود على الله، أي: وقد أخرجنا الله بعصياننا وذنوبنا، فنحن نتوب ونقاتل في سبيله ليردنا إلى أوطاننا، ويجمع بيننا وبين أبنائنا، كما تقول: ما لي لا أطيع الله وقد عاقبني على معصيته؟ فينبغي أن أطيعه حتى لا يعاقبني، قال القشيري: أظهروا التجلد والتصلب في القتال ذباً عن أموالهم ومنازلهم حيث {قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} فلذلك لم يتم قصدهم، لأنه لم يخلص لحق الله عزمهم، ولو أنهم قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله، لأنه قد أمرنا، وأوجب علينا، لعلهم وفقوا لإتمام ما قصدوا.
{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} وانتصب: قليلاً، على الاستثناء المتصل، ولا يجوز أن يكون المستثنى منهما، لو قلت: ضربت القوم إلاَّ رجالاً، لم يصح، وصح هذا لاختصاصه بأنه في نفسه صفة لموصوف، ولتقييده بقوله: منهم، ولم يبين هنا عدة هذا القليل، وبينته السنة، صح أن النبي صلى الله عليه وسلّملما سئل عن عدة من كان معه يوم بدر قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدّة قوم طالوت»، وهؤلاء القليل ثبتوا على نياتهم السابقة، واستمرت عزائمهم على قتال أعدائهم.
وقرأ أبيّ: تولوا إلا أن يكون قليل منهم، وهو استثناء منقطع، لأن الكون معنى من المعاني، والمستثنى منهم جثث. وتقول العرب: قام القوم إلاَّ أن يكون زيد، وزيداً، بالرفع والنصب، فالرفع على أن يكون تامة، والنصب على أنها ناقصة، واسمهما ضمير مستكن فيها يعود على البعض المفهوم مما قبله، التقدير: إلاَّ أن يكون هو، أي: بعضهم زيداً، والمعنى قام القوم إلاَّ كون زيد في القائمين، ويلزم من انتفاء كونه في القائمين أنه ليس قائماً، فلا فرق من حيث المعنى بين قام القوم إلاَّ زيداً، وبين قام القوم إلاَّ أن يكون زيدٌ أو زيداً. (2/22)
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} وانتصب: ملكاً على الحال.
{أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} و: أنَّى، هنا بمعنى: كيف؟ وهو منصوب على الحال، و: يكون، الظاهر أنها ناقصة، و: له، في موضع الخبر، فيتعلق بمحذوف وهو العامل في: أنى، و: علينا، متعلق: بالملك، على معنى الاستعلاء، تقول: فلان ملك على بني فلان، وقيل: علينا، حال من: الملك.
ويجوز أن تكون تامة و: له، متعلق، بيكون، أي: كيف يقع؟ أو: يحدث له الملك علينا ونحن أحق؟ جملة حالية اسمية عطف عليها جملة فعلية، وهي {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ} والمعطوف على الحال حال، والمعنى: أن من اجتمع فيه هذان الوصفان، وجود من هو أحق منه، وفقره، لا يصلح للملك. ويعلق: بالملك، و: منه، بأحق، وتعلق: من المال، بيؤت، وفتحت سين السعة لفتحها في المضارع، إذ هو محمول عليه، وقياسها الكسر، لأنه كان أصله، يوسع، كوثق يثق، وإنما فتح عين المضارع لكون لامه حرف حلق، فهذه فتحة أصلها الكسر، ولذلك حذفت الواو، لوقوعها في يسع بين ياء وكسرة، لكن فتح لما ذكرناه، ولو كان أصلها الفتح لم يجز حذف الواو، ألا ترى ثبوتها في يوجل؟ لأنها لم تقع بين كسرة وياء، فالمصدر والأمر في الحذف محمولان على المضارع، كما حملوا: عدة وعد على يعد. (2/23)
{وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ * تِلْكَ آيَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ }. (2/24)
هارون: أسم أعجمي يمنع الصرف للعلمية والعجمة.
جالوت: اسم أعجمي ممنوع الصرف للعجمة والعلمية.
داود: اسم أعجمي منع الصرف للعلمية والعجمة.
وقرأ أبو السماك: سكينة، بتشديد الكاف وارتفاع سكينة، بقوله: فيه، وهو في موضع الحال، أي: كائناً فيه سكينة. و: من، لابتداء الغاية، أي: كائنة من ربكم، فهو في موضع الصفة، أو متعلقاً بما تعلق به قوله: فيه، ويحتمل أن يكون للتبعيض على تقدير حذف مضاف، أي: من سكينات ربكم. (2/25)
{مِّمَّا تَرَكَ} في موضع الصفة لبقية، و: من، للتبعيض.
{تَحْمِلُهُ الْمَلَئِكَةُ} وقرأ مجاهد: يحمله، بالياء من أسفل، والضمير يعود على التابوت، وهذه الجملة حال من التابوت، أي حاملاً له الملائكة، ويحتمل الاستئناف، كأنه قيل: ومن يأتي به وقد فقد؟ فقال: {تحمله الملائكة} استعظاماً لشأن هذه الآية العظيمة.
{إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} هذا استثناء من الجملة الأولى، وهي قوله: {فمن شرب منه فليس مني}.
ولا يظهر كونه استثناء من الجملة الثانية لأنه حكم على أن: من لم يطعمه فإنه منه، فيلزم في الاستثناء من هذا أن من اغترف منه بيده غرفة فليس منه، والأمر ليس كذلك، لأنه مفسوح لهم الاغتراف غرفة باليد دون الكروع فيه، وهو ظاهر الاستثناء من الأولى، لأنه حكم فيها أن: من شرب منه فليس منه، فيلزم في الاستثناء أن: من اغترف غرفة بيده منه فإنه منه، إذ هو مفسوح له في ذلك، وهكذا الاستثناء يكون من النفي إثباتاً، ومن الإثبات نفياً، على الصحيح من المذاهب في هذه المسألة. وفي الاستثناء محذوف تقديره: إلاَّ من اغترف غرفة بيده فشرِبَها، أو للشرب.
ويتعلق: بيده، بقوله: اغتراف. قيل: ويجوز أن يكون نعتاً لغرفة.
ونقول: إذا تقدم موجب جاز في الذي بعد: إلاَّ، وجهان: أحدهما: النصب على الاستثناء وهو الأفصح: والثاني: أن يكون ما بعد: إلاَّ، تابعاً لإعراب المستثنى منه، إن رفعاً فرفع، أو نصباً فنصب، أو جراً فجر، فتقول: قام القوم إلاَّ زيد، ورأيت القوم إلاَّ زيداً، ومررت بالقوم إلاَّ زيد: وسواء كان ما قبل: إلاَّ، مظهراً أو مضمراً. واختلفوا في إعرابه، فقيل: هو تابع على أنه نعت لما قبله، فمنهم من حمل هذا على ظاهر العبارة. وقال: ينعت بما بعد: إلاَّ، الظاهر والمضمر، ومنهم من قال: لا ينعت به إلاَّ النكرة أو المعرفة بلام الجنس، فإن كان معرفة بالإضافة نحو: قام إخوتك، أو بالألف واللام للعهد، أو بغير ذلك من وجوه التعاريف غير لام الجنس، فلا يجوز الاتباع، ويلزم النصب على الاستثناء. ومنهم من قال: إن النحويين يعنون بالنعت هنا عطف البيان، ومن الاتباع بعد الموجب قوله: (2/26)
وكل أخ مفارقه أخوه
لعمر أبيك إلاَّ الفرقدان وهذه المسألة مستوفاة في علم النحو.
{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} و: هو، توكيد للضمير المستكن في جاوزه، و: الذين، يحتمل أن يكون معطوفاً على الضمير المستكن، ويحتمل أن تكون الواو للحال ويلزم من الحال أن يكونوا جاوزوا معه، والأظهر أن يكون للعطف وإدغام جاوزه في هو ضعيف، ولا يستحسن، إلاَّ إن كانت الهاء مختلسة لا إمالة لها.
{قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} ويتعلق: لنا، بمحذوف إذ هو في موضع الخبر، ولا يجوز أن يتعلق: بطاقة، لأنه كان يكون طاقة مطولاً، فيلزم تنوين، واليوم منصوب بما تعلق به لنا وبجالوت: متعلق به. وأجاز بعضهم أن يكون: بجالوت، في موضع الخبر، وليس المعنى على ذلك.
{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} وقرأ أبيّ: وكأين، وهي مرادفة: لكم، في التكثير، ولم يأت تمييزها في القرآن إلا مصحوباً بمن، ولو حذفت: من، لانجرّ تمييز: كم، الخبرية بالإضافة، وقيل بإضمار: من، ويجوز نصبه حملاً على: كم، الاستفامية، وانتصب تمييز: كأين، فتقول كأين رجلاً جاءك. قال الشاعر: (2/27)
أطرد اليأس بالرجا فكأين
أملاً حمّ يسره بعد عسر و: كم؛ في موضع رفع على الابتداء، و: من فئة، قيل زائدة، وليس من مواضع زيادتها، وقيل: في موضع الصفة لكم، و: فئة، هنا مفرد في معنى الجمع، كأنه قيل: كثير من فئات قليلة غلبت. وقرأ الأعشى فيه بإبدال الهمزة ياء، نحو: ميرة في: مئرة، وهو إبدال نفيس، وخبر: كم، قوله: غلبت، ومعنى: بإذن الله، بتمكينه وتسويفه الغلبة.
{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} والمصدر الذي هو: دفع، أو: دفاع، مضاف إلى الفاعل، وبعضهم بدل من الناس، وهو بدل بعض من كل، والباء في: ببعض، متعلق بالمصدر والباء فيه للتعدية فهو مفعول ثان للمصدر، لأن دفع يتعدى إلى واحد ثم عدي إلى ثان بالباء، وأصل التعدية بالباء، أن يكون ذلك في الفعل اللازم: نحو: {لذهب بسمعهم}(البقرة: 20) فإذا كان متعدياً فقياسه أن يعدى بالهمزة، تقول: طعم زيد اللحم، ثم تقول: أطعمت زيداً اللحم، ولا يجوز أن تقول: طعمت زيداً باللحم، وإنما جاء ذلك قليلاً بحيث لا ينقاس، من ذلك: دفع، وصك، تقول: صك الحجر الحجر، وتقول: صككت الحجر بالحجر، أي جعلته يصكه. وكذلك قالوا: صككت الحجرين أحدهما بالآخر نظير: دفع الله الناس بعضهم ببعض} فالباء للتعدية كالهمزة.
قال سيبويه، وقد ذكر التعدية بالهمزة والتضعيف ما نصه: وعلى ذلك دفعت الناس بعضهم ببعض، على حد قولك: ألزمت، كأنك قلت في التمثيل: أدفعت، كما أنك تقول: أذهبت به، وأذهبته من عندنا، وأخرجته، وخرجت به معك، ثم قال سيبويه: صككت الحجرين أحدهما بالآخر على أنه مفعول من قولك: اصطك الحجران أحدهما بالآخر، ومثل ذلك: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض. إنتهى كلام سيبويه. (2/28)
ولا يبعد في قولك: دفعت بعض الناس ببعض، أن تكون الباء للآلة، فلا يكون المجرور بها مفعولاً به في المعنى، بل الذي يكون مفعولاً به هو المنصوب، وعلى قول سيبويه يكون المنصوب مفعولاً به في اللفظ فاعلاً من جهة المعنى وعلى أن تكون الباء للآلة يصح نسبة الفعل إليها على سبيل المجاز، كما أنك تقول في: كتبت بالقلم، كتبت القلم.
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ * يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأٌّرْضِ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأٌّرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ * لا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ }. (2/29)
و: تلك، مبتدأ وخبره: الرسل، و: فضلنا، جملة حالية، وذو الحال: الرسل، والعامل فيه إسم الإشارة. ويجوز أن يكون: الرسل، صفة لاسم الإشارة، أو عطف بيان، وأشار بتلك التي للبعيد لبعد ما بينهم من الأزمان وبين النبي صلى الله عليه وسلّم قيل: الإشارة إلى الرسل الذين ذكروا في هذه السورة، أو للرسل التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم والأولى أن تكون إشارة إلى المرسلين في قوله: {وإنك لمن المرسلين}(البقرة: 252) ولا يلزم من ذلك علمه بأعيانهم، بل أخبر أنه من جملة المرسلين، وأن المرسلين فضل الله بعضهم على بعض، وأتى: بتلك، التي للواحدة المؤنثة، وإن كان المشار إليه جمعاً، لأنه جمع تكسير، وجمع التكسير حكمه حكم الواحدة المؤنثة في الوصف، وفي عود الضمير، وفي غير ذلك، وكان جمع تكسير هنا لاختصار اللفظ، ولإزالة قلق التكرار، لأنه لو جاء: أولئك المرسلون فضلنا، كان اللفظ فيه طول، وكان فيه التكرار. والالتفات في: نتلوها، وفي: فضلنا، لأنه خروج إلى متكلم من غائب، إذ قبله ذكر لفظ: الله، وهو لفظ غائب. (2/30)
والتضعيف في: فضلنا، للتعدية، و: على بعض، متعلق بفضلنا، قيل: والتفضيل بالفضائل بعد الفرائض أو الشرائع على غير ذي الشرائع، أو بالخصائص كالكلام.
{مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ} قرأ الجمهور بالتشديد ورفع الجلالة، والعائد على: من، محذوف تقديره من كلمه. وقرىء بنصب الجلالة والفاعل مستتر في: كلم، يعود على: من، ورفع الجلالة أتم في التفضيل من النصب، إذ الرفع يدل على الحضور والخطاب منه تعالى للمتكلم، والنصب يدل على الحضور دون الخطاب منه.
{وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍ} وانتصاب: درجاتٍ، قيل على المصدر، لأن الدرجة بمعنى الرفعة، أو على المصدر الذي في موضع الحال، أو على الحال على حذف مضاف، أي: ذوي درجات، أو على المفعول الثاني لرفع على طريق التضمين لمعن: بلغ، أو على إسقاط حرف الجر، فوصل الفعل وحرف الجر، إما: على، أو: في، أو: إلى. ويحتمل أن يكون بدل اشتمال، أي: ورفع درجات بعضهم، والمعنى على درجات بعض. (2/31)
{يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُم} و: مما رزقناكم، متعلق بقوله: أنفقوا، و: ما، موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: رزقناكموه، وقيل: ما مصدرية أي: من رزقنا إياكم، و: من قبل، متعلق: بأنفقوا، أيضاً، واختلف في مدلول: مِنْ: فالأولى: للتبعيض، والثانية: لابتداء الغاية، وزعم بعضهم أنها تتعلق: برزقناكم.
{مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَعَةٌ} والجملة من قوله: لا بيع، في موضع الصفة، ويحتاج إلى إضمار التقدير: ولا شفاعة فيه، فحذف لدلالة: فيه، الأولى عليه.
{اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ} وجوّزوا رفع الحي على أنه صفة للمبتدأ الذي هو: الله، أو على أنه خبر بعد خبر، أو على أنه بدل من: هو، أو من: الله تعالى، أو: على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أو: على أنه مبتدأ والخبر: لا تأخذه، وأجودها الوصف، ويدل عليه قراءة من قرأ: الحيَّ القيومَ بالنصب، فقطع على إضمار: أمدح، فلو لم يكن وصفاً ما جاز فيه القطع، ولا يقال: في هذا الوجه الفصل بين الصفة والموصوف بالخبر، لأن ذلك جائز حسن، تقول: زيد قائم العاقل.
وتقدّم قول من جعل هذه الجملة خبراً لقوله: الحي، على أن يكون: الحي، مبتدأ، ويجوز أن يكون خبراً عن الله، فيكون قد أخبره بعده إخباراً، على مذهب من يجيز ذلك، وجوّز أبو البقاء أن تكون الجملة في موضع الحال من الضمير المستكن في القيوم، أي: قيوم بأمر الخلق غير غافل. (2/32)
{له ما في السموات وما في الأرض} يصح أن يكون خبراً بعد خبر، ويصح أن يكون استئناف خبر، كما يصح ذلك في الجملة التي قبلها. و: ما، للعموم تشمل كل موجود، و: اللام، للملك أخبر تعالى أن مظروف السموات والأرض ملك له تعالى، وكرر: ما، للتوكيد. وكان ذكر المظروف هنا دون ذكر الظرف، لأن المقصود نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، لأن ما عبد من دون الله من الأجرام النيرة التي في السموات: كالشمس، والقمر، والشعرى؛ والأشخاص الأرضية: كالأصنام، وبعض بني آدم، كل منهم ملك لله تعالى، مربوب مخلوق.
{مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} و: من، رفع على الابتداء، وهو استفهام في معنى النفي، ولذلك دخلت: إلاَّ، في قوله: إلا بإذنه، وخبر المبتدأ قالوا: ذا، ويكون الذي نعتاً لذا، أو بدلاً منه، وعلى هذا الذي قالوا يكون: ذا، اسم إشارة، وفي ذلك بعد، لأن: ذا، إذا كان اسم إشارة وكان خبراً عن: من، استقلت بهما الجملة، وأنت ترى احتياجها إلى الموصول بعدها.
والذي يظهر أن: من، الاستفهامية ركب معها: ذا، وهو الذي يعبر عنها بعض النحويين أن: ذا، لغو، فيكون: من ذا، كله في موضع رفع بالابتداء، والموصول بعدهما هو الخبر، إذ به يتم معنى الجملة الابتدائية، و: عنده، معمول: ليشفع، وقيل: يجوز أن يكون حالاً من الضمير في يشفع، فيكون التقدير: يشفع مستقراً عنده، وضعف بأن المعنى على يشفع إليه. وقيل: الحال أقوى لأنه إذا لم يشفع من هو عنده وقريب منه، فشفاعة غيره أبعد، و: بإذنه، متعلق: بيشفع، والباء للمصاحبة، وهي التي يعبر عنها بالحال، أي: لا أحد يشفع عنده إلاَّ مأذوناً له. (2/33)
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الضمير يعود على: ما، وهم الخلق، وغلب من يعقل، وقيل: الضميران في: أيديهم وخلفهم، عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله: {له ما في السموات وما في الأرض} قاله ابن عطية، وجوّز ابن عطية أن يعود على ما دل عليه: من ذا، من الملائكة والأنبياء. وقيل: على الملائكة، قاله مقاتل، و: ما بين أيديهم، أمر الآخرة، و: ما خلفهم، أمر الدنيا. قاله ابن عباس، وقتادة، أو العكس قاله مجاهد، وابن جريج، والحم بن عتبة، والسدّي وأشياخه.
{وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ} و: بشيء، وبما شاء، متعلقان: بيحيطون، وصار تعلق حرفي جر من جنس واحد بعامل واحد لأن ذلك على طريق البدل، نحو قولك: لا أمر بأحد إلاَّ بزيد، والأولى أن تقدّر مفعول شاء أن يحيطوا به، لدلالة قوله: ولا يحيطون على ذلك.
{وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} والهاء تعود على الله تعالى، وقيل: تعود على الكرسي، والظاهر الأول لتكون الضمائر متناسبة لواحد ولا تختلف، ولبعد نسبة الحفظ إلى الكرسي.
{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} وجواب الشرط: فقد استمسك، وأبرز في صورة الفعل الماضي المقرون بقد الدالة في الماضي على تحقيقه، وإن كان مستقبلاً في المعنى لأنه جواب الشرط، إشعاراً بأنه مما وقع استمساكه وثبت وذلك للمبالغة في ترتيب الجزاء على الشرط، وأنه كائن لا محالة لا يمكن أن يتخلف عنه، و: بالعروة، متعلق باستمسك. (2/34)
{لاَ انفِصَامَ لَهَا} وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من العروة، وقيل: من الضمير المستكن في الوثقى، ويجوز أن يكون خبراً مستأنفاً من الله عن العروة، و: لها، في موضع الخبر، فتتعلق بمحذوف أي: كائن لها.
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ} وجوّزوا أن يكون: يخرجهم، حالاً والعامل فيه: ولي، وأن يكون خبراً ثانياً، وجوّزوا أن يكون: يخرجونهم، حالاً والعامل فيه معنى الطاغوت. وهو نظير ما قاله أبو عليّ: من نصب: نزّاعة، على الحال، والعامل فيها: لظى، وسنذكره في موضعه إن شاء الله و: من، و: إلى، متعلقان بيخرج.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَآجَّ إِبْرَهِيمَ فِى رِبِّهِ أَنْ آتَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّيَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ * أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }. (2/35)
في: ربه، يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم، وأن يعود على النمروذ، والظاهر الأول.
{أَنْ آتَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} الظاهر أن الضمير في: آتاه، عائد على: الذي حاج، وهو قول الجمهور، و: أن آتاه، مفعول من أجله على معنيين: أحدهما: أن الحامل له على المحاجة هو إيتاؤه الملك، أبطره وأورثه الكبر، والعتوّ، فحاج لذلك. والثاني: أنه وضع المحاجة موضع ما وجب عليه من الشكر لله تعالى على إيتائه الملك، كما تقول: عاداني فلان لأني أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ومنه: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون}(الواقعة: 82) وأجاز الزمخشري أن يكون التقدير: حاج وقت أن آتاه الله الملك، فإن عنى أن ذلك على حذف مضاف، فيمكن ذلك على أن فيه بعداً من جهة أن المحاجة لم تقع وقت أن آتاه الله الملك. إلاَّ أن يجوز في الوقت، فلا يحمل على ما يقتضيه الظاهر من أنه وقت ابتداء إيتاء الله الملك له، ألا ترى أن إيتاء الله الملك إياه سابق على الحاجة وإن عنى أن: أن والفعل، وقعت موقع المصدر الواقع موقع ظرف الزمان؟ كقولك: جئت خفوق النجم، ومقدم الحاج، وصياح الديك؟ فلا يجوز ذلك، لأن النحويين مضوا على أنه لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرح بلفظه، فلا يجوز: أجيء أن يصيح الديك، ولا جئت أن صاح الديك. وقال المهدوي: يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم: أي آتاه ملك النبوّة. قال ابن عطية: وهذا تحامل من التأويل. إنتهى. (2/36)
والعامل في إذ حاجّ، وأجاز الزمخشري أن يكون بدلاً من: أن آتاه، إذاً جعل بمعنى الوقت، وقد ذكرنا ضعف ذلك، وأيضاً فالظرفان مختلفان إذ وقت إيتاء الملك ليس وقت قوله: {ربي الذي يحي ويميت} وفي قول إبراهيم: {ربي الذي يحي ويميت} تقوية لقول من قال إن الضمير في قوله: في ربه، عائد على إبراهيم.
و{رَبِّيَ الَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ}، مبتدأ وخبر، وفيه إشارة إلى أنه هو الذي أوجد الكافر ويحييه ويميته، كأنه قال: ربي الذي يحي ويميت هو متصرّف فيك وفي أشباهك بما لا تقدر عليه أنت ولا أشباهك من هذين الوصفين العظيمين المشاهدين للعالم اللذين لا ينفع فيهما حيل الحكماء ولا طب الأطباء، وفيه إشارة أيضاً إلى المبدأ والمعاد وفي قوله: {الذي يحي ويميت} دليل على الاختصاص لأنهم قد ذكروا أن الخبر، إذا كان بمثل هذا، دل على الاختصاص، فتقول: زيد الذي يصنع كذا، أي: المختص بالصنع. (2/37)
{فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ومجيء الفاء في: فإن، يدل على جملة محذوفة قبلها، إذ لو كانت هي المحكية فقط لم تدخل الفاء، وكأن التركيب قال إبراهيم: إن الله يأتي بالشمس، وتقدير الجملة، والله أعلم؛ قال إبراهيم إن زعمت ذلك أو موهت بذلك، فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، و: الباء، في بالشمس للتعدية، تقول: أتت الشمس، وأتى بها الله، أي أحياها، و: من، لابتداء الغاية.
{أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} وقرأ أبو سفيان بن حسين: أوَ كالذي، بفتح الواو، وهي حرف عطف دخل عليها ألف التقرير، والتقدير: وأرأيت مثل الذي؛ ومن قرأ: أو، بحرف العطف فجمهور المفسرين أنه معطوف على قوله: {ألم تر إلى الذي حاج} على المعنى، إذ معنى: ألم تر إلى الذي؟ أرأيت كالذي حاجّ؟ فعطف قوله: أو كالذي مر، على هذا المعنى، والعطف على المعنى موجود في لسان العرب قال الشاعر:
تقي نقي لم يكثر غنيمة
بنهكة ذي قربى ولا بحقلّد المعنى في قوله: لم يكثر: ليس بمكثر: ولذلك راعى هذا المعنى فعطف عليه قوله: ولا بحقلد. وقال آخر:
أجدّك لن ترى بثعيلبات
أو لا ببيداء ناجية ذمولا ولا متدارك والليل طفل
ببعض نواشع الوادي حمولا المعنى: أجدّك لست برآء، ولما راعى هذا المعنى عطف عليه قوله: ولا متدارك، والعطف على المعنى نصوا على أنه لا ينقاس. (2/38)
وقال الزمخشري، أو كالذي: معناه: أورأيت مثل الذي؟ فحذف لدلالة: ألم تر؟ عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب. انتهى. وهو تخريج حسن، لأن إضمار الفعل لدلالة المعنى عليه أسهل من العطف على مراعاة المعنى، وقد جوّز الزمخشري الوجه الأول.
وقيل: الكاف زائدة، فيكون: الذي، قد عطف على: الذي، التقدير: ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم؟ أو الذي مرّ على قرية؟ قيل: كما زيدت في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(الشورى: 11) وفي قول الراجز.
فصيروا مثل كعصف مأكول
ويحتمل أن لا يكون ذلك على حذف فعل، ولا على العطف على المعنى، ولا على زيادة الكاف، بل تكون الكاف اسماً على ما يذهب إليه أبو الحسن، فتكون الكاف في موضع جر، معطوفة على الذي، التقدير: {ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم} أو إلى مثل {كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ}؟ ومجيء الكاف اسماً فاعلة، ومبتداً ومجرورة بحرف الجر ثابت في لسان العرب، وتأويلها بعيد، فالأولى هذا الوجه الأخير، وإنما عرض لهم الإشكال من حيث اعتقاد حرفية الكاف، حملاً على مشهور مذهب البصريين، والصحيح ما ذهب إليه أبو الحسن، ألا ترى في الفاعلية لمثل في قول الشاعر:
وإنك لم يُفخر عليك كفاخر
ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب؟ والكلام على الكاف يذكر في علم النحو.
{وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} وهذه الجملة في موضع الحال من الفاعل الذي في: مر، أو: من قرية، والحال من النكرة إذا تأخرت تقل، وقيل: الجملة في موضع الصفة للقرية، ويبعد هذا القول الواو، و: على، متعلقة بمحذوف إذا كان المعنى: خاوية من أهلها، أي: مستقرة على عروشها، أو: بخاوية إذا كان المعنى ساقطة. وقيل: على عروشها بدل من قوله: قرية، أي: مر على عروشها، وقيل: في موضع الصفة لقرية، أي: مر على قرية كائنة على عروشها وهي خاوية. (2/39)
{قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} و: كم، ظرف أي: كم مدّة لبثت؟ أي: لبثت ميتاً وهو سؤال على سبيل التقرير.
{فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} وقرأ عبد الله: وهذا شرابك لم يتسنه، والضمير في: يتسنه مفرد، فيحتمل أن يكون عائداً على الشراب خاصة، ويكون قد حذف مثل هذه الجملة الحالية من الطعام لدلالة ما بعده عليه، ويحتمل أن يكون الطعام والشراب أفرد ضميرهما لكونهما متلازمين، فعوملا معاملة المفرد، أو لكونهما في معنى الغذاء، فكأنه قيل: وانظر إلى غذائك لم يتسنه. وقال الشاعر في المتلازمين:
وكأن في العينين حب قرنفل
أو سنبلاً كحلت به فانهلّت والجملة من قوله: لم يتسنه، في موضع الحال، وهي منفية: بلم، وزعم بعض أصحابنا أن إثبات الواو في الجملة المنفية بلم هو المختار، كما قال الشاعر:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم
ولم تكثر القتلى بها حين سُلَّت وزعم بعضهم أنه إذا كان منفياً فالأولى أن ينفى: بلما، نحو: جاء زيد ولما يضحك، قال: وقد تكون منفية: بلم وما، نحو: قام زيد ولم يضحك، أو: ما يضحك، وذلك قليل جداً. انتهى كلامه. وليس إثبات: الواو، مع: لم، أحسن من عدمها، بل يجوز إثباتها وحذفها فصيحاً، وقد جاء ذلك في القرآن في مواضع، قال تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء}(آل عمران: 174) وقال تعالى: أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء}(الأنعام: 93) ومن قال: إن النفي بلم قليل جدّاً فغير مصيب، وقد أمعنا الكلام على هذه المسألة في باب: الحال، في منهج السالك على شرح ألفية ابن مالك} من تأليفنا. (2/40)
{وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ} قيل: الواو، مقحمة أي: لنجعلك آية، وقيل: تتعلق اللام بفعل محذوف مقدر تقديره أي: أريناك ذلك لتعلم قدرتنا، ولنجعلك آية للناس. وقيل: بفعل محذوف مقدر تأخيره، أي: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك، يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه.
والألف واللام في: للناس، للعهد إن غني به مَن بقي مِن قومه، أو مَن كان في عصره. أو للجنس إذ هو آية لمن عاصره ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة.
{وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا} والأظهر أن يراد عظام الحمار، والتقدير: إلى العظام منه، أو، على رأي الكوفيين، أن الألف واللام عوض من الضمير، أي: إلى عظامه، لأنه قد أخبر أنه بعثه، ثم أخبر بمحاورته تعالى له في السؤال عن مقدار ما أقام ميتاً، ثم أعقب الأمر بالنظر بالفاء، فدل على أن إحياءه تقدم على المحاورة وعلى الأمر بالنظر.
و: كيف، منصوبة بننشزها نصب الأحوال، وذو الحال مفعول ننشزها، ولا يجوز أن يعمل فيها: انظر، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. وأعربوا: كيف ننشزها، حالاً من العظام، تقديره: وانظر إلى العظام محياة، وهذا ليس بشيء، لأن الجملة الاستفهامية لا تقع حالاً، وإنما تقع حالاً: كيف، وحدها نحو: كيف ضربت زيداً؟ ولذلك تقول: قائماً أم قاعداً؟ فتبدل منها الحال. (2/41)
والذي يقتضيه النظر أن هذه الجملة في موضع البدل من العظام، وذلك أن: انظر، البصرية تتعدى بإلى، ويجوز فيها التعليق، فتقول: انظر كيف يصنع زيد، قال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض}(الإسراء: 21) فتكون هذه الجملة في موضع نصب على المفعول: بانظر، لأن ما يتعدّى بحرف الجر، إذا علق، صار يتعدى لمفعول، تقول: فكرت في أمر زيد، ثم تقول: فكرت هل يجيء زيد؟ فيكون: هل يجيء زيد، في موضع نصب على المفعول بفكرت، فكيف، ننشزها بدل من العظام على الموضع، لأن موضعه نصب، وهو على حذف مضاف أي: فانظر إلى حال العظام كيف ننشزها، ونظير ذلك قول العرب: عرفت زيداً أبو من هو: على أحد الأوجه. فالجملة من قولك: أبو من هو في موضع البدل من قوله زيداً مفعول عرفت، وهو على حذف مضاف، التقدير: عرفت قصة زيد أبو من. وليس الاستفهام في باب التعليق مراداً به معناه، بل هذا من المواضع التي جرت في لسان العرب مغلباً عليها أحكام اللفظ دون المعنى، ونظير ذلك: أيّ، في باب الاختصاص. في نحو قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، غلب عليها أكثر أحكام النداء وليس المعنى على النداء، وقد تقدّم من قولنا، إن كلام العرب على ثلاثة أقسام: قسم يكون فيه اللفظ مطابقاً للمعنى، وهو أكثر كلام العرب. وقسم يغلب فيه أحكام اللفظ كهذا الاستفهام الواقع في التعليق، والواقع في التسوية. وقسم يغلب فيه أحكام المعنى نحو: أقائم الزيدان. وقد أمعنا الكلام على مسألة الاستفهام الواقع في التعليق في كتابنا
الكبير المسمى بالتذكرة} وهي إحدى المسائل التي سألني عنها قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري، عرف بابن دقيق العيد؛ وسألني أن أكتب له فيها، وكان سؤاله في قوله عليه السلام: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». (2/42)
{فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قرأ الجمهور: تبين، مبنياً للفاعل، وقرأ ابن عباس: تبين له، مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله. وقرأ ابن السميفع: بين له، بغير تاء مبنياً لما لم يسم فاعله، فعلى قراءة الجمهور الظاهر أن تبين فعل لازم والفاعل مضمر يدل عليه المعنى، وقدره الزمخشري: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعني أمر إحياء الموتى، وينبغي أن يحمل على أنه تفسير معنى؛ وتفسير الإعراب أن يقدر مضمراً يعود على كيفية الإحياء التي استغربها بعد الموت. وقال الطبري: لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل إعادته. قال ابن عطية: وهذا خطأ، لأنه ألزم ما لا يقتضيه، وفسر على القول الشاذ، والاحتمال الضعيف ما حكى الطبري عن بعضهم أنه قال: كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء، ولذلك ضرب له المثل في نفسه. إنتهى.
وقال الزمخشري وبدأ به ما نصه: وفاعل تبين مضمر تقديره: فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً. إنتهى كلامه. فجعل ذلك من باب الإعمال، وهذا ليس من باب الإعمال، لأنهم نصوا على أن العاملين في هذا الباب لا بد أن يشتركا، وأدّى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبراً، ويكون العامل الثاني معمولاً للأول، وذلك نحو قولك: جاءني يضحك زيد. فجعل في جاءني ضميراً أو في يضحك، حتى لا يكونه هذا الفعل فاصلاً، ولا يرد على هذا جعلهم {آتوني أفرغ عليه قطراً}(الكهف: 96) ولا هاؤم اقرؤا كتابيه}(الحاقة: 19) ولا تعالوا يستغفر لكم رسول الله}(المنافقون: 5) ولا يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}(النساء: 176) من الإعمال لأن هذه العوامل مشتركة بوجه مّا من وجوه الاشتراك، ولم يحصل الاشتراك في العطف ولا العمل، ولتقرير هذا بحث يذكر في النحو. فإذا كان على ما نصوا فليس العامل الثاني مشركاً بينه وبين: تبين، الذي هو العامل الأول بحرف عطف، ولا بغيره، ولا هو معمول: لتبين، بل هو معمول: لقال، وقال جواب، لما أن قلنا: إنها حرف وعاملة في، لما أن قلنا إنها ظرف، و: تبين، على هذا القول في موضع خفض بالظرف، ولم يذكر النحويون في مثل هذا الباب: لو جاء قتلت زيداً، ولا: متى جاء قتلت زيداً، ولا: إذا جاء ضربت خالداً. ولذلك حكى النحويون أن العرب لا تقول: أكرمت أهنت زيداً. (2/43)
وقد ناقض الزمخشري في قوله: فإنه قال: وفاعل تبين مضمر، ثم قدره، فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال أعلم. إلى آخره، قال: فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً، والحذف ينافي الإضمار للفاعل، وهذا عند البصريين إضمار يفسره ما بعده، ولا يجيز البصريون في مثل هذا الباب حذف الفاعل أصلاً، فإن كان أراد بالإضمار الحذف فقد خرج إلى قول الكسائي من أن الفاعل في هذا الباب لا يضمر، لأنه يؤدي إلى الإضمار قبل الذكر، بل يحذف عنده الفاعل، والسماع يرد عليه. قال الشاعر: (2/44)
هويتني وهويت الخرد العربا
أزمان كنت منوطاً بي هوى وصبا وأما على قراءة ابن عباس فالجار والمجرور هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما في قراءة ابن السميفع فهو مضمر: أي: بين له هو، أي: كيفية الإحياء.
وقرأ الجمهور: قال، مبنياً للفاعل، على قراءة جمهور السبعة: أعلم، مضارعاً ضميره يعود على المارّ، وقال ذلك على سبيل الاعتبار، كما أن الانسان إذا رأى شيئاً غريباً قال: لا إله إلا الله.
وقال أبو علي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته، يعني يعلم عياناً ما كان يعلمه غيباً. وأما على قراءة أبي رجاء، وحمزة، والكسائي إعلم، فعل أمر من علم، فالفاعل ضمير يعود على الله تعالى، أو على الملك القائل له عن الله، ويناسب هذا الوجه الأوامر السابقة من قوله: وانظر، فقال له: إعلم، ويؤيده قراءة عبد الله والأعمش: قيل، اعلم، فبنى: قيل، لما لم يسم فاعله، والمفعول الذي لم يسم فاعله ضمير القول لا الجملة، وقد تقدّم الكلام على ذلك أول هذه السورة مشبعاً فأغنى عن إعادته هنا.
وجوّزوا أن يكون الفاعل ضمير المار، ويكون نزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي، كأنه قال لنفسه: إعلم، ومنه: ودّع هريرة، وألم تغتمض عيناك، وتطاول ليلك، وإنما يخاطب نفسه، نزلها منزلة الأجنبي.
وروى الجعبي عن أبي بكر قال: أعلم، أمراً من أعلم، فالفاعل بقال يظهر أنه ضمير يعود على الله، أمره أن يعلم غيره بما شاهد من قدرة الله، وعلى ما جوّزوا في: اعلم الأمر، من علم يجوز أن يكون الفاعل ضمير المار. (2/45)
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى} والعامل في: إذ، على ما قالوا محذوف، تقديره: واذكر إذ قال، وقيل: العامل مذكور وهو: ألم تر، المعنى: ألم تر إذ قال، وهو مفعول: بتر. والذي يظهر أن العامل في: إذ، قوله {قال أو لم تؤمن} كما قررنا ذلك في قوله {وإذ قال ربك للملائكة}(البقرة: 30) وفي افتتاح السؤال بقوله: رب، حسن استلطاف واستعطاف للسؤال، وليناسب قوله لنمروذ ربي الذي يحيي ويميت} لأن الرب هو الناظر في حاله، والمصلح لأمره، وحذفت ياء الإضافة اجتزاء، بالكسرة، وهي اللغة الفصحى في نداء المضاف لياء المتكلم، وحذف حرف النداء للدّلالة عليه. و: أرني، سؤال رغبة، وهو معمول: لقال، والرؤية هنا بصرية، دخلت على رأى همزة النقل، فتعدّت لاثنين: أحدهما ياء المتكلم، والآخر الجملة الاستفهامية. فقول {كيف تحي الموت} في موضع نصب، وتعلق العرب رأى البصرية من كلامهم، أما ترى، أيّ برق هاهنا. كما علقت: نظر، البصرية. وقد تقرر.
{قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} والواو: واو حال، دخلت عليها ألف التقرير. انتهى كلامه. وكون الواو هنا للحال غير واضح، لأنها إذا كانت للحال فلا بد أن يكون في موضع نصب، وإذ ذاك لا بد لها من عامل، فلا تكون الهمزة للتقرير دخلت على هذه الجملة الحالية، إنما دخلت على الجملة التي اشتملت على العامل فيها وعلى ذي الحال، ويصير التقدير: أسألت ولم تؤمن؟ أي: أسألت في هذه الحال؟.
والذي يظهر أن التقرير إنما هو منسحب على الجملة المنفية، وأن: الواو، للعطف، كما قال: {أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً}(العنكبوت: 67) ونحوه. واعتنى بهمزة الاستفهام، فقدّمت. وقد تقدّم لنا الكلام في هذا، ولذلك كان الجواب: ببلى، في قوله قال: بلى} وقد تقرر في علم النحو أن جواب التقرير المثبت، وإن كان بصورة النفي، تجريه العرب مجرى جواب النفي المحض، فتجيبه على صورة النفي، ولا يلتفت إلى معنى الإثبات، وهذا مما قررناه، أن في كلام العرب ما يلحظ في اللفظ دون المعنى، ولذلك علة ذكرت في علم النحو، وعلى ما قاله ابن عطية من أن: الواو، للحال لا يتأتى أن يجاب العامل في الحال بقوله: بلى، لأن ذلك الفعل مثبت مستفهم عنه، فالجواب إنما يكون في التصديق: بنعم، وفي غير التصديق: بلا، أما أن يجاب: ببلى، فلا يجوز، وهذا على ما تقرر في علم النحو. (2/46)
{قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} واللام في قوله: ليطمئن، متعلقة بمحذوف بعد لكن، التقدير: ولكن سألت مشاهدة الكيفية لإحياء الموتى ليطمئن قلبي، فيقتضي تقدير هذا المحذوف تقدير محذوف آخر قبل لكن حتى يصح الاستدراك، التقدير: قال: بلى أي آمنت، وما سألت عن غير إيمان، ولكن سألت ليطمئن قلبي.
{ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} و: اجعل، هنا يحتمل أن تكون بمعنى: ألق، فيتعدى لواحد، ويتعلق على كل جبل. باجعل، ويحتمل أن يكون بمعنى: صير، فيتعدى إلى اثنين، ويكون الثاني على كل جبل، فيتعلق بمحذوف.
{ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} وانتصاب: سعياً، على أنه مصدر في موضع الحال من ضمير الطيور، أي: ساعيات، وروي عن الخليل: أن المعنى يأتينك وأنت تسعى سعياً. فعلى هذا يكون مصدر الفعل محذوف، هو في موضع الحال من الكاف، وكان المعنى: يأتينك وأنت ساع إليهنّ، أي يكون منهنّ إتيان إليك، ومنك سعي إليهنّ، فتلتقي بهنّ. والوجه الأول أظهر، وقيل: انتصب: سعياً، على أنه مصدر مؤكد لأن السعي والإتيان متقاربان. (2/47)
{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنًّا وَلا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ * يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَالأٌّذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }. (2/48)
و{فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ} في موضع الصفة: لسنابل، فتكون في موضع جر، أو: لسبع، فيكون في موضع نصب، وترتفع على التقديرين: مائة، على الفاعل لأن الجار قد اعتمد بكونه صفة، وهو أحسن من أن يرتفع على الابتداء، و: في كل، خبره، والجملة صفة، لأن الوصف بالمفرد أولى من الوصف بالجملة، ولا بد من تقدير محذوف، أي: في كل سنبلة منها، أي: من السنابل. (2/49)
وقرىء شاذاً: مائة حبة، بالنصب، وقدر بأخرجت، وقدره ابن عطية بأنبتت، والضمير عائد على الحبة، وجوز أن ينتصب على البدل من: {سبع سنابل} وفيه نظر، لأنه لا يصح أن يكون بدل كل من كل، لأن {مائة حبة} ليس نفس {سبع سنابل} ولا يصح أن يكون بدل بعض من كل، لأنه لا ضمير في البدل يعود على المبدل منه، وليس: {مائة حبة} بعضاً من {سبع سنابل} لأن المظروف ليس بعضاً من الظرف، والسنبلة ظرف للحب. ألا ترى إلى قوله {في كل سنبلة مائة حبة} ولا يصح أن يكون بدل اشتمال لعدم عود الضمير من البدل على المبدل منه، ولأن المشتمل على مائة حبة هو سنبلة من سبع سنابل، إلاَّ إن قيل: المشتمل على المشتمل على الشيء هو مشتمل على ذلك الشيء، والسنبلة مشتمل عليها سبع سنابل، فالسبع مشتملة على حب السنبلة، فإن قدرت في الكلام محذوفاً. وهو: أنبتت حب سبع سنابل، جاز أن يكون: {مائة حبة} بدل بعض من كل على حذف: حب، وإقامة سبع مقامه.
و{الَّذِينَ يُنفِقُونَ} مبتدأ والجملة من قوله: {لَّهُمْ أَجْرُهُمْ} خبر، ولم يضمن المبتدأ معنى اسم الشرط، فلم تدخل الفاء في الخبر، وكان عدم التضمين هنا لأن هذه الجملة مفسرة للجملة قبلها، والجملة التي قبلها أخرجت مخرج الشيء الثابت المفروغ منه، وهو نسبة إنفاقهم بالحبة الموصوفة، وهي كناية عن حصول الأجر الكثير، فجاءت هذه الجملة، كذلك أخرج المبتدأ والخبر فيهما مخرج الشيء الثابت المستقر الذي لا يكاد خبره يحتاج إلى تعليق استحقاق بوقوع ما قبله، بخلاف ما إذا دخلت الفاء فإنها مشعرة بترتب الخبر على المبتدأ، واستحقاقه به. (2/50)
وقيل: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين ينفقون {ولهم أجرهم} في موضع الحال، وهذا ضعيف، أعني: جعل لهم أجرهم في موضع الحال، بل الأولى إذا أعرب: الذين، خبر مبتدأ محذوف أن يكون: لهم أجرهم، مستأنفاً وكأنه جواب لمن قال: هل لهم أجر؟ وعند من أجرهم؟ فقيل {لهم أجرهم عند ربهم} وعطف: بثم، التي تقتضي المهلة، لأن من أنفق في سبيل الله ظاهراً لا يحصل منه غالباً المنّ والأذى، بل إذا كانت بنية غير وجه الله تعالى، لا يمنّ ولا يؤذي على الفور، فلذلك دخلت: ثم، مراعاة للغالب. وإن حكم المن والأذى المعتقبين للإنفاق، والمقارنين له حكم المتأخرين.
{قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى} وارتفاع: قول، على أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها، ومغفرة معطوف على المبتدأ، فهو مبتدأ ومسوغ جواز الابتداء به وصف محذوف أي: ومغفرة من المسؤول، أو: من السائل. أو: من الله، على اختلاف الأقوال. و: خير، خبر عنهما.
وقال المهدوي وغيره: هما جملتان، وخبر: قول، محذوف، التقدير: قول معروف أولى ومغفرة خير. قال ابن عطية: وفي هذا ذهاب ترويق المعنى، وإنما يكون المقدّر كالظاهر. إنتهى. وما قاله حسن، وجوز أن يكون: قول معروف، خبر مبتدأ محذوف تقديره: المأمور به قول معروف، ولم يحتج إلى ذكر المن في قوله: يتبعها، لأن الأذى يشمل المن وغيره كما قلنا. (2/51)
{يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَالأٌّذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ} وانتصاب رئاء على أنه مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال.
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا} هذا تشبيه ثان، واختلف في الضمير في قوله: {فمثله} فاظاهر أنه عائد على {الذي ينفق ماله رائاء الناس} لقربه منه، ولإفراده ضرب الله لهذا المنافق المرائي، أو الكافر المباهي.
{لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ} اختلف في الضمير في: يقدرون، فقيل: هو عائد على المخاطبين في قوله: {لا تبطلوا صدقاتكم} ويكون من باب الالتفات.
{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} وجوّزوا في: ابتغاء أن يكون مصدراً في موضع الحال. أي: مبتغين، وأن يكون مفعولاً من أجله، وكذلك: وتثبيتاً.
قال ابن عطية: ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولاً من أجله، لعطف، وتثبيتاً عليه، ولا يصح في: وتثبيتاً أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت.
وقال مكي في «المشكل»: كلاهما مفعول من أجله، وهو مردود بما بيناه. إنتهى كلامه.
وتثبيت، مصدر: ثبت، وهو متعد، ويحتمل أن يكون المفعول محذوفاً تقديره الثواب من الله تعالى، أي: وتثبيتاً وتحصيلاً من أنفسهم الثواب على تلك النفقة، فيكون إذ ذاك تثبيت الثواب وتحصيله من الله حاملاً على الإنفاق في سبيل الله. ومن قدر المفعول غير ذلك أي: وتثبيتاً من أنفسهم أعمالهم بإخلاص النية، وجعله من أنفسهم على أن تكون: من، بمعنى: اللام، أي: لأنفسهم، كما تقول: فعلت ذلك كسراً من شهوتي، أي: لشهوتي، فلا يتضح فيه أن ينتصب على المفعول له. قال الشعبي، وقتادة، والسدي، وأبو صالح، وابن زيد: معناه وتيقناً، أي: إن نفوسهم لها بصائر متأكدة، فهي تثبتهم على الإنفاق. ويؤكده قراءة من قرأ: أو تبييناً من أنفسهم، وقال قتادة أيضاً: واحتساباً من أنفسهم. وقال الشعبي أيضاً والضحاك، والكلبي: وتصديقاً، أي: يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم. وقال ابن جبير، وأبو مالك: تحقيقاً في دينهم. وقال إبن كيسان: إخلاصاً وتوطيداً لأنفسهم على طاعة الله في نفقاتهم. وقال الزجاج: ومقرين حين ينفقون أنها مما يثيب الله عليها. وقال الشعبي أيضاً: عزماً. وقال يمان أيضاً: بصيرة. وقال مجاهد، والحسن: معناه أنهم يثبتون، أي يضعون صدقاتهم. قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة يتثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شك أمسك. (2/52)
وقد أجاز بعض المصريين أن يكون قوله: وتثبيتاً. بمعنى: تثبتاً، فيكون لازماً. قال: والمصادر قد تختلف، ويقع بعضها موقع بعض، ومنه قوله: {وتبتل إليه تبتيلاً}(المزمل: 8) أي تبتلاً وردّ هذا القول بأن ذلك لا يكون بالفعل المتقدّم على المصدر نحو الآية، أما أن يأتي بالمصدر من غير بنائه على فعل مذكور فلا يحمل على غير فعله الذي له في الأصل، تقول: إن ثبت فعل لازم معناه: تمكن، ورسخ، وتحقق. وثبت معدى بالتضعيف، ومعناه: مكن،وحقق. قال ابن رواحة يخاطب رسول الله :
فثبَّت الله ما آتاك من حسن
تثبيت عيسى ونصراً كالذي نصروا } وإذا كان التثبيت مسنداً إليهم كانت: من، في موضع نصب متعلقة بنفس المصدر، وتكون للتبعيض، مثلها في: هزّ من عطفه، و: حرك من نشاطه، وإن كان التثبيت مسنداً في المعنى إلى أنفسهم كانت: من، في موضع نصب أيضاً صفة للمصدر تقديره: كائناً من أنفسهم. (2/53)
قال الزمخشري: فإن قلت: فما معنى التبعيض؟
قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها {وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}(الصف: 11) إنتهى.
وقرأ عاصم الجحدري {كمثل حبة} بالحاء والباء في: بربوة، ظرفية، وهي في موضع الصفة فتتعلق بمحذوف.
{أَصَابَهَا وَابِلٌ} جملة في موضع الصفة لجنة، وبدىء بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة، وهذا الأكثر في لسان العرب، وبدىء بالوصف الثابت، وهو: كونها بربوة، ثم بالوصف العارض، وهو {أصابها وابل} وجاء في وصف صفوان قوله: عليه تراب، ثم عطف عليه بالفاء، وهنا لم يعطف، بل أخرج صفة، وينظر ما الفرق بين الموضعين، وجوَّز أن يكون: {أصابها وابل} حالاً من جنة، لأنها نكرة، وقد وصفت حالاً من الضمير في الجار والمجرور.
{فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} آتت بمعنى: أعطت، والمفعول الأول محذوف، التقدير: فآتت صاحبها، أو: أهلها أكلها. كما حذف في قوله {كمثل جنة} أي: صاحب أو: غارس جنة، ولأن المقصود ذكر ما يثمر لا لمن تثمر، إذ هو معلوم، ونصب: ضعفين، على الحال، ومن زعم أن: ضعفين، مفعول ثان: لآتت، فهو ساه، وليس المعنى عليه، وكذلك قول من زعم أن آتت بمعنى أخرجت، وأنها تتعدى لواحد، إذ لا يعلم ذلك في لسان العرب، ونسبة الإيتاء إليها مجاز، والأكل بضم الهمزة الشيء المأكول، وأريد هنا الثمر، وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الدابة، إذ ليس الثمر مما تملكه الجنة.
{فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} وقوله: فطل، جواب للشرط، فيحتاج إلى تقدير بحيث تصير جملة، فقدره المبرد مبتدأ محذوف الخبر لدلالة المعنى عليه، أي: فطل يصيبها، وابتدىء بالنكرة لأنها جاءت في جواب الشرط. وذكر بعضهم أن هذا من مسوّغات جواز الابتداء بالنكرة، ومثله ما جاء في المثل: إن ذهب عير فعير في الرباط. وقدره غير المبرد: خبر مبتدأ محذوف. أي: فالذي يصيبها، أو: فمصيبها طلٌ، وقدره بعضهم فاعلاً، أي فيصيبها طل، وكل هذه التقادير سائغة. والآخر يحتاج فيه إلى حذف الجملة الواقعة جواباً، وإبقاء معمول لبعضها، لأنه متى دخلت الفاء على المضارع فإنما هو على إضمار مبتدأ، كقوله تعالى {ومن عاد فينتقم الله منه}(المائدة: 95) أي فهو ينتقم، فكذلك يحتاج إلى هذا التقدير هنا أي: فهي، أي: الجنة يصيبها طل، وأما في التقديرين السابقين فلا يحتاج إلاَّ إلى حذف أحد جزئي الجملة، ونظير ما في الآية قوله: (2/54)
ألا إن لا تكن إبل فمغزى
كأن قرون جلتها العصيّ}
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرأ الزهري، بالياء، فظاهره أن الضمير يعود على المنافقين، ويحتمل أن يكون عاماً فلا يختص بالمنافقين، بل يعود على الناس أجمعين.
{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} والهمزة للاستفهام، والمعنى على التبعيد والنفي، أي: ما يود أحد ذلك؟ و: أحد، هنا ليس المختص بالنفي وشبهه، وإنما المعنى: أيود واحد منكم؟ على طريق البدلية.
{لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ} وهذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فعلى مذهب الأخفش: من، زائدة، التقدير: له فيها كل الثمرات، على إرادة التكثير بلفظ العموم، لا أن العموم مراد، ولا يجوز أن تكون زائدة على مذهب الكوفيين، لأنهم شرطوا في زيادتها أن يكون بعدها نكرة، نحو: قد كان من مطر، وأما على مذهب جمهور البصريين، فلا يجوز زيادتها، لأنهم شرطوا أن يكون قبلها غير موجب، وبعدها نكرة، ويحتاج هذا إلى تقييد، قد ذكرناه في كتاب «منهج السالك» من تأليفنا. ويتخرج مذهب جمهور البصريين على حذف المبتدأ المحذوف تقديره، له فيها رزق، أو: ثمرات من كل الثمرات. ونظيره في الحذف قول الشاعر: (2/55)
كأنك من جمال بني أقيش
تقعقع خلف رجليه بشن التقدير: كأنك جمل من جمال بني أقيش، حذف: جمل، لدلالة: من جمال، عليه، كما حذف ثمرات لدلالة: من كل الثمرات، عليه، وكذلك قوله تعالى {وما منا إلاَّ له مقام معلوم}(الصافات: 165) أي: وما أحد منا، فأحد مبتدأ محذوف، و: منا، صفة، وما بعد إلاَّ جملة خبر عن المبتدأ.
{وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} الظاهر أن الواو للحال، وقد مقدرة أي وقد أصابه الكبر، كقوله: {وكنتم أمواتاً فأحياكم}(البقرة: 28) وقعدوا لو أطاعونا}(آل عمران: 168) أي: وقد كنتم، و: قد قعدوا، وقيل: معناه. ويصيبه، فعطف الماضي على المضارع لوضعه موضعه وقال الفراء: يجوز ذلك في: يود، لأنه يتلقى مرة بأن، ومرة بأو، فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر. قال الزمخشري: وقيل، يقال: وددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة، وأصابه الكبر؟ انتهى.
وظاهر كلامه أن يكون: وأصابه، معطوفاً على متعلق: أيود، وهو: أن تكون، لأنه في معنى: لو كانت، إذ يقال: أيود أحدكم لو كانت؟ وهذا ليس بشيء، لأنه ممتنع من حيث: أن يكون، معطوفاً على: كانت، التي قبلها لو، لأنه متعلق الود، وأما: وأصابه الكبر، فلا يمكن أن يكون متعلق الود، لأن إصابة الكبر لا يوده أحد، ولا يتمناه، لكن يحمل قول الزمخشري على أنه: لما كان: أيود، استفهاماً، معناه الإنكار، جعل متعلق الودادة الجمع بين الشيئين، وهما كون جنة له، وإصابة الكبر إياه، لا أن كل واحد منهما يكون مودوداً على انفراده، وإنما أنكر وداده الجمع بينهما، وفي لفظ الإصابة معنى التأثير، وهو أبلغ من: وكبر، وكذلك: بربوة أصابها وابل، وعليه تراب فأصابه وابل، ولم يأت: وبلت، ولا توبل. (2/56)
{يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأٌّرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَبِ * وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأًّنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأٌّرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ }. (2/57)
و: من، للتبعيض، وهي في موضع المفعول، و: ما، في {ما كسبتم} موصولة والعائد محذوف، وجوز أن تكون مصدرية، فيحتاج أن يكون المصدر مؤولاً بالمفعول، تقديره: من طيبات كسبكم، أي: مكسوبكم.
{وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} و: منه متعلق بقوله: تنفقون، والضمير في: منه، عائد على الخبيث. و: تنفقون، حال من الفاعل في: تيمموا، قيل: وهي حال مقدرة، لأن الإنفاق منه يقع بعد القصد إليه، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، لأن في الكلام ضميراً يعود عليه، وأجاز قوم أن يكون الكلام في قوله: الخبيث، ثم ابتدأ خبراً آخر في وصف الخبيث، فقال: تنفقون منه وأنتم لا تأخذونه إلاَّ إذا أغمضتم، أي تساهلتم. (2/58)
{وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ}. وقيل: هذه الجملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: الواو للحال، فالجملة في موضع نصب.
والهاء في: بآخذيه، عائدة على الخبيث، وهي مجرورة بالإضافة، وإن كانت من حيث المعنى مفعولة. قال بعض المعربين: والهاء في موضع نصب: بآخذين، والهاء والنون لا يجتمعان، لأن النون زائدة، وهاء الضمير زائدة ومتصلة كاتصال النون، فهي لا تجتمع مع المضمر المتصل. إنتهى كلامه. وهو قول الأخفش: أن التنوين والنون قد تسقطان للطافة الضمير لا للإضافة، وذلك في نحو: ضاربك، فالكاف ضمير نصب، ومذهب الجمهور أنه لا يسقط شيء منها للطافة الضمير، وهذا مذكور في النحو. وقد أجاز هشام: ضاربنك، بالتنوين، ونصب الضمير، وقياسه جواز إثبات النون مع الضمير، ويمكن أن يستدل له بقوله:
هم الفاعلون الخير والآمرونه
وقوله:
ولم يرتفق والناس محتضرونه
{إِلاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} موضع أن نصب أو خفض عند من قدره إلاَّ بأن تغمضوا، فحذف الحرف، إذ حذفه جائز مطرد، وقيل: نصب بتغمضوا، وهو موضع الحال، وقد قدمنا قبل، أن سيبويه لا يجيز انتصاب أن والفعل مقدراً بالمصدر في موضع الحال، وقال الفراء: المعنى معنى الشرط والجزاء، لأن معناه إن أغمضتم أخذتم، ولكن إلاَّ وقعت على أن ففتحتها، ومثله: إلا أن يخافه و{إلا أن يعفون}(البقرة: 237) هذا كله جزاء، وأنكر أبو العباس وغيره قول الفراء، وقالوا: أن، هذه لم تكن مكسورة قط، وهي التي تتقدّر، هي وما بعدها، بالمصدر، وهي مفتوحة على كل حال، والمعنى: إلاَّ بإغماضكم. (2/59)
وقرأ الجمهور: تغمضوا، من أغمض، وجعلوه مما حذف مفعوله، أي: تغمضوا أبصاركم أو بصائركم، وجوزوا أن يكون لازماً مثل: أغضى عن كذا.
{وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} قرأ الجمهور مبنياً للمفعول الذي لم يسم فاعله، وهو ضمير: من، وهو المفعول الأول: ليؤت. وقرأ يعقوب: ومن يؤت، بكسر التاء مبنياً للفاعل. قال الزمخشري: بمعنى ومن يؤته الله. انتهى.
فإن أراد تفسير المعنى فهو صحيح، وإن أراد تفسير الإعراب فليس كذلك، ليس في يؤت ضمير نصب حذف، بل مفعوله مقدّم بفعل الشرط، كما تقول: أياً تعط درهماً أعطه درهماً.
وقرأ الأعمش: ومن يؤته الحكمة، بإثبات الضمير الذي هو المفعول الأول: ليؤت، والفاعل في هذه القراءة ضمير مستكن في: يؤت، عائد على الله تعالى. وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها لكونها في جملة أخرى، وللاعتناء بها، والتنبيه على شرفها وفضلها وخصالها.
{فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا} هذا جواب الشرط، والفعل الماضي المصحوب: بقد، الواقع جواباً للشرط في الظاهر قد يكون ماضي اللفظ، مستقبل المعنى. كهذا. فهو الجواب حقيقة، وقد يكون ماضي اللفظ والمعنى، كقوله تعالى {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك}(فاطر: 4) فتكذيب الرسل واقع فيما مضى من الزمان، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون جواب الشرط، لأن الشرط مستقبل، وما ترتب على المستقبل مستقبل، فالجواب في الحقيقة إنما هو محذوف، ودل هذا عليه، التقدير: وإن يكذبوك فتسلّ، فقد كذبت رسل من قبلك، فحالك مع قومك كحالهم مع قومهم. (2/60)
وأيضاً ففي تقديره: خيراً كثيراً أي كثير، حذف أي الصفة وإقامة المضاف إليه مقامها، وقد حذف الموصوف به، أي: فاجتمع حذف الموصوف به وحذف الصفة، وهذا كله يحتاج في إثباته إلى دليل.
{إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ} وقيل الألف واللام للعهد، فتصرف إلى المفروضة.
{فَنِعِمَّا هِىَ} الفاء جواب الشرط، و: نعم، فعل لا يتصرف، فاحتيج في الجواب إلى الفاء والفاعل بنعم مضمر مفسر بنكرة لا بتكون مفردة في الوجود نحو: شمس وقمر. و: لا، متوغلة في الإبهام نحو غير. ولا أفعل التفضيل نحو أفضل منك، وذلك نحو: نعم رجلاً كزيد، والمضمر مفرد وإن كان تمييزه مثنى أو مجموعاً، وقد أعربوا: ما، هنا تمييزاً لذلك المضمر الذي في نعم، وقدروه بشيئاً: فما، نكرة تامة ليست موصوفة ولا موصولة، وقد تقدّم الكلام على: ما، اللاحقة لهذين الفعلين، أعني: نعم وبئس، عند قوله تعالى: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا}(البقرة: 90) وقد ذكرنا مذاهب الناس فيها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وهي: ضمير عائد على الصدقات، وهو على حذف مضاف أي: فنعما، إبداؤها، ويجوز أن لا يكون على حذف مضاف، بل يعود على الصدقات بقيد وصف الإبداء، والتقدير في: فنعما هي، فنعما الصدقات المبدأة وهي مبتدأ على أحسن الوجوه، وجملة المدح خبر عنه، والرابط هو العموم الذي في المضمر المستكن في: نعم. (2/61)
{وَإِن تُخْفُوهَا} الضمير المنصوب في: تخفوها، عائد على الصدقات، لفظاً ومعنى، بأي تفسير فسرت الصدقات، وقيل: الصدقات المبداة هي الفريضة، والمخفاة هي التطوّع، فيكون الضمير قد عاد على الصدقات لفظاً لا معنى، فيصير نظير: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، كذلك: وإن تخفوها، تقديره: وإن تخفوا الصدقات غير الأولى، وهي صدقة التطوّع، وهذا خلاف الظاهر، والأكثر في لسان العرب، وإنما احتجنا في: عندي درِهم ونصفه، إلى أن نقول: إن الضمير عائد على الدرهم لفظاً لا معنى لاضطرار المعنى إلى ذلك، لأن قائل ذلك لا يريد أن عنده درهماً ونصف هذا الدرهم الذي عنده. وكذل قول الشاعر:
كأن ثياب راكبه بريح
خريق وهي ساكنة الهبوب
يريد: ريحاً أخرى ساكنة الهبوب.
{وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ} فيه تنبيه على تطلب مصارفها وتحقق ذلك وهم الفقراء.
{فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} الفاء جواب الشرط، وهو ضمير عائد على المصدر المفهوم من قوله: {وَإِن تُخْفُوهَا} التقدير: فالإخفاء خير لكم، ويحتمل أن يكون: خير، هنا أريد به خير من الخيور، و: لكم، في موضع الصفة، فيتعلق بمحذوف. (2/62)
{وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} قرأ بالواو الجمهور في: ويكفر، وبإسقاطها وبالياء والتاء والنون، وبكسر الفاء وفتحها، وبرفع الراء وجزمها ونصبها، فإسقاط الواو رواه أبو حاتم عن الأعمش، ونقل عنه أنه قرأ بالياء وجزم الراء، ووجهه أنه بدل على الموضع من قوله: فهو خير لكم لأنه في موضع جزم، وكأن المعنى: يكن لكم الإخفاء خيراً من الإبداء، أو على إضمار حرف العطف: أي ويكفر.
وبني الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله وكذلك قرأ عكرمة إلا أنه فتح الفاء. وقرأ ابن هرمز، فيما حكى عنه المهدوي بالتاء ورفع الراء، وحكي عن عكرمة، وشهر ابن حوشب: بالتاء ونصب الراء. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر: بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي: بالنون والجزم، وروي الخفض عن الأعمش بالنون ونصب الراء فيمن قرأ بالياء.
فالأظهر أن الفعل مسند إلى الله تعالى، كقراءة من قرأ: ونكفر، بالنون فإنه ضمير لله تعالى بلا شك، وقيل: يعود على الصرف، أي صرف الصدقات، ويحتمل أن يعول على الإخفاء أي: ويكفر إخفاء الصدقات ونسب التكفير إليه على سبيل المجاز لأنه سبب التكفير، ومن قرأ بالتاء فالضمير في الفعل للصدقات، ومن رفع الراء فيحتمل أن يكون الفعل خبر مبتدأ محذوف، أي: ونحن نكفر، أي: وهو يكفر، أي: الله. أو الإخفاء أي: وهي تكفر أي: الصدقة.
ويحتمل أن يكون مستأنفاً لا موضع له من الإعراب، وتكون الواو عطفت جملة كلام على جملة كلام، ويحتمل أن يكون معطوفاً على محل ما بعد الفاء، إذ لو وقع مضارع بعدها لكان مرفوعاً، كقوله: {ومن عاد فينتقم الله منه}(المائدة: 95) ومن جزم الراء فعلى مراعاة الجملة التي وقعت جزاء، إذ هي في موضع جزم، كقوله: من يضلل الله فلا هادي}(الأعراف: 186). (2/63)
ونذرهم، في قراءة من جزم، ونذرتم، ومن نصب الراء فبإضمار: أن، وهو عطف على مصدر متوهم، ونظيره قراءة من قرأ {يحاسبكم به الله فيغفر}(البقرة: 284) بنصب الراء، إلاَّ أنه هنا يعسر تقدير ذلك المصدر المتوهم من قوله: فهو خير لكم، فيحتاج إلى تكلف بخلاف قوله: يحاسبكم، فإنه يقدر تقع محاسبة فغفران.
وقال الزمخشري: ومعناه: وإن تخفوها يكن خيراً لكم، وأن نكفر عنكم. إنتهى.
وظاهر كلامه هذا أن تقديره؛ وأن نكفر، يكون مقدّراً بمصدر، ويكون معطوفاً على: خيراً، خبر يكن التي قدرها كأنه قال: يكن الإخفاء خيراً لكم وتكفيراً، فيكون: أن يكفر في موضع نصب.
والذي تقرر عند البصريين أن هذا المصدر المنسبك من أن المضمرة مع الفعل المنصوب بها هو مرفوع معطوف على مصدر متوهم مرفوع، تقديره من المعنى، فإذا قلت: ما تأتينا فتحدّثنا، فالتقدير: ما يكون منك إتيان فحديث، وكذلك إن تجيء وتحسن إلي أحسن إليك، التقدير إن يكن منك مجيء وإحسان أحسن إليك. وكذلك ما جاء بعد جواب الشرط. كالتقدير الذي قدّرناه في: {يحاسبكم به الله}}(البقرة: 284)، في قراءة من نصب، فيغفر، فعلى هذ يكون التقدير: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن زيادة خير للإخفاء على خير للإبداء وتكفير.
وقال المهدوي: في نصب الراء: هو مشبه بالنصب في جواب الإستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام.
ونقول: إن الرفع أبلغ وأعم، لأن الجزم يكون على أنه معطوف على جواب الشرط الثاني، والرفع بدل على أن التكفير مترتب من جهة المعنى على بذل الصدقات، أبديت أو أخفيت، لأنا نعلم أن هذا التكفير متعلق بما قبله، ولا يختص التكفير بالإخفاء فقط، والجزم يخصصه به، ولا يمكن أن يقال: إن الذي يبدي الصدقات لا يكفر من سيئآته، فقد صار التكفير شاملاً للنوعين من إبداء الصدقات وإخفائها، وإن كان الإخفاء خيراً من الإبداء. (2/64)
و: من، في قوله: من سيئآتكم، للتبعيض، لأن الصدقة لا تكفر جميع السيئات. وحكى الطبري عن فرقة قالت: من، زائدة في هذا الموضع. قال ابن عطية: وذلك منهم خطأ، وقول من جعلها سببية وقدر: من أجل ذنوبكم، ضعيف.
{وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ اللَّهِ} وانتصاب ابتغاء على أنه مفعول من أجله، وقيل: هو مصدر في موضع الحال تقديره: مبتغين.
{وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} جملة حالية، العامل فيها يوفَّ.
{لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ} و: للفقراء، في موضع الخبر لمبتدأ محذوف، وكأنه جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: لمن هذه الصدقات المحثوث على فعلها؟ فقيل: للفقراء، أي: هي للفقراء. فبين مصرف النفقة. وقيل: تتعلق اللام بفعل محذوف، تقديره: أعجبوا للفقراء، أو اعمدوا للفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء، وأبعد القفال في تقدير: إن تبدوا الصدقات للفقراء، وكذلك من علقه بقوله: {وما تنفقوا من خير} وكذلك من جعل: للفقراء، بدلاً من قوله: فلأنفسكم، لكثرة الفواصل المانعة من ذلك.
{لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأٌّرْضِ} وهذه الجملة المنفية في موضع الحال، أي: أحصروا عاجزين عن التصرف. ويجوز أن تكون مستأنفة، لا موضع لها من الإعراب.
{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، بفتح السين حيث وقع، وهو القياس، لأن ماضيه على فَعِلَ بكسر العين. وقرأ باقي السبعة بكسرها، وهو مسموع في ألفاظ، منها: عمد يعمد ويعمد، وقد ذكرها النحويون، والفتح في السين لغة تميم، والكسر لغة الحجاز، والمعنى: أنهم لفرط انقباضهم، وترك المسألة، واعتماد التوكل على الله تعالى، يحسبهم من جَهِلَ أحوالهم أغنياء، و: من، سببية، أي الحامل على حسبانهم أغنياء هو تعففهم، لأن عادة من كان غني مال أن يتعفف، ولا يسأل، ويتعلق، بيحسبهم وجر المفعول له هناك بحرف السبب، لانخرام شرط من شروط المفعول له من أجله وهو اتحاد الفاعل، لأن فاعل يحسب هو: الجاهل، وفاعل التعفف هو: الفقراء. وهذا الشرط هو على الأصح، ولو لم يكن هذا الشرط منخرماً لكان الجر بحرف السبب أحسن في هذا المفعول له، لأنه معرف بالألف واللام، وإذا كان كذلك فالأكثر في لسان العرب أن يدخل عليه حرف السبب، وإن كان يجوز نصبه، لكنه قليل كما أنشدوا: (2/65)
لا أقعد الجبن عن الهيجاء
أي: للجبن، وإنما عرف المفعول له، هنا لأنه سبق منهم التعفف مراراً، فصار معهوداً منهم. وقيل: من، لابتداء الغاية، أي من تعففهم ابتدأت محسبته، لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غنى تعفف، وإنما يحسبهم أغنياء مال، فمحسبته من التعفف ناشئة، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة من المسألة، وهو الذي عليه جمهور المفسرين، وكونها للسبب أظهر، ولا يجوز أن تتعلق: من، بأغنياء، لأن المعنى يصير إلى ضد المقصود، وذلك أن المعنى: حالهم يخفى على الجاهل به، فيظن أنهم أغنياء، وعلى تعليق: من، بأغنياء يصير المعنى: أن الجاهل يظن أنهم أغنياء، ولكن بالتعفف، والغني بالتعفف فقير من المال، وأجاز ابن عطية أن تكون: من، لبيان الجنس، قال: يكون التعفف داخلاً في المحسبة، أي: أنهم لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل. وبإجمال فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عفة. فمن، لبيان الجنس على هذا التأويل. إنتهى. وليس ما قاله من أن: من، هذه في هذا المعنى لبيان الجنس المصطلح عليه في بيان الجنس، لأن لها اعتباراً عند من قال بهذا المعنى لمن يتقدّر بموصول، وما دخلت عليه يحصل خبر مبتدأ محذوف، نحو: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}(الحج: 30) التقدير: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. ولو قلت هنا: يحسبهم الجاهل أغنياء الذي هو التعفف، لم يصح هذا التقدير، وكأنه سمى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس، أي: بينت بأي جنس وقع غناهم بالتعفف، لا غنى بالمال. فتسمى: من، الداخلة على ما يبين جهة الغنى لبيان الجنس، وليس المصطلح عليه كما قدمناه، وهذا المعنى يؤول إلى أن من سببية، لكنها تتعلق: بأغنياء، لا: بيحسبهم، ويحتمل أن يكون: يحسبهم، جملة حالية، ويحتمل أن يكون مستأنفة. (2/66)
{تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ} والباء متعلقة: بتعرفهم، وهي للسبب، وجوزوا في هذه الجملة ما جوزوا في الجمل قبلها، من الحالية، ومن الاستئناف.
{لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} ويحتمل أن تكون هذه الجملة حالاً، وأن تكون مستأنفة. ومن جوز الحال في هذه الجمل وذو الحال واحد، إنما هو على مذهب من يجيز تعدد الحال لذي حالٍ، وهي مسألة خلاف وتفصيل مذكور في علم النحو. (2/67)
وجوزوا في إعراب: إلحافاً أن يكون مفعولاً من أجله، وأن يكون مصدراً لفعل محذوف دل عليه: يسألون، فكأنه قال: لا يلحفون. وأن يكون مصدراً في موضع الحال تقديره: لا يسألون ملحفين.
{الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
والباء في: بالليل، ظرفية، وانتصاب: سراً وعلانية، على أنهما مصدران في موضع الحال أي: مسرين ومعلنين، أو: على أنهما حالان من ضمير الإنفاق على مذهب سيبويه، أو: نعتان لمصدر محذوف أي: إنفاقاً سراً، على مشهور الإعراب في: قمت طويلاً، أي قياماً طويلاً.
{فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدّم تفسير بهذا فلا نعيده، ودخلت: الفاء في فلهم، لتضمن الموصول معنى اسم الشرط لعمومه.
قال ابن عطية: وإنما يوجد الشبه، يعني بين الموصول واسم الشرط، إذا كان: الذي، موصولاً بفعل، وإذا لم يدخل على: الذي، عامل يغير معناه. إنتهى. فحصر الشبه فيما إذا كان: الذي، موصولاً بفعل، وهذا كلام غير محرر، إذ ما ذكر له قيود.
أولها: أن ذلك لا يختص بالذي بل كل موصول غير الألف واللام حكمه في ذلك حكم الذي بلا خلاف، وفي الألف واللام خلاف، ومذهب سيبويه المنع من دخول الفاء.
الثاني: قوله موصولاً بفعل، فأطلق في الفعل واقتصر عليه وليس كذلك، بل شرط الفعل أن يكون قابلاً لأداة الشرط، فلو قلت: الذي يأتيني، أو: لما يأتيني، أو: ما يأتيني، أو: ليس يأتيني، فله درهم، لم يجز لأداة الشرط، لا يصلح أن تدخل على شيء من ذلك، وأما الاقتصار على الفعل فليس كذلك، بل الظرف والجار والمجرور كالفعل في ذلك، فمتى كانت الصلة واحداً منهما جاز دخول الفاء. وقوله: وإذا لم يدخل على: الذي، عامل يغير عبارة غير مخلصة، لأن العامل الداخل عليه كائناً ما كان لا يغير معنى الموصول، إنما ينبغي أن يقول: معنى جملة الابتداء في الموصول، وخبره فيخرجه إلى تغيير المعنى الابتدائي من: تمن، أو تشبيه، أو ظن، أو غير ذلك. لو قلت: الذي يزورنا فيحسن إلينا لم يجز، وكان ينبغي أيضاً لابن عطية أن يذكر أن شرط دخول الفاء في الخبر أن يكون مستحقاً بالصلة، نحو ما جاء في الآية، لأن ترتب الأجر إنما هو على الإنفاق. ومسألة دخول الفاء في خبر المبتدأ يستدعي كلاماً طويلاً، وفي بعض مسائلها خلاف وتفصيل، قد ذكرنا ذلك في كتاب «لتذكرة» من تأليفنا. (2/68)
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَواْ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَواْ وَيُرْبِى الصَّدَقَتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }.
و: لا يقومون، خبر عن: الذين، ووقع في بعض التصانيف أنها جملة حالية، وهو بعيد جداً، إذ يتكلف إضمار خبر من غير دليل عليه إلاَّ كما يقوم الكاف في موضع الحال، أو نعتاً لمصدر محذوف على الخلاف المتقدم بين سيبويه وغيره، وتقدم في مواضع. (2/69)
و: ما، فيها وجهان {الأول}: أنها مصدرية، أي: كقيام الذي، وأجاز بعضهم أن يكون بمعنى الذي والعائد محذوف تقديره إلاَّ كما يقومه الذي يتخبطه الشيطان. قيل: معناه كالسكران الذي يستجره الشيطان فيقع ظهراً لبطن، ونسبه إلى الشيطان لأنه مطيع له في سكره.
والوجه الثاني: أن: ما، بعد: إلاَّ، لا يتعلق بما قبلها، إلاَّ إن كان في حيز الاستثناء، وهذا ليس في حيّز الاستثناء، ولذلك منعوا أن يتعلق {بالبينات والزبر}(آل عمران: 184) بقوله: وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً}(يوسف: 109) وأن التقدير: ما أرسلنا بالبينات والزبر إلاَّ رجالاً.
{وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} وقيل: الضمير يعود على: ما سلف، أي في العفو عنه، وإسقاط التبعة فيه، وقيل: يعود على ذي الربا، أي: في أن يثبته على الانتهاء، أو يعيده إلى المعصية. قاله ابن جبير، ومقاتل، وقيل: يعود على الربا أي في إمرار تحريمه، أو غير ذلك، وقيل: في عفو الله من شاء منه، قاله أبو سليمان الدمشقي.
{إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَآتَوُاْ الزَّكَوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَواْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }. (2/70)
فهذا كما ذكر إلاَّ أنه جاء ذلك في الأسماء الستة في حالة الرفع، فله أن يقول: لما لم يكن ذلك لازماً في النصب والجر، لم يكن ناقضاً لما ذكروا، ونقول: إن الضمة التي فيما قبل الآخر إما هي للإتباع، فليس ضمة تكون في أصل بنية الكلمة كضمة يغزو.
فيظهر منه أن الباء في: {بحرب} ظرفية. أي: فأذنوا في حرب، كما تقول: أذن في كذا، ومعناه أنه سوغه ومكن منه.
{لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} قرأ الجمهور الأول مبنياً للفاعل، والثاني مبنياً للمفعول، أي: لا تظلمون الغريم بطلب زيادة على رأس المال، ولا تظلمون أنتم بنقصان رأس المال، وقيل: بالمطل. وقرأ أبان، والمفضل، عن عاصم الأول مبنياً للمفعول، والثاني مبنياً للفاعل ورجح أبو علي قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله: وإن تبتم، في إسناد الفعلين إلى الفاعل، فتظلمون بفتح التاء أشكل بما قبله.
والجملة يظهر أنها مستأنفة وإخبار منه تعالى أنهم إذا اقتصروا على رؤوس الأموال كان ذلك نصفة، وقيل: الجملة حال من المجرور في: لكم، والعامل في الحال ما في حرف الجر من شوب الفعل، قاله الأخفش.
{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} وقرأ الجمهور: ذو عسرة، على أن: كان، تامة، وهو قول سيبويه، وأبي علي، وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة، وأجاز بعض الكوفيين أن تكون: كان، ناقصة هنا. وقدّر الخبر: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة فحذف المجرور الذي هو الخبر، وقدر أيضاً: وإن كان ذو عسرة لكم عليه حق، وحذف خبر كان لا يجوز عند اضحابنا، لا اقتصاراً ولا اختصاراً لعلة ذكروها في النحو. (2/71)
{وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} وقرأ يعقوب، وأبو عمرو: ترجعون، مبنياً للفاعل، وخبر عباس عن أبي عمرو، وقرأ باقي السبعة مبنياً للمفعول وقرأ الحسن: يرجعون، على معنى يرجع جميع الناس، وهو من باب الالتفات.
{يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاٍّخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْئَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَوتِ وَمَا فِى الأٌّرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن (2/72)
يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ }. (2/73)
وقرىء شاذاً بإسكان هاء: هو، وإن كان قد سبقها ما ينفصل، إجراء للمنفصل مجرى المتصل بالواو والفاء واللام، نحو: وهو، فهو، لهو. وهذا أشذ من قراءة من قرأ: ثم هو يوم القيامة، لأن ثم شاركت في كونه للعطف، وأنها لا يوقف عليها فيتم المعنى.
{فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}. الضمير في وليه عائد على أحد هؤلاء الثلاثة، وهو الذي عليه الحق، وتقدّم تفسير ابن عطية للولي. وقال الزمخشري: الذي يلي أمره من وصي إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يملّ عنه. وهو يصدّقه. وذهب الطبري إلى أن الضمير في وليه يعود على الحق، فيكون الولي هو الذي له الحقّ. وروي ذلك عن ابن عباس والربيع.
و: بالعدل، متعلق بقوله: فليملل، ويحتمل أن تكون الباء للحال.
{فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} الضمير عائد على الشهيدين أي: فإن لم يكن الشهيدان رجلين.
وهذا لا يتم إلاَّ على اعتقاد أن الضمير في: يكونا، عائد على: شهيدين، بوصف الرجولية، وتكون: كان، تامّة، ويكون: رجلين، منصوباً على الحال المؤكد، كقوله: {فإن كانتا اثنتين}(النساء: 176) على أحسن الوجهين. (2/74)
{فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} ارتفاع رجل على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: فالشاهد، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: فرجل وامرأتان يشهدون، أو: فاعل، أي فليشهد رجل، أو: مفعول لم يسم فاعله، أي فليستشهد، وقيل: المحذوف فليكن، وجوّز أن تكون تامّة، فيكون رجل فاعلاً، وأن تكون ناقصة، ويكون خبرها محذوفاً وقد ذكرنا أن أصحابنا لا يجيزون حذف خبر كان لا اقتصاراً ولا اختصاراً. وقرىء شاذاً: وامرأتان، بهمزة ساكنة، وهو على غير قياس، ويمكن أن سكنها تخفيفاً لكثرة توالي الحركات وجاء نظير تخفيف هذه الهمزة في قول الشاعر:
يقولون جهلاً ليس للشيخ عيّل
لعمري لقد أعيَلتُ وأن رقوبُ {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ} قيل: هذا في موضع الصفة لقوله: {فرجل وامرأتان} وقيل: هو بدل من قوله: رجالكم، على تكرير العامل، وهما ضعيفان، لأن الوصف يشعر باختصاصه بالموصوف، فيكون قد انتفى هذا الوصف عن شهيدين، ولأن البدل يؤذن بالاختصاص بالشهيدين الرجلين، فعري عنه: رجل وامرأتان، والذي يظهر أنه متعلق بقوله: واستشهدوا.
{أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاٍّخْرَى} قرأ الأعمش، وحمزة: إن تضل بكسر الهمزة، جعلها حرف شرط، فتذكر، بالتشديد ورفع الراء وجعله جواب الشرط.
والجملة الشرطية من قوله {أن تضل إحداهما فتذكر} على قراءة الأعمش وحمزة قال ابن عطية: في موضع رفع بكونه صفة للمذكر، وهما المرأتان. انتهى. كان قد قدم أن قوله {ممن ترضون من الشهداء} في موضع الصفة لقوله {فرجل وامرأتان} فصار نظير: جاءني رجل وامرأتان عقلاء حبليان، وفي جواز مثل هذا التركيب نظر، بل الذي تقتضيه الأقيسة تقديم حبليان على عقلاء، وأما على قول من أعرب: ممن ترضون، بدلاً من: رجالكم، وعلى ما اخترناه من تعلقه بقوله: واستشهدوا، فلا يجوز أن تكون جملة الشرط صفة لقوله: وامرأتان، للفصل بين الموصوف والصفة بأجنبي، وأما: أن تضل، بفتح الهمزة، فهو في موضع المفعول من أجله، أي لأن تضل على تنزيل السبب، وهو الإضلال منزلة المسبب عنه، وهو الإذكار، كما ينزل المسبب منزلة السبب لالتباسهما واتصالهما، فهو كلام محمول على المعنى، أي: لأن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، ونظيره: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يطرق العدو فأدفعه، ليس إعداد الخشبة لأجل الميل إنما إعدادها لإدعام الحائط إذا مال، ولا يجوز أن يكون التقدير: مخالفة أن تضل، لأجل عطف فتذكر عليه. (2/75)
ولما أبهم الفاعل في: أن تضل، بقوله: إحداهما، أبهم الفاعل في: فتذكر، بقوله: إحداهما، إذ كل من المرأتين يجوز عليها الضلال، والإذكار، فلم يرد: بإحداهما، معيَّنة. والمعنى: إن ضلت هذه أذكرتها هذه، وإن ضلت هذه أذكرتها هذه، فدخل الكلام معنى العموم، وكأنه قيل: من ضل منهما أذكرتها الأخرى، ولو لم يذكر بعد: فتذكر، الفاعل مظهراً للزم أن يكون أضمر المفعول ليكون عائداً على إحداهما الفاعل بتضل، ويتعين أن يكون: الأخرى، هو الفاعل، فكان يكون التركيب: فتذكرها الأخرى. وأما على التركيب القرآني فالمتبادر إلى الذهن أن: إحداهما، فاعل تذكر، والأخرى هو المفعول، ويراد به الضالة، لأن كلاًّ من الإسمين مقصور، فالسابق هو الفاعل، ويجوز أن يكون: إحداهما، مفعولاً، والفاعل هو الأخرى لزوال اللبس، إذ معلوم أن المذكرة ليست الناسية، فجاز أن يتقدّم المفعول ويتأخر الفاعل، فيكون نحو: كسر العصا موسى، وعلى هذا الوجه يكون قد وضع الظاهر موضع المضمر المفعول، فيتعين إذ ذاك أن يكون الفاعل هو: الأخرى، ومن قرأ: أن، بفتح الهمزة و: فتذكر، بالرفع على الاستئناف، قيل: وقال: إن تضل إحداهما، المعنى: أن النسيان غالب على طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة، واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان عن المرأة الواحدة، فأقيمت المرأتان مقام الرجل، حتى إن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى، وفيه دلالة على تفضيل الرجل على المرأة. (2/76)
و: تذكر، يتعدّى لمفعولين، والثاني محذوف، أي: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة.
{وَلاَ تَسْئَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} وانتصاب: صغيراً أو كبيراً، على الحال من الهاء في: أن تكتبوه، وأجاز السجاوندي نصب: صغيراً، على أن يكون خبراً لكان مضمرة، أي: كان صغيراً، وليس موضع إضمار كان، ويتعلق: إلى أجله، بمحذوف لا تكتبوه لعدم استمرار الكتابة إلى أجل الدين، إذ ينقضي في زمن يسير، فليس نظير: سرت إلى الكوفة، والتقدير: أن تكتبوه مستقراً في الذمة إلى أجل حلوله. (2/77)
لم ينص سيبويه على أن أفعل التفضيل بني من أفعل، إنما يؤخذ ذلك بالاستدلال، لأنه نص في أول كتابه على أن بناء أفعل للتعجب يكون من: فعل وفعل وفعل وأفعل، فظاهر هذا أن أفعل الذي للتعجب يبنى من أفعل، ونص النحويون على أن ما يبنى منه أفعل للتعجب يبنى منه أفعل التفضيل، فما انقاس في التعجب: انقاس في التفضيل، وما شذ فيه شذ فيه.
وقد اختلف النحويون في بناء أفعل للتعجب على ثلاثة مذاهب: الجواز، والمنع، والتفضيل. بين أن يكون الهمزة للنقل فلا يبنى منه أفعل للتعجب، أو لا تكون للنقل، فيبنى منه. وزعم أن هذا مذهب سيبويه، وتؤول قوله: وأفعل على أنه أفعل الذي همزته لغير النقل، ومن منع ذلك مطلقاً ضبط قول سيبويه. وأفعل على أنه على صيغة الأمر، ويعني أنه يكون فعل التعجب على أفعل، وبناؤه من: فعل وفعل وفعل وعلى أفعل وحجج هذه المذاهب مستوفاة في كتب النحو.
{وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ} وعد بعض النحويين في التعجب ما أقومه في الشذوذ، وجعله مبنياً من استقام، ويتعلق: للشهادة، بأقوم، وهو من حيث المعنى مفعول كما تقول: زيد أضرب لعمرو من خالد، ولا يجوز حذف هذه اللام والنصب إلاَّ في الشعر كما قال الشاعر:
وأضرب منا بالسيوف القوانسا
وقد تؤول على إضمار فعل أي: تضرب القوانس ومعنى: أقوم للشهادة، أثبت وأصح.
{وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} أي أقرب لانتفاء الريبة. وقرأ السلمي: أن لا يرتابوا بالياء، والمفضل عليه محذوف، وحسن حذفه كونه أفعل الذي للتفضيل وقع خبراً للمبتدأ، وتقديره: الكتب أقسط وأقوم وأدنى لكذا من عدم الكتب، وقدّر: أدنى، لأن: لا ترتابوا، وإلى أن لا ترتابوا، و: من أن لا ترتابوا. ثم حذف حرف الجر فبقي منصوباً أو مجروراً على الخلاف الذي سبق. (2/78)
{إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} وهذا الاستثناء في قوله: إلاَّ أن تكون، منقطع لأن ما بيع لغير أجل مناجزة لم يندرج تحت الديون المؤجلة. وقيل: هو استثناء متصل، وهو راجع إلى قوله {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} إلاَّ أن يكون الأجل قريباً.
وأجاز بعضهم أن تكون ناقصة وخبرها الجملة من قوله: تديرونها بينكم.
{وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} واحتمل هذا الفعل أن يكون مبنياً للفاعل فيكون الكاتب والشهيد قد نهيا أن يضارّا أحداً بأن يزيد الكاتب في الكتابة، أو يحرف. وبأن يكتم الشاهد الشهادة، أو يغيرها أو يمتنع من أدائها.
واحتمل أن يكون مبنياً للمفعول، فنهى أن يضارّهما أحد بأن يعنتا، ويشق عليهما في ترك أشغالهما، ويطلب منهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة قال معناه أيضاً ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، والضحاك، والسدي.
{وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} ظاهره أن مفعول: تفعلوا، المحذوف راجع إلى المصدر المفهوم من قوله: ولا يضار، وإن تفعلوا لمضارة أو الضرار فإنه، أي الضرار، فسوق بكم أي: ملتبس بكم، أو تكون الباء ظرفية، أي: فيكم، وهذا أبلغ، إذ جعلوا محلاً للفسق.
والخطاب في: تفعلوا، عائد على الكاتب والشاهد، إذ كان قوله: ولا يضار، قد قدر مبنياً للفاعل، وأما إذا قدر مبنياً للمفعول فالخطاب للمشهود لهم. وقيل: هو راجع إلى ما وقع النهي عنه.
وهي جملة مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، وقيل: هي في موضع نصب على الحال من الفاعل في: واتقوا، تقديره: واتقوا الله مضموناً لكم التعليم والهداية. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالاً مقدرة. انتهى. وهذا القول، أعني: الحال، ضعيف جداً، لأن المضارع الواقع حالاً، لا يدخل عليه واو الحال إلاَّ فيما شذ من نحو: قمت وأصك عينه. ولا ينبغي أن يحمل القرآن على الشذوذ. (2/79)
{وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَنٌ مَّقْبُوضَةٌ} ويحتمل قوله: ولم تجدوا، أن يكون معطوفاً على فعل الشرط، فتكون الجملة في موضع جزم، ويحتمل أن تكون الواو للحال، فتكون الجملة في موضع نصب. ويحتمل أن يكون معطوفاً على خبر كان، فتكون الجملة في موضع نصب، لأن المعطوف على الخبر خبر، وارتفاع: فرهان، على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فالوثيقة رهان مقبوضة.
{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ} وقرأ أبيّ: فإن أومن، رباعياً مبنياً للمفعول، أي: آمنه الناس.
والضمير في: أمانته، يحتمل أن يعود إلى رب الدين، ويحتمل أن يعود إلى الذي اؤتمن.
{وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} وقراءة الجمهور: آثم، اسم فاعل من: أثم قلبه، و: قلبه، مرفوع به على الفاعلية، و: آثم، خبر: إن، وجوّز الزمخشري أن يكون: آثم، خبراً مقدّماً، و: قلبه، مبتدأ. والجملة في موضع خبر: إن، وهذا الوجه لا يجيزه الكوفيون.
وقال ابن عطية: ويجوز أن يكون يعني: آثم ابتداء وقلبه فاعل يسدّ مسدّ الخبر، والجملة خبر إن. انتهى. وهذا لا يصح على مذهب سيبويه وجمهور البصريين، لأن اسم الفاعل لم يعتمد على أداة نفي ولا أداة استفهام، نحو: أقائم الزيدان؟ وأقائم الزيدون؟ وما قائم الزيدان؟ لكنه يجوز على مذهب أبي الحسن، إذ يجيز: قائم الزيدان؟ فيرفع الزيدان باسم الفاعل دون اعتماد على أداة نفي ولا استفهام. قال ابن عطية: ويجوز أن يكون: قلبه، بدلاً على بدل بعض من كل، يعني: أن يكون بدلاً من الضمير المرفوع المستكن في: آثم، والإعراب الأول هو الوجه. (2/80)
وقرأ قوم: قلبَه، بالنصب، ونسبها ابن عطية إلى ابن أبي عبلة. وقال: قال مكي: هو على التفسير يعنى التمييز، ثم ضعف من أجل أنه معرفة. والكوفيون يجيزون مجيء التمييز معرفة. وقد خرجه بعضهم على أنه منصوب على التشبيه بالمفعول به، نحو قولهم: مررت برجل حسن وجهه، ومثله ما أنشد الكسائي رحمه الله تعالى:
أنعتها إني من نعاتها
مدارة الأخفاف مجمراتها غلب الدفار وعفر يناتها
كوم الذرى وادقة سراتها وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين جائز، وعلى مذهب المبرد ممنوع، وعلى مذهب سيبويه جائز في الشعر لا في الكلام، ويجوز أن ينتصب على البدل من اسم إن بدل بعض من كل، ولا مبالاة بالفصل بين البدل والمبدل منه بالخبر، لأن ذلك جائز. وقد فصلوا بالخبر بين الصفة والموصوف، نحو: زيد منطلق العاقل، نص عليه سيبويه، مع أن العامل في النعت والمنعوت واحد، فأحرى في البدل، لأن الأصح أن العامل فيه هو غير العامل في المبدل منه.
ونقل الزمخشري وغيره: أن ابن أبي عبلة قرأ: أثم قلبه، بفتح الهمزة والثاء والميم وتشديد الثاء، جعله فعلاً ماضياً. وقلبه بفتح الباء نصباً على المفعول بأثم، أي: جعله آثماً.
{وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ} والآية خبر، والنسخ لا يدخل الأخبار، وانجزم: يحاسبكم، على أنه جواب الشرط. (2/81)
{فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} وقرأ ابن عامر، وعاصم، ويزيد، ويعقوب، وسهل: فيغفر لمن يشاء ويعذب، بالرفع فيهما على القطع، ويجوز على وجهين: أحدهما: أن يجعل الفعل خبر مبتدأ محذوف. والآخر: أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدّم. وقرأ باقي السبعة بالجزم عطفاً على الجواب. وقرأ ابن عباس، والأعرج، وأبو حيوة بالنصب فيهما على إضمار: أن، فينسبك منها مع ما بعدها مصدر مرفوع معطوف على مصدر متوهم من الحساب، تقديره: يكن محاسبة فمغفرة وتعذيب، وهذه الأوجه قد جاءت في قول الشاعر:
فان يهلك أبو قابوس يهلك
ربيع الناس والشهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش
أجب الظهر ليس له سناميروى بجزم: ونأخذ، ورفعه ونصبه.
وقال الزمخشري: ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأن التفصيل أوضح من المفصل، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل، أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه. وأحب زيداً عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. انتهى كلامه. وفيه بعض مناقشة.
أولاً: فلقوله: ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، وليس الغفران والعذاب تفصيلاً لجملة الحساب، لأن الحساب إنما هو تعداد حسناته وسيئاته وحصرها، بحيث لا يشذ شيء منها، والغفران والعذاب مترتبان على المحاسبة، فليست المحاسبة تفصل الغفران والعذاب.
وأما الثانية: فلقوله بعد أن ذكر بدل البعض والكل، وبدل الاشتمال: هذا البدل وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان. أما بدل الاشتمال فهو يمكن، وقد جاء لأن الفعل بما هو يدل على الجنس يكون تحته أنواع يشتمل عليها، ولذلك إذا وقع عليه النفي انتفت جميع أنواع ذلك الجنس، وأما بدل البعض من الكل فلا يمكن في الفعل، إذ الفعل لا يقبل التجزيء، فلا يقال في الفعل: له كل وبعض إلاَّ بمجاز بعيد، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يستحيل وجود بدل البعض من الكل بالنسبة لله تعالى، إذ الباري تعالى واحد فلا ينقسم ولا يتبعض. (2/82)
قال الزمخشري، وقد ذكر قراءة الجزم: فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟.
قلت: يظهر الراء ويدغم الباء، ومدغم الراء في اللام لاحن مخطىء خطأً فاحشاً، وراويه عن أبي عمرو مخطىء مرتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم، والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو. انتهى كلامه. وذلك على عادته في الطعن على القراء.
{ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} والظاهر أن يكون قوله: والمؤمنون، معطوفاً على قوله: الرسول، ويؤيده قراءة علي، وعبد الله: وآمن المؤمنون، فأظهر الفعل الذي أضمره غيره من القراء، فعلى هذا يكون: كل، لشمول الرسول والمؤمنين، وجوزوا أن يكون الوقف تم عند قوله: من ربه، ويكون: المؤمنون، مبتدأ، و: كل، مبتدأ ثان لشمول المؤمنين خاصة. و: آمن بالله، جملة في موضع خبر: كل، والجملة، من: كل وخبره، في موضع خبر المؤمنين، والرابط لهذه الجملة بالمبتدأ الأوّل محذوف، وهو ضمير مجرور تقديره: كل منهم آمن، كقولهم: السمن منوان بدرهم، يريدون: منه بدرهم.
{غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} وانتصاب: غفرانك، على المصدر، وهو من المصادر التي يعمل فيها الفعل مضمراً، التقدير عند سيبويه: إغفر لنا غفرانك، قال السجاوندي: ونسبه ابن عطية للزجاج، وقال الزمخشري: غفرانك منصوب بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك. فعلى التقدير الأول: الجملة طلبية، وعلى الثاني: خبرية. (2/83)
واضطرب قول ابن عصفور فيه، فمرة قال: هو منصوب بفعل يجوز إظهاره، ومرة قال: هو منصوب يلتزم إضماره. وعدّه مع: سبحان الله، وأخواتها. وأجاز بعضهم انتصابه على المفعول به، أي: نطلب، أو: نسأل غفرانك. وجوّز بعضهم الرفع فيه على أن يكون مبتدأ، أي: غفرانك بغيتنا.
{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ظاهره أنه استئناف.
وانتصابه على أنه مفعول ثان ليكلف. وقال ابن عطية: يكلف، يتعدّى إلى مفعولين. أحدهما محذوف تقديره: عبادة أو شيئاً. انتهى. فإن عنى أن أصله كذا، فهو صحيح، لأن قوله: إلاَّ وسعها، استثناء مفرغ من المفعول الثاني، وإن عنى أنه محذوف في الصناعة، فليس كذلك. بل الثاني هو وسعها، نحو: ما أعطيت زيداً إلاَّ درهماً، ونحو: ما ضربت إلاَّ زيداً. هذا في الصناعة هو المفعول، وإن كان أصله: ما أعطيت زيداً شيئاً إلاَّ درهماً. و: ما ضربت أحداً إلاَّ زيداً.
وقرأ ابن أبي عبلة: {إلاَّ وسعها} جعله فعلاً ماضياً. وأولوه على إضمار: ما، الموصولة، وعلى هذا يكون الموصول المفعول الثاني ليكلف، كما أن وسعها في قراءة الجمهور هو المفعول الثاني، وفيه ضعف من حيث حذف الموصول دون أن يدل عليه موصول آخر يقابله، كقول حسان:
فمن يهجو رسول الله منكم
ويمدحه وينصره سواء
أي: ومن ينصره، فحذف: من، لدلالة: من، المتقدّمة. وينبغي أن لا يقاس حذف الموصول، لأنه وصلته كالجزء الواحد، ويجوز أن يكون مفعول: يكلف، الثاني محذوفاً، لفهم المعنى، ويكون: وسعها، جملة في موضع الحال، التقدير: لا يكلف الله نفساً شيئاً إلاَّ وسعها، أي: وقد وسعها، وهذا التقدير أولى من حذف الموصول. (2/84)
سورة آل عمران (3/1)
{الم * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأيَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِي الأٌّرْضِ وَلاَ فِى السَّمَآءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأٌّرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ آيَتٌ مُّحْكَمَتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَبِ * رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلاَ أَوْلدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِأَيَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }.
{وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً} ويكون: وهب، بمعنى جعل، ويتعدى إذ ذاك إلى مفعولين، تقول العرب: وهبني الله فداك، أي: جعلني الله فداك. وهي في هذا الوجه لا تتصرف، فلا تستعمل منها بهذا المعنى إلاَّ الفعل الماضي خاصة. (3/2)
لدن: ظرف، وقل أن تفارقها: من، قاله ابن جني، ومعناها: ابتداء الغاية في زمان أو مكان، أو غيره من الذوات غير المكانية، وهي مبنية عند أكثر العرب، وإعرابها لغة قيسية، وذلك إذا كانت مفتوحة اللام مضمومة الدال بعدها النون، فمن بناها قيل: فلشبها بالحروف في لزوم استعمال واحد، وامتناع الإخبار بها، بخلاف: عند، ولدي. فإنهما يكونان لابتداء الغاية، وغير ذلك، ويستعملان فضلة وعمدة، فالفضلة كثير، ومن العمدة {وعنده مفاتح الغيب} {ولدينا كتاب ينطق بالحق}.
وأوضح بعضهم علة البناء فقال: علة البناء كونها تدل على الملاصقة للشيء وتختص بها. بخلاف: عند، فإنها لا تختص بالملاصقة، فصار فيها معنى لا يدل عليه الظرف، بل هو من قبيل ما يدل عليه الحرف، فهي كأنها متضمنة للحرف الذي كان ينبغي أن يوضع دليلاً على القرب. ومثله: ثم، و: هنا. لأنهما بُنيا لما تضمنا معنى الحرف الذي كان ينبغي أن يوضع ليدل على الإشارة.
ومن أعربها، وهم قيس، فتشبيهاً: بعند، لكون موضعها صالحاً لعند، وفيها تسع لغات غير الأولى: لَدُن، ولُدْنُ، ولَدْنٌ، ولَدِنٌ، ولَدُنِ، ولَدٌ ولُدْ، ولَدٌ ولَتْ. بإبدال الدال تاء، وتضاف إلى المفرد لفظاً كثيراً، وإلى الجملة قليلاً.
فمن إضافتها إلى الجملة الفعلية قول الشاعر:
صريع غوانٍ راقهن ورُقنَهُ
لدن شب حتى شاب سود الذوائبِ
قوال الآخر:
لزمنا لدن سالتمونا وفاقكم
فلا يك منكم للخلاف جنوحُ ومن إضافتها إلى الجملة الإسمية قول الشاعر:
تذكر نعماه لده أنت يافع
إلى أنت ذو فودثين أبيض كالنسر وجاء إضافتها إلى: أن والفعل، قال:
وليت فلم يقطع لدن أن وليتنا
قرابة ذي قربى ولا حق مسلم وأحكام لدن كثيرة ذكرت في علم النحو. (3/3)
{الم * اللَّهُ} وقال الأخفش: يجوز: ألم الله، بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله.
واختلفوا في فتحة الميم: فذهب سيبويه إلى أنها حركت لالتقاء الساكنين، كما حركوا: من الله، وهمزة الوصل ساقطة للدرج كما سقطت في نحو: من الرجل، وكان الفتح أولى من الكسر لأجل الياء، كما قالوا: أين؟ كيف؟ ولزيادة السكرة قبل الياء، فزال الثقل. وذهب الفارء إلى أنها حركة نقل من همزة الوصل، لأن حروف الهجاء ينوي بها الوقف، فينوي بما بعدها الاستئناف. فكأن الهمزة في حكم الثبات كما في أنصاف الأبيات نحو:
لتسمعن وشياً في دياركم
الله أكبر: يا طارات عثماناً وضعف هذا المذهب بإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل. وما يسقط يتلقى حركته، قاله أبو علي. وقد اختار مذهب الفراء في أن الفتحة في الميم هي حركة الهمزة حين أسقطت للتخفيف الزمخشري، وأورد أسئلة وأاب عنها.
فقال: فإن قلت: كيف جامز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام، فلا تثبت حركتها لأن ثبات حركتها كثباتها؟
قلت: ليس هذا بدرج، لأن ميم في حكم الوقف والسكون، والهمزة في حكم الثابت. وإنما حذفت تخفيفاً، وألقيت حركتها على الساكن قبلها الندل عليها، ونظيره قولهم: واحد إثنان، بالقاء حركة الهمزة على الدال. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وليس جوابه بشيء، لأنه ادّعى أن الميم حين حركت موقوفة عليها. وأن ذلك ليس بدرج، بل هو وقف، وهذا خلاف لما أجمعت العرب والنحاة عليه من أنه لا يوقف على متحرك ألبتة، سواء كانت حركته إعرابية، أو بنائية، أو نقلية، أو لإلتقاء الساكنين، أو للحكاية، أو للإتباع. فلا يجوز في: قد أفلح، إذا حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى دال: قد، أن تقف على دال: قد، بالفتحة، بل تسكنها قولاً واحداً.
وأما قوله: ونظير ذلك قولهم: واحد اثنان بالقاء حركة الهمزة على الدال، فإن سيبوية ذكر أنهم يشمون آخر واحد لتمكنه، ولم يحك الكسر لغة. فإن صح الكسر فليس واحد موقوفاً عليه، كما زعم الزمخشري، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل، ولكنه موصول بقولهم: إثنان، فالتقى ساكنان، دال، واحد، و: ثاء، إثنين، فكسرت الدال لإلتقائهما، وحذفت الهمزة لأنها لا تثبت في الوصل. وأما ما استدل به للفراء من قولهم: ثلاثة أربعة، بإلقائهم الهمزة على بالهاء، فلا دلالة فيه، لأن همزة أربعة همزة قطع في حال الوصل بما قبلها وابتدائها، وليس كذلك همزة الوصل نحو: من الله، وأيضاً، فقولهم: ثلاثة أربعة بالنقل ليس فيه وقف على ثلاثة، إذ لو وقف عليها لم تكن تقبل الحركة، ولكن أقرت في الوصل هاء اعتباراً بما آلت إليه في حال مّا، لا أنها موقوف عليها. (3/4)
ثم أورد الزمخشري سؤالاً ثانياً. فقال:
فإن قلت: هلا زعمت أنها حركت لإلتقاء الساكنين؟.
قلت: لأن إلتقاء الساكنين لا نبالي به في باب الوقف، وذلك كقولك: هذا ابراهيم، وداود، وإسحاق. ولو كان لإلتقاء الساكنين في حال الوقف موجب التحريك لحرك الميمان في ألف لام ميم لإلتقاء الساكنين، ولما انتظر ساكن آخر. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وهو سؤال صحيح، وجواب صحيح، لكن الذي قال: إن الحركة هي لإلتقاء الساكنين لا يتوهم أنه أراد التقاء الياء والميم من ألف لام ميم في الوقف، وهنما عنى إلتقاء الساكنين اللذين هما: ميم ميم الأخيرة. و: لام التعريف، كالتقاء نون: من، ولام: الرجل، إذا قلت: من الرجل.
ثم أورد الزمشخري سؤالاً ثالثاً، فقال:
فإن قلت: إنما لم يحركوا لألتقاء الساكنين في ميم، لأنهم أرادوا الوقف، وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء بساكن ثالث لم يمكن إلاَّ التحريك فحركوا؟
قلت: الدليل على أن الحركة ليست الملاقاة الساكن أنهم كان يمكنهم أن يقولوا: واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فجمعوا بين ساكنين، كما قالوا: أصيم ومديق، فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقائ الساكنين. إنتهى هذا السؤال وجوابه. وفي سؤاله تعمية في قوله: فإن قلت: إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين؟ ويعني بالساكنين: الياء والميم في سيم، وحيئذ يجيء التعليل بقوله: لأنهم أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، يعني الياء والميم، ثم قال: فإن جاء بساكن ثالث، يعني لام التعريف، لم يمكن إلاَّ التحريك، يعني في الميم، فحركوا يعني: الميم لالتقائها ساكنة مع لام التعريف، إذ لو لم يحركوا لآجتمع ثلاث سواكن، وهو لا يمكن. هذا شرح السؤال. (3/5)
وأما جواب الزمخشري عن سؤاله، فلا يطابق، لأنه استدل على أن الحركة ليست لملاقاة ساكن بامكانية الجمع بين ساكنين في قولهم: واحد اثنان، بأن يسكنوا الدال، والثاء ساكنة، وتسقط الهمزة. فعدلوا عن هذا الإمكان إلى نقل حركة الهمزة إلى الدال، وهذه مكابرة في المحسوس، لا يمكن ذلك أصلاً، ولا هو في قدرة البشر أن يجمعوا في النطق بين سكون الدال وسكون الثاء، وطرح الهمزة.
وأما قوله: فجمعوا بين ساكنين، فلا يمكن الجمع كما قلناه، وأما قوله: كما قالوا: أصيم ومديق، فهذا ممكن كما هو في: راد وضال، لأن في ذلك التقاء الساكنين على حدّهما المشروط في النحو، فأمكن النطق به، وليس مثل: واحد اثنان. لأن الساكن الأول ليس حرف علة، ولا الثاء في مدغم، فلا يمكن الجمع بينهما.
وأما قوله: فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة الهمزة الساقطة لا غير، وليست لالتقاء الساكنين، لما بني على أن الجمع بين الساكنين في واحد اثنان ممكن، وحركة التقاء الساكنين إنما هي لا يمكن أن يجتمعا فيه في اللفظ، ادّعى أن حركة الدال هي حركة الهمزة الساقطة لالتقاء الساكنين، وقد ذكرنا عدم إمكان ذلك، فإن صح كسر الدال، كما نقل هذا الرجل، فتكون حركتها لالتقاء الساكنين لا لنقل، وقد ردّ قول الفراء، واختيار الزمخشري إياه بأن قيل: لا يجوز أن تكون حركة الميم حركة الهمزة ألقيت عليها، لما في ذلك من الفساد والتدافع، وذلك أن سكون آخر ميم إنما هو على نية الوقف عليها، والقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل، ونية الوصل توجب حذف الهمزة، ونية الوقف على ما قبلها توجب ثباتها وقطعها، وهذا متناقض. إنتهى. وهو ردّ صحيح. (3/6)
والذي تحرر في هذه الكلمات: أن العرب متى سردت أسماء مسكنة الآخر وصلاً ووقفاً، فلوا التقى آخر مسكن منها، بساكن آخر، حرك لالتقاء الساكنين. فهذه الحركة التي في ميم: ألم الله، هي حركة التقاء الساكنين.
{الم * اللَّهُ} قال ابن كيسان: موضع: ألم، نصب، والتقدير: قرأوا ألم، و: عليكم ألم. ويجوز أن يكون في موضع رفع بمعنى: هذا ألم، و: ذلك ألم.
وتقدم من قول الجرجاني أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف، أي: هذه الحروف كتابك.
وقرأ عمر بن الخطابد وعبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس: القيام. وقال خارجه في مصحف عبد الله: القيم، وروي هذا أيضاً عن علقمة.
{الله} رفع على الإبتداء، وخبره: {لا إله إلا هو} و {نزل عليك الكتاب} خبر بعد خبر، ويحتمل أن يكون: نزل، هو الخبر، و: لا إله إلا هو، جملة اعترض.
وتقدم في آية الكرسي استقصاء إعراب: {لا إله إلا هو الحي القيوم} فأغنى عن إعادته هنا.
{نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً} والباء: تحتمل السببية أي: بسبب إثبات الحق، وتحتمل الحال، أي: محقاً نحو: خرج زيد بسلاحه، أي متسلحاً. (3/7)
وانتصاب: مصدقاً، على الحال من الكتاب، وهي حال مؤكدة، وهي لازمة، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه، فهو كما قال:
أنا ابن دارة معروفاً به نسبي
وهل بدارة يا للناس من عار؟ وقيل: انتصاب: مصدقاً، على أنه بدل من موضع: بالحق، وقيل: حال من الضمير المجرور. و: لما، متعلق بمصدقاً، واللام لتقوية التعدية، إذ: مصدقاً، يتعدى بنفسه، لأن فعله يتعدى بنفسه.
وقرأ الحسن: والأنجيل، بفتح الهمزة، وهذا يدل على أنه أعجمي، لأن أفعيلاً ليس من أبنية كلام العرب، بخلاف إفعيل، فإنه موجود في أبنيتهم: كإخريط، وإصليت.
وتعلق: من قبل، بقوله: وأنزل، والمضاف إليه المحذوف هو الكتاب المذكور، أي: من قبل الكتاب المنزل عليك وقيل: التقدير من قبلك، فيكون المحذوف ضمير الرسول. وغاير بين نزل وأنزل، وإن كانا بمعنى واحد، إذ التضعيف للتعدية، كما أن الهمزة للتعدية.
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأٌّرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ} و: كيف، هنا للجزاء، لكنها لا تجزم. ومفعول: يشاء، محذوف لفهم المعنى، التقدير: كيف يشاء أن يصوركم. كقوله {ينفق كيف يشاء} أي: كيف يشاء أن ينفق، و: كيف، منصوب: بيشاء، والمعنى: على أي حال شاء أن يصوركم صوركم، ونصبه على الحال، وحذف فعل الجزاء لدلالة ما قبله عليه، نحو قولهم: أنت ظالم إن فعلت، التقدير: أنت ظالم إن فعلت فأنت ظالم، ولا موضع لهذه الجملة من الإعراب، وإن كانت متعلقة بما قبلها في المعنى، فتعلقها كتعلق إن فعلت، كقوله: أنت ظالم.
وتفكيك هذا الكلام وإعرابه على ما ذكرناه، لا يهتدي له إلاَّ بعد تمرّن في الإعراب، واستحضار للطائف النحو.
وقال بعضهم {كيف يشاء} في موضع الحال، معمول: يصوركم؛ ومعنى الحال أي: يصوركم في الأرحام قادراً على تصوريكم مالكاً ذلك وقيل: التقدير في هذه الحال: يصوركم على مشيئته، أي مريداً، فيكون حالاً من ضمير اسم الله، ذكره أبو البقاء، وجوّز أن يكون حالاً من المفعول، أي: يصوركم منقلبين على مشيئته. (3/8)
وقال الحوفي: يجوز أن تكون الجملة في موضع المصدر، المعنى: يصوركم في الأرحام تصوير المشيئة، وكما يشاء.
{هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ آيَتٌ مُّحْكَمَتٌ} وقوله: {منه آيات محكمات} إلى آخره، في موضع الحال، أي: تركه على هذين الوجهين محكماً ومتشابهاً، وارتفع: آيات، على الفاعلية بالمجرور لأنه قد اعتمد، ويجوز ارتفاعه على الإبتداء، والجملة حالية. ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة، ووصف الآيات بالأحكام صادق على أن كل آية محكمة، وأما قوله: {وأخر متشابهان} فأُخر صفة لآيات محذوفة، والوصف بالتشابه لا يصح في مفرد آخر.