صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إعراب القرآن لابن سيده

{إلاَّ الذين أوتوه}، استثناء مفرغ، وهو فاعل اختلف، و: {من بعد ما جاءتهم}، متعلق باختلف، وبغياً منصوب باختلف، هذا قول بعضهم، قال: ولا يمنع إلاَّ من ذلك، كما تقول: ما قام زيد إلاَّ يوم الجمعة. انتهى كلامه. وهذا فيه نظر، وذلك أن المعنى على الاستثناء، والمفرغ في الفاعل، وفي المجرور، وفي المفعول من أجله، إذ المعنى: وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه إلاَّ من بعد ما جاءتهم البينات إلاَّ بغياً بينهم. فكل واحد من الثلاثة محصور.
وإذا كان كذلك فقد صارت أداة الاستفهام مستثنى بها، شيئان دون الأول من غير عطف، وهو لا يجوز، وإنما جاز مع العطف لأن حرف العطف ينوي بعدها إلاَّ، فصارت كالملفوظ بها، فإن جاء ما يوهم ذلك جعل على إضمار عامل، ولذلك تأولوا قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر}(النحل: 43 44) على إضمار فعل التقدير: أرسلناهم بالبينات والزبر، ولم يجعلوا بالبينات متعلقاً بقوله: وما أرسلنا، لئلا يكون: إلاَّ، قد استثنى بها شيئان: أحدهما رجالاً، والآخر: بالبينات، من غير عطف.

وقد منع أبو الحسن وأبو علي: ما أخذ أحد إلاَّ زيد درهماً، وما: ضرب القوم إلاَّ بعضهم بعضاً. واختلفا في تصحيحها، فصححها أبو الحسن بأن يقدّم على المرفوع الذي بعدها، فيقول: ما أخذ أحد زيد إلاَّ درهماً، فيكون: زيد، بدلاً من أحد، ويكون: إلاَّ، قد استثني بها شيء واحد، وهو الدرهم. ويكون إلاَّ درهماً إستثناء مفرغاً من المفعول الذي حذف، ويصير المعنى: ما أخذ زيد شيئاً إلاَّ درهماً. وتصحيحها عند أبي علي بأن يزيد فيها منصوباً قبل إلاَّ فيقول: ما أخذ أحد شيئاً إلاَّ زيد درهماً. و: ما ضرب القوم أحداً إلاَّ بعضهم بعضاً، فيكون المرفوع بدلاً من المرفوع، والمنصوب بدلاً من المنصوب، هكذا خرجه بعضهم.

(1/447)


قال ابن السراح: أعطيت الناس درهماً إلاَّ عمراً جائز، ولا يجوز أعطيت الناس درهماً إلاَّ عمر الدنانير، لأن الحرف لا يستثنى به إلاَّ واحد، فإن قلت: ما أعطيت الناس درهماً إلاَّ عمراً دانقاً، على الاستثناء، لم يجز، أو على البدل جاز، فتبدل عمراً من الناس، ودانقاً من درهم، كأنك قلت: ما أعطيت إلاَّ عمراً دانقاً. ويعني: أن يكون المعنى على الحصر في المفعولين.
قال بعض أصحابنا: ما قاله ابن السراح فيه ضعف، لأن البدل في الاستثناء لا بد من اقترانه بإلاَّ، فأشبه المعطوف بحرف، فكما لا يقع بعده معطوفان لا يقع بعد إلاَّ بدلان. انتهى كلامه.
وأجاز قوم أن يقع بعد إلاَّ مستثنيان دون عطف، والصحيح أنه لا يجوز، لأن إلاَّ هي من حيث المعنى معدية، ولولا إلاَّ لما جاز للاسم بعدها أن يتعلق بما قبلها، فهي: كواو مع وكالهمزة: التي جعلت للتعدية في بنية الفعل، فكما أنه لا تعدّى: واو مع ولا الهمزة لغير مطلوبها الأول إلاَّ بحرف عطف، فكذلك إلاَّ، وعلى هذا الذي مهدناه يتعلق: من بعد ما جاءهم البينات، وينتصب: بغياً، بعامل مضمر يدل عليه ما قبله، وتقديره: اختلفوا فيه من بعد ما جاءهم البينات بغياً بينهم.
{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} الذين آمنوا: هم من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلّم والضمير: فيما اختلفوا، عائد على الذين أوتوه، أي لما اختلف فيه من اختلف، ومن الحق تبيين المختلف فيه، و: من، تتعلق بمحذوف لأنها في موضع الحال من: ما، فتكون للتبعيض، ويجوز أن تكون لبيان الجنس على قول من يرى ذلك، التقدير: لما اختلفوا فيه الذي هو الحق. والأحسن أن يحمل المختلف فيه هنا على الدين والإسلام، ويدل عليه قراءة عبد الله: لما اختلفوا فيه من الإسلام.

(1/448)


{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} و: أم، هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة فتتضمن إضراباً، وهو انتقال من كلام إلى كلام، ويدل على استفهام لكنه استفهام تقرير، وهي التي عبر عنها أبو محمد بن عطية: بأن أم قد تجيء ابتداء كلام، وإن لم يكن تقسيم ولا معادلة، ألف استفهام.
فقوله: قد تجيء ابتداء كلام ليس كما ذكر، لأنها تتقدّر، ببل والهمزة، فكما أن: بل، لا بد أن يتقدّمها كلام حتى يصير في حيز عطف الجمل، فكذلك ما تضمن معناه.
وزعم بعض اللغويين أنها تأتي بمنزلة همزة الاستفهام، ويبتدأ بها، فهذا يقتضي أن يكون التقدير: أحسبتم؟ وقال الزجاج: بمعنى بل، قال:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى
وصورتها، أم أنت في العين أملح؟ ورام بعض المفسرين أن يجعلها متصلة، ويجعل قبلها جملة مقدرة تصير بتقديرها أم متصلة، فتقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم؟ أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟
فتلخص في أم هنا أربعة أقوال: الانقطاع على أنها بمعنى بل والهمزة، والاتصال: على إضمار جملة قبلها، والاستفهام بمعنى الهمزة، والإضراب بمعنى بل؛ والصحيح هو القول الأوّل.
ومفعولا: حسبتم، سدّت أن مسدّهما على مذهب سيبويه، وأما أبو الحسن فسدت عنده مسد المفعول الأوّل، والمفعول الثاني محذوف، وقد تقدم هذا المعنى في قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم}(البقرة: 46).
{ ِوَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} الجملة حال، التقدير: غير آتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم.
و: لما، أبلغ في النفي من: لم، لأنها تدل على نفي الفعل متصلاً بزمان الحال، فهي لنفي التوقع.

(1/449)


والمثل: الشبه، إلاَّ أنه مستعار لحال غريبة، أو قضية عجيبة لها شأن، وهو على حذف مضاف، التقدير: مثل محنة الذين خلوا من قبلكم وعلى حذف موصوف تقديره: المؤمنين.
والذين خلوا من قبلكم، متعلق بخلوا، وهو كأنه توكيد، لأن الذين خلوا يقتضي التقدم.
{مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ} هذه الجملة تفسير للمثل وتبيين له، فليس لها موضع من الإعراب، وكأن قائلاً قال: ما ذلك المثل؟ فقيل: مستهم البأساء والضراء.
والمسّ هنا معناه: الإصابة، وهو حقيقة في المسّ باليد، فهو هنا مجاز.

وأجاز أبو البقاء أن تكون الجملة من قولهم: مستهم، في موضع الحال على إضمار قد، وفيه بعد، وتكون الحال إذ ذاك من ضمير الفاعل في: خلوا.
{حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ} وقرأ الجمهور: حتى، والفعل بعدها منصوب إما على الغاية، وإما على التعليل، أي: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، أو: وزلزلوا كي يقول الرسول، والمعنى الأول أظهر، لأن المس والزلزال ليسا معلولين لقول الرسول والمؤمنين.
وقرأ نافع برفع، يقول: بعد حتى، وإذا كان المضارع بعد حتى فعل حال فلا يخلو أن يكون حالاً في حين الإخبار، نحو: مرض حتى لا يرجونه، وإما أن يكون حالاً قد مضت، فيحكيها على ما وقعت، فيرفع الفعل على أحد هذين الوجهين، والمراد به هنا المضي، فيكون حالاً محكية، إذ المعنى: وزلزلوا فقال الرسول، وقد تكلمنا على مسائل: حتى، في كتاب «التكميل» وأشبعنا الكلام عليها هناك، وتقدّم الكلام عليها في هذا الكتاب.
{وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ} يحتمل معه أن يكون منصوباً بيقول، ويحتمل أن يكون منصوباً بآمنوا.

(1/450)


{يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} والضمير المرفوع في: يسألونك، للمؤمنين، والكاف لخطاب النبي صلى الله عليه وسلّم و: ماذا، يحتمل هنا النصب والرفع، فالنصب على أن: ماذا، كلها استفهام، كأنه قال: أي شيء ينفقون؟ فماذا منصوب بينفقون، والرفع على أن: ما. وحدها هي الاستفهام، وذا موصولة بمعنى الذي، وينفقون صلة لذا، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي ينفقون به؟ فتكون: ما، مرفوعة بالابتداء، وذا بمعنى الذي خبره، وعلى كلا الإعرابين فيسألونك معلق، فهو عامل في المعنى دون اللفظ، وهو في موضع المفعول الثاني ليسألونك، ونظيره ما تقدم من قوله: {سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة}(البقرة: 211) على ما شرحناه هناك.
و: ماذا، سؤال عن المنفق، لا عن المصرف وكأن في الكلام حذفاً تقديره: ولمن يعطونه؟ ونظير الآية في السؤال والتعليق. قول الشاعر:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول
إلاَّ أن: ماذا، هنا مبتدأ، وخبر، ولا يجوز أن يكون مفعولاً بيحاول، لأن بعده:
أنحبُ فيُقضى، أم ضلال وباطل
ويضعف أن يكون: ماذا كله مبتدأ، و: يحاول، الخبر لضعف حذف العائد المنصوب من خبر المبتدأ دون الصلة، فإن حذفه منها فصيح، وذكر ابن عطية: أن: ماذا، إذا كانت اسماً مركباً فهي في موضع نصب، إلاَّ ما جاء من قول الشاعر:
وماذا عسى الواشون أن يتحدَّثوا

سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق فإن عسى لا تعمل في: ماذا، في موضع رفع، وهو مركب إذ لا صلة لذا. انتهى.
وإنما لم يكن: لذا، في البيت صلة لأن عسى لا تقع صلة للموصول الإسمي، فلا يجوز لذا أن تكون بمعنى الذي، وما ذكره ابن عطية من أنه إذا كانت اسماً مركبة فهي في موضع نصب، إلاَّ، في ذلك البيت لا نعرفه، بل يجوز أن نقول: ماذا محبوب لك؟ و: من ذا قائم؟ على تقدير التركيب، فكأنك قلت: ما محبوب؟ ومن قائم؟ ولا فرق بين هذا وبين من ذا تضربه؟ على تقديره: من تضربه؟ وجعل: من، مبتدأ.

(1/451)


{وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} ما: في الموضعين شرطية منصوبة بالفعل بعدها، ويجوز أن تكون: ما، من قوله: {قل ما أنفقتم} موصولاً، وأنفقتم، صلة، و: للوالدين، خبر، فالجار والمجرور في موضع المفرد، أو في موضع الجملة على الخلاف الذي في الجار والمجرور الواقع خبراً، أو هو معمول لمفرد، أو لجملة.
وإذا كانت: ما، في: ما أنفقتم، شرطية، فهذا الجار والمجرور في موضع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو أو فمصرفه للوالدين.
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} وقرأ الجمهور: كتب، مبنياً للمفعول على النمط الذي تقدّم قبل هذا من لفظ: كتب، وقرأ قوم: كتب مبنياً للفاعل، وينصب القتال، والفاعل ضمير في كتب يعود على اسم الله تعالى.
{وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} والظاهر عود: هو، على القتال، ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من: كتب، أي: وكتبه وفرضه شاق عليكم، والجملة حال، أي: وهو مكروه لكم بالطبيعة، أو مكروه قبل ورود الأمر.
{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. عسى هنا للإشفاق لا للترجي، ومجيئها للإشفاق قليل، وهي هنا تامة لا تحتاج إلى خبر، ولو كانت ناقصة لكانت مثل قوله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا}(محمد: 22) فقوله: أن تكرهوا، في موضع رفع بعسى، وزعم الحوفي في أنه في موضع نصب، ولا يمكن إلاَّ بتكلف بعيد، واندرج في قوله: شيئاً القتال، لأنه مكروه بالطبع لما فيه من التعرض للأسر والقتل، وإفناء الأبدان، وإتلاف الأموال. والخير الذي فيه هو الظفر. والغنيمة بالاستيلاء على النفوس، والأموال أسراً وقتلاً ونهباً وفتحاً، وأعظمها الشهادة وهي الحالة التي تمناها رسول الله مراراً.

(1/452)


والجملة من قوله: وهو خير لكم، حال من قوله: شيئاً، وهو نكرة، والحال من النكرة أقل من الحال من المعرفة، وجوّزوا أن تكون الجملة في موضع الصفة، قالوا: وساغ دخول الواو لما كانت صورة الجملة هنا كصورتها، إذ كانت حالاً. انتهى. وهو ضعيف، لأن الواو في النعوت إنما تكون للعطف في نحو: مررت برجل عالم وكريم، وهنا لم يتقدم ما يعطف عليه، ودعوى زيادة الواو بعيدة، فلا يجوز أن تقع الجملة صفة.

{وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} عسى هنا للترجي، ومجيئها له هو الكثير في لسان العرب، وقالوا: كل عسى في القرآن للتحقيق، يعنون به الوقوع إلاَّ قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً}(التحريم: 5).
{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} وضمير الفاعل في يسألونك، قيل: يعود على المشركين، سألوا تعييباً لهتك حرمة الشهداء، وقصداً للفتك، وقيل: يعود على المؤمنين، سألوا استعظاماً لما صدر من ابن جحش واستيضاحاً للحكم.
وقرأ الجمهور: قتال فيه، بالكسر وهو بدل من الشهر، بدل اشتمال. وقال الكسائي: هو مخفوض على التكرير، وهو معنى قول الفراء، لأنه قال: مخفوض بعن مضمرة، ولا يجعل هذا خلافاً كما يجعله بعضهم، لأن قول البصريين إن البدل على نية تكرار العامل هو قول الكسائي، والفراء.
لا فرق بين هذه الأقوال، هي كلها ترجع لمعنى واحد.

(1/453)


وقال أبو عبيدة: قتال فيه، خفض على الجوار، قال ابن عطية: هذا خطأ. إنتهى. فإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار الذي اصطلح عليه النحاة، فهو كما قال ابن عطية: وجه الخطاً فيه هو أن يكون تابعاً لما قبله في رفع أو نصب من حيث اللفظ والمعنى، فيعدل به عن ذلك الإعراب إلى إعراب الخفض لمجاورته لمخفوض لا يكون له تابعاً من حيث المعنى، وهنا لم يتقدّم لا مرفوع، ولا منصوب، فيكون: قتال، تابعاً له، فيعدل به عن إعرابه إلى الخفض على الجوار، وإن كان أبو عبيدة عنى الخفض على الجوار أنه تابع لمخفوض، فخفضه بكونه جاور مخفوضاً أي: صار تابعاً له، ولا نعني به المصطلح عليه، جاز ذلك ولم يكن خطأ، وكان موافقاً لقول الجمهور، إلاَّ أنه أغمض في العبارة، وألبس في المصطلح.
وقرأ ابن عباس، والربيع، والأعمش: عن قتال فيه، بإظهار: عن، وهكذا هو في مصحف عبد الله.
وقرىء شاذاً: قتال فيه، بالرفع، وقرأ عكرمة: قتل فيه قل قتل فيه، بغير ألف فيهما.
ووجه الرفع في قراءة: قتال فيه، أنه على تقدير الهمزة فهو مبتدأ، وسوغ جواز الإبتداء فيه، وهو نكرة، لنية همزة الاستفهام، وهذه الجملة المستفهم عنها هي في موضع البدل من: الشهر الحرام، لأن: سأل، قد أخذ مفعوليه، فلا يكون في موضع المفعول، وإن كانت هي محط السؤال، وزعم بعضهم أنه مرفوع على إضمار اسم فاعل تقديره: أجائز قتال فيه؟ قيل: ونظير هذا، لأن السائلين لم يسألوا عن كينونة القتال في الشهر الحرام، إنما سألوا: أيجوز القتال في الشهر الحرام؟ فهم سألوا عن مشروعيته لا عن كينونته فيه.

(1/454)


{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} هذه الجملة مبتدأ وخبر، و: قتال، نكرة، وسوغ الابتداء بها كونها وصفت بالجار والمجرور، وهكذا قالوا، ويجوز أن يكون: فيه، معمولاً لقتال، فلا يكون في موضع الصفة، وتقييد النكرة بالمعمول مسوغ أيضاً لجواز الابتداء بالنكرة، وحدّ الاسم إذا تقدّم نكرة، وكان إياها، أن يعود معرفاً بالألف واللام، تقول: لقيت رجلاً فضربت الرجل، كما قال تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول}(المزمل: 16) قيل: وإنما لم يعد بالألف واللام هنا لأنه ليس المراد تعظيم القتال المذكور المسؤول عنه. حتى يعاد بالألف واللام، بل المراد تعظيم: أي قتال كان في الشهر الحرام، فعلى هذا: قتال الثاني، غير الأوّل انتهى.
وليست الألف واللام تفيد التعظيم في الاسم، إذ كانت النكرة السابقة، بل هي فيه للعهد السابق، وقيل: في «المنتخب»: إنما نكر فيهما لأن النكرة الثانية هي غير الأولى.
{وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} هذه جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على قوله تعالى: {فيه كبير}، وكلا الجملتين مقولة، أي: قل لهم قتال في الشهر الحرام إثم كبير، وقل لهم: صدّ عن كذا إلى آخره، أكبر من القتال، ويحتمل أن يكون مقطوعاً من القول، بل إخبار مجرد عن أن الصدّ عن سبيل الله، وكذا وكذا، أكبر.
وتقدّم لنا أن هذه الجملة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ: صدّ، وهو نكرة مقيدة بالجار والمجرور، فساغ الابتداء، وهو مصدر محذوف فاعله ومفعوله للعلم بهما، أي: وصدّكم المسلمين عن سبيل الله.
و: {كفر به}، معطوف على: وصدّ، وهو أيضاً مصدر لازم حذف فاعله، تقديره: وكفركم به، والضمير في: به، يعود على السبيل لأنه هو المحدّث عنه بأنه صدّ عنه.

(1/455)


وقرىء شاذاً {والمسجدُ الحرام} بالرفع، ووجهه أنه عطفه على قوله: {وكفر به}، ويكون على حذف مضاف، أي: وكفر بالمسجد الحرام، ثم حذف الباء وأضاف الكفر إلى المسجد، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فيؤول إلى معنى قراءة الجمهور من خفض المسجد الحرام على أحسن التأويلات التي نذكرها، فنقول: اختلفوا فيما عطف عليه {والمسجد}، فقال ابن عطية، والزمخشري، وتبعا في ذلك المبرد: هو معطوف على: سبيل الله، قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح، ورد هذا القول بأنه إذا كان معطوفاً على: سبيل الله، كان متعلقاً بقوله: وصدّ إذ التقدير: وصدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فهو من تمام عمل المصدر، وقد فصل بينهما بقوله: وكفر به، ولا يجوز أن يفصل بين الصلة والموصول، وقيل: معطوف على الشهر الحرام، وضعف هذا بأن القوم لم يسألوا عن الشهر الحرام، إذ لم يشكوا في تعظيمه، وإنما سألوا عن القتال في الشهر الحرام، لأنه وقع منهم ولم يشعروا بدخوله، فخافوا من الإثم. وكان المشركون عيروهم بذلك، انتهى.

ويحتمل أن يكون: وصد، مبتدأ وخبره محذوف لدلالة خبر: قتال، عليه، التقدير: وصد عن سبيل الله وكفر به كبير، كما تقول: زيد قائم وعمرو، أي: وعمرو قائم، وأجيبوا بأن: القتال في المسجد الحرام إخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال فيه، وكونه معطوفاً على الشهر الحرام متكلف جداً، ويبعد عنه نظم القرآن، والتركيب الفصيح، ويتعلق كما قيل بفعل محذوف دل عليه المصدر، تقديره: ويصدون عن المسجد الحرام، كما قال تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام}(الفتح: 25) قال بعضهم: وهذا هو الجيد، يعنى من التخاريج التي يخرج عليه، والمسجد الحرام وما ذهب إليه غير جيد، لأن فيه الجر بإضمار حرف الجر، وهو لا يجوز في مثل هذا إلاَّ في الضرورة، نحو قوله:
أشارت كليب بالأكف الأصابع

(1/456)


أي: إلى كليب، وقيل: هو معطوف على الضمير في قوله: وكفر به، أي: وبالمسجد الحرام، قاله الفراء، ورد بأن هذا لا يجوز إلاَّ بإعادة الجار، وذلك على مذهب البصريين.
والذي نختاره أنه يجوز ذلك في الكلام مطلقاً، لأن السماع يعضده، والقياس يقويه. أما السماع فما روي من قول العرب: ما فيها غيره وفرسه، بجر الفرس عطفاً على الضمير في غيره، والتقدير: ما فيها غيره وغير فرسه، والقراءة الثانية في السبعة: {تساءلون به والأرحام}(النساء: 1) أي: وبالأرحام وتأويلها على غير العطف على الضمير، مما يخرج الكلام عن الفصاحة، فلا يلتفت إلى التأويل. قرأها كذلك ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والنخعي، ويحيى بن وثاب، والأعمش، وأبي رزين، وحمزة.
ومن ادعى اللحن فيها أو الغلط على حمزة فقد كذب، وقد ورد من ذلك في أشعار العرب كثير يخرج عن أن يجعل ذلك ضرورة، فمنه قول الشاعر:
نعلق في مثل السواري سيوفنا
فما بينها والأرض غوط نفانف
وقال آخر:
هلا سألت بذي الجماجم عنهم
وأبي نعيم ذي اللواء المحرق
وقال آخر:
بنا أبداً لا غيرنا يدرك المنى
وتكشف غماء الخطوب الفوادح
وقال آخر:
إذا أوقدوا ناراً لحرب عدوهم
فقد خاب من يصلى بها وسعيرها
وقال آخر:
لو كان لي وزهير ثالث وردت
من الحمام عدانا شر مورود
وقال رجل من طيّئ:
إذا بنا، بل أنيسان، اتّقت فئة
ظلت مؤمنة ممن تعاديها
وقال العباس بن مرادس:
أكر على الكتيبة لا أبالي

أحتفي كان فيها أم سواها
وأنشد سيبويه رحمه الله:
فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا
فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقال آخر:
أبك آية بي أو مصدّر

(1/457)


من حمر الجلة جأب جسور فأنت ترى هذا السماع وكثرته، وتصرّف العرب في حرف العطف، فتارة عطفت بالواو، وتارة بأو، وتارة ببل، وتارة بأم، وتارة بلا، وكل هذا التصرف يدل على الجواز، وإن كان الأكثر أن يعاد الجار كقوله تعالى: {وعليها وعلى الفلك تحملون}(المؤمنون: 12) فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً}(فصلت: 11) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب}(الأنعام: 164) وقد خرج على العطف بغير إعادة الجار قوله: ومن لستم له برازقين}(الحجر: 20) عطفاً على قوله: لكم فيها معايش}(الأعراف: 10) (الحجر: 20) أي: ولمن. وقوله: وما يتلى عليكم} عطفاً على الضمير في قوله: فيهنّ، أي: وفيما يتلى عليكم.
وأما القياس فهو أنه كما يجوز أن يبدل منه ويؤكد من غير إعادة من غير إعادة جار، كذلك يجوز أن يعطف عليه من غير إعادة جار، ومن احتج للمنع بأن الضمير كالتنوين، فكان ينبغي أن لا يجوز العطف عليه إلاَّ مع الإعادة لأن التنوين لا يعطف عليه بوجه، وإذا تقرّر أن العطف بغير إعادة الجار ثابت من كلام العرب في نثرها ونظمها، كأن يخرج عطف: والمسجد الحرام، على الضمير في: به، أرجح، بل هو متعين، لأن وصف الكلام، وفصاحة التركيب تقتضي ذلك.

(1/458)


{وإخراج أهله}، معطوف على المصدر قبله، وهو مصدر مضاف للمفعول، التقدير: وإخراجكم أهله، والضمير في: أهله، عائد على: المسجد الحرام، وجعل، المؤمنين أهله لأنهم القائمون بحقوقه، أو لأنهم يصيرون أهله في العاقبة، ولم يجعل المقيمين من الكفار بمكة أهله لأن بقاءهم عارض يزول، كما قال تعالى: {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلاَّ المتقون}(الأنفال: 34) و: منه، متعلق بإخراج، والضمير في: منه، عائد على المسجد الحرام، وقيل: عائد على: سبيل الله، وهو الإسلام، والأول أظهر. و: أكبر، خبر عن المبتدأ الذي هو: وصد، وما عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبراً عن المجموع، ويحتمل أن يكون خبراً عنها باعتبار كل واحد واحد، كما تقول: زيد وعمرو وبكر أفضل من خالد، نزيد: كل واحد منهم أفضل من خالد، وهذا الظاهر لا المجموع، وإفراد الخبر لأنه أفعل تفضيل مستعمل: بمن، الداخلة على المفضول في التقدير، وتقديره: أكبر من القتال في الشهر الحرام، فحذف للعلم به.
وقيل: وصد مبتدأ. و: كفر، معطوف عليه، وخبرهما محذوف لدلالة خبر: وإخراج، عليه. والتقدير: وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام أكبر، ولا يجتاج إلى هذا التقدير لأنا قد بينا كون: أكبر، خبراً عن الثلاثة.

و{عند الله}، منصوب بأكبر، ولا يراد: بعند، المكان بل ذلك مجاز.
وذكر ابن عطية، والسجاوندي عن الفراء أنه قال: وصد عطف على كبير، قال ابن عطية: وذلك خطأ، لأن المعنى يسوق إلى أن قوله: وكفر به، عطف أيضاً على كبير، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله، وهذا بيِّن فساده. انتهى كلام ابن عطية، وليس كما ذكر، ولا يتعين ما قاله من أن: وكفر به، عطف على كبير، إذ يحتمل أن يكون الكلام قد تم عند قوله: وصد عن سبيل الله، ويكون قد أخبر عن القتال في الشهر الحرام بخبرين. أحدهما: أنه كبير، والثاني: أنه صد عن سبيل الله.

(1/459)


{وَلاَ يَزَالُونَ يُقَتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} الضمير في: يزالون، للكفار، وهذا يدل على أن الضمير المرفوع في قوله: يسألونك، هو الكفار، والضمير المنصوب في: يقاتلونكم، خوطب به المؤمنون.
و: {حتى يردوكم}، يحتمل الغاية، ويحتمل التعليل، وعليهما حملها أبو البقاء وهي متعلقة في الوجهين: بيقاتلونكم، وقال ابن عطية: ويردوكم، نصب بحتى لأنها غاية مجردة، وقال الزمخشري: وحتى، معناها التعليل، كقولك: فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة، أي: يقاتلونكم كي يردوكم. انتهى. وتخريج الزمخشري أمكن من حيث المعنى، إذ يكون الفعل الصادر منهم المنافي للمؤمنين، وهو: المقاتلة، ذكر لها علة توجيهاً، فالزمان مستغرق للفعل ما دامت علة الفعل، وذلك بخلاف الغاية، فإنها تقييد في الفعل دون ذكر الحامل عليه، فزمان وجوده مقيد بغايته، وزمان وجود الفعل المعلل مقيد بوجود علة، وفرق في القوة بين المقيد بالغاية والمقيد بالعلة لما في التقييد بالعلة من ذكر الحامل وعدم ذلك في التقييد بالغاية.
و: {عن دينكم}، متعلق: بيردوكم، والدين هنا الإسلام، و: إن استطاعوا، شرط جوابه محذوف يدل عليه ما قبله، التقدير: إن استطاعوا فلا يزالون يقاتلونكم، ومن جوّز تقديم جواب الشرط، قال: ولا يزالون، هو الجواب.
وقال الزمخشري: إن استطاعوا، استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبقِ عليّ، وهو واثق بأنه لا يظفر به. انتهى قوله: ولا بأس به.
{وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ} ارتد: افتعل من الرد، وهو الرجوع، كما قال تعالى: {فارتدا على آثارهما قصصاً}(الكهف: 64) وقد عدّها بعضهم فيما يتعدّى إلى اثنين، إذا كانت عنده، بمعنى: صير وجعل، من ذلك قوله: فارتد بصيراً}(يوسف: 96) أي: صار بصيراً.k

(1/460)


و: منكم، في موضع الحال من الضمير المستكن في: يرتدد، العائد على: من، و: من، للتبعيض، و: عن دينه، متعلق بيرتدد.
والجملة من قوله: وهو كافر، في موضع الحال من الضمير المستكن في: فيمت، وكأنها حال مؤكدة، لأنه لو استغنى عنها فهم معناها، لأن ما قبلها يشعر بالتعقيب للارتداد. وكون الحال جاء جملة فيها مبالغة في التأكيد، إذ تكرر الضمير فيها مرتين، بخلاف المفرد، فإنه فيه ضمير واحد.
{وَأُوْلئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ} تقدّم تفسير هذه الجملة، فأغنى عن إعادته، وهذه الجملة يحتمل أن تكون ابتداء إخبار من الله تعالى بخلود هؤلاء في النار، فلا تكون داخلة في الجزاء وتكون معطوفة على الجملة الشرطية، ويحتمل أن تكون معطوفة على قوله: {فأولئك حبطت أعمالهم} فتكون داخلة في الجزاء، لأن المعطوف على الجزاء جزاء، وهذا الوجه أولى، لأن القرب مرجح، وترجح الأول بأنه يقتضي الاستقلال.
{إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} ولما كانت الهجرة والجهاد فرعين عنه أفردا بموصول واحد، لأنهما من حيث الفرعية كالشيء الواحد. وأتى خبر: أن، جملة مصدرية.

(1/461)


{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِى الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأًّنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }.
أنى: اسم ويستعمل شرطاً ظرف مكان، ويأتي ظرف زمان بمعنى: متى واستفهاماً بمعنى: كيف، وهي مبنية لتضمن معنى حرف الشرط، وحرف الاستفهام، وهو في موضع نصب لا يتصرف فيه بغير ذلك البتة.

(1/462)


{وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} وقرأ الجمهور: العفو، بالنصب وهو منصوب بفعل مضمر تقديره: قل ينفقون العفو، وعلى هذا الأولى في قوله: ماذا ينفقون؟ أن يكون ماذا في موضع نصب ينفقون، ويكون كلها استفهامية، التقدير: أي شيء ينفقون؟ فاجيبوا بالنصب ليطابق الجواب السؤال.
ويجوز أن تكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وذا موصولة بمعنى الذي، وهي خبره، ولا يكون إذ ذاك الجواب مطابقاً للسؤال من حيث اللفظ، بل من حيث المعنى، ويكون العائد على الموصول محذوفاً لوجود شرط الحذف فيه، تقديره: ما الذي ينفقونه؟.

وقرأ أبو عمرو: قل العفو، بالرفع، والأولى إذ ذاك أن تكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: قل المنفق العفو، وأن يكون: ما، في موضع رفع بالابتداء، و: ذا، موصول، كما قررناه ليطابق الجواب السؤال، ويجوز أن يكون ماذا كله استفهاماً منصوباً بينفقون، وتكون المطابقة من حيث المعنى لا من جهة اللفظ، واختلف عن ابن كثير في العفو، فروي عنه النصب كالجمهور، والرفع كأبي عمرو.
وقال ابن عطية، وقد ذكر القراءتين في العفو ما نصّه: وهذا متركب على: ما، فمن جعل ما ابتداء، وذا خبره بمعنى الذي، وقدّر الضمير في ينفقونه عائداً قرأ العفو بالرفع لتصح مناسبة الحمل، ورفعه على الابتداء تقديره: العفو إنفاقكم، أو الذي ينفقون العفو، ومن جعل ماذا إسماً واحداً مفعولاً: ينفقون، قرأ العفو بالنصب بإضمار فعل، وصح له التناسب، ورفع العفو مع نصب: ما، جائز ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها. انتهى كلامه. وتقديره: العفو إنفاقكم، ليس بجيد، لأنه أتى بالمصدر، وليس السؤال عن المصدر، وقوله: جائز، ضعيف، وكذلك نصبه مع رفعها ليس كما ذكر، بل هو جائز، وليس بضعيف.

(1/463)


{ كَذلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِى الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ} الكاف للتشبيه وهي في موضع نعت لمصدر محذوف، أو في موضع الحال على مذهب سيبويه، أي: تبييناً مثل ذلك يبين، أو في حال كونه منها ذلك التبيين يبينه، أي: يبين التبيين مماثلاً لذلك التبيين، واسم الاشارة الأقرب أن يعود إلى الأقرب من تبينه حال المنفق، قاله ابن الأنباري، وقال الزمخشري: ما يؤول إليه وهو تبيين أن العفو أصلح من الجهد في النفقة. أو حكم الخمر والميسر، والإنفاق القريب أي: مثل ما يبين في هذا يبين في المستقبل.
وكاف الخطاب إما أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلّم أو للسامع أو للقبيل، فلذلك أفرد أو للجماعة المؤمنين فيكون بمعنى: كذلكم، وهي لغة العرب يخاطبون الجمع بخطاب الواحد، وذلك في إسم الإشارة، ويؤيد هذا هنا قوله: {يبين لكم} فأتى بضمير الجمع فدل على أن الخطاب للجمع.
{لكم} متعلق: بيبين، واللام فيها للتبليغ، كقولك: قلت لك، ويبعد فيها التعليل.
{فِي الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ} وجوّزوا أن يكون، في الدنيا، متعلقاً بقوله: يبين لكم الآيات، لا: بتتفكرون، ويتعلق بلفظ: يبين، أي: يبين الله في الدنيا والآخرة. وروي هذا عن الحسن.

ولا بد من تأويل على هذا إن كان التبيين للآيات يقع في الدنيا، فيكون التقدير في أمر الدنيا والآخرة، وإن كان يقع فيهما، فلا يحتاج إلى تأويل، لأن الآيات، وهي: العلامات يظهرها الله تعالى في الدنيا والآخرة.

(1/464)


وجعل بعضهم هذا القول من باب التقديم والتأخير، إذ تقديره عنده: كذلك يبيّن الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلّكم تتفكرون. وقال: ويمكن الحمل على ظاهر الكلام لتعلق: في الدنيا والآخرة، بتتفكرون، ففرض التقديم والتأخير، على ما قاله الحسن، يكون عدولاً عن الظاهر لا الدليل، وإنه لا يجوز، وليس هذا من باب التقديم والتأخير، لأن: لعل، هنا جارية مجرى التعليل، فهي كالمتعلقة: بيبين، وإذا كانت كذلك فهي والظرف من مطلوب: يبين، وتقدّم أحد المطلوبين، وتأخر الآخر، لا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير.
ويحتمل أن تكون: لعلكم تتفكرون، جملة اعتراضية، فلا يكون ذلك من باب التقديم والتأخير، لأن شرط جملة الإعتراض أن تكون فاصلة بين متقاضيين.
قال ابن عطية، وقال مكي: معنى الآية أنه يبين للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة، يدل عليهما وعلى منزلتهما، لعلكم تتفكرون في تلك الآيات. قال ابن عطية: فقوله: في الدنيا، متعلق على هذا التأويل: بالآيات، انتهى كلامه. وشرح مكي الآية بأن جعل الآيات منكرة، حتى يجعل الظرفين صفة للآيات، والمعنى عنده: آيات كائنة في الدنيا والآخرة، وهو شرح معنى لا شرح إعراب، وما ذكره ابن عطية من أنه متعلق على هذا التأويل بالآيات؛ إن عنى ظاهر ما يريده النحاة بالتعلق فهو فاسد، لأن الآيات لا يتعلق بها جار ومجرور، ولا تعمل في شيء البتة، وإن عنى أنه يكون الظرف من تمام الآيات، وذلك لا يتأتى إلاَّ باعتقاد أن تكون في موضع الحال، أي: كائنة في الدنيا والآخرة، ولذلك فسره مكي بما يقتضي أن تكون صفة، إذ قدّر الآيات منكرة، والحال والصفة سواء في أن العامل فيهما محذوف إذا كانا ظرفين أو مجرورين، فعلى هذا تكون: في الدنيا، متعلقاً بمحذوف لا بالآيات، وعلى رأي الكوفيين، تكون الآيات موصولاً وصل بالظرف؛ ولتقرير مذهبهم ورده موضع غير هذا.

(1/465)


{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَى}: والظاهر أن السائل جمع الإثنين بواو الجمع وهي للجمع به وقيل به.
{قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} وإصلاح: مبتدأ وهو نكرة، ومسوغ جواز الإبتداء بالنكرة هنا هو التقييد بالمجرور الذي هو: لهم، فإما أن يكون على سبيل الوصف، أو على سبيل المعمول للمصدر، و: خير، خبر عن إصلاح، وإصلاح كما ذكرنا مصدر حذف فاعله، فيكون: خير، شاملاً للإصلاح المتعلق بالفاعل والمفعول، فتكون الخيرية للجانبين معاً، أي إن إصلاحهم لليتامى خير للمصلح والمصلح، فيتناول حال اليتيم، والكفيل، وقيل: خير للولي، والمعنى: إصلاحه من غير عوض ولا أجرة خير له وأعظم أجراً، وقيل: خير، عائد لليتيم، أي: إصلاح الولي لليتيم، ومخالطته له، خير لليتيم من إعراض الولي عنه، وتفرده عنه، ولفظ: خير، مطلق فتخصيصه بأحد الجانبين يحتاج إلى مرجح، والحمل على الإطلاق أحسن.

{وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَنُكُمْ} وجواب الشرط فإخوانكم، وهو خبر مبتدأ محذوف أي: فهم إخوانكم، وقرأ أبو مجلز: فإخوانكم على إضمار فعل التقدير: فتخالطون إخوانكم، وجاء جواب السؤال بجملتين: إحداهما: منعقدة من مبتدأ وخبر؛ والثانية: من شرط وجزاء.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} ومن، متعلقة بيعلم على تضمين ما يتعدّى بمن، كأن المعنى: والله يميز بعلمه المفسد من المصلح.
وظاهر الألف واللام أنها للاستغراق في جميع أنواع المفسد والمصلح، والمصلح في مال اليتيم من جملة مدلولات ذلك، ويجوز أن تكون الألف واللام للعهد، أي: المفسد في مال اليتيم من المصلح فيه، والمفسد بالإهمال في تربيته من المصلح له بالتأديب.

(1/466)


{وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} ومفعول: شاء، محذوف لدلالة الجواب عليه، التقدير: ولو شاء الله إعناتكم، واللام في الفعل الموجب الأكثر في لسان العرب المجيء بها فيه، وقرأ الجمهور لأعنتكم بتخفيف الهمزة، وهو الأصل، وقرأ البزي من طريق أبي ربيعة «بتليين الهمزة» وقرىء بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام كقراءة من قرأ: فلا ثم عليه، بطرح الهمزة.
{وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ} وأمة: مبتدأ، ومسوّغ جواز الابتداء الوصف، و: خير، خبر. وقد استدل بقوله: خير، على جواز نكاح المشركة لأن أفعل التفضيل يقتضي التشريك، ويكون النهي أوّلاً على سبيل الكراهة، قالوا: والخيرية إنما تكون بين شيئين جائزين، ولا حجة في ذلك، لأن التفضيل قد يقع على سبيل الاعتقاد. لا على سبيل الوجود، ومنه: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً}(الفرقان: 24) و: العسل أحلى من الخل؛ وقال عمر، في رسالته لأبي موسى: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويحتمل إبقاء الخيرية على الاشتراك الوجودي، ولا يدل ذلك على جواز النكاح بأن نكاح المشركة يشتمل على منافع دنيوية، ونكاح الأمة المؤمنة على منافع أخروية فقد اشترك النفعان في مطلق النفع أصلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى، فالحكم بهذا النفع الدنيوي لا يقتضي التسويغ، كما أن الخمر والميسر فيهما منافع، ولا يقتضي ذلك الإباحة، وما من شيء محرم إلاَّ يكاد يكون فيه نفع مّا.
وهذه التأويلات في أفعل التفضيل هو على مذهب سيبويه والبصريين في أن لفظة: أفعل، التي للتفضيل، لا تصح حيث لا اشتراك، كقولك: الثلج أبرد من النار، والنور أضوء من الظلمة؛ وقال الفراء وجماعة من الكوفيين: يصح حيث الاشتراك، وحيث لا يكون اشتراك؛ وقال ابراهيم بن عرفة: لفظة التفضيل تجيء في كلام العرب إيجاباً باللأوّل، ونفياً عن الثاني، فعلى قول هو لا يصح أن لا يكون خير في المشركة وإنما هو في الأمة المؤمنة.

(1/467)



{وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} لو: هذه بمعنى إن الشرطية، نحو: «ردّوا السائل ولو بظلف شاة محرق». والواو في: ولو، للعطف على حال محذوفة، التقدير: خير من مشركة على كل حال، ولو في هذه الحال، وقد ذكرنا أن هذا يكون لاستقصاء الأحوال، وأن ما بعد لو هذه إنما يأتي وهو مناف لما قبله بوجه مّا، فالإعجاب منافٍ لحكم الخيرية.
{وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ} القراءة بضم التاء إجماع من القراء، والخطاب للأولياء، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: ولا تنكحوا المشركين المؤمنات.
{أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} و: إلى، متعلق بيدعون كقوله: {والله يدعو إلى دار السلام}(يونس: 25) ويتعدى أيضاً باللام، كقوله:
دعوت لما نابني مسوراً
ومفعول يدعون محذوف: إما اقتصاراً إذ المقصود إثبات أن من شأنهم الدعاء إلى النار من غير ملاحظة مفعول خاص، وإما اختصاراً، فالمعنى: أولئك يدعونكم إلى النار.
{وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} وقرأ الجمهور: والمغفرة، بالخفض عطفاً على الجنة.
وقرأ الحسن: والمغفرة، بالرفع على الابتداء، والخبر: قوله: {بإذنه} أي: والمغفرة حاصلة بتيسيره وتسويفه، وتقدم الإذن، وعلى قراآت الجمهور يكون بإذنه متعلقاً بقوله: يدعو.
و: للناس، متعلق: بيبين، و: اللام، معناها الوصول والتبليغ، وهو أحد معانيها المذكورة في أول الفاتحة.
{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} والضمير في: ويسألونك، ضمير جمع، فالظاهر أن السائل عن ذلك هو ما يصدق عليه الجمع، لا اثنان ولا واحد، وجاء: ويسألونك، هنا وقبله في {ويسألونك عن اليتامى} وقبله {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} بالواو العاطفة على {يسألونك عن الخمر والميسر} قيل: لأن السؤال عن الثلاثة في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل: جمعوا لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن كذا وكذا.

(1/468)


وقيل هذه سؤالات ثلاثة بغير واو {يسألونك عن الأهلة}(البقرة: 189) يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم}(البقرة: 215) يسألونك عن الشهر الحرام}(البقرة: 217) وثلاثة: يسألونك عن الخمر} قيل إنها جاءت بغير واو العطف لأن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أوقات متباينة متفرّقة، فلم يؤت فيها بحرف العطف، لأن كلاًّ منها سؤال مبتدأ. انتهى.
والخطاب في: ويسألونك، وفي: قل للنبي صلى الله عليه وسلّم والضمير في: هو، عائد على المحيض.

{من حيث أمركم الله} حيث: ظرف مكان.
{نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ} ونساؤكم: مبتدأ، وحرث لكم: خبر، إما على حذف أداة التشبيه، أي: كحرث لكم ويكون نساؤكم على حذف مضاف، أي: وطء نسائكم كالحرث لكم، شبه الجماع بالحرث، إذ النطفة كالبذر، والرحم كالأرض، والولد كالنبات، وقيل: هو على حذف مضاف أي: موضع حرث لكم، وهذه الكناية في النكاح من بديع كنايات القرآن، قالوا: وهو مثل قوله تعالى: {يأكل الطعام}(الفرقان: 7) ومثل قوله: وأرضاً لم تطؤوها}(الأحزاب: 27) على قول من فسره بالنساء، ويحتمل أن يكون: حرث لكم، بمعنى: محروثه لكم، فيكون من باب إطلاق المصدر، ويراد به اسم المفعول.
{فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} وأنى بمعنى متى؟ قاله الضحاك، فيكون إذ ذاك ظرف زمان.
وقد فسر الناس أنَّى في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسرها سيبويه بكيف، ومن أين باجتماعهما؟ وقال النحويون: أنَّى، لتعميم الأحوال، وقد تأتي: أنى، بمعنى: متى، وبمعنى: أين، وتكون استفهاماً وشرطاً، وجعلوها في الشرطية ظرف مكان فقط.

(1/469)


قالوا والعامل في أنَّى فأتوا، وهذا الذي قالوه لا يصح، لأنا قد ذكرنا أنها تكون استفهاماً أو شرطاً، لا جائز أن تكون هنا شرطاً، لأنها إذ ذاك تكون ظرف مكان، فيكون ذلك مبيحاً لإتيان النساء في غير القبل، وقد ثبت تحريم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعلى تقدير الشرطية يمتنع أن يعمل في الظرف الشرطي ما قبله، لأنه معمول لفعل الشرط، كما أن فعل الشرط معمول له، ولا جائز أن يكون استفهاماً، لأنها إذا كانت استفهاماً اكتفت بما بعدها من فعل كقوله {أنَّى يكون لي ولد}(آل عمران: 47) ومن اسم كقوله: أنَّى لك هذا}(آل عمران: 37) ولا يفتقر إلى غير ذلك، وهنا يظهر افتقارها وتعلقها بما قبلها.
وعلى تقدير أن يكون استفهاماً لا يعمل فيها ما قبلها، وأنها تكون معمولة للفعل بعدها، فتبين على وجهي: أنَّى، أنها لا تكون معمولة لما قبلها، وهذا من المواضع المشكلة التي تحتاج إلى فكر ونظر.
والذي يظهر، والله أعلم، أنها تكون شرطاً لافتقارها إلى جملة غير الجملة التي بعدها، وتكون قد جعلت فيها الأحوال. كجعل الظروف المكانية، وأجريت مجراها تشبيهاً للحال بالظرف المكاني، وقد جاء نظير ذلك في لفظ: كيف، خرج به عن الاستفهام إلى معنى الشرط في قولهم: كيف تكون أكون، وقال تعالى: {بل يداه مبسوطتاه ينفق كيف يشاء}(المائدة: 64) فلا يجوز أن تكون هنا استفهاماً، وإنما لحظ فيها معنى بالشرط وارتباط الجملة بالأخرى وجواب الجملة محذوف، ويدل عليه ما قبله، تقديره: أنى شئتم فأتوه، وكيف يشاء ينفق، كما حذف جواب الشرط في قولك: أضرب زيداً أنى لقتيه، التقدير أنى لقيته فاضربه.

فإن قلت: قد أخرجت: أنَّى، عن الظرفية الحقيقية وأبقيتها لتعميم الأحوال مثل: كيف، وجعلتها مقتضية لجملة أخرى كجملة الشرط، فهل الفعل الماضي الذي هو: شئتم، في موضع جزم كحالها إذا كانت ظرفاً؟ أم هو في موضع رفع كهو بعد: كيف، في قولهم: كيف تصنع أصنع؟.

(1/470)


فالجواب أنه يحتمل الأمرين، لكن يرجح أن تكون في موضع جزم لأنه قد استقر الجزم بها إذا كانت ظرفاً صريحاً، غاية ما في ذلك تشبيه الأحوال بالظروف، وبينهما علاقة واضحة، إذ كل منهما على معنى: في، بخلاف: كيف، فإنه لم يستقر فيها الجزم ومن أجاز الجزم بها، فإنما قاله بالقياس، والمحفوظ عن العرب الرفع في الفعل بعدها، حيث يقتضي جملة أخرى.
{وَقَدِّمُواْ لأًّنفُسِكُمْ} مفعول قدّموا محذوف، فقيل: التقدير ذكر الله عند القربان، أو: طلب الولد والإفراط شفعاء، قاله ابن عباس، أو: الخير، قاله السدي، أو: قدم صدق، قاله ابن كيسان، أو: الأجر في تجنب ما نهيتم وامتثال ما أمرتم به، قاله ابن عطية، أو: ذكر الله على الجماع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم «لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال: اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره». أو التسمية على الوطء، حكاه الزمخشري. أو: ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، وهو خلاف ما نهيتكم عنه، قاله الزمخشري، وهو قول مركب من قول: من قبله.
والذي يظهر أن المعنى: وقدّموا لأنفسكم طاعة الله، وامتثاله ما أمر، واجتناب ما نهى عنه لأنه تقدّم أمر ونهي، وهو الخير الذي ذكره في قوله: {وما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} ولذلك جاء بعده {واتقوا الله} أي: اتقو الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وهو تحذير لهم من المخالفة، ولأن العظيم الذي تقدّم يحتاج إلى أن يقدّم معك ما تقدّم به عليه مما لا تفتضح به عنده، وهو العمل الصالح.

(1/471)


{وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَقُوهُ} الظاهر أن الضمير المجرور في: ملاقوه، عائد على الله تعالى، وتكون على حذف مضاف، أي: ملاقو جزائه على أفعالكم، ويجوز أن يعود على المفعول المحذوف الذي لقوله: وقدّموا، أي: واعلموا أنكم ملاقو ما قدّمتم من الخير والطاعة، وهو على حذف مضاف أيضاً، أي: ملاقوا جزائه، ويجوز أن يعود على الجزاء الدال عليه معمول قدموا المحذوف، وفي ذلك رد على من ينكر البعث والحساب والمعاد، سواء عاد على الله تعالى أو على معمول قدّموا، أو على الجزاء.

(1/472)


{وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأًّيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ * الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ }
وتستعمل: اليمين، للجهة التي تكون للعضو المسمى باليمين، فتنصب على الظرف، تقول: زيد يمين عمرو.
{وَلاَ تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لأًّيْمَنِكُمْ} {لأيمانكم} تحتمل اللام أن تكون متعلقة، بعرضة، فتكون كالمقوية للتعدي، أو معداً ومرصداً لأيمانكم، ويحتمل أن تكون متعلقة بقوله: {ولا تجعلوا فتكون للتعليل، أي: لا تجعلوا الله عرضة لأجل أيمانكم.

(1/473)


{أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ} قال الزجاج، وتبعه التبريزي: أن تبروا، في موضع رفع بالابتداء، وقدر التبريزي خبر المبتدأ المحذوف بأن المعنى: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس خير لكم من أن تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، وهذا الذي ذهب إليه الزجاج والتبريزي ضعيف، لأن فيه اقتطاع: أن تبروا، مما قبله، والظلم هو اتصاله به، ولأن فيه حذفاً لا دليل عليه وقال الزمخشري: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، عطف بيان لأيمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي: البر والتقوى والإصلاح بين الناس. إنتهى كلامه وهو ضعيف، لأن فيه مخالفة للظاهر، لأن الظاهر من الأيمان هي الأقسام، والبر والتقوى والإصلاح هي المقسم عليها، فهما متباينان، فلا يجوز أن يكون عطف بيان على الإيمان، لكنه لما تأول الأيمان على أنها المحلوف عليها، ساغ له ذلك، وقد بينا أنه لا حاجة تدعونا إلى تأويل الأيمان بالأشياء المحلوف عليها، وعلى مذهبه تكون: أن تبروا، في موضع جر، ولو ادعى أن يكون: أن تبروا، وما بعده بدلاً من: أيمانكم، لكان أولى، لأن عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام.

وذهب الجمهور إلى أن قوله: أن تبروا، مفعول من أجله، ثم اختلفوا في التقدير، فقيل: كراهة أن تبروا، قاله المهدوي، أو لترك أن تبروا، قاله المبرد، وقيل: لأن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا، قال أبو عبيدة، والطبري كقوله:
فخالف فلا والله تهبط تلعة
أي: لا تهبط، وقيل: إرادة أن تبروا، والتقادير الأول متلاقية حيث المعنى.

(1/474)


وقال الزمخشري: ويتعلق: أن تبروا، بالفعل و: بالعرضة، أي: ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا. إنتهى. ولا يصح هذا التقدير، لأن فيه فصلاً بين العامل والمعمول بأجنبي، لأنه علق: لأيمانكم، بتجعلوا، وعلق: لأن تبروا بعرضة، فقد فصل بين: عرضة، وبين: لأن تبروا بقوله: لأيمانكم، وهو أجنبي منهما، لأنه معمول عنده لتجعلوا، وذلك لا يجوز، ونظير ما أجازه أن تقول: أمرر وأضرب بزيد هنداً، فهذا لا يجوز، ونصوا على أنه لا يجوز: جاءني رجل ذو فرس راكب أبلق، لما فيه من الفصل بالأجنبي.
والذي يظهر لي أن تبروا، في موضع نصب على إسقاط الخافض، والعمل فيه قوله: لأيمانكم، التقدير: لأقسامكم على أن تبروا، فنهوا عن ابتذال اسم الله تعالى، وجعله معرضاً لأقسامهم على البر والتقوى والإصلاح اللاتي هن أوصاف جميلة، لما نخاف في ذلك من الحنث، فكيف إذا كانت أقساماً على ما تنافي البر والتقوى والإصلاح؟ وعلى هذا يكون الكلام منتظماً واقعاً كل لفظ منه مكانه الذي يليق به، فصار في موضع: أن تبروا، ثلاثة أقوال: الرفع على الابتداء، والخلاف في تقدير الجر، والجر على وجهين: عطف البيان، والبدل والنصب على وجهين: إما على المفعول من أجله على الاختلاف في تقديره، وإما على أن يكون معمولاً: لأيمانكم، على إسقاط الخافض.
{لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ} باللغو: متعلق: بيؤاخذكم، والباء سببية، مثلها في {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم}(النحل: 61) فكلا أخذنا بذنبه}(العنكبوت: 40): وفي أيمانكم، متعلق بالفعل، أو بالمصدر، أو بمحذوف، أي: كائناً في أيمانكم، فيكون حالاً، ويقربه أنك لو جعلته في صلة: الذي، ووصفت به اللغو لاستقام.

(1/475)


وفي قوله: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} محذوف تقديره: ولكن يؤاخذكم في أيمانكم بما كسبت قلوبكم، وحذف لدلالة ما قبله عليه، و: ما، في قوله: بما، موصولة، والعائد محذوف، ويحتمل أن تكون مصدرية، ويحسنه مقابلته بالمصدر، وهو قوله: باللغو، وجوّز أن تكون نكرة موصوفة.

{لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} و: من، يتعلق بقوله: يؤلون، وآلى لا يتعدّى بمن، فقيل: من، بمعنى: على، وقيل: بمعنى في، ويكون ذلك على حذف مضاف، أي: على ترك وطء نسائهم، أو في ترك وطء نسائهم. وقيل: من، زائدة والتقدير: يؤلون أن يعتزلوا نسائهم. وقيل: يتعلق بمحذوف، والتقدير: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فتتعلق بما تتعلق به لهم المحذوف، قاله الزمخشري، وهذا كله ضعيف ينزه القرآن عنه، وإنما يتعلق بيؤلون على أحد وجهين: إما أن يكون: من، للسبب أي: يحلفون بسبب نسائهم، وإما أن يضمن الإيلاء معنى الامتناع، فيعدى بمن، فكأنه قيل: للذين يمتنعون بالإيلاء من نسائهم، و: من نسائهم، عام في الزوجات من حرة وأمّة وكتابية ومدخول بها وغيرها.
{تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} هذا من باب إضافة المصدر إلى ما هو ظرف زمان في الأصل، لكنه اتسع فيه فصير مفعولاً به، ولذلك صحت الإضافة إليه، وكان الأصل: تربصهم أربعة أشهر، وليست الإضافة إلى الظرف من غير اتساع، فتكون الإضافة على تقدير: في، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك.
{وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ} وانتصاب الطلاق: إما على إسقاط حرف الجر، وهو على، لأن عزم يتعدى بعلى كما قال:
عزمت على إقامة ذي صباح
وأما إن تضمن: عزم، معنى: نوى، فيتعدى إلى مفعول به.
فليوقعوه، أي: الطلاق، ويظهر أن جواب الشرط محذوف، تقديره:

(1/476)


{وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} {والمطلقات} مبتدأ و {يتربصنّ} خبر عن المبتدأ، وصورته صورة الخبر، وهو أمر من حيث المعنى، وقيل: هو أمر لفظاً ومعنىً على إضمار اللام أي: ليتربصن، وهذا على رأي الكوفيين، وقيل: والمطلقات على حذف مضاف، أي: وحكم المطلقات ويتربصن على حذف: أن، حتى يصح خبراً عن ذلك المضاف المحذوف، التقدير: وحكم المطلقات أن يتربصن، وهذا بعيد جداً.
وقال الزمخشري، بعد أن قال: هو خبر في معنى الأمر، قال: فإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد الأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص، فهو يخبر عنه، موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء: رحمه الله، أخرج في صورة الخبر عن الله ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، وبناؤه على المبتدأ مما زاد فضل تأكيد، ولو قيل: ويتربصن المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة. انتهى. وهو كلام حسن، وإنما كانت الجملة الابتدائية فيها زيادة توكيد على جملة الفعل والفاعل لتكرار الاسم فيها مرتين: إحداهما بظهوره، والأخرى بإضماره، وجملة الفعل والفاعل يذكر فيها الإسم مرة واحدة.

(1/477)


و: بأنفسهن، متعلق: بتربص، وظاهر الباء مع تربص أنها للسبب، أي: من أجل أنفسهن، ولا بد أن ذلك من ذكر الأنفس، لأنه لو قيل في الكلام: يتربص بهن لم يجز، لأنه فيه تعدية الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل إلى الضمير المجرور، نحو: هند تمر بها، وهو غير جائز، ويجوز هنا أن يكون زائدة للتوكيد، والمعنى: يتربصن أنفسهن، كما تقول: جاء زيد بنفسه، وجاء زيد بعينه، أي: نفسه وعينه، لا يقال: إن التوكيد هنا لا يجوز، لأنه من باب توكيد الضمير المرفوع المتصل، وهو النون التي هي ضمير الإناث في: تربصن، وهو يشترط فيه أن يؤكد بضمير منفصل، وكان يكون التركيب: يتربصن هن بأنفسهن، لأن هذا التوكيد، لما جرّ بالباء، خرج عن التبعية، وفقدت فيه العلة التي لأجلها امتنع أن يؤكد الضمير المرفوع المتصل، حتى يؤكد بمنفصل، إذا أريد التوكيد للنفس والعين، ونظير جواز هذا: أحسن بزيد وأجمل، التقدير: وأجمل به، فحذف وإن كان فاعلاً، هذا مذهب البصريين، ولأنه لما جرّ بالباء خرج في الصورة عن الفاعل، وصار كالفضلة، فجاز حذفه: هذا على أن الأخفش ذكر في المسائل جواز: قاموا أنفسهم، من غير توكيد، وفائدة التأكيد هنا: أنهنّ يباشرن التربص، وزوال احتمال أن غيرهنّ تباشر ذلك بهنّ، بل هنّ أنفسهنّ هنّ المأمورات بالتربص، إذ ذاك أدعى لوقوع الفعل منهنّ، فاحتيج إلى ذلك التأكيد لما في طباعهنّ من الطموح إلى الرجال والتزويج، فمتى أكد الكلام دل على شدة المطلوبة.
وانتصاب: ثلاثة، على أنه ظرف، إذ قدرنا: تربص، قد أخذ مفعوله، والمعنى: مدة ثلاثة قروء، وقيل: انتصابه على أنه مفعول، أي: ينتظرن معنى ثلاثة قروء، وكلا الإعرابين منقول.

(1/478)


{وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ} و: لهنّ، متعلق: بيحل، واللام للتبليغ، و: ما، في: ما خلق، الأظهر أنها موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، وجوّز أن تكون نكرة موصوفة، والعائد محذوف أيضاً التقدير: خلقه. و: في أرحامهنّ، متعلق، بخلقه، وجوّز أن تكون في أرحامهنّ حالاً من المحذوف، قيل: وهي حال مقدرة، لأنه وقت خلقه ليس بشيء حتى يتم خلقه.
وقرأ مبشر بن عبيد: في أرحامهنّ وبردّهنّ، بضم الهاء فيهما والضم هو الأصل، وإنما كسرت لكسرة ما قبلها.
{إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ}. هذا شرط جوابه محذوف على الأصح من المذاهب، حذف لدلالة ما قبله عليه، ويقدر هنا من لفظه، أي: إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر، فلا يحل لهنّ ذلك والمعنى: أن من اتصف بالإيمان لا يقدم على ارتكاب ما لا يحل له، وعلق ذلك على بهذا الشرط، وإن كان الإيمان حاصلاً لهنّ إيعاداً وتعظيماً للكتم، وهذا كقولهم: إن كنت مؤمناً فلا تظلم، وإن كنت حراً فانتصر. يجعل ما كان موجوداً كالمعدوم، ويعلق عليه، وإن كان موجوداً في نفس الأمر.

والمعنى: إن كنّ مؤمنات فلا يحل لهنّ الكتم، وأنت مؤمن فلا تظلم، وأنت حر فانتصر، وقيل: في الكلام محذوف: أي، إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر حق الإيمان.
وقيل: إن، بمعنى: إذ، وهو ضعيف.
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} وقرأ أبي: بردتهِنَّ بالتاء بعد الدال، وتتعلق: الباء، وفي، بقوله: أحق، وقيل: تتعلق: في، بردهنّ؛ وأشار بقوله: في ذلك، إلى الأجل الذي أمرت أن تتربص فيه، وهو زمان العدة وقيل: في الحمل المكتوم، والضمير في: بعولتهن، عائد على المطلقات، وهو مخصوص بالرجعيات.
{إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحاً} هذا شرط آخر حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.

(1/479)


{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ومثل، مبتدأ، و: لهنّ، هو في موضع الخبر، و: بالمعروف، يتعلق به: لهنّ، أي: ومثل الذي لأزواجهنّ عليهنّ كائن لهنّ على أزواجهنّ، وقيل: بالمعروف، هو في موضع الصفة: لمثل، فهو في موضع رفع، وتتعلق إذ ذاك بمحذوف.
{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} و: درجة، مبتدأ، و: للرجال، خبره، وهو خبر مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة، و: عليهن، متعلق بما تعلق به الخبر من الكينونة والاستقرار، وجوّزوا أن يكون: عليهنّ، في موضع نصب على الحال، لجواز أنه لو تأخر لكان وصفاً للنكرة، فلما تقدّم انتصب على الحال، فتعلق إذ ذاك بمحذوف وهو غير العامل في الخبر، ونظيره: في الدار قائماً رجل، كان أصله: رجل قائم، ولا يجوز أن يكون: عليهن، الخبر، و: للرجال، في موضع الحال، لأن العامل في الحال إذ ذاك معنوي، وقد تقدّمت على جزأي الجملة، ولا يجوز ذلك، ونظيره: قائماً في الدار زيد. وهو ممنوع لا ضعيف كما زعم بعضهم، فلو توسطت الحال وتأخر الخبر، نحو: زيد قائماً في الدار، فهذه مسألة الخلاف بيننا وبين أبي الحسن، أبو الحسن يجيزها، وغيره يمنعها.
فعلى هذا الألف واللام في الطلاق للعهد في الطلاق السابق.

(1/480)


{الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ}والطلاق مصدر طلقت المرأة طلاقاً، ويكون بمعنى التطليق. كالسلام بمعنى التسليم، وهو مبتدأ، ومرتان خبره، وهو على حذف مضاف، أي: عدد الطلاق المشروع فيه الرجعة، أو الطلاق الشرعي المسنون مرتان، واحتيج إلى تقدير هذا المضاف حتى يكون الخبر هو المبتدأ، و: مرتان، تثنية حقيقة، لأن الطلاق الرجعي أو المسنون، على اختلاف القولين، عدده هو مرتان على التفريق، وقد بينا كونه يكون على التفريق. وقال الزمخشري: ولم يرد بالمرتين التثنية والتكرار كقوله تعالى: {ثم ارجع البصر كرتين}(الملك: 4) أي: كرة بعد كرة، لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التتالي التي يراد بها التكرير، قولهم: لبيك، وسعديك، وحنانيك، وهذا ذيك، ودواليك. انتهى كلامه. وهو في الظاهر مناقض لما قال قبل ذلك، ومخالف لما في نفس الأمر.

والذي يدل عليه ظاهر اللفظ: أن: الطلاق، الألف واللام فيه للعهد.
وقال في «المنتخب» ما ملخص منه: الطلاق مرتان، قال قوم هو مبتدأ لا تعلق له بما قبله، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع دفعة واحدة، وهذا تفسير من قال: الجمع بين الثلاث حرام، وهو مذهب أبيّ، وجماعة من الصحابة. والألف واللام للاستغراق، والتقدير: كل الطلاق مرتان، ومرة ثالثة، وهذا يفيد التفرق لأن المرّات لا تكون إلاَّ بعد تفرق الاجتماع، ولفظه خبر، ومعناه الأمر.

(1/481)


وارتفاع قوله: {فإمساك} على الابتداء والخبر محذوف قدره ابن عطية متأخراً تقديره: أمثل وأحسن، وقدره غيره متقدماً أي: فعليكم إمساك بمعروف، وجوّز فيه ابن عطية أن يكون خبر مبتدأ محذوف، التقدير: فالواجب إمساك، و: بمعروف، وبإحسان، يتعلق كل منهما بما يليه من المصدر، و: الباء، للإلصاق، وجوز أن يكون المجرور صفة لما قبله، فيتعلق بمحذوف، وقالوا: يجوز في العربية ولم يقرأ به نصب إمساك، أو تسريح، على المصدر أي: فأمسكوهنّ إمساكاً بمعروف، أو سرّحوهنّ تسريحاً بإحسان.
{وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} {وشيئاً} نكرة في سياق النهي فتعم، و: مما، متعلق بقوله: تأخذوا، أو بمحذوف فيكون في موضع نصب على الحال من قوله: شيئاً، لأنه لو تأخر لكان نعتاً له.

(1/482)


{إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} الألف واللام في يخافا ويقيما عائد على صنفي الزوجين، وهو من باب الالتفات، لأنه إذا اجتمع مخاطب وغائب، وأسند إليهما حكم كان التغليب للمخاطب، فتقول: أنت وزيد تخرجان، ولا يجوز يخرجان، وكذلك مع التكلم نحو: أنا وزيد نخرج، ولما كان الاستثناء بعد مضي الجملة للخطاب جاز الالتفات، ولو جرى على النسق الأول لكان: إلاَّ أن تخافوا أن لا تقيموا، ويكون الضمير إذ ذاك عائداً على المخاطبين وعلى أزواجهم، والمعنى: إلاَّ أن يخافا أي: صنفا الزوجين، ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من حقوق الزوجية، بما يحدث من بغض المرأة لزوجها حتى تكون شدة البغض سبباً لمواقعة الكفر، كما في قصة جميلة مع زوجها ثابت، {وأن يخافا} قيل: في موضع نصب على الحال، التقدير: إلاَّ خائفين، فيكون استثناء من الأحوال، فكأنه قيل: فلا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً في كل حال إلاَّ في حال الخوف أن لا يقيما حدود الله، وذلك أنّ: أن، مع الفعل بتأويل المصدر، والمصدر في موضع اسم الفاعل فهو منصوب على الحال، وهذا في إجازته نظر، لأن وقوع المصدر حالاً لا ينقاس، فأحرى ما وقع موقعه، وهو: أن الفعل، ويكثر المجاز فإن الحال إذ ذاك يكون: أن والفعل، الواقعان موقع المصدر الواقع موقع اسم الفاعل.

(1/483)


وقد منع سيبويه وقوع: أن والفعل، حالاً، نص على ذلك في آخر: هذا باب ما يختار فيه الرفع ويكون فيه الوجه في جميع اللغات، والذي يظهر أنه استثناء من المفعول له، كأنه قيل: ولا يحل لكم أن تأخذوا بسبب من الأسباب إلاَّ بسبب خوف عدم إقامة حدود الله، فذلك هو المبيح لكم الأخذ، ويكون حرف العلة قد حذف مع: أن، وهو جائز فصيحاً كثيراً، ولا يجيء هنا، خلاف الخليل وسيبويه، أنه إذا حذف حرف الجر من: أن، هل ذلك في موضع نصب أو في موضع جر؟ بل هذا في موضع نصب، لأنه مقدر بالمصدر لو صرح به كان منصوباً، واصلاً إليه العامل بنفسه، فكذلك هذا المقدر به، وهذا الذي ذكرناه من أنَّ: أن والفعل، إذا كانا في موضع المفعول من أجله، فالموضع نصب لا غير، منصوص عليه من النحويين، ووجهه ظاهر.
وقرأ عبد الله: إلاَّ أن يخافوا أن لا يقيموا حقوق، أي إلاَّ أن يخاف الأزواج والزوجات، وهو من باب الالتفات إذ لو جرى عليه النسق الأول لكان بالتاء، وروي عن عبد الله أنه قرأ أيضاً: إلاَّ أن تخافوا بالتاء.
وقرأ حمزة، ويعقوب، ويزيد بن القعقاع؛ إلاَّ أن يُخافوا، بضم الياء، مبنياً للمفعول، والفاعل المحذوف: الولاة.
وأن لا يقيما، في موضع رفع بدل من الضمير أي: إلاَّ أن يخاف عدم إقامتهما حدود الله، وهو بدل اشتمال، كما تقول: الزيدان أعجباني حسنهما، والأصل: إلاَّ أن يخافوا، أنها: الولاة، عدم إقامتهما حدود الله.

(1/484)


وقال ابن عطية: في قراءة يخافا بالضم، أنها تعدت خاف إلى مفعولين: أحدهما أسند الفعل إليه، والآخر بتقدير حرف جر بمحذوف، فموضع أن خفض الجار المقدر عند سيبويه، والكسائي، ونصب عند غيرهما، لأنه لما حذف الجار المقدر وصل الفعل إلى المفعول الثاني، مثل: استغفر لله ذنباً، وأمرتك الخير. إنتهى كلامه. وهو نص كلام أبي علي الفارسي نقله من كتابه، إلا التنظير باستغفر، وليس بصحيح تنظير ابن عطية خاف باستغفر، لأن خاف لا يتعدى إلى اثنين، كاستغفر الله، ولم يذكر ذلك النحويون حين عدوا ما يتعدى إلى اثنين،وأصل أحدهما بحرف الجر، بل إذا جاء: خفت زيداً ضربه عمراً، كان ذلك بدلاً، إذ: من ضربه عمراً كان مفعولاً من أجله، ولا يفهم ذلك على أنه مفعول ثان، وقد وهم ابن عطية في نسبة أن الموضع خفض في مذهب سيبويه، والذي نقله أبو علي وغيره أن مذهب سيبويه أن الموضع بعد الحذف نصب، وبه قال الفراء، وأن مذهب الخليل أنه جر، وبه قال الكسائي. وقدَّر غير ابن عطية ذلك الحرف المحذوف: على، فقال: والتقدير إلاَّ أن يخافا على أن يقيما، فعلى هذا يمكن أن يصح قول أبي علي وفيه بعد. وقد طعن في هذه القراءة من لا يحسن توجيه كلام العرب، وهي قراءة صحيحة مستقيمة في اللفظ وفي المعنى، ويؤيدها قوله بعد: فإن خفتم، فدل على أن الخوف المتوقع هو من غير الأزواج، وقد اختار هذه القراءة أبو عبيد.

(1/485)


قال أبو جعفر الصفار: ما علمت في اختيار حمزة أبعد من هذا الحرف لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى، أما الإعراب فإن يحتج له بقراءة عبد الله بن مسعود: إلاَّ أن يخافوا أن لا يقيموا، فهو في العربية إذ ذاك لما لم يسم فاعله، فكان ينبغي أن لو قيل إلاَّ أن يخافا أن لا يقيما؟ وقد احتج الفراء لحمزة، وقال: إنه اعتبر قراءة عبد الله: إلاَّ أن يخافوا، وخطأه أبو علي، وقال: لم يصب، لأن الخوف في قراءة عبد الله واقع على: أن؛ وفي قراءة حمزة واقع على الرجل والمرأة، وأما اللفظ فإن كان صحيحاً فالواجب أن يقال: فإن خيفا، وإن كان على لفظ: فإن، وجب أن يقال إلاَّ أن يخافوا. وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال: لا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيمتوهنّ شيئاً إلاَّ أن يخاف غيركم، ولم يقل جل وعزّ: فلا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية، فيكون الخلع إلى السلطان، وقد صح عن عمر وعثمان أنهما أجازا الخلع بغير سلطان. إنتهى كلام الصفار، وما ذكره لا يلزم، وتوجيه قراءة الضم ظاهر، لأنه لما قال: ولا يحل لكم وجب على الحكام منه من أراد أن يأخذ شيئاً من ذلك، ثم قال: إلاَّ أن يخافا، فالضمير للزوجين، والخائف محذوف وهم: الولاة والحكام والتقدير: إلاَّ أن يخاف الأولياء الزوجين أن لا يقيما حدود الله، فيجوز الافتداء، وتقدم تفسير الخوف هنا.

(1/486)


وأما قوله: فوجب أن يقال: فإن خيفا فلا يلزم، لأن هذا من باب الالتفات، وهو في القرآن كثير، وهو من محاسن العربية، ويلزم من فتح الياء أيضاً على قول الصفار أن يقرأ: فإن خافا، وإنما هو في القراءتين على الالتفات، وأما تخطئة الفراء فليست صحيحة، لأن قراءة عبد الله: إلاَّ أن يخافوا، دلالة على ذلك، لأن التقدير: إلاَّ أن يخافوهما أن لا يقيما، والخوف واقع في قراءة حمزة على أن، لأنها في موضع رفع على البدل من ضميرهما، وهو بدل الاشتمال كما قررناه قبل، فليس على ما تخيله أبو علي، وذلك كما تقول: خيف زيد شره، وأما قوله: يبعد من جهة المعنى، فقد تقدّم الجواب عنه، وهو أن لهما المنع من ذلك، فمتى ظنوا أو أيقنوا ترك إقامة حدود الله، فليس لهم المنع من ذلك، وقد اختار أبو عبيدة قراءة الضم، لقوله تعالى: فإن خفتم، فجعل الخوف لغير الزوجين، ولو أراد الزوجين لقال: فإن خافا.
وقد قيل: إن قوله: {ولا يحل لكم} إلى آخره، جملة معترضة بين قوله: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وبين قوله: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد}.

{فإن خفتم}: الضمير للأولياء أو السلطان، فإن لم يكونوا فلصلحاء المسلمين، وقيل: عائد على المجموع من قام به أجزأ.
{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} هذا جواب الشرط.
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} و: تلك، مبتدأ، و: حدود الله، الخبر.
{وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ} و: من، شرطية، والفاء في: فأولئك، جواب الشرط، و: حمل، يتعدّ على اللفظ، فأفرد، و: أولئك، على المعنى. فجمع وأكد بقوله: هم، وأتى في قوله: الظالمون، بالألف واللام التي تفيد الحصر، أو المبالغة في الوصف، ويحتمل: هم، أن تكون فصلاً مبتدأ وبدلاً.

(1/487)


{فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
{فَإِن طَلَّقَهَا} قيل: الضمير عائد على: زوج، النكرة، وهو الثاني، وأتى بلفظ: إن، دون إذا تنبيهاً على أن طلاقه يجب أن يكون على ما يخطر له دون الشرط. انتهى.
{أَن يَتَرَاجَعَآ} أي: في أن يتراجعا، والضمير في: عليهما، وفي: أن يتراجعا، على ما فسروه، عائد على الزوج الأوّل والزوجة التي طلقها الزوج الثاني.
و: {إن ظنا}، شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه.
قال الزمخشري: ومن فسر العلم هنا بالظن فقد وهم من طريق اللفظ، والمعنى: لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن: علمت أنه يقوم زيد، ولأن الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظناً. انتهى كلامه.
وما ذكره من: أنك لا تقول علمت أن يقوم زيد، قد قاله غيره، قالوا: إن أن الناصبة للمضارع لا يعمل فيها فعلا تحقيق، نحو: العلم واليقين والتحقيق، وإنما يعمل في أن المشددة، قال أبو علي الفارسي في «الإيضاح»: ولو قلت علمت أن يقوم زيد، فنصبت الفعل: بأن، لم يجز، لأن هذا من مواضع: أن، لأنها مما قد ثبت واستقر، كما أنه لا يحسن: أرجو أنك تقوم، وظاهر كلام أبي علي الفارسي مخالف لما ذكره سيبويه من أن يجوز أن تقول: ما علمت إلاَّ أن يقوم زيد، فأعمل: علمت، في: أن.
قال بعض أصحابنا: ووجه الجمع بينهما أن: علمت، قد تستعمل ويراد بها العلم القطعي، فلا يجوز وقوع: أن، بعدها كما ذكره الفارسي، وقد تستعمل ويراد بها الظن القوي، فيجوز أن يعمل في: أن، ويدل على استعمالها ولا يراد بها العلم القطعي قوله: {فإن علمتموهنّ مؤمنات}(الممتحنة: 10) فالعلم هنا إنما يراد به الظن القوي، لأن القطع بإيمانهنّ غير متوصل إليه وقول الشاعر:
وأعلم علم حق غير ظن

(1/488)


وتقوى الله من خير المعاد} فقوله: علم حق، يدل على أن العلم قد يكون غير علم حق، وكذلك قوله: غير ظن، يدل عليه أنه يقال: علمت وهو ظان، ومما يدل على صحة ما ذكره سيبويه من أن: علمت، قد يعمل في: أن، إذا أريد بها غير العلم القطعي قول جرير:
نرضى عن الله أن الناس قد علموا
أن لا يدانينا من خلقه بشرفأتى بأن، الناصبة للفعل بعد علمت. انتهى كلامه.

وثبت بقول جرير وتجويز سيبويه أن: علم، تدخل على أن الناصبة، فليس بوهم، كما ذكر الزمخشري من طريق اللفظ.
والفاء في: فلا تحل، جواب الشرط، وله، ومن بعد، وحتى، ثلاثتها تتعلق بتحل، واللام معناها التبليغ، ومن ابتداء الغاية، وحتى للتعليل. وبُني لقطعه عن الإضافة، إذ تقديره من بعد الطلاق الثالث، و{زوجاً} أتى به للتوطئة، أو للتقييد أظهرهما الثاني؛ فإن كان للتوطئة لا للتقييد فيكون ذكره على سبيل الغلبة لأن الإنسان أكثر ما يتزوج الحرائر، ويصير لفظ الزوج كالملغى، فيكون في ذلك دلالة على أن الأمة إذا بتّ طلاقها ووطئها سيدها حلّ للأول نكاحها، إذ لفظ الزوج ليس بقيد؛ وإن كان للتقييد، وهو الظاهر، فلا يحللها وطء سيدها.
والفاء في: {فلا جناح}، جواب الشرط قبله، و{عليهما}، في موضع الخبر، أما المجموع: جناح، إذ هو مبتدأ على رأي سيبويه، وإما على أنه خبر: لا، على مذهب أبي الحسن، و: أن يتراجعا، أي: في أن يتراجعا، والخلاف بعد حذف: في، أبقى: أن، مع ما بعدها في موضع نصب، أم في موضع جر، تقدم لنا ذكره، و: أن يقيما، في موضع المفعولين سد مسدهما لجريان المسند والمسند إليه في هذا الكلام على مذهب سيبويه، والمفعول الثاني محذوف على مذهب أبي الحسن، وأبي العباس.

(1/489)


{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تلك: مبتدأ، و: حدود خبر، و: يبينها يحتمل أن يكون خبراً بعد خبر، ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي مبينة، والعامل فيها اسم الإشارة، وذو الحال: حدود الله، كقوله تعالى: {فتلك بيوتهم خاوية}(النمل: 52) و: لقوم، متعلق: بيبينها، و: تلك، إشارة إلى ما تقدم من الأحكام، وقرىء: نبينها، بالنون على طريق الالتفات، وهي قراءة تروى عن عاصم.

(1/490)


{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ ذلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.
وانتصب: ضراراً، على أنه مفعول من أجله، وقيل: هو مصدر في موضع الحال، أي: مضارين لتعتدوا، أي: لتظلموهن، وقيل: لتلجئوهن إلى الافتداء.

(1/491)


واللام: لام كي، فإن كان ضراراً حالاً تعلقت اللام به، أو: بلا تمسكوهن، وإن كان مفعولاً من أجله تعلقت اللام به، وكان علة للعلة، تقول: ضربت ابني تأديباً لينتفع، ولا يجوز أن يتعلق: بلا تمسكوهن، لأن الفعل لا يقضي من المفعول من أجله اثنين إلاَّ بالعطف، أو على البدل، ولا يمكن هنا البدل لأجل اختلاف الإعراب، ومن جعل اللام للعاقبة جوّز أن يتعلق: بلا تمسكوهن، فيكون الفعل قد تعدى إلى علة وإلى عاقبة، وهما مختلفان.
وانتصب: هزؤاً، على أنه مفعول ثانٍ: لتتخذوا، وتقول: هزأ به هزؤاً استخف.
{وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ} هذا أمر معطوف على أمر في المعنى، وهو: ولا تتخذوا آيات لله هزواً، والنعمة هنا ليست التاء فيها للوحدة، ولكنها بني عليها المصدر، ويريد: النعم الظاهرة والباطنة، وأجلها ما أنعم به من الإسلام ونبوّة محمد علية الصلاة والسلام.

و: {ما أنزل عليكم}، معطوف على نعمة، وهو تخصيص بعد تعميم.
فإن أريد بالنعمة المنعم به فيكون: عليكم، في موضع الحال، فيتعلق بمحذوف، أي: كائنة عليكم، ويكون في ذلك تنبيه على أن نعمته تعالى منسحبة علينا، قد استعلت وتجللت وصارت كالظلة لنا، وإن أريد بالنعمة الإنعام فيكون: عليكم، متعلقاً بلفظ النعمة، ويكون إذ ذاك مصدراً من: أنعم، على غير قياس، كنبات من أنبت.
وعليكم، الثانية متعلقة بأنزل، و: من، في موضع الحال، أي: كائناً من الكتاب، ويكون حالاً من ما أنزل أو من الضمير العائد على الموصول المحذوف، إذ تقديره: وما أنزل عليكم. ومن أثبت لمن معنى البيان للجنس جوز ذلك هنا، كأنه قيل: وما أنزله عليكم الذي هو الكتاب والسنة.

(1/492)


{يَعِظُكُم بِهِ} يذكركم به، والضمير عائد على: ما، من قوله: وما أنزل، وهي جملة حالية من الفاعل المستكن في: أنزل، والعامل فيها: أنزل، وجوزوا في: ما، من قوله: وما أنزل، أن يكون مبتدأ. و: يعظكم، جملة في موضع الخبر، كأنه قيل: والمنزله الله من الكتاب والحكمة يعظكم به، وعطفه على النعمة أظهر.
{أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ} هو في موضع نصب على البدل من الضمير بدل اشتمال، أو على أن أصله من أن ينكحن، وينكحن مضارع نكح الثلاثي.
{إِذَا تَرَضَوْاْ}: الضمير عائد على الخطاب والنساء، وغلب المذكر، فجاء الضمير بالواو، ومن جعل للأولياء ذكراً في الآية قالوا: احتمل أن يعود على الأولياء والأزواج.
والعامل في: إذا، ينكحن.
{بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} الضمير في: بينهم، ظرف مجازي ناصبه: تراضوا، بالمعروف: ظاهره أنه متعلق بتراضوا، وفسر بأنه ما يحسن من الدين والمروءة في الشرائط، وقيل: مهر المثل، وقيل: المهر والإشهاد. ويجوز أن يتعلق: بالمعروف، بينكحن، لا: بتراضوا، ولا يعتقد أن ذلك من الفصل بين العامل والمعمول الذي لا ينتفي، بل هو من الفصل الفصيح، لأنه فصل بمعمول الفعل، وهو قوله: {إذا تراضوا} فإذا منصوب بقوله: {أن ينكحن} و: بالمعروف، متعلق به، فكلاهما معمول للفعل.
{ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأٌّخِرِ} و: ذلك، للبعد ناب عن اسم الإشارة الذي للقرب، وهو: هذا، وإن كان الحكم قريباً ذكره في الآية، وذلك يكون لعظمة المشير إلى الشيء، ومعنى: يوعظ به أي يذكر به، ويخوّف. و: منكم، متعلق بكان، أو: بمحذوف في موضع الحال من الضمير المستكن في: يؤمن.

{وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} {يرضعن أولادهنّ} صورته خبر محتمل أن يكون معناه خبراً، أي: في حكم الله تعالى الذي شرعه.

(1/493)


ويحتمل أن يكون معناه الأمر كقوله: {والمطلقات يتربصن}(البقرة: 228).
{لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} واللام في: لمن، قيل: متعلقة بيرضعن، كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده، وتكون اللام على هذا للتعليل أي: لأجله، فتكون: مَنْ واقعة على الأب، كأنه قيل: لأجل من أراد أن يتم الرضاعة على الآباء، وقيل: اللام للتبيين، فيتعلق بمحذوف كهي في قولهم: سقياً لك: وفي قوله تعالى: {هيت لك}(يوسف: 23) فاللام لتبيين المدعو له بالسقي، وللمهيت به، وذلك أنه لما قدم قوله: يرضعن أولادهن حولين كاملين} بين أن هذا الحكم إنما هو: لمن يريد أن يتم الرضاعة من الوالدات، فتكون: من، واقعة على الأم، كأنه قيل: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} من الوالدات. أو تكون، مَنْ، واقعة على الوالدات والمولود له، كل ذلك يحتمله اللفظ.
وقرأ الجمهور: أن يتم الرضاعة بالياء من: أتم، ونصب الرضاعة. وقرأ مجاهد، والحسن، وحميد، وابن محيصن، وأبو رجاء: تتم، بالتاء من تم، ورفع الرضاعة. وقرأ أبو حنيفة، وابن أبي عبلة، والجارود بن أبي سبرة كذلك، إلاَّ أنهم كسروا الراء من الرضاعة، وهي لغة: كالحضارة والحضارة، والبصريون يقولون بفتح الراء مع الهاء وبكسرها دون الهاء، والكوفيون يعكسون ذلك، وروي عن مجاهد أنه قرأ: الرضعة، على وزن القصعة، وروي عن ابن عباس أنه قرأ: أن يكمل الرضاعة، بضم الياء، وقرىء: أن يتم، برفع الميم، ونسبها النحويون إلى مجاهد، وقد جاز رفع الفعل بعد أن في كلام العرب في الشعر. أنشد الفراء رحمه الله تعالى:
أن تهبطين بلاد قو
م يرتعون من الطلاح
وقال الآخر:
أن تقرآن على أسماء، ويحكما
مني السلام، وأن لا تُبْلِغَا أحدا وهذا عند البصريين هي الناصبة للفعل المضارع، وترك إعمالها حملاً على: ما، أختها في كون كل منهما مصدرية، وأما الكوفيون فهي عندهم المخففة من الثقيلة، وشذ وقوعها موقع الناصبة، كما شذ وقوع الناصبة موقع المخففة في قول جرير:

(1/494)


ترضى عن الله أن الناس قد علموا
أن لا يدانينا من خلقه بشروالذي يظهر أن إثبات النون في المضارع المذكور مع: أن، مخصوص بضرورة الشعر، ولا يحفظ أن غير ناصبة إلاَّ في هذا الشعر، والقراءة المنسوبة إلى مجاهد، وما سبيله هذا، لا تُبني عليه قاعدة.

{وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} المولود جنس، واللام فيه موصولة وصلت باسم المفعول و: أل، كمن، و: ما، يعود الضمير على اللفظ مفرداً مذكراً، ويجوز أن يعود على المعنى بحسب ما تريده من المعنى من تثنية أو جمع أو تأنيث، وهنا عاد الضمير على اللفظ، فجاء له. ويجوز في العربية أن يعود على المعنى، فكان يكون: لهم، إلاَّ أنه لم يقرأ به، والمفعول الذي لم يسم فاعله هو الجار والمجرور، وحذف الفاعل، وهو: الوالدات، و: المفعول به وهو: الأولاد، وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل، وهذا على مذهب البصريين، أعني: أن يقام الجار مقام الفاعل إذا حذف نحو: مرّ بزيد.
وذهب الكوفيون إلى أن ذلك لا يجوز إلاَّ فيما حرف الجر فيه زائد، نحو: ما ضرب من أحدٍ، فإن كان حرف الجر غير زائد لم يجز ذلك عندهم، ولا يجوز أن يكون الاسم المجرور في موضع رفع باتفاق منهم.

(1/495)


واختلفوا بعد هذا الاتفاق في الذي أقيم مقام الفاعل، فذهب الفراء إلى أن حرف الجر وحده في موضع رفع، كما أن: يقوم من؟ زيد يقوم. في موضع رفع، وذهب الكسائي وهشام إلى أن مفعول الفعل ضمير مبهم مستتر في الفعل، وإبهامه من حيث إنه يحتمل أن يراد به ما يدل عليه الفعل من مصدر، أو ظرف زمان، أو ظرف مكان، ولم يقم الدليل على أن المراد به بعض ذلك دون بعض، ومنهم من ذهب إلى أن مرفوع الفعل ضمير عائد على المصدر، والتقدير: سير هو، يريد: أي سير السير، والضمير يعود على المصدر المفهوم من الفعل، وهذا سائغ عند بعض البصريين، وممنوع عند محققي البصريين، والنظر في الدلائل هذه المذاهب تصحيحاً وإبطالاً يذكر في عالم النحو.
وقد وهم بعض كبرائنا، فذكر في كتابه المسمى بـ «الشرح لجمل الزجاجي» أن النحويين أجمعوا على جواز إقامة المجرور مقام الفاعل إلاَّ السهيلي، فإنه منع ذلك، وليس كما ذكر، إذ قد ذكرنا الخلاف عن الفراء، والكسائي، وهشام. والتفصيل في المجرور. وممن تبع السهيلي على قوله: تلميذه أبو علي الزيدي شارح «الجمل».
{لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} وقراءة الجمهور: {لا تُكلف نفسٌ} مبني للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، وحذف للعلم به. وقرأ أبو رجاء: لا تكلف، بفتح التاء، أي: لا تتكلف، وارتفع نفس على الفاعلية، وحذفت إحدى التاءين على الخلاف الذي بيننا وبين بعض الكوفيين، و: تكلف تفعل، مطاوع فعل نحو: كسرته فتكسر، والمطاوعة أحد المعاني التي جاء لها تفعل.

وروى أبو الأشهب عن أبي رجاء أنه قرأ: لا نكلف نفساً بالنون، مسنداً الفعل إلى ضمير الله تعالى، و: نفساً، بالنصب مفعول.

(1/496)


{لاَ تُضَآرَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبان، عن عاصم: لا تضارّ، بالرفع أي: برفع الراء المشددة، وهذه القراءة مناسبة لما قبلها من قوله: {لا تُكلف نفس إلاَّ وسعها} لاشتراك الجملتين في الرفع، وإن اختلف معناهما، لأن الأولى خبرية لفظاً ومعنى، وهذه خبرية لفظاً نهيية في المعنى. وقرأ باقي السبعة: لا تضار، بفتح الراء، جعلوه نهياً، فسكنت الراء الأخيرة للجزم، وسكنت الراء الأولى للإدغام، فالتقى ساكنان فحرك الأخير منهما بالفتح لموافقة الألف التي قبل الراء، لتجانس الألف والفتحة، ألا تراهم حين رخموا: أسحارّاً، وهم اسم نبات، إذا سمي به حذفوا الراء الأخيرة، وفتحوا الراء الساكنة التي كانت مدغمة في الراء المحذوفة، لأجل الألف قبلها، ولم يكسروها على أصل التقاء الساكنين، فراعوا الألف وفتحوا، وعدلوا عن الكسر وإن كان الأصل؟ وقرأ: لا يضارِّ بكسر الراء المشددة على النهي. وقرأ أبو جعفر الصفار: لا تضار، بالسكون مع التشديد، أجرى الوصل مجرى الوقف، وروي عنه: لا تضار، بإسكان الراء وتخفيفها، وهي قراءة الأعرج من ضار يضير، وهو مرفوع أجري الوصل فيه مجرى الوقف. وقال الزمخشري: اختلس الضمة فظنه الراوي سكوناً. انتهى. وهذا على عادته في تغليط القراء وتوهيمهم، ولا نذهب إلى ذلك.
ووجَّه هذه القراءة بعضهم بأن قال: حذف الراء الثانية فراراً من التشديد في الحرف المكرر، وهو الراء، وجاز أن يجمع بين الساكنين: إما لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ولأنَ مدة الألف تجري مجرى الحركة. انتهى.
وروي عن ابن عباس: لا تضارر، بفك الإدغام وكسر الراء الأولى وسكون الثانية. وقرأ ابن مسعود: لا تضارر، بفك الإدغام أيضاً وفتح الراء الأولى وسكون الثانية، قيل: ورواها أبان عن عاصم.

(1/497)


والإظهار في نحو هذين المثلين لغة الحجاز، فأما من قرأ بتشديد الراء، مرفوعة أو مفتوحة أو مكسورة، فيحتمل أن يكون الفعل مبنياً للفاعل، ويحتمل أن يكون مبنياً للمفعول كما جاء في قراءة ابن عباس، وفي قراءة ابن مسعود؛ ويكون ارتفاع: والدة ومولود، على الفاعلية إن قدر الفعل مبنياً للفاعل، وعلى المفعولية إن قدر الفعل مبنياً للمفعول، فإذا قدرناه مبنياً للفاعل، فالمفعول محذوف تقديره: لا تضارر والدةُ زوجَها بأن تطالبه بما لا يقدر عليه من رزق وكسوة وغير ذلك من وجوه الضرر، ولا يضارر مولودٌ له زوجته بمنعها ما وجب لها من رزق وكسوة، وأخذ ولدها مع إيثارها إرضاعه، وغير ذلك من وجوه الضرر.

والباء في: بولدها، وفي: بولده، باء السبب.
ويعني بقوله: أن تكون الباء من صلته، يعني متعلقة بتضار، ويكون ضار بمعنى أضر، فاعل بمعنى أفعل، نحو: باعدته وأبعدته، وضاعفته وأضعفته، وكون فاعل بمعنى أفعل هو من المعاني التي وضع لها فاعل، تقول: أضرّ بفلان الجوع، فالجار والمجرور هو المفعول به من حيث المعنى، فلا يكون المفعول محذوفاً، بخلاف التوجيه الأول، وهو أن تكون الباء للسبب، فيكون المفعول محذوفاً كما قدرناه.
والظاهر أن الباء للسبب، ويبين ذلك قراءة من قرأ لا تضارَرْ، براءين، الأولى مفتوحة، وهي قراءة عمر بن الخطاب.
وتأويل من تأول في الإدغام أن الفعل مبني للمفعول، فإذا كان الفعل مبنياً للمفعول تعين كون الباء للسبب، وامتنع توجيه الزمخشري أن: ضارٌ به في معنى: أضرَّ به، والتوجيه الآخر أن: ضارٌ به بمعنى: ضره، وتكون الباء زائدة، ولا تنقاس زيادتها في المفعول، مع أن في التوجيهين إخراج فاعل عن المعنى الكثير فيه، وهو كون الاسمين شريكين في الفاعلية والمفعولية من حيث المعنى، وإن كان كل واحد منهما مرفوعاً والآخر منصوباً.

(1/498)


{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ} هذا معطوف على قوله: {وعلى المولود له} والجملتان قبل هذا كالتفسير لقوله: بالمعروف، اعتراض بهما بين المتعاطفين.
فعلى هذه الأقوال تكون: الألف واللام في قوله: {وعلى الوارث} كأنها نابت عن الضمير العائد على: المولود له، كأنه قيل: وعلى وارث المولود له.
{فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} الضمير في: أرادا، عائد على الوالدة والمولود له.
وقرىء: فإن أراد، ويتعلق عن تراض، بمحذوف لأنه في موضع الصفة لقوله: {فصالاً}، أي: فصالاً كائنا، وقدّره الزمخشري صادراً. و: عن، للمجاوزة مجازاً، لأن ذلك معنى من المعاني لا جرم.
{فلا جناح عليهما} هذا جواب الشرط، وقبل هذا الجواب جملة محذوفة بها يصح المعنى، التقدير: ففصلاه، أو ففعلا ذلك، والمعنى: فلا جناح عليهما في الفصال.
{وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ} و: استرضع، فيه خلاف، هل يتعدى إلى مفعولين بنفسه، أو إلى مفعولين الثاني بحرف جر، قولان.

(1/499)


فالأول: قول الزمخشري، قال: استرضع منقول من أرضع، يقال: أرضعت المرأة الصبي، واسترضعها الصبي، فتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة، واستنجحته الحاجة. والمعنى: أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة، ولا تذكر من استنجحته، وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأول. إنتهى كلامه. وهو نقلٌ من نقلٍ، الأصل رضع الولد، ثم تقول: أرضعت المرأة الولد، ثم تقول استرضعت المرأة الولد، واستفعل هنا للطلب أي: طلبت من المرأة إرضاع الولد، كما تقول استسقيت زيداً الماء، واستطعمت عمراً الخبز، أي: طلبت منه أن يسقيني وأن يطعمني، فكما أن الخبز والماء منصوبان وليسا على إسقاط الخافض، كذلك: أولادكم، منصوب لا على إسقاط الخافض.

والثاني: قول الجمهور، وهو أن يتعدى إلى اثنين، الثاني بحرف جر، وحذف من قوله: أولادكم، والتقدير: لأولادكم، وقد جاء استفعل أيضاً للطلب معدى بحرف الجر في الثاني، وإن كان في: أفعل، معدى إلى اثنين. تقول: أفهمني زيد المسألة، واستفهمت زيداً عن المسألة، فلم يجىء: استطعمت، ويصير نظير: استغفرت الله من الذنب، ويجوز حذف: من، فتقول: الذنب، وليس في قولهم: كان فلان مسترضعاً في بني فلان دليل على أنه مفعول بنفسه، أو بحرف جر.
{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} هذا جواب الشرط، وقبله جملة حذفت لفهم المعنى، التقدير: فاسترضعتم أو فعلتم ذلك فلا جناح عليكم في الاسترضاع {إذا سلمتم ما آتيتم}
و{إِذَا سَلَّمْتُم} شرط، قالوا: وجوابه ما يدل عليه الشرط الأول وجوابه، وذلك المعنى هو العامل في: إذا، وهو متعلق بما تعلق به: عليكم. إنتهى.

(1/500)


وظاهر هذا الكلام خطأ لأنه جعل العامل في إذا أولاً المعنى الذي يدل عليه الشرط وجوابه، ثم قال ثانياً إن إذا تتعلق بما تعلق به: عليكم، وهذا يناقض ما قبله، ولعلّ قوله: وهو متعلق، سقطت منه ألف، وكان: أو هو متعلق، فيصح إذ ذاك المعنى، ولا تكون إذ ذاك شرطاً، بل تتمحض للظرفية.
و: ما، في الوجهين موصولة بمعنى الذي، والعائد عليها محذوف، وإذا كانت بمعنى أعطى احتيج إلى تقدير حذف ثان، لأنها تتعدى لاثنين أحدهما ضمير: ما، والآخر، الذي هو فاعل من حيث المعنى، والمعنى في: ما آتيتم، أي: ما أردتم إتيانه أو إيتاءه.
وأجاز أبو علي: في: ما آتيتم، أن تكون: ما، مصدرية أي: إذا سلمتم الإتيان، والمعنى مع القصر، وكون: ما، بمعنى الذي، أن يكون الذي ما آتيتم نقده وإعطاءه، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه، فكان التقدير: ما آتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة، وإذا كانت مصدرية استغنى الكلام عن هذا التقدير، وروى شيبان عن عاصم: ما أوتيتم مبيناً للمفعول أي: ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة، ونحوها، قال تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}(الحديد: 7) ويتعلق: بالمعروف، ب: سلمتم، أي: بالقول الجميل الذي تطيب النفس به، ويعين على تحسين نشأة الصبي. وقيل: تتعلق: بآتيتم.

(2/1)


{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ * لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَّلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.
يذر: معناه يترك، ويستعمل منه الأمر ولا يستعمل منه اسم الفاعل ولا المفعول، وجاء الماضي منه على طريق الشذوذ.
وقرأ الجمهور: يتوفون، بضم الياء مبنياً للمفعول، وقرأ علي، والمفضل، عن عاصم: بفتح الياء مبنياً للفاعل، ومعنى هذه القراءة أنهم: يستوفون آجالهم.

(2/2)


وإعراب: الذين، مبتدأ واختلف أنه خبر أم لا؟ فذهب الكسائي والفراء إلى أنه لا خبر له، بل أخبر عن الزوجات المتصل ذكرهن: بالذين، لأن الحديث معهن في الاعتداد بالأشهر، فجاء الخبر عما هو المقصود.
وتحرير مذهب الفراء أن العرب إذا ذكرت أسماء مضافة إليها، فيها معنى الخبر، أنها تترك الإخبار عن الإسم الأول ويكون الخبر عن المضاف، مثاله: إن زيداً وأخته منطلقة، لأن المعنى: إن أخت زيد منطلقة؛ والبيت الأول ليس من هذا الضرب، وإنما أوردوا مما يشبه هذا الضرب قول الشاعر:
فمن يك سائلاً عني فإني
وجروة لا ترود ولا تعار والرد على الفراء، وتأويل الأبيات والآية، مذكور في النحو.

وذهب الجمهور إلى أن له خبراً، واختلفوا، فقيل: هو ملفوظ به، وهو: يتربصن، ولا حذف يصحح معنى الخبر، لأنه ربط من جهة المعنى، لأن النون في: يتربصن، عائد، فقيل: على الأزواج الذين يتوفون، فلو صرح بذلك فقيل: يتربصن أزواجهم، لم يحتج إلى حذف، وكان إخباراً صحيحاً، فكذلك ما هو بمعناه، وهو قول الزجاج.
وقيل: ثَمَّ حذف يصحح معنى الخبرية، واختلفوا في محل الحذف، فقيل: من المبتدأ، والتقدير: وأزواج الذين، ودل على المحذوف قوله: {ويذرون أزواجاً} وقيل: من الخبر، وتقديره: يتربصن بعدهم، أو: بعد موتهم، قاله الأخفش.
وقيل: من الخبر وهو أن يكون الخبر جملة من مبتدأ محذوف وخبره يتربصن، تقديره: أزواجهم يتربصن، ودل عليه المظهر، قاله المبرد.
وقيل: الخبر بجملته محذوف مقدّر قبل المبتدأ تقديره: فيما يتلى عليكم حكم الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً.
وقوله: {يتربصن بأنفسهنّ} بيان للحكم المتلو، وهي جملة لا موضع لها من الإعراب، قالوا: وهذا قول سيبويه.

(2/3)


{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} فعلى هذا القول، والقول الذي قبله، ينتصب، سراً، على الحال، أي: مستسرين. وعلى القولين الأولين ينتصب على المفعول، وإذا انتصب على الحال كان مفعول: فواعدوهن محذوفاً، تقديره: النكاح، وقيل: انتصب على أنه نعت مصدر محذوف، تقديره: مواعدة سراً. وقيل التقدير في: وانتصب انتصاب الظرف.
{إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}. هذا الاستثناء منقطع لأنه لا يندرج تحت: سراً، من قوله: {ولكن لا تواعدوهن سراً} على أي تفسير فسرته.
فإن قلت: بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت: بلا تواعدوهنّ، أي: لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلاَّ مواعدة معروفة غير منكرة، أو: لا تواعدوهنّ إلاَّ بأن تقولوا، أي: لا تواعدوهنّ إلاَّ بالتعريض، ولا يجوز أن يكون استثناءً من سراً، لأدائه إلى قولك: لا تواعدوهن إلاَّ التعريض، إنتهى كلام الزمخشري. ويحتاج إلى توضيح، وذلك أنه جعله استثناءً متصلاً باعتبار أنه استثناء مفرغ، وجعل ذلك على وجهين.
أحدهما: أن يكون استثناء من المصدر المحذوف، وهو الوجه الأول الذي ذكره، وقدّره: لا تواعدوهنّ مواعدة قط إلاَّ مواعدة معروفة غير منكرة، فكأن المعنى: لا تقولوا لهن قولاً تعدونهن به إلاَّ قولاً معروفاً، فصار هذا نظير: لا تضرب زيداً ضرباً شديداً.

والثاني: أن يكون استثناء مفرغاً من مجرور محذوف، وهو الوجه الثاني الذي ذكره، وقدره: إلاَّ بأن تقولوا، ثم أوضحه بقوله: إلاَّ بالتعريض، فكان المعنى: لا تواعدوهنّ سراً، أي نكاحاً بقول من الأقوال، إلاَّ بقول معروف، وهو التعريض. فحذف: من أن، حرف الجر، فيبقى منصوباً أو مجروراً على الخلاف الذي تقدم في نظائره.
والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الذي قبله انتصب نصب المصدر، وهذا انتصب على إسقاط حرف الجر، وهو: الباء، التي للسبب.

(2/4)


قوله: ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعاً من: سراً لأدائه إلى قوله: لا تواعدوهنّ إلاَّ التعريض، والتعريض ليس مواعداً، فلا يصح عنده أن ينصب عليها العامل، وهذا عنده على أن يكون منقطعاً نظير: ما رأيت أحداً إلاَّ حماراً. لكن هذا يصح فيه: ما رأيت إلاَّ حماراً، وذلك لا يصح فيه، لا تواعدوهنّ إلاَّ التعريض، لأن التعريض لا يكون مواعداً بل مواعداً به النكاح، فانتصاب: سراً، على أنه مفعول، فكذلك ينبغي أن يكون: أن تقولوا، مفعولاً، ولا يصح ذلك فيه، فلا يصح أن يكون استثناء منقطعاً. هذا توجيه منع الزمخشري أن يكون استثناء منقطعاً.
وما ذهب إليه ليس بصحيح لأنه لا ينحصر الاستثناء المنقطع فيما ذكر، وهو أن يمكن تلك العامل السابق عليه، وذلك أن الاستثناء المنقطع على قسمين:
أحدهما: ما ذكره الزمخشري، وهو: أن يتسلط العامل على ما بعد؛ إلاَّ، كما مثلنا به في قولك: ما رأيت أحداً إلاَّ حماراً. و: ما في الدار أحد إلاَّ حماراً.
وهذا النوع فيه خلاف عن العرب، فمذهب الحجازيين نصب هذا النوع من المستثنى، ومذهب بني تميم اتباعه لما قبله في الإعراب، ويصلح في هذا النوع أن تحذف الأول وتسلط ما قبله على ما بعد إلاَّ، فتقول: ما رأيت إلاَّ حماراً، وما في الدار إلاَّ حمار. ويصح في الكلام: {ما لهم به من علم إلاَّ اتباع الظن}(النساء: 157).
والقسم الثاني: من قسمي الاستثناء المنقطع هو أن لا يمكن تسلط العامل على ما بعد إلاَّ، وهذا حكمه النصب عند العرب قاطبة، ومن ذلك: ما زاد إلاَّ ما نقص، وما نفع إلاَّ ما ضر. فما بعد إلاَّ لا يمكن أن يتسلط عليه زاد ولا نقص، بل يقدّر المعنى: ما زاد، لكن النقص حصل له، وما نفع لكن الضرر حصل، فاشترك هذا القسم مع الأوّل في تقدير إلاَّ بلكن، لكن الأوّل يمكن تسليط ما قبله عليه، وهذا لا يمكن.

(2/5)


وإذا تقرر هذا فيكون قوله: {إلاَّ أن تقولوا} استثناء منقطعاً من هذا القسم الثاني، وهو ما لا يمكن أن يتوجه عليه العامل، والتقدير: لكنّ التعريض سائغ لكم، وكأن الزمخشري ما علم أن الاستثناء المنقطع يأتي على هذا النوع من عدم توجيه العامل على ما بعد إلاَّ، فلذلك منعه، والله أعلم.

{وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَهُ} وانتصاب: عقدة، على المفعول به لتضمين: تعزموا، معنى ما يتعدّى بنفسه، فضمن معنى: تنووا، أو معنى: تصححوا، أو معنى: توجبوا، أو معنى: تباشروا، أو معنى: تقطعوا، أي: تبتوا. وقيل: انتصب عقدة على المصدر، ومعنى تعزموا تعقدوا. وقيل: انتصب على إسقاط حرف الجر، وهو على هذا التقدير: ولا تعزموا على عقدة النكاح. وحكى سيبويه أن العرب تقول: ضرب زيد الظهر والبطن، أي على الظهر والبطن، وقال الشاعر:
ولقد أبيت على الطوى وأظله
حتى أنال به كريمَ المأكلِ الأصل وأظل عليه، فحذف: على، ووصل الفعل إلى الضمير فنصبه، إذ أصل هذا الفعل أن يتعدّى بعلى، قال الشاعر:
عزمت على إقامة ذي صباح
لأمر ما يسوّد من يسود
{لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} و: ما، في قوله: {ما لم تمسوهنّ} الظاهر أنها ظرفية مصدرية، التقدير: زمان عدم المسيس كقول الشاعر:
إني بحبلك واصل حبلي
وبريش نبلك رائش نبلي ما لم أجدك على هدى أثر
يقرو مقصك قائف قبلي
وهذه ما، الظرفية المصدرية، شبيهة بالشرط، وتقتضي التعميم نحو: أصحبك ما دمت لي محسناً، فالمعنى: كل وقت دوام إحسان. وقال بعضهم: ما، شرطية، ثم قدرها بأن، وأراد بذلك، والله أعلم، تفسير المعنى، و: ما إذا كانت شرطاً تكون إسماً غير ظرف زمان ولا مكان، ولا يتأتى هنا أن تكون شرطاً بهذا المعنى.

(2/6)


وزعم ابن مالك أن: ما، تكون شرطاً ظرف زمان؛ وقد رد ذلك عليه ابنه بدر الدين محمد في بعض تعاليقه، وتأول ما استدل به والده، وتأولنا نحن بعض ذلك، بخلاف تأويل ابنه، وذلك كله ذكرناه في كتاب «التكميل» من تأليفنا. على أن ابن مالك ذكر أن ما ذهب إليه لا يقوله النحويون، وإنما استنبط هو ذلك من كلام الفصحاء على زعمه.
وزعم بعضهم أن: ما، في قوله {ما لم تمسوهنّ} إسما موصولاً والتقدير: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهنّ، فلا يكون لفظ. ما، شرطاً، وهذا ضعيف، لأن: ما، إذ ذاك تكون وصفاً للنساء، إذ قدرها بمعنى اللاتي، و: ما، من الموصولات التي لا يوصف بها بخلاف الذي والتي.
و: أو، على بابها من كونها تأتي لأحد الشيئين، أو لأشياء، والفعل بعدها معطوف على: تمسوهنّ، فهو مجزوم، أو معطوف على مصدر متوهم، فهو منصوب على إضمار أن بعد أو، بمعنى إلاَّ. التقدير: ما لم تمسوهنّ إلاَّ أن تفرضوا لهنّ فريضة، أو معطوف على جملة محذوفة التقدير: فرضتم أو لم تفرضوا، أو بمعنى الواو والفعل مجزوم معطوف على: تمسوهنّ.

وفي هذا القول الثالث حذف جملة، وهي قوله: فرضتم، وإضمار: لم، بعد: أو، وهذا لا يجوز إلاَّ إذا عطف على مجزوم، نحو: لم أقم وأركب، على مذهب من يجعل العامل في المعطوف مقدراً بعد حرف العطف.
والضمير الفاعل في {ومتعوهنّ} للمطلقين، والضمير المنصوب ضمير المطلقات قبل المسيس، وقبل الفرض، فيجب لهنّ المتعة.
{عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ} وقرىء: قدره، بفتح الراء، وجوّزوا في نصبه وجهين: أحدهما: أنه انتصب على المعنى، لأن معنى: {متعوهنّ} ليؤد كل منكم قدر وسعه. والثاني: على إضمار فعل، التقدير: وأوجبوا على الموسع قدره.

(2/7)


وفي السجاوندي: وقرأ ابن أبي عبلة: قدره، أي قدره الله. إنتهى. وهذا يظهر أنه قرأ بفتح الدال والراء، فتكون، إذ ذاك فعلاً ماضياً، وجعل فيه ضميراً مستكناً يعود على الله، وجعل الضمير المنصوب عائداً على الإمتاع الذي يدل عليه قوله: {ومتعوهنّ}.
والمعنى: أن الله قدّر وكتب الإمتاع على الموسع وعلى المقتر.
وفي الجملة ضمير محذوف تقديره: على الموسع منكم، وقد يقال إن الألف واللام نابت عن الضمير، أي: على موسعكم وعلى مقتركم، وهذه الجملة تحتمل أن تكون مستأنفة بينت حال المطلق في المتعة بالنسبة إلى إيساره وإقتاره، ويحتمل أن تكون في موضع نصب على الحال، وذو الحال هو الضمير المرفوع وفي قوله: {ومتعوهنّ} والرابط هو ذلك الضمير المحذوف الذي قدرناه: منكم.
{مَتَعاً بِالْمَعْرُوفِ} قالوا: انتصب متاعاً على المصدر، وتحريره أن المتاع هو ما يمتع به، فهو اسم له، ثم أطلق على المصدر على سبيل المجاز، والعامل فيه {ومتعوهنّ} ولو جاء على أصل مصدر {ومتعوهنّ} لكان تمتيعاً، وكذا قدّره الزمخشري، وجوّزوا فيه أن يكون منصوباً على الحال، والعامل فيها ما يتعلق به الجار والمجرور، وصاحب الحال الضمير المستكنّ في ذلك العامل، والتقدير: قدر الموسع يستقرّ عليه في حال كونه متاعاً، وبالمعروف يتعلق بقوله: ومتعوهنّ، أو: بمحذوف، فيكون صفة لقوله: متاعاً، أي ملتبساً بالمعروف، والمعروف هو المألوف شرعاً ومروءة، وهو ما لا حمل له فيه على المطلق ولا تكلف.
وانتصاب حقاً على أنه صفة لمتاعاً أي: متاعاً بالمعروف واجباً على المحسنين، أو بإضمار فعل تقديره: حق ذلك حقاً، أو حالاً مما كان حالاً منه متاعاً، أو من قوله: بالمعروف، أي: بالذي عرف في حال كونه على المحسنين.

{وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} والجملة من قوله: {وقد فرضتم} في موضع الحال.

(2/8)


وجواب الشرط {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ}، وارتفاع نصف على الابتداء وقدَّر الخبر: فعليكم نصف ما فرضتم، أو: فلهن نصف ما فرضتم، ويجوز أن يقدر مؤخراً، ويجوز أن يكون خبراً، أي: فالواجب نصف ما فرضتم.
{إَّلا أَن يَعْفُونَ} نص ابن عطية وغيره على أن هذا استثناء منقطع، قاله ابن عطية، لأن عفوهنّ عن النصف ليس من جنس أخذهن، والمعنى إلاَّ أن يتركن النصف الذي وجب لهن عند الزوج. إنتهى.
وقيل: وليس على ما ذهبوا إليه، بل هو استثناء متصل، لكنه من الأحوال، لأن قوله: فنصف ما فرضتم، معناه: عليكم نصف ما فرضتم في كل حال إلاَّ في حال عفوهن عنكم، فلا يجب، وإن كان التقدير: فلهن نصف فالواجب ما فرضتم، فكذلك أيضاً وكونه استثناء من الأحوال ظاهر، ونظيره: {لتأتنني به إلا أن يحاط بكم}(يوسف: 66) إلاَّ أن سيبويه منع أن تقع أن وصلتها حالاً، فعلى قول سيبويه يكون: إلاَّ أن يعفون} استثناءً منقطعاً.
وفرق الزمخشري بين قولك: الرجال يعفون، والنساء يعفون، بأن الواو في الأول ضمير، والنون علامة الرفع، والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهن، والفعل مبني لا أثر في لفظه للعامل. إنتهى. فرقه، وهذا من النحو الجلي الذي يدرك بأدنى قراءة في هذا العلم، ونقصه أن يبين أن لام الفعل في الرجال: يعفون، حذفت لالتقائها ساكنة مع واو الضمير، وأن يذكر خلافاً في نحو النساء يعفون، فذهب ابن درستويه من المتقدّمين، والسهيلي من المتأخرين، إلى أن الفعل إذا اتصلت به نون الإناث معرب لا مبني، وينسب ذلك إلى كلام سيبويه. والكلام على هذه المسألة موضح في علم النحو.
{أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} ويحتمل أن يكون قوله: {بيده عقدة النكاح} على حذف مضاف أي: بيده حل عقدة النكاح، كما قالوا في قوله: {ولا تعزموا عقدة النكاح}(البقرة: 235) أي: على عقدة النكاح.

(2/9)


وقرأ الحسن: أو يعفو، بتسكين الواو، فتسقط في الوصل لالتقائها ساكنة مع الساكن بعدها، فإذا وقف أثبتها، وفعل ذلك استثقالاً للفتحة في حرف العلة، فتقدر الفتحة فيها كما تقدّر في الألف في نحو: لن يخشى، وأكثر العرب على استخفاف الفتحة في الواو والياء في نحو: لن يرمي ولن يغزو، وحتى أن أصحابنا نصوا على أن إسكان ذلك ضرورة، وقال:

فما سودتني عامر عن وراثة
أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
قال ابن عطية: والذي عندي أنه استثقل الفتحة على واو متطرفة قبلها متحرك لقلة مجيئها في كلام العرب، وقد قال الخليل، رحمه الله: لم يجىء في الكلام واو مفتوحة متطرفة قبلها فتحة إلاَّ في قولهم: عفوة، وهو جمع: عفو، وهو ولد الحمار، وكذلك الحركة ما كانت قبل الواو مفتوحة، فإنها ثقيلة. إنتهى كلامه.
وقوله: لقلة مجيئها في كلام العرب، يعني مفتوحة مفتوحاً ما قبلها، هذا الذي ذكر فيه تفصيل، وذلك أن الحركة قبلها إما أن تكون ضمة أو فتحة أو كسرة، إن كانت ضمة فإما أن يكون ذلك في فعل أو اسم، إن كان في فعل فليس ذلك بقليل، بل جميع المضارع إذا دخل عليه الناصب، أو لحقه نون التوكيد، على ما أحكم في بابه، ظهرت الفتحة فيه نحو: لن يغزو، وهل يغزون، والأمر نحو: اغزون، وكذلك الماضي على فعل نحو: سَرَوَ الرجل، حتى ما بني من ذوات الباء على فعل تقول فيه: لقضوَ الرجل، ولرَموَتِ اليد، وهو قياس مطرد على ما أحكم في بابه؛ وإن كان في اسم فإما أن يكون مبنياً على هاء التأنيث، أو لا . إن كان مبنياً على هاء التأنيث فجاء كثيراً نحو: عرقوة، وترقوه، وقمحدوة، وعنصوة، وتبنى عليه المسائل في علم التصريف، وإن كانت الحركة فتحة فهو قليل، كما ذكره الخليل، وإن كانت كسرة انقلبت الواو فيه ياء، نحو الغازي، والغازية، والعريقية، وشذ من ذلك: أقروَه جمع قرو، وهي ميلغة الكلب، و: سواسوة وهم: المستوون في الشر، و: مقاتوة جمع مقتو، وهو السايس الخادم.

(2/10)


والألف واللام في النكاح للعهد أي عقدة لها، قال المغربي: وهذا على طريقة البصريين، وقال غيره: الألف واللام بدل الإضافة أي: نكاحه، قال الشاعر:
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم
من الناس والأحلام عير عوازب
أي: وأحلامهم، وهذا على طريقة الكوفيين.
{وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} و: أقرب، يتعدّى بالَّلام كهذه، ويتعدّى بإلى كقوله: {ونحن أقرب إليه}(ق: 16) (الواقعة: 85) ولا يقال: إن اللام بمعنى إلى، ولا إن اللام للتعليل، بل على سبيل التعدية لمعنى المفعول به المتوصل إليه بحرف الجر، فمعنى اللام ومعنى إلى متقاربان من حيث التعدية، وقد قيل: بأن اللام بمعنى إلى، فيكون ذلك من تضمين الحروف، ولا يقول به البصريون. وقيل أيضاً: إن اللام للتعليل، فيدل على علة ازدياد قرب العفو على تركه، والمفضل عليه في القرب محذوف، وحسن ذلك كون أفعل التفضيل وقع خبراً للمبتدأ، والتقدير: والعفو منكم أقرب للتقوى من ترك العفو.

{حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطَى} والألف واللام فيها للعهد، وهي: الصلوات الخمس.

{حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ والصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ} وقرأ عبد الله، وعلي: {الصلاة الوسطى} بإعادة الجار على سبيل التوكيد، وقرأت عائشة: والصلاة، بالنصب، ووجه الزمخشري على أنه نصب على المدح والاختصاص، ويحتمل أن يراعى موضع: على الصلاة، لأنه نصب كما تقول: مررت بزيد وعمراً، وروي عن قالون أنه قرأ: الوسطى، بالصاد أبدلت السين صاداً لمجاورة الطاء، وقد تقدّم الكلام على هذا في قوله: الصراط.

(2/11)


{فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا} و: رجالاً، منصوب على الحال، والعامل محذوف، قالوا تقديره: فصلوا رجالاً، ويحسن أن يقدر من لفظ الأول، أي: فحافظوا عليها رجالاً، ورجالاً جمع راجل، كقائم وقيام، قال تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً}(الحج: 27) وقال الشاعر:
وبنو غدانة شاخص أبصارهم
يمشون تحت بطونهنّ رجالاً}
{فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم} و: ما، مصدرية، و: الكاف، للتشبيه.
وقد تكون الكاف للتعليل، أي: فاذكروا الله لأجل تعليمه إياكم أي: يكون الحامل لكم على ذكره وشكره وعبادته تعليمه إياكم، لأنه لا منحة أعظم من منحة العلم.
{ما لم تكونوا تعلمون} ما: مفعول ثان لعلمكم.
{مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} قال ابن عطية: وعلى هذا التأويل: {ما لم تكونوا} بدل من: ما، التي في قوله: كما، وإلاَّ لم يتسق لفظ الآية. انتهى. وهو تخريج يمكن، وأحسن منه أن يكون بدلاً من الضمير المحذوف في علمكم العائد على ما، إذ التقدير علمكموه، أي: علمكم ما لم تكونوا تعلمون.
وقد أجاز النحويون: جاءني الذي ضربت أخاك، أي ضربته أخاك، على البدل من الضمير المحذوف.

{فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ * وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لازْوَاجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }.

(2/12)


وقرأ الحرميان، والكسائي، وأبو بكر: وصية بالرفع، وباقي السبعة، بالنصب وارتفاع: والذين، على الابتداء. ووصية بالرفع على الابتداء وهي نكرة موصوفة في المعنى، التقدير: وصية منهم أو من الله، على اختلاف القولين في الوصية، أهي على بالإيجاب من الله؟ أو على الندب للأزواج؟ وخبر هذا المبتدأ هو قوله: لأزواجهم، والجملة: من وصية لأزواجهم، في موضع الخبر عن: الذين، وأجازوا أن يكون: وصية، مبتدأ و: لأزواجهم، صفة. والخبر محذوف تقديره: فعليهم وصية لأزواجهم.
وحكي عن بعض النحاة أن: وصية، مرفوع بفعل محذوف تقديره: كتب عليهم وصية، قيل: وكذلك هي في قراءة عبد الله، وينبغي أن يحمل ذلك على أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب، إذ ليس هذا من المواضع التي يضمر فيها الفعل.
وأجاز الزمخشري أن يكون التقدير: ووصية الذين يتوفون، أو: وحكم الذين يتوفون وصية لأزواجهم، فيكون ذلك مبتدأ على مضاف، وأجاز أيضاً أن يكون التقدير: والذين يتوفون أهل وصية، فجعل المحذوف من الخبر، ولا ضرورة تدعو بنا إلى الادّعاء بهذا الحذف، وانتصاب وصية على إضمار فعل، التقدير: والذين يتوفون، فيكون: والذين، مبتدأ و: يوصون المحذوف، هو الخبر، وقدره ابن عطية: ليوصوا، وأجاز الزمخشري ارتفاع: والذين، على أنه مفعول لم يسم فاعله على إضمار فعل، وانتصاب وصية على أنه مفعول ثان، التقدير: وألزم الذين يتوفون منكم وصية، وهذا ضعيف، إذ ليس من مواضع إضمار الفعل، ومثله في الضعف من رفع: والذين، على إضمار: وليوص، الذين يتوفون، وبنصب وصية على المصدر، وفي حرف ابن مسعود: الوصية لأزواجهم، وهو مرفوع بالابتداء و: لأزواجهم الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف أي: عليهم الوصية.
وانتصب متاعاً إما على إضمار فعل من لفظه أي: متعوهنّ متاعاً، أو من غير لفظه أي: جعل الله لهنّ متاعاً، أو بقوله: وصية أهو مصدر منوّن يعمل، كقوله:

فلولا رجاء النصر منك ورهبة

(2/13)


عقابك قد كانوا لنا كالموارد ويكون الأصل: بمتاع، ثم حذف حرف الجر؟ فإن نصبت: وصية فيجوز أن ينتصب متاعاً بالفعل الناصب لقوله: وصية، ويكون انتصابه على المصدر، لأن معنى: يوصي به يمتع بكذا، وأجازوا أن يكون متاعاً صفة لوصية، وبدلاً وحالاً من الموصين، أي: ممتعين، أو ذوي متاع، ويجوز أن ينتصب حالاً من أزواجهم، أي: ممتعات أو ذوات متاع، ويكون حالاً مقدّرة إن كانت الوصية من الأزواج.
وقرأ أبيّ: متاع لأزواجهم متاعاً إلى الحول، وروي عنه: فمتاع، ودخول الفاء في خبر: والذين، لأنه موصول ضمن معنى الشرط، فكأنه قيل: ومن يتوف، وينتصب: متاعاً إلى الحول، بهذا المصدر، إذ معناه التمتيع، كقولك: أعجبني ضرب لك زيداً ضرباً شديداً.
وانتصب: غير إخراج، صفة لمتاعاً، أو بدلاً من متاع أو حالاً من الأزواج أي: غير مخرجات، أو: من الموصين أي: غير مخرجين، أو مصدراً مؤكداً، أي: لا إخراجاً، قاله الأخفش.
{فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} ويتعلق: فيما فعلن، بما يتعلق به، عليكم أي: فلا جناح يستقر عليكم فيما فعلن.
وما، موصولة، والعائد محذوف، أي: فعلنه، و: من معروف، في موضع الحال من الضمير المحذوف في: فعلن، فيتعلق بمحذوف أي فعلنه كائناً من معروف.
وجاء هنا: من معروف، نكرة مجرورة بمن، وفي الآية الناسخة لها على قول الجمهور، جاء: بالمعروف، معرفاً مجروراً بالباء.
والألف واللام فيه نظيرتها في قولك: لقيت رجلاً، ثم تقول: الرجل من وصفه كذا وكذا،وكذلك: إن الآية السابقة متقدمة في التلاوة متأخرة في التنزيل، وهذه بعكسها، ونظير ذلك {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم} على ظاهر ما نقل مع قوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء}(البقرة: 144).
{حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} وإعراب: حقاً، هنا كإعراب: {حقاً على المحسنين}(البقرة: 236).

(2/14)


{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * وَقَتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإًّ مِن بَنِى إِسْرءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ }.
وهذه همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي، فصار الكلام تقريراً، فيمكن أن يكون المخاطب علم بهذه الصفة قبل نزول هذه الآية، ويجوز أن يكون لم يعرفها إلاَّ من هذه الآية، ومعناه التنبيه والتعجب من حال هؤلاء، والرؤية هنا علمية، وضمنت معنى ما يتعدّى بإلى، فلذلك لم يتعد إلى مفعولين، وكأنه قيل: ألم ينته علمك إلى كذا.

(2/15)


وقال الراغب: رأيت، يتعدّى بنفسه دون الجار، لكن لما استعير قولهم: ألم تر المعنى: ألم تنظر، عدّي تعديته، وقلما يستعمل ذلك في غير التقرير، ما يقال: رأيت إلى كذا. إنتهى.
{حَذَرَ الْمَوْتِ} وهو مفعول من أجله، وشروط المفعول له موجودة فيه من كونه مصدراً متحد الفاعل والزمان.
{ثُمَّ أَحْيَهُمْ} العطف بثم يدل على تراخي الإحياء عن الإماتة، قال قتادة: أحياهم ليستوفوا آجالهم.
{مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} و: مَنْ، استفهامية في موضع رفع على الابتداء، وخبره: ذا، و: الذي، نعت: لذا، أو: بدل منه، ومنع أبو البقاء أن تكون: من، وذا، بمنزلة اسم واحد، كما كانت: ما، مع: ذا، قال: لأن: ما، أشد إبهاماً من: مَنْ، إذا كانت: من، لمن يعقل. وأصحابنا يجيزون تركيب: من، مع: ذا، في الاستفهام وتصيرهما كاسم واحد، كما يجيزون ذلك في: ما، و: ذا، فيجيزون في: من ذا عندك، أن يكون: من وذا، بمنزلة اسم الاستفهام.

وانتصب لفظ الجلالة: بيقرض، وهو على حذف مضاف أي: عباد الله المحاويج، أسند الاستقراض إلى الله وهو المنزه عن الحاجات، ترغيباً في الصدقة، كما أضاف الإحسان إلى المريض والجائع والعطشان إلى نفسه تعالى في قوله، جل وعلا: «يا إبن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني». الحديث خرجه مسلم، والبخاري.
وانتصب: قرضاً، على المصدر الجاري على غير الصدر، فكأنه قيل: إقراضاً، أو على أنه مفعول به، فيكون بمعنى: مقروض، أي: قطعة من المال، كالخلق بمعنى المخلوق.

(2/16)


وانتصب: حسناً، على أن يكون صفة لقوله: قرضاً، وهو الظاهر، أو على أن يكون نعتاً لمصدر محذوف إذا أعربنا قرضاً مفعولاً به، أي: إقراضاً حسناً، ووصفه بالحسن لكونه طيب النية خالصاً لله، قاله ابن المبارك. أو: لكونه يحتسب عند الله ثوابه، أو: لكونه جيداً كثيراً، أو: لكونه بلا منّ ولا أذىً، قاله عمرو بن عثمان، أو: لكونه لا يطلب به عوضاً، قاله سهيل بن عبد الله القشيري التستري.
وقرأ ابن عامر، وعاصم، بنصب الفاء، والباقون بالرفع على العطف على صلة الذي، وهو قوله: يقرض، أو على الاستئناف، أي: فهو يضاعفه، والأول أحسن، لأنه لا حذف فيه، والنصب على أن يكون جواباً للاستفهام على المعنى، لأن الاستفهام، وإن كان عن المقرض، فهو عن الإقراض في المعنى فكأنه قيل: أيقرض الله أحد فيضاعفه؟ وقال أبو علي: الرفع أحسن، وذهب بعض النحويين إلى أنه: إذا كان الاستفهام عن المسند إليه الحكم، لا عن الحكم، فلا يجوز النصب بإضمار أن بعد الفاء في الجواب، فهو محجوج بهذه القراءة المتواترة، وقد جاء في الحديث: «من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له». وكذلك سائر أدوات الاستفهام الإسمية والحرفية.
وانتصب: أضعافاً، على الحال من الهاء في: يضاعفه، قيل: ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول به، تضمن معنى فيضاعفه: فيصيره. ويجوز أن ينتصب على المصدر باعتبار أن يطلق الضعف، وهو المضاعف أو المضعف، بمعنى المضاعفة أو التضعيف، كما أطلق العطاء وهو اسم المعطى بمعنى الإعطاء، وجمع لاختلاف جهات التضعيف باعتبار الإخلاص، وهذه المضاعفة غير محدودة لكنها كثيرة.
{مِن بَنِى إِسْرءِيلَ} في موضع الحال، فيتعلق بمحذوف أي: كائنين من بني إسرائيل، وعلى مذهب الكوفيين هو صلة للملأ، لأن الاسم المعرف بالألف واللام يجوز عندهم أن يكون موصولاً، كما زعموا ذلك في قوله:

لعمري لأنت البيت أكرم أهله

(2/17)