صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
[ إعجاز القرآن - الباقلاني ] |
ثم الكلام في نظم السور والآيات ثم في تفاصيل التفاصيل ثم في الكثير والقليل (1/301)
ثم الكلام الموشح والمرصع والمفصل والمصرع والمجنس والموشع والمحلى والمكلل والمطوق والمتوج والموزون والخارج عن الوزن والمعتدل في النظم والمتشابه فيه
ثم الخروج من فصل إلى فصل ووصل إلى وصل ومعنى إلى معنى ومعنى في معنى والجمع بين المؤتلف والمختلف والمتفق والمتسق
وكثرة التصرف وسلامة القول في ذلك كله من التعسف وخروجه عن التعمق والتشدق وبعده من التعمل والتكلف و الألفاظ المفردة والإبداع في الحروف والأدوات كالإبداع في المعاني والكلمات والبسط والقبض والبناء والنقض والاختصار والشرح والتشبيه والوصف
وتمييز الابتداع من الاتباع كتميز المطبوع عن المصنوع والقول الواقع عن غير تكلف ولا تعمل
وأنت تتبين في كل ما تصرف فيه من الأنواع أنه على سمت شريف ومرقب منيف يبهر إذا أخذ في النوع الربي والأمر الشرعي والكلام الإلهي الدال على انه يصدر عن عزة الملكوت وشرف الجبروت وما لا يبلغ الوهم مواقعه من حكمة وأحكام واحتجاج وتقرير واستشهاد وتقريع وإعذار وإنذار وتبشير وتحذير وتنبيه وتلويح وإشباع وتصريح وإشارة ودلالة وتعليم أخلاق زكيه وأسباب رضية وسياسات
جامعة ومواعظ نافعة وأومر صادعة وقصص مفيدة وثناء على الله عز و جل بما هو أهله وأوصاف كما يستحقه وتحميد كما يستوجبه وأخبار عن كائنات في التأتي صدقت وأحاديث عن المؤتنف تحققت ونواة زاجرة عن القبائح والفواحش وإباحة الطيبات وتحريم المضار والخبائث وحث على الجميل والإحسان (1/302)
تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب مجلوة عليك في منظر بهيج ونظم أنيق ومعرض رشيق غير معتاص على الأسماع ولا متلو على الأفهام ولا مستكره في اللفظ ولا مستوحش في المنظر غريب في الجنس غير غريب في القبيل ممتلئ ماء ونضارة ولطفا وغضارة يسري في القلب كما يسري السرور ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم ويضيء كما يضيء الفجر ويزخر كما يزخر البحر طموح العباب جموح على المتناول المنتاب كالروح في البدن والنور المستطير في الأفق والغيث الشامل والضياء الباهر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
من توهم أن الشعر يلحظ شأوه بان ضلاله ووضح جهله إذ الشعر سمت قد تناولته الألسن وتداولته القلوب وانثالت عليه الهواجس وضرب الشيطان فيه بسهمه وأخذ منه بحظه وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلا وأقرب مأخذا وأسهل مطلبا ولذلك قالوا فلان مفحم فأخرجوه مخرج العيب كما قالوا فلان عيي فأوردوه مورد النقص
والقرآن كتاب دل على صدق متحمله ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها وبرهان شهد له برهان الأنبياء المتقدمين وبينة على طريقة من
سلف من الأولين حيرهم فيه إذ كان من جنس القول الذي زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية وبلغوا فيه الغاية فعرفوا عجزهم كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج والوصول إلى أعلى مراتب الطب فجاءهم بما بهرهم من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وكما أتى موسى بالعصا التي تلقفت ما دققوا فيه من سحرهم وأتت على ما أجمعوا عليه من أمرهم وكما سخر لسليمان الريح والطير والجن حين كانوا يولعون به من فائق الصنعة وبدائع اللطف ثم كانت هذه المعجزة / مما يقف عليها الأول والأخر وقوفا واحداويبقى حكمها إلى يوم القيامة (1/303)
انظر وفقك الله لما هديناك إليه وفكر في الذي دللناك عليه فالحق منهج واضح والدين ميزان راجح والجهل لا يزيد إلا عمى ولا يورث إلا ندما
قال الله عز و جل قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب
وقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا
وقال يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا
وعلى حسب ما آتى من الفضل وأعطى من الكمال والعقل - تقع الهداية والتبيين فإن الأمور تتم بأسبابها وتحصل بآلتها ومن سلبه
/ التوفيق وحرمه الإرشاد والتسديد - فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (1/304)
فاحمد الله على ما رزقك من الفهم إن فهمت وقل رب زدني علما إن أنت علمت وقلرب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون
وان ارتبت فيما بيناه فازدد في تعلم الصنعة وتقدم في المعرفة فسيقع بك على الطريق الأرشد وسيقف بك على الوجه الأحمد فإنك إذا فعلت ذلك أحطت علما وتيقنت فهما
ولا يوسوس إليك الشيطان بأنه قد كان ممن هو أعلم منك بالعربية وأدرب منك في الفصاحة أقوام وأي أقوام ورجال وأي رجال فكذبوا وارتابوا لأن القوم لم يذهبوا عن الإعجاز ولكن اختلفت أحوالهم فكانوا بين جاهل وجاحد وبين كافر نعمة وحاسد وبين ذاهب عن طريق الاستدلال بالمعجزات وحائد عن النظر في الدلالات وناقص في باب البحث ومختل الآلة في وجه الفحص ومستهين بأمر الأديان وغاو تحت حبالة الشيطان ومقذوف بخذلان الرحمن وأسباب الخذلان والجهالة كثيرة ودرجات الحرمان مختلفة
وهلا جعلت بإزاء الكفرة مثل لبيد بن ربيعة العامري في حسن
إسلامه وكعب بن زهير في صدق إيمانه وحسان بن ثابت وغيرهم من الشعراء والخطباء الذين أسلموا (1/305)
على أن الصدر الأول ما فيهم إلا نجم زاهر أو بحر زاخر
وقد بينا أن لا اعتصام إلا بهداية الله ولا توفيق إلا بنعمة الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
فتأمل ما عرفناك في كتابنا وفرغ له قلبك واجمع عليه لبك
ثم اعتصم بالله يهدك وتوكل عليه يعنك ويجرك واسترشده يرشدك وهو حسبي وحسبك ونعم الوكيل