صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
[ إعجاز القرآن - الباقلاني ] |
منها قول امريء القيس (1/96)
مخش مجش مقبل مدبر معا ... كتيس ظباء الحلب العدوان
ومن ذلك كثير من مقدمات أبي نواس
يا منة امتنها السكر ... ما ينقضي مني لها الشكر
وكقوله وقد ذكرناه قبل هذا
ديار نوار وما ديار نوار ... كسونك شجوا هن منه عوار
ومن ذلك الترصيع مع التجنيس كقول ابن المعتز
ألم تجزع على الربع المحيل ... وأطلال وآثار محول
ونظيره من القرآن كقوله إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون
وقوله ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون
وكقوله وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد
وكقوله والطور وكتاب مسطور
وقوله والسابحات سبحا فالسابقات سبقا
وقد أولع الشعراء بنحو هذا فأكثروا فيه ومنهم من اقتنع بالترصيع في بعض أطراف الكلام ومنهم من بنى كلامه كله عليه كقول ابن الرومي
أبدانهن وما لبسن ... من الحرير معا حرير
أردانهن وما مسسن ... من العبير معا عبير (1/97)
وكقوله
فلراهب أن لا يريث مكانه ... ولراغب أن لا يريث نجاحه
ومما يقارب الترصيع ضرب يسمى المضارعة وذلك كقول الخنساء
حامي الحقيقة محمود الخليقة مهدي ... الطريقة نفاع وضرار
جواب قاضية جزاز ناصية ... عقاد ألوية للخيل جرار
ومن البديع باب التكافؤ وذلك قريب من المطابقة كقول المنصور لا تخرجوا من عز الطاعة إلى ذل المعصية وقول عمر بن ذر إنا لم نجد لك إذ عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع الله فيك
ومنه قول بشار
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم
ومنه قول أعرابي يذم قومه ألسن عامرة من الوعد وقلوب خربة من العزم وقال آخر وساع في الهوى وطرب في الحاجة
ومن البديع باب التعطف كقول امريء القيس (1/98)
عود على عود على عود خلق ...
وقد تقدم مثاله
ومن البديع السلب والإيجاب كقول القائل
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
ومن البديع الكناية والتعريض كقول القائل
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فريا وأما أرضه فمحول ومن هذا الباب لحن القول
ومن ذلك العكس والتبديل كقول الحسن إن من خوفك لتأمن خير ممن أمنك لتخاف وكقوله اللهم أغنني بالفقر إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك وكقوله بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا
وكقول القائل (1/99)
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا
وقد يدخل في هذا الباب قوله تعالى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل
ومن البديع الالتفات فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله العسكري أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثني يحيى بن علي المنجم عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم قال قال لي الأصمعي أتعرف التفاتات جرير قلت لا فما هي قال
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقى البشام
ومثل ذلك لجرير
متى كان الخيام بذي طلوح ... - سقيت الغيث - أيتها الخيام
ومعنى الالتفاتات أنه اعترض في الكلام قوله سقيت الغيث ولو لم يعترض لم يكن ذلك التفاتا وكان الكلام منتظما وكان يقول متى كان يرجع الخيام بذي طلوح أيتها الخيام فمتى خرج عن الكلام الأول ثم رجع إليه على وجه يلطف - كان ذلك التفاتا
ومثله قول النابغة الجعدي
ألا زعمت بنو سعد بأني ... - ألا كذبوا - كبير السن فاني
ومنه قول كثير (1/100)
لو أن الباذلين وأنت منهم ... رأوك تعلموا منك المطالا
ومثله قول أبي تمام
وأنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
وكقول جرير
طرب الحمام بذي الأراك فشاقني ... لا زلت في غلل وأيك ناضر
التفت إلى الحمام فدعا لها
ومثله قول حسان
إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
ومثله قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر
وأجمل إذا ما كنت لا بد مانعا ... وقد يمنع الشيء الفتى وهو مجمل
وكقول ابن ميادة
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه
ونظير ذلك من القرآن ما حكى الله تعالى عن إبراهيم الخليل من قوله اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما / تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إلى قوله فما كان جواب قومه
وقوله عز و جل إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز وبرزوا لله جميعا (1/101)
ومثله قوله حتى 0إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين
ومثله قوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وأتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث
ومثله قوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم فمن تاب من بعد ظلمه
ومنهم من لا يعد الاعتراض والرجوع من هذا الباب ومنهم من يفرده عنه كقول زهير
قف بالديار التى لم يعفها القدم ... نعم وغيرها الأرواح والديم
وكقول الأعرابي
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل
وكقول ابن هرمة
ليت حظي كلحظه العين منها ... وكثير منها القليل المهنا
ومن الرجوع قول القائل (1/102)
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
وقال الأعشى
صرمت ولم أصرمكم وكصارم ... أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا
وكقول بشار
لي حيلة فيمن ينمم ... وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول ... فحيلتي فيه قليلة
وقال آخر
وما بي انتصار إن عدا الدهر ظالما ... على بلى إن كان من عندك النصر
وباب آخر من البديع يسمى التذييل وهو ضرب من التأكيد وهو ضد ما قدمنا ذكره من الإشارة كقول أبي دواد
إذا ما عقدنا له ذمه ... شددنا العناج وعقد الكرب (1/103)
وأخذه الحطيئة فقال
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
وكقول الآخر
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
وكقول جرير
لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا ... وريش الذنابي تابع للقوادم
ومثله قوله عز و جل إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين إلى قوله كانوا خاطئين
وباب من البديع يسمى الاستطراد فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن
عبد الله قال أنشدني أبو بكر بن دريد قال أنشدنا أبو حاتم عن أبي عبيدة لحسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه (1/104)
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
وكقول السموأل
وإنا لقوم لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
وكقول الآخر
خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إن ... مخافة أن يرجى نداه حزين
وكقول الآخر
فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العى نحكي أحمد بن هشام
وكقول زهير
إن البخيل ملوم حيث كان ولكن ... الجواد على علاته هرم
وفيما كتب الى الحسن بن عبد الله قال أخبرني محمد بن يحيى قال
حدثني محمد بن علي الأنباري قال سمعت البحتري يقول أنشدني أبو تمام لنفسه (1/105)
وسابح هطل التعداء هتان ... على الجراء أمين غير خوان
أظمي الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخل عينيك في ريان ظمآن
ولو تراه مشيحا والحصى فلق
بين السنابك من مثنى ووجدان
أيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أومن وجه عثمان
وقال لي ما هذا من الشعر قلت لا أدري قال هذا المستطرد أو قال الاستطراد قلت وما معنى ذلك قال يرى أنه يصف الفرس ويريد هجاء عثمان
وقال البحتري
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدوية الأحول
قال فقيل للبحتري إنك أخذت هذا من أبي تمام فقال ما يعاب على أن آخذ منه وأتبعه فيما يقول
ومن هذا الباب قول أبي تمام
صب الفراق علينا حب من كتب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما
ومنه قول السرى الرفاء (1/106)
نزع الوشاة لنا بسهم قطيعة ... يرمي بسهم الحين من يرمي به
ليت الزمان أصاب حب قلوبهم ... بقنا ابن عبد الله أو بحرابه
ونظيره من القرآن أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون
كأنه كان المراد أن يجري بالقول ول الأول إلى الإخبار عن أن كل شيء يسجد لله عز و جل وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص
ومن البديع عندهم التكرار كقول الشاعر
هلا سألت جموع كندة ... يوم ولوا أين أينا
وكقول الآخر
وكانت فزارة تصلي بنا ... فأولى فزارا أولى فزار
ونظيره من القرآن كثير كقول تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا
وكالتكرار في قوله قل يا أيها الكافرون وهذا فيه معنى زائد على التكرار لأنه يفيد الإخبار عن الغيب
ومن البديع عندهم ضرب من الاستثناء كقول النابغة
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب وكقول النابغة الجعدي (1/107)
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فلا يبقى من المال باقيا
فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
وكقول الآخر
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
وكقول أبي تمام
تنصل ربها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة والوداد
ووجوه البديع كثيرة جدا فاقتصرنا على ذكر بعضها ونبهنا بذلك على ما لم نذكر كراهة التطويل فليس الغرض ذكر جميع أبواب البديع
وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه
وليس كذلك عندنا لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقة صح منه التعمل له وأمكنه نظمه
والوجوه التي تقول إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال ويبين ما قلنا أن كثيرا من المحدثين
قد تصنع لأبواب الصنعة حتى حشي جميع شعره منها واجتهد أن لا يفوته بيت إلا وهو يملؤه من الصنعة كما صنع أبو تمام في لاميته (1/108)
متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل ... وصدرك منها مدة الدهر آهل
تطل الطلول الدمع في كل موقف ... وتمثل بالصبر الديار المواثل
دوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولا مر في أغفالها وهو غافل
فقد سحبت فيها السحاب ذيولها ... وقد أخملت بالنور تلك الخمائل
تعفين من زاد العفاة إذا انتحي ... على الحي صرف الأزمة المتماحل
لهم سلف سمر العوالي وسامر ... وفيهم جمال لا يغيض وجامل
ليالي أضللت العزاء وخزلت ... بعقلك آرام الخدور العقائل
من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت ... لها وشحا جالت عليه الخلاخل
مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل
هوى كان خلسا إن من أطيب الهوى ... هوى جلت في أفيائه وهو خامل
ومن الأدباء من عاب عليه هذه الأبيات ونحوها على ما قد تكلف فيها من البديع وتعمل من الصنعة فقال قد أذهب ماء هذا الشعر ورونقه وفائدته
اشتغالا بطلب التطبيق وسائر ما جمع فيه (1/109)
وقد تعصب عليه احمد بن عبيد الله بن عمار وأسرف حتى تجاوز إلى الغض من محاسنه
ولما قد أولع به من الصنعة ربما غطي على بصره حتى يبدع في القبيح وهو يريد أن يبدع في الحسن كقوله في قصيدة له أولها
سرت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا عندها كل مرقد
فقال فيها
لعمري لقد حررت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرد
وكقوله
لو لم تدارك مسن المجد مذ زمن ... بالجود وبالبأس كان المجد قد خرفا
فهذا من الاستعارات القبيحة والبديع المقيت
وكقوله
تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت ... أعمارهم قبل نضج التين والعنب
وكقوله
لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا ... لمات إذ لم يمت من شدة الحزن
وكقوله (1/110)
خشنت عليه أخت بني خشين ...
وكقوله
ألا لا يمد الدهر كفا بسيئ ... إلى مجتدى نصر فتقطع من الزند
وقال في وصف المطايا
لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوما لزنى شدقما وجديلا
وكقوله
فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا
فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في محبة الصنعة حتى يعميه عن وجه الصواب وربما أسرف في المطابق والمجانس ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها حتى استثقل نظمه واستوخم رصفه وكان التكلف باردا والتصرف جامدا وربما اتفق مع ذلك في كلامه النادر المليح كما يتفق البارد القبيح
وأما البحتري فإنه لا يرى في التجنيس ما يراه أبو تمام ويقل التصنع له فإذا وقع في كلامه كان في الأكثر حسنا رشيقا وظريفا جميلا وتصنعه
للمطابق كثير حسن وتعمقه في وجوه الصنعة على وجه طلب السلامة والرغبة في السلاسة فلذلك يخرج سليما من العيب في الأكثر (1/111)
وأما وقوف الألفاظ به عن تمام الحسنى وقعود العبارات عن الغاية القصوى فشيء لا بد منه وأمر لا محيص عنه كيف وقد وقف على من هو أجل منه وأعظم قدرا في هذه الصنعة وأكبر في الطبقة كامرئ القيس وزهير والنابغة وابن هرمة ونحن نبين تميز كلامهم وانحطاط درجة قولهم ونزول طبقة نظمهم عن بديع نظم القرآن في باب مفرد يتصور به ذو الصنعة ما يجب تصوره ويتحقق وجه الإعجاز فيه بمشيئة الله وعونه
ثم رجع الكلام بنا إلى ما قدمناه من انه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القران من البديع الذي ادعوه في الشعر ووصفوه فيه
وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العرف بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدرب به والتصنع له كقول الشعر ورصف الخطب وصناعة الرسالة والحذق في البلاغة وله طريق يسلك ووجه يقصد وسلم يرتقى فيه إليه ومثال قد يقع طالبه عليه فرب إنسان يتعود أن ينظم جميع كلامه شعرا وآخر يتعود أن يكون جميع خطابه سجعا أو صنعة متصلة لا يسقط من كلامه حرفا وقد يتأتى له لما قد تعوده وأنت ترى أدباء زماننا يضعون المحاسن في جزء وكذلك يؤلفون أنواع البارع ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو خطبة فيحسنون به كلامهم ومن كان قد تدرب وتقدم في حفظ ذلك - استغنى عن هذا التصنيف ولم يحتج إلى تكلف هذا التأليف وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطا من باع كلامه وموشحا بأنواع البديع ما يحاوله من قوله
وهذا طريق لا يتعذر وباب لا يمتنع وكل يأخذ فيه مأخذا ويقف منه موقفا على قدر ما معه من المعرفة وبحسب ما يمده من الطبع (1/112)
فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدى به ولا يصح وقوع مثله اتفاقا كما يتفق للشاعر البيت النادر والكلمة الشاردة والمعنى الفذ الغريب والشيء القليل العجيب وكما يلحق من كلامه بالوحشيات ويضاف من قوله إلى الأوابد لان ما جرى هذا المجرى ووقع هذا الموقع فإنما يتفق للشاعر في لمع من شعره وللكاتب في قليل من رسائله وللخطيب في يسير من خطبه ولو كان كل شعره نادرا ومثلا سائرا ومعنى بديعا ولفظا رشيقا وكل كلامه مملوءا من رونقه ومائه ومحلى ببهجته وحسن روائه ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين والمتردد بين الطرفين ولا البارد المستثقل والغث المستنكر - لم يبن الإعجاز في الكلام ولم يظهر التفاوت العجيب بين النظام والنظام
وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل ومبهم قد يحتاج في بعضه إلى تفسير وسنذكر ذلك بمشيئة الله وعونه
ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم إن ذلك باب من أبواب البراعة وجنس من أجناس البلاغة وإنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم ولا وجه من وجوه فصاحاتهم وإذا أورد هذا المورد ووضع هذا الموضع - كان جديرا
وإنما لم نطلق القول إطلاقا لأنا لا نجعل الإعجاز متعلقا بهذه الوجوه الخاصة ووقفا عليها ومضافا إليها وإن صح أن تكون هذه الوجوه مؤثرة في الجملة آخذة بحظها من الحسن والبهجة متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستشبع والتعمل المستبشع
فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن (1/113)
قد بينا انه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك فإذا عرفوا هذا - بأن علموا انهم قد تحدوا إلى أن يأتوا بمثله وقرعوا على ترك الإتيان بمثله ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه وإذا عجز هل ذلك اللسان فهم عنه أعجز
وكذلك نقول إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام ووجوه تصرف اللغة وما يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره - فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره وهو ومن ليس من أهل اللسان سواء
فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي ووقف على طرقها ومذاهبها - فهو يعرف القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة ويعرف ما يخرج عن الوسع ويتجاوز حدود القدرة - فليس يخفى عليه إعجاز القران كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر وكما يميز بين الشعر الجيد والرديء والفصيح والبديع والنادر والبارع والغريب
وهذا يميز أهل كل صناعة صنعتهم فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره وإن كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر وربما اختلفوا فيه لأن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين والقول الرصين
ومنهم من يختار الكلام الذي يروق ماؤه وتروع بهجته ورواؤه
ويسلس مأخذه ويسلم وجهه ومنفذه ويكون قريب المتناول غير عويص اللفظ ولا غامض المعنى (1/114)
كما قد يختار قوم ما يغمض معناه ويغرب لفظه ولا يختار ما سهل على اللسان وسبق إلى البيان
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصف زهيرا فقال كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه وقال لعبد بنى الحسحاس حين أنشده
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ...
أما إنه لو قلت مثل هذا لأجزتك عليه
وروي أن جريرا سئل عن أحسن الشعر فقال قوله
أن الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النار
كأنه فضله لصدق معناه
ومنهم من يختار الغلو في قول الشعر والإفراط فيه حتى ربما قالوا أحسن الشعر أكذبه كقول النابغة
يقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب
وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين في الغلو والاقتصاد وفي المتانة والسلاسة
ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة وألطف تعملا وان يتخير الألفاظ الرشيقة للمعاني البديعية والقوافي الواقعة كمذهب البحتري وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب في قوله (1/115)
في نظام من البلاغة ما شكك ... امرؤ انه نظام فريد
وبديع كأن الزهر الضاحك ... في رونق الربيع الجديد
حزن مستعمل الكلام اختبارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركن ... به غاية المراد البعيد
كالعذارى غدون في الحلل البيض ... إذا رحن في الخطوط السود
ويرون أن من تعدى هذا كان سالكا مسلكا عاميا ولم يروه شاعرا ولا مصيبا
وفيما كتب إلى الحسن بن عبد الله أبو احمد العسكري قال أخبرني محمد بن يحيى قال أخبرني عبد الله بن الحسين قال قال لي البحتري
دعاني علي بن الجهم فمضيت إليه فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا شعر أشجع السلمي فقال لى إنه يخلى وأعادها مرات ولم أفهمها وأنفت أن أسأله عن معناها فلما انصرفت أفكرت في الكلمة ونظرت في شعره فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع
وإذا هو يريد هذا بعينه أن يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيت نادر كما أن الرامي إذا رمى برشقة فلم يصب بشيء قيل قد أخلي قال وكان علي بن الجهم أحسن الناس علما بالشعر (1/116)
وقوم من أهل اللغة يميلون إلى الرصين من الكلام الذي يجمع الغريب والمعاني مثل أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر والأصمعي
ومنهم من يختار الوحشي من الشعر كما اختار المفضل للمنصور من المفضليات وقيل إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن
وذكر الحسن بن عبد الله أنه أخبره بعض الكتاب عن علي بن العباس قال حضرت مع البحتري مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد سأل البحتري عن أبي نواس ومسلم بن الوليد أيهما أشعر فقال البحتري أبو نواس أشعر فقال عبيد الله إن أبا العباس ثعلبا لا يطابقك على قولك ويفضل مسلما
فقال البحتري ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته
فقال له عبيد الله وريت بك زنادي يا أبا عبادة وقد وافق حكمك حكم أخيك بشار بن برد في جرير والفرزدق فإن دعبلا حدثني عن أبي نواس انه حضر بشارا وقد سئل عن جرير والفرزدق وأيهما أشعر فقال جرير أشعرهما فقيل له بماذا فقال لان جريرا يشتد إذا شاء وليس كذلك الفرزدق لأنه يشتد أبدا
فقيل له فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق على جرير
فقال ليس هذا من عمل أولئك القوم إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله وفي الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول جرير (1/117)
لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
وروي عن أبي عبيدة انه قال للفرزدق ما لك لا تنسب كما ينسب جرير فغاب حولا ثم جاء فأنشد
يا أخت ناجية بن سامة إنني ... أخشى عليك بني إن طلبوا دمي
والأعدل في الاختيار ما سلكه أبو تمام من الجنس الذي جمعه في كتاب الحماسة وما اختاره من الوحشيات وذلك انه تنكب المستنكر الوحشي والمبتذل العامي وأتى بالواسطة
وهذه طريقة من ينصف في الاختيار ولا يعدل به غرض يخص لأن الذين اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم وإظهار التقدم في معرفته وعجز غيرهم عنه ولم يكن قصدهم جيد الأشعار لشيء يرجع إليها في أنفسها
ويبين هذا أن الكلام موضوع للإبانة عن الأغراض التي في النفوس وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على المراد وأوضح في الإبانة عن المعنى المطلوب ولم يكن مستكره المطلع على الأذن ولا مستنكر المورد على النفس حتى يتأبى بغرابته في اللفظ عن الإفهام أو يمتنع بتعويض معناه عن الإبانة ويجب أن يتنكب ما كان عامي اللفظ مبتذل العبارة ركيك المعنى سفسافي الوضع مجتلب
التأسيس على غير أصل ممهد ولا طريق موطد (1/118)
وإنما فضلت العربية على غيرها لاعتدالها في الوضع لذلك وضع أصلها على أن أكثرها هو بالحروف المعتدلة فقد أهملوا الألفاظ المستكرهة في نظمها وأسقطوها من كلامهم وجعلوا عامة لسانهم على الأعدل ولذلك صار أكثر كلامهم من الثلاثي لأنهم بدءوا بحرف وسكتوا على آخر وجعلوا حرفا وصلة بين الحرفين ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك والثنائي أقل وكذلك الرباعي والخماسي أقل ولو كان كله ثنائيا لتكررت الحروف ولو كان رباعيا أو خماسيا لكثرت الكلمات
وكذلك بنى أمر الحروف التي ابتدئ بها السور على هذا فأكثر هذه السور التي ابتدئت بذكر الحروف ذكر فيها ثلاثة أحرف وما هو أربعة أحرف سورتان وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان
فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه
فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما جعله فعلا واسما لشيء خاص
ومن جعل ذلك حرفا قال أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها
ولضيق ما سوى كلام العرب أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر في بعض الألسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيرا كنحو تكرار الطاء والسين في لسان يونان وكنحو الحروف الكثيرة التي هي اسم لشيء واحد في لسان الترك ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الألسنة على الأعاريض التي تمكن في اللغة العربية
والعربية أشدها تمكنا وأشرفها تصرفا وأعدلها ولذلك جعلت حلية لنظم القرآن وعلق بها الإعجاز وصار دلالة في النبوة
وإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها فما كان أقرب في تصويرها وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد وأشد تحقيقا في الإيضاح عن المطلب وأعجب في وضعه وأرشق في تصرفه وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفا (1/119)
وقد شبهوا النطق بالخط والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة وصحة وملاحة ولطف حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال
شبهوا الخط والنطق بالتصوير وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك الباكي المتضاحك والباكي الحزين والضاحك المتباكي والضاحك المستبشر وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الأمثلة فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير
وفي جملة الكلام ما تقصر عبارته وتفضل معانيه وفيه ما تقصر معانيه وتفضل العبارات وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى انه قد يفيدها على جملة وقد يفيدها على تفصيل
وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا شريفا وغريبا لطيفا وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا ومصنوعا متعسفا وقد يكون كل واحد منهما حسنا رشيقا وبهيجا نضيرا وقد يتفق أحد الأمرين دون الآخر وقدر يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما وإنما يميز من يميز ويعرف من يعرف والحكم في ذلك صعب شديد والفصل فيه شأو بعيد وقد قل من
يميز أصناف الكلام فقد حكى عن طبقة أبي عبيدة وخلف الأحمر وغيرهما في زمانهما أنهم قالوا ذهب من يعرف نقد الشعر (1/120)
وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار وما يجب أن يجمعوا عليه ويرجعوا عند التحقيق إليه فكلام المقتدر نمط وكلام المتوسط باب وكلام المطبوع له طريق وكلام المتكلف له منهاج والكلام المصنوع المطبوع له باب
ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة لم تخف عليه هذه الوجوه ولم تشتبه عنده هذه الطرق فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه وقدر كل كلام في نفسه ويحله محله ويعتقد فيه ما هو عليه ويحكم فيه بما يستحق من الحكم
وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء عرف ذلك منه وإن كان يعم إحسانه عرف
ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو ومنهم من يجود في الهجو وحده ومنهم من يجود في المزح والسخف ومنهم من يجود في الأوصاف
والعالم لا يشذ عنه شيء من ذلك ولا تخفى عليه مراتب هؤلاء ولا تذهب عليه أقدارهم حتى إنه إذا عرف طريقه شاعر في قصائد معدودة فأنشد غيرها من شعره - لم يشك أن ذلك من نسجه ولم يرتب في أنها من نظمه كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه حيث رآه من بين الخطوط المختلفة وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره وكذلك أمر الخطب
فإن اشتبه عليه البعض فهو لاشتباه الطريقين وتماثل الصورتين كما قد يشتبه شعر أبي تمام بشعر البحتري في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع ويقصد فيه التسهل ويسلك الطريقة الكتابية ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض المعاني ويتفق له مثل بهجة أشعار البحتري وألفاظه (1/121)
ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبي نواس من سبك مسلم ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري وينبهه ديباجة شعر البحتري وكثرة مائه وبديع رونقه وبهجة كلامه إلا فيما يسترسل فيه فيشتبه بشعر ابن الرومي ويحركه ما لشعر أبي نواس من الحلاوة والرقة والرشاقة والسلاسة حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم
وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف وبين شعر امرئ القيس وبين شعر النابغة وزهير وبين شعر جرير والأخطل والبعيث والفرزدق وكل له منهج معروف وطريق مألوف
ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين رسائل عبد الحميد وطبقته وبين طبقة من بعده حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين رسائل ابن العميد وبين رسائل أهل عصره ومن بعده ممن برع في صنعة الرسائل وتقدم في شأوها حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين وحتى خلص لنفسه طريقة وأنشأ لنفسه منهاجا فسلك تارة طريقة الجاحظ وتارة طريقة السجع وتارة طريقة الأصل وبرع في ذلك باقتداره وتقدم بحذقه ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقه من طريق غيره وإن كان قد يشتبه البعض ويدق القليل وتغمض الأطراف وتشذ النواحي
وقد يتقارب سبك نفر من شعراء عصر وتتدانى رسائل كتاب دهر حتى تشتبه اشتباها شديدا وتتماثل تماثلا قريبا فيغمض الأصل (1/122)
وقد يتشاكل الفرع والأصل وذلك فيما لا يتعذر دراك أمده ولا يتصعب طلاب شأوه ولا يمنع بلوغ غايته والوصول إلى نهايته لان الذي ينفق من الفصل بين أهل الزمان إذا تفاضلوا في سبق وتفاوتوا في مضمار فصل قريب وأمر يسير
وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الألفاظ ولا سارق المعاني ولا من يخترعها ولا من يلم بها ولا من يجاهر بالأخذ ممن يكاتم به ولا من يخترع الكلام اختراعا ويبتدهه ابتداها ممن يروي فيه ويجيل الفكر في تنقيحه ويصبر عليه حتى يتخلص له ما يريد وحتى يتكرر نظره فيه
قال أبو عبيدة سمعت أبا عمرو يقول زهير والحطيئة وأشباههما عبيد الشعر لأنهم نقحوه ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين
وكان زهير يسمى كبر شعره الحوليات المنقحة
وقال عدي ابن الرقاع
وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة منآدها
وكقول سويد بن كراع
أبيت بأبواب القوافي كأنما ... أصادي بها سربا من الوحش نزعا
ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر ونفاذ الطبع وسرعة النظم يرتجل القول ارتجالا ويطبعه عفوا صفوا فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم وجاهدا خواطرهم (1/123)
وكذلك لا يمكن أن يخفى عليهم الكلام العلوي واللفظ الملوكي كما لا يخفى عليهم الكلام العامى واللفظ السوقى ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا ويعطونه - كيف تصرف - حقوقه ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم فبي وجه من وجوه النظم من الوجه الذي لا يشاركه فيه غيره ولا يساهمه سواه
ألا تراهم وصفوا زهيرا بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر قاله أبو عبيدة
وروي أن الفرزدق انتحل بيتا من شعر جرير وقال هذا يشبه شعري
فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن وهذا كما يعلم البزاز أن هذا الديباج عمل بتستر وهذا لم يعمل بتستر وأن هذا من صنعة فلان دون فلان ومن نسج فلان دون فلان حتى لا يخفى عليه وإن كان قد يخفى على غيره
ثم إنهم يعلمون أيضا من له سمت بنفسه ورفت برأسه ومن يقتدي في الألفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره ويجعل سواه قدوة له ومن يلم في الأحوال بمذهب غيره ويطور في الأحيان بجنبات كلامه
وهذه أمور ممهدة عند العلماء وأسباب معروفة عند الأدباء وكما يقولون إن البحتري يغير على أبي تمام إغارة ويأخذ منه صريحا وإشارة
ويستأنس بالأخذ منه بخلاف ما يستأنس بالأخذ من غيره ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه وكما كان أبو تمام يلم بأبي نواس ومسلم وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى ويؤلف ما يقوله من فرق شتى (1/124)
وما الذي نفع المتنبي جحوده الأخذ وإنكاره معرفة الطائيين وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهارا أو ألم بهما فيه سرارا
وأما ما لم يأخذ عن الغير ولكن سلك النمط وراعى النهج فهم يعرفونه ويقولون هذا أشبه به من التمر بالتمرة وأقرب إليه من الماء إلى الماء وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه وسلك في غير جانبه قيل بينهما ما بين السماء والأرض وما بين النجم والنون وما بين المشرق والمغرب
وإنما أطلت عليك ووضعت جميعه بين يديك لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله وغامضه وجليه وقريبه وبعيده ومعوجه ومستقيمه فكيف يخفى عليهم الجنس الذي هو بين الناس متداول وهو قريب متناول من أمر يخرج عن أجناس كلامهم ويبعد عما هو في عرفهم ويفوت مواقع قدرهم
وإذا اشتبه ذلك فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذي يتصرفون فيه ويديرونه بينهم ولا يتجاوزونه فلكلامهم سبل مضبوطة وطرق معروفة محصورة
وهذا كما يشتبه على من يدعي الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا الشأن فيدعى انه أشعر من البحتري ويتوهم انه أدق مسلكا من أبي نواس وأحسن طريقا من مسلم وأنت تعلم انهما متباعدان وتتحقق أنهما لا يجتمعان
ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار صاحبه ويطالع ضياء نجمه ويراعي خفوق جناحه وهو راكد في موضعه ولا يضر البحتري ظنه ولا يلحقه بشأوه وهمه (1/125)
فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد فصاحة القرآن وموقع بلاغته وعجيب براعته - فما عليك منه إنما يخبر عن نقصه ويدل على عجزه ويبين عن جهله ويصرح بسخافة فهمه وركاكة عقله
وإنما قدمنا ما قدمناه في هذا الفصل لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه أمر لا يجوز غيره ولا يحتمل سواه ولا يشتبه على ذي بصيرة ولا يخيل عند آخى معرفة كما يعرف الفصل بين طبائع الشعراء من أهل الجاهلية وبين المخضرمين وبين المحدثين ويميز بين من يجري على شاكلة طبعه وغريزة نفسه وبين من يشتغل بالتكلف والتصنع وبين من يصير التكلف له كالمطبوع وبين من كان مطبوعه كالمتعمل المصنوع
هيهات هيهات هذا أمر - وان دق - فله قوم يقتلونه علما وأهل يحيطون به فهما ويعرفونه إليك إن شئت ويصورونه لديك إن أردت ويجلونه على خواطرك إن أحببت ويعرفونه لفطنتك إن حاولت وقد قال القائل
للحرب والضرب أقوام لها خلقوا ... وللدواوين كتاب وحساب
ولكل عمل رجال ولكل صنعة ناس وفي كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط ولكن قد قل من يميز في هذا الفن خاصة وذهب من يحصل في هذا الشأن إلا قليلا
فإن كنت ممن هو بالصفة التي وصفناها - من التناهي في معرفة الفصاحات
والتحقق بمجاري البلاغات - فإنما يكفيك التأمل ويغنيك التصور (1/126)
وان كنت في الصنعة مرمدا وفي المعرفة بها متوسطا فلا بد لك من التقليد ولا غنى بك عن التسليم إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها والشادي فيها كالبائن منها
فإن أراد أن نقرب عليه أمرا ونفسح له طريقا ونفتح له بابا - وليعرف به إعجاز القرآن - فإنا نضع بين يديه الأمثلة ونعرض عليه الأساليب ونصور له صور كل قبيل من النظم والنثر ونحضره من كل فن من القول شيئا يتأمله حق تأمله ويراعيه حق رعايته فيستدل استدلال العالم ويستدرك استدراك الناقد ويقع له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية الطالع عن الإلهية الجامع بين الحكم والحكم والإخبار عن الغيوب والغائبات والمتضمن لمصالح الدنيا والدين والمستوعب لجلية اليقين والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها بالألفاظ الشريفة على تفننها وتصرفها ونعمد إلى شيء من الشعر المجمع عليه فنبين وجه النقص فيه وندل على انحطاط رتبته ووقوع أبواب الخلل فيه حتى إذا تأمل ذلك وتأمل ما نذكره - من تفصيل إعجاز القرن وفصاحته وعجيب براعته - انكشف له واتضح وثبت ما وصفناه لديه ووضح ليعرف حدود البلاغة ومواقع البيان والبراعة ووجه التقدم في الفصاحة
وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين أن الفارسي سئل فقيل له ما البلاغة فقال معرفة الفصل من الوصل
وسئل اليوناني عنها فقال تصحيح الأقسام واختيار الكلام
وسئل الرومي عنها فقال حسن الاقتضاب عند البداهة والغزارة يوم الإطالة
وسئل الهندي عنها فقال وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحس الإشارة (1/127)
وقال مرة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر وزينته أن تكون الشمائل موزونة والألفاظ معدلة واللهجة نقية وان لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح ولا يصفيها كل التصفية ولا يهذبها بغاية التهذيب
وأما البراعة فهي فيما يذكر أهل اللغة الحذق بطريقة الكلام وتجويده وقد يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة
وأما الفصاحة فقد اختلفوا فيها
فمنهم من عبر عن معناها بأنه ما كان جزل اللفظ حسن المعنى
وقد قيل معناها الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس على عبارات جلية ومعان نقية بهية
والذي يصور عندك ما ضمنا تصويره ويحصل لديك معرفته - إذا كنت في صنعة الأدب متوسطا وفي علم العربية متبينا - أن تنظر أولا في
نظم القرآن ثم في شيء من كلام النبي فتعرف الفصل بين النظمين والفرق بين الكلامين (1/128)
فإن تبين لك الفصل ووقعت على جلية الأمر وحقيقة الفرق - فقد أدركت الغرض وصادفت المقصد
وإن لم تفهم الفرق ولم تقع على الفصل - فلا بد لك من التقليد وعلمت أنك من جتهة العامة وان سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان
خطبة للنبي (1/129)
روى طلحة بن عبيد الله قال سمعت رسول الله يخطب على منبره يقول
ألا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا الأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا وصلوا الذي بينكم وبين ربكم - بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية - ترزقوا وتؤجروا وتنصروا
واعلموا أن الله عز و جل قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في عامي هذا في شهري هذا إلى يوم القيامة حياتي ومن بعد موتي فمن تركها وله إمام - فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أمره ألا ولا حج له ألا ولا صوم له ألا ولا صدقة له ألا ولا بر له
ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه
خطبة له
أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وان لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم
إن المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقى لا يدري ما الله تعالى قاض فيه عليه
فليأخذ العبد لنفسه من نفسه ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة قبل الكبر ومن الحياة قبل الموت
والذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة أو النار (1/130)
خطبة له
إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيآت أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
إن أحسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه أحسن الحديث وأبلغه
أحبوا من أحب الله وأحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسو عليه قلوبكم اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا
اتقوا الله حق تقاته وصدقوا صالح ما تعملون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم والسلام عليكم ورحمة الله
خطبة له في أيام التشريق
قال بعد حمد الله
أيها الناس أتدرون في أي شهر انتم وفي أي يوم انتم وفي أي بلد انتم
قالوا في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام
قال ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليك حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه
ثم قال اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظالموا ألا لا تظالموا ألا ألا تظالموا
ألا انه لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيب نفس منه (1/131)
ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه ألا وإن أول دم وضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل
ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ربا يوضع ربا عمي العباس لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون
ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم
ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكم في التحريش بينكم
اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإن لهن عليكم حقا ولكن عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف فإنما أخذتموهن بأمانة الله تعالى واستحللتم فروجهن بكلمة الله
ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها (1/132)
ثم بسط يده فقال ألا هل بلغت ألا هل بلغت ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ ابلغ من سامع
خطبته يوم فتح مكة
وقف على باب الكعبة ثم قال
لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده
ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى - فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج
ألا وقتيل الخطإ العمد بالسوط والعصا - فيه الدية مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها
يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم خلق من تراب ثم تلا هذه الآية
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير
يا معشر قريش - أو يا أهل مكة - ما ترون أني فاعل بكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ثم قال فاذهبوا فأنتم الطلقاء
خطبته بالخيف
وروى زيد بن ثابت أن النبي خطب بالخيف من منى فقال
نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه (1/133)
ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لأولي الأمر ولزوم الجماعة إن دعوتهم تكون من ورائه
ومن كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة
ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له
خطبة له
رواها أبو سعيد الخدري رضي الله عنه
قال خطب بعد العصر فقال
ألا إن الدنيا خضرة حلوة ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء
ألا لا يمنعن رجلا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه
قال ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف فقال (1/134)
إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى
كتاب النبي إلى ملك فارس
من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس
سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله تعالى فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم
كتاب له إلى النجاشي
من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة
سلم أنت فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة فحملت بعيسى فحملته من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه
وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني وإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى فقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصحي والسلام على من اتبع الهدى
نسخة عهد الصلح مع قريش عام الحديبية (1/135)
هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل ابن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال وأنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله وعقده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة فإذا كان عاما قابلا خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا وأن معك سلاح الراكب والسيوف في القرب فلا تدخلها بغير هذا
ولا أطول عليك وأقتصر على ما ألقيته إليك فإن كان لك في الصنعة حظ أو كان لك في هذا المعنى حس أو كنت تضرب في الأدب
بسهم أو في العربية بقسط - وإن قل ذلك السهم أو نقص ذلك النصيب - فما أحسب انه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول الله في خطبه ورسائله وما عساك تسمعه من كلامه ويتساقط إليك من ألفاظه وأقدر انك ترى بين الكلامين بونا بعيدا وأمدا مديدا وميدانا واسعا ومكانا شاسعا (1/136)
فان قلت لعله أن يكون تعمل للقرآن وتصنع لنظمه وشبه عليك الشيطان ذلك من خبثه - فتثبت في نفسك وارجع إلى عقلك واجمع لبك وتيقن أن الخطب يحتشد لها في المواقف العظام والمحافل الكبار والمواسم الضخام ولا يتجوز فيها ولا يستهان بها والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه ويشمر لها عن جد واجتهاد فكيف يقع بها الإخلال وكيف تعرض للتفريط فستعلم لا محالة أن نظم القرآن من الأمر الإلهي وأن كلام النبي من الأمر النبوي
فإذا أردت زيادة في التبين وتقدما في التعرف وإشرافا على الجلية وفوزا بمحكم القضية فتأمل - هداك الله - ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا - من خطب النبي واحد وسبكها سبك غير مختلف وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين وبين شعر الشاعرين وذلك أمر له مقدار معروف وحد - ينتهي إليه - مضبوط
فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمي منهاج ولجملته طريق وتبينت ما يمكن فيه من التفاوت - نظرت إلى نظم القرآن نظرة أخرى وتأملته مرة ثانية فتراعي بعد موقعه وعالي محله وموضعه وحكمت بواجب من اليقين وثلج الصدر بأصل الدين (1/137)
خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه
قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال
أما بعد فإني قد وليت أمركم ولست بخيركم ولكن نزل القرآن وسن النبي وعلمنا فعلمنا
واعلموا أن أكيس الكيس التقىء وإن أحمق الحمق الفجور وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه وأن أضعفكم عندي القوي حتى أخذ منه الحق
أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن أحسنت فأعينوني وان زغت فقوموني
عهد لأبي بكر الصديق إلى عمر رضي الله عنهما
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة ساعة يؤمن فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر
إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن بر وعدل فذاك ظني به ورأيي فيه وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب والخير أردت لكم ولكل امريء ما اكتسب من الإثم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (1/138)
وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رحمة الله عليه قال
دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في علته التي مات فيها فقلت أراك بارئا يا خليفة رسول الله فقال أما إني - على ذلك - لشديد الوجع ولما لقيت منكم - يا معشر المهاجرين - أشد علي من وجعي
إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه
والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان والذي نفسي بيده لان يقدم أحدكم فتضرب رقبته في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا
يا هادي الطريق جرت إنما هو - والله - الفجر أو البجر
قال فقلت خفض عليك يا خليفة رسول الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك فوالله ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من أمر الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرا (1/139)
وله خطب ومقامات مشهورة اقتصرنا منها على ما نقلنا منها قصة السقيفة
نسخة كتاب كتبه أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم
سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو
أما بعد فإنا عهدناك وأمر نفسك لك مهم فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يديك الصديق والعدو والشريف والوضيع ولكل حصته من العدل فانظر كيف أنت - يا عمر - عند ذلك فإنا نحذرك يوما تعنو فيه الوجوه وتجب فيه القلوب
وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة يرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة وإنا نعوذ بالله أن تنزل كتابنا سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك والسلام
فكتب إليهما
من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل سلام عليكما فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو
أما بعد فقد جاءني كتابكما تزعمان انه بلغكما أني وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يدي الصديق والعدو والشريف والوضيع وكتبتما
أن انظر كيف أنت يا عمر عند ذلك وإنه لا حول ولا قوة لعمر - عند ذلك - إلا الله (1/140)
وكتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا وقديما كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة أو النار ثم توفى كل نفس بما كسبت إن الله سريع الحساب
وكتبتما تزعمان أن أمر هذه الأمة يرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة ولستم بذاك وليس هذا ذلك الزمان ولكن زمان ذلك حين تظهر الرغبة والرهبة فتكون رغبة بعض الناس إلى بعض إصلاح دينهم ورهبة بعض الناس إصلاح دنياهم
وكتبتما تعوذانني بالله أن أنزل كتابكما مني سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما وإنما كتبتما نصيحة لي وقد صدقتكما فتعهداني منكما بكتاب ولا غنى بي عنكما
عهد من عهود عمر رضي الله عنه
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس سلام عليك
أما بعد فان القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك فانه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له
آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا (1/141)
ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس - فراجعت فيه عقلك وهديت لرشدك - أن ترجع إلى الحق فأن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل
الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور عند ذلك واعمد أني أشبهها بالحق
واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة - أمدا ينتهي إليه فان أحضر بينه أخذت له بحقه وإلا استحللت عليه القضية فإنه أنفى للشك وأجلى للعمي
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب فان الله تولى منكم السرائر ودرأ بالإيمان والبينات
وإياك والغلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات
فان الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذخر فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن تخلق للناس بما يعلم الله انه ليس من نفسه شأنه الله فما ظنك بثواب الله عز و جل في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام (1/142)
ولعمر رضي الله عنه خطب مشهورة مذكورة في التاريخ لم ننقلها اختصارا
ومن كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه
خطبة له رضي الله عنه
قال إن لكل شيء آفة وإن لكل نعمة عاهة وإن عاهة هذا الدين عيابون ظنانون يظهرون لكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون يقولون لكم وتقولون طغام مثل النعام يتبعون أول ناعق أحب مواردهم إليهم النازح
لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي ولكنه وقمكم وقمعكم وزجركم زجر النعام المخزمة والله إني لأقرب ناصرا وأعز نفرا وأقمن - إن قلت - هلم - أن تجاب دعوتي من عمر
هل تفقدون من حقوقكم شيئا فما لي لا أفعل في الحق ما أشاء إذا فلم كنت إماما
كتابه إلى علي حين حصر - رضي الله عنه (1/143)
أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين وطمع في من لا يدفع عن نفسه فإن أتاك كتابي هذا فأقبل إلي علي كنت أم لي
فإذا كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
ومن كلام علي بن أبى طالب رضي الله عنه
قال لما قبض أبو بكر رضي الله عنه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض النبي وجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر فقال
رحمك الله أبا بكر كنت إلف رسول الله وأنسه وثقته وموضع سره كنت أول القوم إسلاما وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا وأخوفهم لله وأعظمهم غناء في دين الله وأحوطهم على رسول الله وأثبتهم على الإسلام وأيمنهم على أصحابه وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله سننا وهديا ورحمة وفضلا وأشرفهم منزلة وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده
فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا كنت عنده بمنزلة السمع والبصر (1/144)
صدقت رسول الله حين كذبه الناس فسماك في تنزيله صديقا فقال والذي جاء بالصدق وصدق به
واسيته حين بخلوا وقمت معه عند المكاره حين قعدوا وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة ثاني اثنين وصاحبه في الغار والمنزل عليه السكينة والوقار ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله وفي أمته - أحسن الخلافة - حين ارتد الناس فنهضت حين وهن أصحابك وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا وقمت بالأمر حين فشلوا ونطقت حيت تتعتعوا مضيت بنور إذ وقفوا واتبعوك فهدوا
وكنت أصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا وأكثرهم رأيا وأشجعهم نفسا وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا
كنت للدين يعسوبا أولا حين نفر عنه الناس وآخرا حين قفلوا وكنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوا وحفظت ما أضاعوا شمرت إذ خنعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوتار ما طلبوا وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا
وكنت كما قال رسول الله أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك وكنت كما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك عظيما عند الله جليلا في أعين الناس كبيرا في أنفسهم
لم يكن لأحد فيك مغمز ولا لأحد مطمع ولا لمخلوق عندك هوادة الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق والقريب البعيد عندك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم لله (1/145)
شأنك الحق والصدق والرفق وقولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم فأبلغت وقد نهج السبيل وسهل العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وظهر أمر الله ولو كره الكافرون وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا عظيما فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك في السماء وهدت مصيبتك الأيام فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله قضاءه وسلمنا له أمره فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدا فألحقك الله بنبيه ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك
وسكت الناس حتى انقضى كلامه ثم بكوا حتى علت أصواتهم
خطبة أخرى لعلي رضي الله عنه
أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع وإن المضمار اليوم وغدا السباق
ألا وإنكم في أيام مهل ومن ورائه أجل فمن اخلص في أيام مهله فقد فاز ومن قصر في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أمله ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها
ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال (1/146)
ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد
ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل
وخطب رضي الله عنه فقال بعد حمد الله
أيها الناس اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثا فيلهو ولا أهمل سدى فيلغو ما دنياه التي تحسنت إليه بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر إليه وما الخسيس الذي ظفر به - من الدنيا - بأعلى همته كالآخر الذي ذهب من الآخرة من سهمته
وكتب علي رضي الله عنه إلى عبد الله بن عباس رحمة الله عليهما وهو بالبصرة
أما بعد فان المرء يسر بدرك ما لم يكن ليحرمه ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فليكن سرورك بما قدمت من أجر أو منطق وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك
وانظر ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه جزعا وما نلته فلا تنعم به فرحا وليكن همك لما بعد الموت
كلام لابن عباس رضي الله عنه
قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبي موسى يوم الحكمين
قال منعه - والله - من ذلك حاجز القدر وقصر المدة ومحنة الابتلاء (1/147)
أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه ناقضا لما ابرم ومبرما لما نقض أسف إذا طار وأطير إذا أسف ولكن مضى قدر وبقي أسف ومع يومنا عد والآخرة خير لأمير المؤمنين من الأولى
خطبة لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه
أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى خير الملل ملة إبراهيم وأحسن السنن سنة النبي محمد خير الأمور أوساطها وشر الأمور محدثاتها ما قل وكفىخير مما كثر وألهى خير الغنى غنى النفس وخير ما ألقي في القلب اليقين الخمر جماع الإثم النساء حبالة الشيطان الشباب شعبة من الجنون حب الكفاية مفتاح المعجزة من / الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا ولا يذكر الله إلا هجرا أعظم الخطايا اللسان الكذوب سباب المؤمن فسق وقتاله كفر وأكل لحمه معصية من يتأل على الله يكذبه من يغفر يغفر له مكتوب في ديوان المحسنين من عفا عفي عنه الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره الأمور بعواقبها ملاك العمل خواتيمه أشرف الموت الشهادة من يعرف البلاء يصبر عليه ومن لا يعرف البلاء ينكره
خطبة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه (1/148)
قال الراوي لما حضرته الوفاة قال لمولى له من بالباب
فقال نفر من قريش يتباشرون بموتك
فقال ويحك ولم ثم أذن للناس فحمد الله وأثنى عليه فأوجز ثم قال
/ أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود وزمن شديد يعد فيه المحسن مسيئا ويزداد الظالم فيه عتوا لا ننتفع بما علمنا ولا نسأل عما جهلنا ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا فالناس على أربعة أصناف
منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلال حده ونضيض وفره
ومنهم المصلت لسيفه والمجلب برجله والمعلن بشره قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده أو منبر يفرعه وبئس المتجر أن تراها لنفسك ثمنا ومما لك عند الله عوضا
ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمر من ثوبه وزخرف
نفسه للأمانة واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية (1/149)
ومنهم من أقعده عن الملك ضئولة في نفسه وانقطاع سببه فقصر به الحال عن حال فتحلى باسم القناعة وتزين بلباس الزهاد وليس من ذلك مراح ولا مغدى
وبقي رجال أغض أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد ناد وخائف منقمع وساكت مكعوم وداع مخلص وموجع ثكلان قد اخملتهم التقية وشملتهم الذلة في بحر أجاج أفواههم داميةوقلوبهم قرحة قد وعظوا حتى ملوا وقهروا حتى ذلوا وقتلوا حتى قلوا
/ فلتكن الدنيا في عيونكم أقل من حتاتة القرظ وقراضة الجلم واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم فارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم
خطبة لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (1/150)
أيها الناس إنكم ميتون ثم إنكم مبعوثون ثم إنكم محاسبون فلعمري لئن كنتم صادقين لقد قصرتم ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم
يا أيها الناس إنه من يقدر له رزق برأس جبل أو بحضيض / أرض - يأته فأجملوا في الطلب
خطبة للحجاج بن يوسف
حمد الله وأثنى عليه ثم قال
يا أهل العراق ويا أهل الشقاق والنفاق ومساوي الأخلاق وبني اللكيعة وعبيد العصا وأولاد الإماء والفقع بالقرقر إني سمعت تكبيرا لا يراد به الله وإنما يراد به الشيطان وإنما مثلي ومثلكم ما قاله ابن براقة الهمداني
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم
أما والله لا تقرع عصا عصا إلا جعلتها كأمس الدابر
خطبة لقس بن ساعدة الإيادى (1/151)
أخبرني محمد بن علي الأنصاري بن محمد بن عامر قال حدثنا على ابن إبراهيم حدثنا عبد الله بن داود بن عبد الرحمن العمري قال حدثنا الأنصاري علي بن محمد الحنظلي - من ولد حنظلة الغسيل - حدثنا جعفر ابن محمد عن محمد بن حسان عن محمد بن حجاج اللخمي عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال
لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله قال أيكم يعرف قس بن ساعدة /
قالوا كلنا نعرفه يا رسول الله
قال لست أنساه بعكاظ إذ وقف على بعير له أحمر فقال
أيها الناس اجتمعواوإذا اجتمعتم فاسمعوا وإذا سمعتم فعوا وإذا وعيتم فقولوا وإذا قلتم فاصدقوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت
أما بعد فإن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا مهاد موضوع وسقف مرفوع ونجوم تمور وبحار لاتغور أقسم بالله قس قسما
حقا لا كاذبا فيه ولا آثما لئن كان في الأرض رضا ليكونن سخطا إن لله تعالى دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه وقد أتاكم أوانه ولحقتكم مدته (1/152)
مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا
ثم قال رسول الله أيكم يروي شعره فأنشدوه
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر
أخبرني الحسن بن عبد الله ابن سعيد حدثنا علي بن الحسين بن إسماعيل حدثنا محمد بن زكريا حدثنا عبيد الله بن الضحاك عن هشام عن أبيه أن وفدا من إياد قدموا على رسول الله فسألهم عن حال قس بن ساعدة فقالوا قال في
يا ناعي الموت والأموات في جدث ... عليهم من بقايا بزهم خرق
دعهم فأن لهم يوما يصاح بهم ... كما ينبه من نوماته الصعق
منهم عراة ومنهم في ثيابهم ... منها الجديد ومنها الأورق الخلق
مطر ونبات وآباء وأمهات وذاهب وآت وآيات في إثر آيات وأموات بعد أموات ضوء وظلام وليال وأيام وغنى وفقير وشقي وسعيد ومحسن ومسيء وأين الأرباب الفعلة ليصلحن كل عامل عمله (1/153)
كلا بل هو الله واحد ليس بمولود ولا والد أعاد وأبدى وإليه المآب غدا
أما بعد يا معشر إياد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد أين الحسن الذي لم يشكر أين الظلم الذي لم ينقم كلا ورب الكعبة ليعودن ما بدا ولئن ذهب يوم ليعودن يوم
قال وهو قس بن ساعدة بن حذاق بن ذهل بن إياد بن نزار أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية وأول من توكأ على عصا وأول من تكلم بأما بعد خطبه لأبي طالب
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا وجعلنا الحكام على الناس
وإن محمد بن عبد الله ابن أخي لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به بركة وفضلا وعدلا ومجدا ونبلا وإن كان في المال مقلا فإن المال عارية مسترجعة وظل زائل وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك وما أردتم من الصداق فعلى
قد نسخت لك جملا من كلام الصدر الأول ومحاوراتهم وخطبهم
وأحيلك فيما لم أنسخ على التواريخ والكتب المصنفة في هذا الشأن فتأمل ذلك وسائر ما هو مسطر من الأخبار المأثورة عن السلف وأهل البيان واللسن والفصاحة والفطن والألفاظ المنثورة والمخاطبات الدائرة بينهم والأمثال المنقولة عنهم ثم انظر بسكون طائر وخفض جناح وتفريغ لب وجمع عقل في ذلك فسيقع لك الفصل بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين وتعلم أن نظم القرآن يخالف نظم كلام الآدميين وتعلم الحد الذي يتفاوت بين كلام البليغ والبليغ والخطيب والخطيب والشاعر والشاعر وبين نظم القرآن جملة (1/154)
فإن خيل إليك أو شبه عليك وظننت أنه يحتاج أن يوازن بين نظم الشعر أبلغ والقرآن لأن الشعر أفصح من الخطب وأبرع من الرسائل وأدق مسلكا من جميع أصناف المحاورات ولذلك قالوا له هو شاعر أو ساحر وسول إليك الشيطان أن الشعر أبلغ وأعجب وأرق وأبرع وأحسن الكلام وأبدع فهذا فصل فيه نظر بين المتكلمين وكلام بين المحققين
باب (1/155)
سمعت أفضل من رأيت من أهل العلم بالأدب والحذق بهذه الصناعة مع تقدمه في الكلام يقول
إن الكلام المنثور يتأتي فيه من الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتي في الشعر لأن الشعر يضيق نطاق الكلام ويمنع القول من انتهائه ويصده عن تصرفه على سننه
وحضره من يتقدم في صنعة الكلام فراجعه في ذلك وذكر أنه لا يمتنع أن يكون الشعر أبلغ إذا صادف شروط الفصاحة وأبدع إذا تضمن أسباب البلاغة
ويشهد عندي للقول الأخير أن معظم براعة كلام العرب في الشعر ولا نجد في منثور قولهم ما نجد في منظومه وإن كان قد أحدثت البراعة في الرسائل على حد لم يعهد في سالف أيام العرب ولم ينقل في دواوينهم وأخبارهم
وهو وإن ضيق نطاق القول فهو يجمع حواشيه ويضم أطرافه ونواحيه فهو إذا تهذب في بابه ووفي له جميع أسبابه لم يقاربه من كلام الآدميين كلام ولم يعارضه من خطابهم خطاب
وقد حكي عن المتنبي انه كان ينظر في المصحف فدخل إليه بعض أصحابه فأنكر نظره فيه لما كان رآه عليه من سوء اعتقاده فقال له هذا المكي على فصاحته كان مفحما
فإن صحت هذه الحكاية عنه في الحادة عرف بها أنه كان يعتقد أن الفصاحة في قول الشعر أمكن وأبلغ
وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن وبينا أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم ويتقدم في بلاغته على كل قول بما يتضح به الأمر اتضاح الشمس ويتبين به بيان الصبح وقفت على جلية هذا الشأن فانظر فيما نعرضه عليك وتصور بفهمك ما نصوره ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن وتأمل ما نرتبه ينكشف لك الحق (1/156)
إذا أردنا تحقيق ما ضمناه لك فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة متفق على كبر محلها وصحة نظمها وجودة بلاغتها ورشاقة معانيها وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة والمعروفين بالحذق في البراعة فنقفك على مواضع خللها وعلى تفاوت نظمها وعلى اختلاف فصولها وعلى كثرة فضولها وعلى شدة تعسفها وبعض تكلفها وما تجمع من كلام رفيع يقرن بينه وبين كلام وضيع وبين لفظ سوقي يقرن بلفظ ملوكي وغير لك من الوجوه التي يجئ تفصيلها ونبين ترتيبها وتنزيلها
فأما كلام مسيلمة الكذاب وما زعم أنه قرآن فهو أخس من أن نشتغل به وأسخف من أن نفكر فيه
وإنما نقلنا منه طرفا ليتعجب القارئ وليتبصر الناظر فإنه على سخافته قد أضل وعلى ركاكته قد أزل وميدان الجهل واسع ومن نظر فيما نقلناه عنه وفهم موضع جهله كان جديرا أن يحمد الله على ما رزقه من فهم وآتاه من علم
فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء والليل الأطخم والذئب الأدلم والجذع الأزلم ما انتهكت أسيد من محرم وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم أتوه من أصحابه
وقال أيضا والليل الدامس والذئب الهامس ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس (1/157)
وكان يقول والشاء وألوانها وأعجبها السود وألبانها والشاة السوداء واللبن الأبيض إنه لعجب محض وقد حرم المذق فما لكم لا تجتمعون
وكان يقول ضفدع بنت نقي ما تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشا قوم يعتدون
وكان يقول والمبديات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما إهالة وسمنا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ريفكم فامنعوه والمعتر فآووه والباغي فناوئوه
وقالت سجاح بنت الحارث بن عقبان وكانت تتنبأ فاجتمع مسيلمة معها فقالت له ما أوحي إليك
فقال ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى ما بين صفاق وحشا
وقالت فما بعد ذلك
قال أوحي إلى إن الله خلق النساء أفواجا وجعل الرجال لهن أزواجا فنولج فيهن قعسا إيلاجا ثم نخرجها إذا شئنا إخراجا فينتجن لنا سخالا نتاجا فقالت أشهد أنك نبي
ولم ننقل كل ما ذكر من سخفه كراهية التثقيل
وروي أنه سأل أبو بكر الصديق رضي الله عنه أقواما قدموا عليه من بني حنيفة عن هذه الألفاظ فحكوا بعض ما نقلناه فقال أبو بكر سبحان
الله ويحكم إن هذا الكلام لم يخرج عن إل فأين كان يهذب بكم (1/158)
ومعنى قوله لم يخرج عن إل أي عن ربوبية
ومن كان له عقل لم يشتبه عليه سخف هذا الكلام
فنرجع الآن إلى ما ضمناه من الكلام على الأشعار المتفق على جودتها وتقدم أصحابها في صناعتهم ليتبين لك تفاوت أنواع الخطاب وتباعد مواقع أنواع البلاغة وتستدل على مواضع البراعة
وأنت لا تشك في جودة شعر امرئ القيس ولا ترتاب في براعته ولا تتوقف في فصاحته وتعلم أنه قد أبدع في طرق الشعر أمورا اتبع فيها من ذكر الديار والوقوف عليها إلى ما يصل بذلك من البديع الذي أبدعه والتشبيه الذي أحدثه والمليح الذي تجد في شعره / والتصرف الكثير الذي تصادفه في قوله والوجوه التي ينقسم إليها كلامه من صناعة وطبع وسلاسة وعفو ومتانة ورقة وأسباب تحمد وأمور تؤثر وتمدح وقد ترى الأدباء أولا يوازنون بشعره فلانا وفلانا ويضمون أشعارهم إلى شعره حتى ربما وازنوا بين شعر من لقيناه وبين شعره في أشياء لطيفة وأمور بديعة وربما فضلوهم عليه أو سووا بينهم وبينه أو قربوا موضع تقدمه عليهم وبرزوه بين أيديهم
ولما اختاروا قصيدته في السبعيات أضافوا إليها أمثالها وقرنوا بها نظائرها ثم تراهم يقولون لفلان لامية مثلها ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته وتساويه في طريقته وربما غبرت في وجهه في أشياء كثيرة وتقدمت عليه في أسباب عجيبة (1/159)
وإذا جاءوا إلى تعداد محاسن شعره كان أمرا محصورا وشيئا معروفا أنت تجد من ذلك البديع أو أحسن منه في شعر غيره وتشاهد مثل ذلك البارع في كلام سواه وتنظر إلى المحدثين كيف توغلوا إلى حيازة المحاسن منهم من جمع رصانة الكلام إلى سلاسته ومتانته إلى عذوبته والإصابة في معناه إلى تحسين بهجته حتى إن منهم من قصر عنه في بعض تقدم عليه في بعض وإن وقف دونه في حال سبقه في أحوال وإن تشبه به في أمر ساواه في أمور لأن الجنس الذي يرمون إليه والغرض الذي يتواردون عليه هو مما للآدمي فيه مجال وللبشري فيه مثال فكل يضرب فيه بسهم ويفوز فيه بقدح ثم قد تتفاوت السهام تفاوتا وتتباين تباينا وقد تتقارب تقاربا على حسب مشاركتهم في الصنائع ومساهمتهم في الحرف
ونظم القرآن جنس متميز وأسلوب متخصص وقبيل عن النظير متخلص فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامريء القيس في أجود أشعاره وما نبين لك من عواره على التفصيل وذلك قوله
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
الذين يتعصبون له ويدعون محاسن الشعر ويقولون هذا من البديع لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر العهد والمنزل والحبيب وتوجع واستوجع كله في بيت ونحو ذلك (1/160)
وإنما بينا هذا لئلا يقع لك ذهابنا عن مواضع المحاسن - إن كانت - ولا غفلتنا عن مواضع الصناعة إن وجدت
تأمل - أرشدك الله - وانظر - هداك الله أنت تعلم انه ليس في البيتين شيء قد سبق في ميدانه شاعرا ولا تقدم به صانعا وفي لفظه ومعناه خلل
فأول ذلك انه استوقف من يبكي لذكر الحبيب وذكراه لا تقتضي بكاء الخلى وإنما يصح طلب الإسعاد في مثل هذا على أن يبكي لبكائه ويرق لصديقه في شدة برحائه فأما أن يبكي على حبيب صديقه وعشيق رفيقه فأمر محال
فإن كان المطلوب وقوفه وبكاؤه أيضا عاشقا صح الكلام من وجه وفسد المعنى من وجه آخر لأنه من السخف أن لا يغار على حبيبه وان يدعو غيره إلى التغازل عليه والتواجد معه فيه
ثم في البيتين ما لا يفيد من ذكر هذه المواضع وتسمية هذه الأماكن من الدخول وحومل وتوضح والمقراة وسقط اللوى وقد كان يكفيه أن يذكر في التعريف بعض هذا وهذا التطويل إذا لم يفد كان ضربا من العي
ثم إن قوله لم يعف رسمها ذكر الأصمعي من محاسنه انه باق فنحن نحزن على مشاهدته فلو عفا لاسترحنا
وهذا بأن يكون من مساويه أولى لأنه إن كان صادق الود فلا يزيده
عفاء الرسوم إلا جدة عهد وشدة وجد وإنما فزع الأصمعي إلى إفادته هذه الفائدة خشية أن يعاب عليه فيقال أي فائدة لأن يعرفنا انه لم يعف رسم منازل حبيبه وأي معنى لهذا الحشو فذكر ما يمكن أن يذكر ولكن لم يخلصه - بانتصاره له - من الخلل (1/161)
ثم في هذه الكلمة خلل آخر لأنه عقب البيت بان قال
فهل عند رسم دارس من معول ...
فذكر أبو عبيدة انه رجع فأكذب نفسه كما قال زهير
قف بالديار التي لم يعفها القدم ... نعم وغيرها الأرواح والديم
وقال غيره أراد بالبيت الأول انه لم ينطمس أثره كله وبالثاني انه ذهب بعضه حتى لا يتناقض الكلامان
وليس في هذا انتصار لان معنى عفا ودرس واحد فإذا قال لم يعف رسمها ثم قال قد عفا فهو تناقض لا محالة
واعتذار أبي عبيدة أقرب لو صح ولكن لم يرد هذا القول مورد الاستدراك كما قاله زهير فهو إلى الخلل أقرب
وقوله لما نسجتها كان ينبغي أن يقول لما نسجها ولكنه تعسف فجعل ما في تأويل تأنيث لأنها في معنى الريح والأولى التذكير دون التأنيث وضرورة الشعر قد قادته إلى هذا التعسف
وقوله لم يعف رسمها كان الأولى أن يقول لم يعف رسمه لأنه ذكر المنزل فإن كان رد ذلك إلى هذه البقاع والأماكن
التي المنزل واقع بينها فذلك خلل لأنه إنما يريد صفة المنزل الذي نزله حبيب بعفائه أو بأنه لم يعف دون ما جاوره (1/162)
وإن أراد بالمنزل الدار حتى أنث فذلك أيضا خلل
ولو سلم من هذا كله ومما نكره ذكره كراهية التطويل - لم نشك في أن شعر أهل زماننا لا يقصر عن البيتين بل يزيد عليهما ويفضلهما
ثم قال
وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحمل
وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول
وليس في البيتين أيضا معنى بديع ولا لفظ حسن كالأولين
والبيت الأول منهما متعلق بقوله قفا نبك فكأنه قال قفا وقوف صحبي بها على مطيهم أو قفا حال وقوف صحبي وقوله بها متأخر في المعنى وإن تقدم في اللفظ ففي ذلك تكلف وخروج عن اعتدال الكلام
والبيت الثاني مختل من جهة انه قد جعل الدمع في اعتقاده شافيا كافيا فما حاجته بعد ذلك إلى طلب حيلة أخرى وتحمل ومعول عند الرسوم
ولو أراد أن يحسن الكلام لوجب أن يدل على أن الدمع لا يشفيه لشدة ما به من الحزن ثم يسائل هل عند الربع من حيلة أخرى
وقوله
كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل (1/163)
أنت لا تشك في أن البيت الأول قليل الفائدة ليس له مع ذلك بهجة فقد يكون الكلام مصنوع اللفظ وإن كان منزوع المعنى وأما البيت الثاني فوجه التكلف فيه قوله
إذا قامتا تضوع المسك منهما ...
ولو أراد أن يجود أفاد أن بهما طيبا على كل حال فأما في حال القيام فقط فذلك تقصير
ثم فيه خلل آخر لأنه بعد أن شبه عرفها بالمسك شبه ذلك بنسيم القرنفل وذكر ذلك بعد ذكر المسك نقص
وقوله نسيم الصبا في تقدير المنقطع عن المصراع الأول لم يصله به وصل مثله
وقوله
ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي محملي
ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل
قوله ففاضت دموع العين ثم استعانته بقوله مني استعانة ضعيفة عند المتأخرين في الصنعة وهو حشو غير مليح ولا بديع
وقوله على النحر حشو آخر لان قوله بل دمعي محملي يغني عنه ويدل عليه وليس بحشو حسن ثم قوله حتى بل محملي إعادة ذكره الدمع حشو آخر وكان يكفيه أن يقول حتى بلت محملي فاحتاج لإقامة الوزن إلى هذا كله
ثم تقديره انه قد أفرط في إفاضة الدمع حتى بل محمله تفريط
منه وتقصير ولو كان أبدع لكان يقول حتى بل دمعي مغانيهم وعراصهم ويشبه أن يكون غرضه إقامة الوزن والقافية لان الدمع يبعد أن يبل المحمل وإنما يقطر من الواقف والقاعد على الأرض أو على الذيل وإن بله فلقلته وأنه لا يقطر (1/164)
وأنت تجد في شعر الخبزرزي ما هو أحسن من هذا البيت وأمتن وأعجب منه
والبيت الثاني خال من المحاسن والبديع خاو من المعنى وليس له لفظ يروق ولا معنى يروع من طباع السوقة فلا يرعك تهويله باسم موضع غريب
وقال
ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل
فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
تقديره اذكر يوم عقرت مطيتي أو يرده على قوله يوم بدارة جلجل وليس في المصراع الأول من هذا البيت إلا سفاهته
قال بعض الأدباء قوله يا عجبا يعجبهم من سفهه في شبابه من نحره لهن وإنما أراد أن لا يكون الكلام من هذا المصراع منقطعا عن الأول وأراد أن يكون الكلام ملائما له
وهذا الذي ذكره بعيد وهو منقطع عن الأول وظاهره انه يتعجب من
تحمل العذارى رحله وليس في هذا تعجب كبير ولا في نحر الناقة لهن تعجب (1/165)
وإن كان يعني به أنهن حملن رحله وأن بعضهن حمله فعبر عن نفسه برحله فهذا قليلا يشبه أن يكون عجبا لكن الكلام لا يدل عليه ويتجافى عنه
ولو سلم البيت من العيب لم يكن فيه شيء غريب ولا معنى بديع أكثر من سفاهته مع قلة معناه وتقارب أمره ومشاكلته طبع المتأخرين من أهل زماننا
والى هذا الموضع لم يمر له بيت رائع وكلام رائق
وأما البيت الثاني فيعدونه حسنا ويعدون التشبيه مليحا واقعا وفيه شيء وذلك انه عرف اللحم ونكر الشحم فلا يعلم انه وصف شحمها وذكر تشبيه أحدهما بشيء واقع للعامة ويجري على ألسنتهم وعجز عن تشبيه القسمة الأولى فمرت مرسلة وهذا نقص في الصنعة وعجز عن إعطاء الكلام حقه
وفيه شيء آخر من جهة المعنى وهو انه وصف طعامه الذي أطعم من أضاف بالجودة وهذا قد يعاب وقد يقال إن العرب تفتخر بذلك ولا يرونه عيبا وإنما الفرس هم الذين يرون هذا عيبا شنيعا
وأما تشبيه الشحم بالدمقس فشيء يقع للعامة ويجري على ألسنتهم فليس بشيء قد سبق إليه وإنما زاد المفتل للقافية وهذا مفيد ومع ذلك فلست أعلم العامة تذكر هذه الزيادة ولم يعد أهل الصنعة ذلك من البديع ورأوه قريبا وفيه شيء آخر من جهة المعنى وهو أن تبجحه بما أطعم للأحباب مذموم وإن سوغ التبجح بما أطعم للأضياف إلا أن
يورد الكلام مورد المجون وعلى طريق أبي نواس في المزاح والمداعبة (1/166)
وقوله
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرئ القيس فانزل
وقوله دخلت الخدر خدر عنيزة ذكره تكريرا لإقامة الوزن لا فائدة فيه غيره ولا ملاحة له ولا رونق
وقوله في المصراع الأخير من هذا البيت فقالت لك الويلات إنك مرجلي كلام مؤنث من كلام النساء نقله من جهته إلى شعره وليس فيه غير هذا
وتكريره بعد ذلك تقول وقد مال الغبيط يعني قتب الهودج بعد
قوله فقالت لك الويلات إنك مرجلي لا فائدة فيه غير تقدير الوزن وإلا فحكاية قولها الأول كاف وهو في النظم قبيح لأنه ذكر مرة فقالت ومرة تقول في معنى واحد وفصل خفيف
وفي مصراع الثاني أيضا تأنيث من كلامهن
وذكر أبو عبيدة أنه قال عقرت بعيرى ولم يقل ناقتي لأنهم يحملون النساء على ذكور الإبل لأنها أقوى
وفي ذلك نظر لأن الأظهر أن البعير اسم للذكر والأنثى واحتاج إلى ذكر البعير لإقامة الوزن
وقوله
فقلت لها سيرى وأرخي زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل
فمثلك حبلي قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول
البيت الأول قريب النسج ليس له معنى بديع ولا لفظ شريف كأنه من عبارات المنحطين في الصنعة (1/167)
وقوله فمثلك حبلى قد طرقت عابة عليه أهل العربية ومعناه عندهم حتى يستقيم الكلام فرب مثلك حبلى قد طرقت وتقديره أنه زير نساء وأنه يفسدهن ويلهيهن عن حبلهن ورضاعهن لأن الحبلى والمرضعة أبعد من الغزل وطلب الرجال
والبيت الثاني في الاعتذار والاستهتار والتهيام وغير منتظم مع المعنى الذي قدمه في البيت الأول لأن تقديره لا تبعديني عن نفسك فإني أغلب النساء وأخدعهن عن رأيهن وأفسدهن بالتغازل وكونه مفسدة لهن لا يوجب له وصلهن وترك إبعادهن إياه بل يوجب هجرة والاستخفاف به لسخفه ودخوله كل مدخل فاحش وركوبه كل مركب فاسد
وفيه من الفحش والتفحش ما يستنكف الكريم من مثله ويأنف من ذكره
وقوله
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول
ويوما على ظهر الكثيب تعذرت ... على وآلت حلفة لم تحلل
فالبيت الأول غاية في الفحش ونهاية في السخف وأي فائدة لذكره لعشيقته كيف كان يركب هذه القبائح ويذهب هذه المذاهب ويرد هذه الموارد إن هذا ليبغضه إلى كل من سمع كلامه ويوجب له المقت وهو لو صدق لكان قبيحا فكيف ويجوز أن يكون كاذبا
ثم ليس في البيت لفظ بديع ولا معنى حسن
وهذا البيت متصل بالبيت الذي قبله من ذكر المرضع التي لها ولد محول
فأما البيت الثاني وهو قوله ويوما يتعجب منه بأنها تشددت وتعسرت عليه وحلفت عليه فهو كلام رديء النسج لا فائدة لذكره لنا أن حبيبته تمنعت عليه يوما بموضع يسميه ويصفه (1/168)
وأنت تجد في شعر المحدثين من هذا الجنس في التغزل ما يذوب معه اللب وتطرب عليه النفس وهذا مما تستنكره النفس ويشمئز منه القلب وليس فيه شيء من الإحسان والحسن
وقوله
أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
فالبيت الأول فيه ركاكة جدا وتأنيث ورقة ولكن فيها تخنيث
ولعل قائلا أن يقول إن كلام النساء بما يلائمهن من الطبع أوقع وأغزل
وليس كذلك لأنك تجد الشعراء في الشعر المؤنث لم يعدلوا عن رصانة قولهم
والمصراع الثاني منقطع عن الأول لا يلائمه ولا يوافقه وهذا يبين لك إذا عرضت معه البيت الذي تقدمه
وكيف ينكر عليها تدللها والمتغزل يطرب على دلال الحبيب وتدلله
والبيت الثاني قد عيب عليه لأنه قد أخبر أن من سبيلها أن لا تغتر بما يريها من أن حبها يقتله وأنها تملك قلبه فما أمرته فعله والمحب إذا أخبر عن مثل هذا صدق
وإن كان المعنى غير هذا الذي عيب عليه وإنما ذهب ذهبا آخر وهو أنه أراد أن يظهر التجلد فهذا خلاف ما أظهر من نفسه فيما تقدم من الأبيات من الحب والبكاء على الأحبة فقد دخل في وجه آخر من المناقضة والإحاطة ف الكلام (1/169)
ثم قوله تأمري القلب يفعل معناه تأمريني والقلب لا يؤمر والاستعارة في ذلك غير واقعة ولا حسنة
وقوله
فإن كنت قد ساءتك مني خليقة ... فسلى ثيابي من ثيابك تنسل
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
البيت الأول قد قيل في تأويله إنه ذكر الثوب وأراد البدن مثل قول الله تعالى وثيابك فطهر وقال أبو عبيدة هذا مثل للهجر وتنسل تبين
وهو بيت قليل المعنى ركيكه ووضيعه وكل ما أضاف إلى نفسه ووصف به نفسه سقوط وسفه وسخف يوجب قطعه فلم لم يحكم على نفسه بذلك ولكن يورده مورد أن ليست له خليقة توجب هجرانه والتفصى من وصله وأنه مهذب الأخلاق شريف الشمائل فذلك يوجب أن لا ينفك من وصاله
والاستعارة في المصرع الثاني فيها تواضع وتقارب وإن كانت غريبة (1/170)
وأما البيت الثاني فمعدود من محاسن القصيدة وبدائعها ومعناه ما بكيت إلا لتجرحي قلبا معشرا - أي مكسرا - من قولهم برمة أعشار إذا كانت قطعا هذا تأويل ذكره الأصمعي وهو أشبه عند أكثرهم
وقال غيره وهذا مثل للأعشار التي تقسم الجزور عليها ويعني بسهميك المعلي وله سبعة أنصباء والرقيب وله ثلاثة أنصباء فأراد أنك ذهبت بقلبي أجمع
ويعني بقوله مقتل مذلل
وأنت تعلم أنه على ما يعنى به فهو غير موافق للأبيات المتقدمة لما فيها من التناقض الذي بينا
ويشبه أن يكون من قال بالتأويل الثاني فزع إليه لأنه رأي اللفظ مستكرها على المعنى الأول لأن القائل إذا قال ضرب فلان بسهمه في الهدف بمعنى أصابه كان كلاما ساقطا مرذولا وهو يرى أن معنى الكلمة أن عينيها كالسهمين النافذين في إصابة قلبه المجروح فلما بكتا وذرفتا بالدموع كانتا ضاربتين في قلبه
ولكن من حمل على التأويل الثاني سلم من الخلل الواقع في اللفظ ولكنه يفسد المعنى ويختل لأنه إن كان محبا على ما وصف به نفسه من الصبابة فقلبه كله لها فكيف يكون بكاؤها هو الذي يخلص قلبه لها
واعلم بعد هذا أن البيت غير ملائم للبيت الأول ولا متصل به في المعنى
وهو منقطع عنه لأنه لم يسبق كلام يقتضي بكاءها ولا سبب يوجب ذلك فتركيبة هذا الكلام على ما قبله فيه اختلال (1/171)
ثم لو سلم له بيت من عشرين بيتا وكان بديعا ولا عيب فيه فليس بعجيب لأنه لا يدعي على مثله أن كلامه كله متناقض ونظمه كله متباين
وإنما يكفي أن نبين أن ما سبق من كلامه إلى هذا البيت مما لا يمكن أن يقال إنه يتقدم فيه أحدا من المتأخرين فضلا عن المتقدمين
وإنما قدم في شعره لأبيات قد برع فيها وبان حذقه بها
وإنما أنكرنا أن يكون شعره متناسبا في الجودة ومتشابها في صحة المعنى واللفظ وقلنا إنه يتصرف بين وحشي غريب مستنكر وعربية كالمهمل مستكرهة وبين كلام سليم متوسط وبين عامي سوقي في اللفظ والمعنى وبين حكمة حسنة وبين سخف مستشنع ولهذا قال الله عز اسمه ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا
فأما قوله
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
تجاوزت أحراسا وأهوال معشر ... على حراص لو يسرون مقتلي
فقد قالوا عنى بذلك أنها كبيضة خدر في صفائها ورقتها وهذه كلمة حسنة ولكن لم يسبق إليها بل هي دائرة في أفواه العرب وتشبيه سائر
ويعني بقوله غير معجل أنه ليس ذلك مما يتفق قليلا وأحيانا بل يتكرر له الاستمتاع بها وقد يحمله غيره على أنه رابط الجأش فلا
يستعجل إذا دخلها خوف حصانتها ومنعتها (1/172)
وليس في البيت كبير فائدة لأن الذي حكي في سائر أبياته قد تضمن مطاولته في المغازلة واشتغاله بها فتكريره في هذا البيت مثل ذلك قليل المعنى إلا الزيادة التي ذكر من منعتها وهو مع ذلك بيت سليم اللفظ في المصراع الأول دون الثاني
والبيت الثاني ضعيف
وقوله لو يسرون مقتلي أراد أن يقول لو أسروا فإذا نقله إلى هذا ضعف ووقع في مضمار الضرورة والاختلال على نظمه بين حتى إن المتأخر ليحترز من مثله
وقوله
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
قد أنكر عليه قوم قوله إذا ما الثريا في السماء تعرضت وقالوا الثريا لا تتعرض حتى قال بعضم سمى الثريا وإنما أراد الجوزاء لأنها تعرض والعرب تفعل ذلك كما قال زهير كأحمر عاد وإنما هو أحمر ثمود
وقال بعضهم في تصحيح قوله إنما تعرض أول ما تطلع وحين
تغرب كما أن الوشاح إذا طرح يلقاك بعرضه وهو ناحيته وهذا كقول الشاعر (1/173)
تعرضت لي بمجاز خل ... تعرض المهرة في الطول يقول تريك عرضها وهي في الرسن
وقال أبو عمرو يعني إذا أخذت الثريا في وسط السماء كما يأخذ الوشاح وسط المرأة
والأشبه عندنا أن البيت غير معيب من حيث عابوه به وأنه من محاسن هذه القصيدة ولولا أبيات عدة فيه لقابله ما شئت من شعر غيره ولكن لم يأت فيه بما يفوت الشأو ويستولي على الأمد
أنت تعلم أنه ليس للمتقدمين ولا للمتأخرين في وصف شيء من النجوم مثل ما في وصف الثريا وكل قد أبدع فيه وأحسن فإما أن يكون قد عارضه أو زاد عليه
فمن ذلك قول ذي الرمة
وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق
ومن ذلك قول ابن المعتز (1/174)
وترى الثريا ... في السماء كأنها ... بيضات أدحى يلحن بفدفد
وكقوله
كأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نور أو لجام مفضض
وقوله أيضا
فناولنيها والثريا كأنها ... جنى نرجس حي الندامى به الساقي
وقول الأشهب بن رميلة
ولاحت لساريها الثريا كأنها ... لدى الأفق الغربي فرط مسلسل
ولا بن المعتز
وقد هوى النجم والجوزاء تتبعه ... كذات قرط أرادته وقد سقطا
أخذه من ابن الرومي في قوله
طيب ريقه إذا ذقت فاه ... والثريا بجانب الغرب قرط
ولابن المعتز
قد سقاني المدام والصبح ... بالليل مؤتزر
والثريا كنور غصن ... على الأرض قد نثر
وقوله
وتروم الثريا في السماء مراما
كانكباب طمر ... كاد يلقي لجاما (1/175)
ولابن الطثرية
إذا ما الثريا في السماء كأنها ... جمان وهي من سلكه فتبددا
ولو نسخت لك كل ما قالوا من البديع في وصف الثريا لطال عليك الكتاب وخرج عن الغرض وإنما نريد أن نبين لك أن الإبداع في نحو هذا أمر قريب وليس فيه شيء غريب
وفي جملة ما نقلناه ما يزيد على تشبيهه في الحسن أو يساويه أو يقاربه فقد علمت أن ما حلق فيه وقدر المتعصب له أنه بلغ النهاية فيه أمر مشترك وشريعة مورودة وباب واسع وطريق مسلوك وإذا كان هذا بيت القصيدة ودرة القلادة وواسطة العقد وهذا محله فكيف بما تعداه
ثم فيه ضرب من التكلف لأنه قال إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح فقوله تعرضت من الكلام الذي يستغني عنه لأنه يشبه أثناء الوشاح بالثريا سواء كان في وسط السماء أو عند الطلوع والمغيب فالتهويل بالتعرض والتطويل بهذه الألفاظ لا معنى له
وفيه أن الثريا كقطعة من الوشاح المفصل فلا معنى تعرض لقوله أثناء الوشاح وإنما أراد أن يقول تعرض قطعة من أثناء الوشاح فلم يستقم له اللفظ حتى شبه ما هو كالشيء الواحد بالجمع
وقوله (1/176)
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسه المتفضل
فقالت يمين الله ما لك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
انظر إلى البيت الثاني الأول والأبيات التي قبله كيف خلط في النظم وفرط في التأليف فذكر التمتع بها وذكر الوقت والحال والحراس ثم ذكر كيف كان صفتها لما دخل عليها ووصل إليها من نزعها ثيابها إلا ثوبا واحدا والمتفضل الذي في ثوب واحد وهو الفضل فما كان من سبيله أن يقدمه إنما ذكره مؤخرا
وقوله لدى الستر حشو وليس بحسن ولا بديع وليس في البيت حسن ولا شيء يفضل لأجله
وأما البيت الثاني ففيه تعليق واختلال ذكر الأصمعي أن معنى قوله ما لك حيلة أي ليست لك جهة تجيء فيها والناس أحوالي
والكلام في المصراع الثاني منقطع عن الأول ونظمه إليه فيه ضرب من التفاوت
وقوله
فقمت بها أمشي تجر وراءنا ... على إثرنا أذيال مرط مرجل
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
البيت الأول يذكر من محاسنه من مساعدتها إياه حتى قامت معه ليخلوا وأنها كانت تجر على الإثر أذيال مرط مرجل والمرجل ضرب من البرود يقال لوشيه الترجيل وفيه تكلف لأنه قال وراءنا على
إثرنا ولو قال على إثرنا كان كافيا والذيل إنما يجر وراء الماشي فلا فائدة لذكره وراءنا وتقدير القول فقمت أمشي بها وهذا أيضا ضرب من التكلف (1/177)
وقوله أذيال مرط كان من سبيله أن يقول ذيل مرط
على أنه لو سلم من ذلك كان قريبا ليس مما يفوت بمثله غيره ولا يتقدم به سواه وقول ابن المعتز أحسن منه
فبت أفرش خدي في الطريق له ... ذلا وأسحب أكمامي على الأثر
وأما البيت الثاني فقوله أجزنا بمعنى قطعنا والخبت بطن من الأرض والحقف رمل منعرج والعقنقل / المنعقد من الرمل الداخل بعضه في بعض
وهذا بيت متفاوت مع الأبيات المتقدمة لأن فيها ما هو سلس قريب يشبه كلام المولدين وكلام البذلة وهذا قد أغرب فيه وأتي بهذه اللفظة الوحشية المتعقدة وليس في ذكرها والتفضيل بإلحاقها بكلامه فائدة
والكلام الغريب واللفظة الشديدة المباينة لنسج النسج الكلام قد تحمد إذا وقعت موقع الحاجة في وصف ما يلائمها كقوله عز و جل في وصف يوم القيامة يوما عبوسا قمطريرا فأما إذا وقعت في غير هذا الموقع فهي مكروهة مذمومة بحسب ما تحمد في موضعها
وروي أن جريرا انشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته
بان الخليط برامتين فودعوا ... أو كلما جدوا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ بنتم ... قلبا يقر ولا شرابا ينقع
قال وكان يزحف من حسن هذا الشعر حتى بلغ قوله
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع
فقال أفسدت شعرك بهذا الاسم (1/178)
وأما قوله
هصرت بغصني دوحة فتمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... تر ائبها مصقولة كالسجنجل
فمعنى قوله هصرت جذبت وثنيت
وقوله بغصني دوحة تعسف ولم يكن من سبيله أن يجعلها اثنين
والمصراع الثاني أصح وليس فيه شيء إلا ما يتكرر على ألسنة الناس من هاتين الصفتين وأنت تجد ذلك في وصف كل شاعر ولكنه مع تكرره على الألسن صالح
وأما معنى قوله مهفهفة أنها مخففة ليست مثقلة
والمفاضة التي اضطرب طولها
والبيت مع مخالفته في الطبع الأبيات المتقدمة ونزوعه فيه إلى الألفاظ المستكرهة وما فيه من الخلل من تخصيص الترائب بالضوء بعد ذكر جميعها بالبياض فليس بطائل ولكنه قريب متوسط
وقوله
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
معنى قوله عن أسيل أي بأسيل وإنما يريد خدا ليس بكز
وقوله تتقي يقال اتقاه بحقه أي جعله بينه وبينه
وقوله تصد وتبدي عن أسيل متفاوت لأن الكشف عن الوجه مع الوصل دون الصد (1/179)
وقوله تتقي بناظرة لفظة مليحة ولكن أضافها إلى ما نظم به كلامه وهو مختل وهو قوله من وحش وجرة وكان يجب أن تكون العبارة بخلاف هذا كان من سبيله أن يضيف إلى عيون الظباء أو المها دون إطلاق الوحش ففيهن ما تستنكر عيونها
وقوله مطفل فسروه على أنها ليست بصبية وأنها قد استحكمت وهذا اعتذار متعسف وقوله مطفل زيادة لا فائدة فيها على هذا التفسير الذي ذكره الأصمعي ولكن قد يحتمل عندي أن يفيد غير هذه الفائدة فيقال إنها إذا كانت مطفلا لحظت أطفالها بعين رقة ففي نظر هذه رقة نظر المودة ويقع الكلام معلقا تعليقا متوسطا
وأما البيت الثاني فمعنى قوله ليس بفاحش أي ليس بفاحش الطول
ومعنى قوله نصته رفعته ومعنى قوله ليس بفاحش في مدح الأعناق كلام فاحش موضوع منه وإذا نظرت في أشعار العرب رأيت في وصف الأعناق ما يشبه السحر فكيف وقع على هذه الكلمة ودفع إلى هذه اللفظة وهلا قال كقول أبي نواس
مثل الظباء سمت إلى ... روض صوادر عن غدير
ولست أطول عليك فتستثقل ولا أكثر القول في ذمه فتستوحش
وأكلك الآن إلى جملة من القول فإن كنت من أهل اواستغنيت
وإن كنت عن الطبقة خارجا وعن الإتقان بهذا الشأن خاليا فلا يكفيك البيان وإن استقرينا جميع شعره وتتبعنا عامة ألفاظه ودللنا على ما في كل حرف منه
اعلم أن هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذله وأبيات متوسطة وأبيات ضعيفة مرذولة وأبيات وحشية غامضة مستكرهة وأبيات معدودة بديعة (1/180)
وقد دللنا على المبتذل منها ولا يشتبه عليك الوحشي المستنكر الذي يروع السمع ويهول القلب ويكد اللسان ويعبس معناه في وجه كل خاطر ويكفهر مطلعه على كل متأمل أو ناظر ولا يقع بمثله التمدح والتفاصح وهو مجانب لما وضع له أصل الإفهام ومخالف لما بني عليه التفاهم بالكلام فيجب أن يسقط عن الغرض المقصود ويلحق باللغز والإشارات المستبهمة
فأما الذي زعموا أنه من بديع هذا الشعر فهو قوله
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
والمصراع الأخير عندهم بديع ومعنى ذلك / أنها مترفة متنعمة لها من يكفيها
ومعنى قوله لم تنتطق عن تفضل يقول لم تنتطق وهي فضل وعن هي بمعنى بعد قال أبو عبيدة لم تنتطق فتعمل ولكنها تتفضل ,
ومما يعدونه من محاسنها
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطي بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل (1/181)
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
وكان بعضهم يعارض هذا بقول النابغة
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يتلو النجوم بآيب
وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء فقدمت أبيات امرئ القيس واستحسنت استعارتها وقد جعل لليل صدرا يثقل تنحيه ويبطئ تقضيه وجعل له أردافا كثيرة وجعل له صلبا يمتد ويتطاول ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام من الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة ورأوا أن الألفاظ جميلة
واعلم أن هذا صالح جميل وليس من الباب الذي يقال إنه متناه عجيب , وفيه إلمام بالتكلف ودخول في التعمل
وقد خرجوا له في البديع من القصيدة قوله
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود ضخر حطه السيل من عل (1/182)
وقوله أيضا
له أبطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
فأما قوله قيد الأوابد فهو مليح ومثله في كلام الشعراء وأهل الفصاحة كثير والتعمل بمثله ممكن
وأهل زماننا الآن يصنفون نحو هذا تصنيفا ويؤلفون المحاسن تأليفا يوشحون به كلامهم والذين كانوا من قبل لغزارتهم وتمكنهم لم يكونوا يتصنعون لذلك وإنما كان يتفق لهم اتفاقا ويطرد في كلامهم اطرادا
وأما قوله في وصفه مكر مفر فقد جمع فيه طباقا وتشبيها وفي سرعة جرى الفرس للشعراء ما هو أحسن من هذا وألطف
وكذلك في جمعه بين أربعة وجوه من التشبيه في بيت واحد صنعة ولكن قد عورض فيه وزوحم عليه والتوصل إليه يسير وتطلبه سهل قريب
وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتا بينا في الجودة والرداءة والسلاسة والانعقاد والسلامة والانحلال والتمكن والاستصعاب والتسهل والاسترسال والتوحش والاستكراه وله شركاء في نظائرها ومنازعون في محاسنها ومعارضون في بدائعها ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة ويذوب تارة ويتلون تلون الحرباء ويختلف اختلاف الأهواء ويكثر في تصرفه اضطرابه وتتفاذف به أسبابه وبين قول يجري في سبكه على نظام وفي رصفه على منهاج وفي وضعه على حد وفي صفائه على باب وفي
بهجته وزونقه على طريق مختلفة مؤتلف ومؤتلفة متحد ومتباعدة متقارب وشارده مطيع ومطيعه شارد وهو وندل على متصرفاته واحد لا يستصعب في حال ولا يتعقد في شأن (1/183)
وكنا أردنا أن نتصرف في قصائد مشهودة فنتكلم عليها على معانيها ومحاسنها ونذكر لك من فضائلها ونقائصها ونبسط لك القول في هذا الجنس , ونفتح عليك في هذا النهج
ثم رأينا هذا خارجا عن غرض كتابنا والكلام فيه يتصل بنقد الشعر وعياره ووزنه بميزانه ومعياره ولذلك كتب وإن لم تكن مستوفاة وتصانيف وإن لم تكن مستقصاة
وهذا القدر يكفي في كتابنا ولم نحب أن ننسخ لك ما سطره الأدباء في خطأ امرئ القيس في العروض والنحو والمعاني وما عابوه عليه في أشعاره وتكلموا به على ديوانه لأن ذلك أيضا خارج عن غرض كتابنا ومجانب لمقصوده
وإنما أردنا أن نبين الجملة التي بيناها لتعرف أن طريقة الشعر شريعة مورودة ومنزلة مشهورة يأخذ منها أصحابها على مقادير أسبابهم ويتناول منها ذووها على حسب أحوالهم
وأنت تجد للمتقدم معنى قد طمسه المتأخر بما أبر عليه فيه وتجد للمتأخر معنى قد أغفله المتقدم وتجد معنى قد توافدا عليه وتوافيا إليه فهما فيه شريكا عنان وكأنهما فيه رضيعا لبان والله يؤتي فضله من يشاء
فأما نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه فإن العقول تتيه في جهته وتحار في بحره وتضل دون وصفه
ونحن نذكر لك في تقصيل هذا ما تستدل به على الغرض وتستولي به على الأمد وتصل به إلى المقصد وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن الفجر وأقرب عليك الغامض وأسهل لك العسير (1/184)
واعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب ليست له عشيرة تحميه ولا أهل عصمة تفطن لما فيه وهو أدق من السحر وأهول من البحر وأعجب من الشعر
وكيف لا يكون كذلك وأنت تحسب أن وضع الصبح في موضع الفجر يحسن في كل كلام إلا أن يكون شعرا أو سجعا وليس كذلك فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى بل تتمكن فيه وتضرب بجرانها وتراها في مظانها وتجدها فيه غير منازعة إلى أوطانها وتجد الأخرى لو وضعت موضعها في محل نفار ومرمى شراد ونابية عن استقرار
ولا أكثر عليك المثال ولا أضرب لك فيه الأمثال وأرجع بك إلى ما وعدتك من الدلالة وضمنت لك من تقريب المقالة
فإن كنت لا تعرف الفصل الذي بينا بين اللفظتين على اختلاف مواقع الكلام ومتصرفات مجاري النظام لم تستفد مما نقر به عليك شيئا وكان التقليد أولى بك والاتباع أوجب عليك ولكل شيء سبب ولكل علم طريق ولا سبيل إلى الوصول إلى الشيء من غير طريقة ولا بلوغ غايته من غير سبيله
خذ الآن هداك الله في تفريغ الفكر وتخلية البال وانظر فيما نعرض عليك ونهديه إليك متوكلا على الله ومعتصما به ومستعيذا به من الشيطان الرجيم حتى تقف على إعجاز القرآن العظيم
سماه الله عز ذكره حكيما وعظيما ومجيدا (1/185)
وقال لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خله تنزيل من حكيم حميد
وقال لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون
وقال ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا
وقال قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا
وأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين القزويني حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن عثمان حدثنا أبو يوسف الصيدلاني حدثنا محمد بن سلمة عن أبي سنان عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي عن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه قال
قيل يا رسول الله إن أمتك ستفتتن من بعدك فسأل أو سئل ما المخرج من ذلك
فقال بكتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد من ابتغى العلم في غيره أضله الله ومن ولى هذا من جبار فحكم بغيره قصمه الله وهو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم فيه خبر من قبلكم وتبيان من بعدكم وهو فصل ليس بالهزل وهو الذي لما سمعته الجن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به لا يخلق على طول الرد ولا تنقضي عبره ولا تفني عجائبه
وأخبرني أحمد بن علي بن الحسن أخبرنا أبي أخبرنا بشر بن عبد الوهاب
أخبرنا هشام بن عبيد الله حدثنا المسيب بن شريك عن عبيدة عن أسامة بن أبي عطاء قال أرسل النبي إلى علي رضي الله عنه في ليلة فذكر نحو ذلك في المعنى وفي بعض ألفاظه اختلاف (1/186)
وأخبرنا أحمد بن علي بن الحسن أخبرنا أبي أخبرنا بشر بن عبد الوهاب أخبرنا هشام بن عبيد الله حدثنا المسيب بن شريك عن بشر بن نمير عن القاسم عن أبي أمامة قال
قال رسول الله من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحي إليه وذكر الحديث
ولو لم يكن من عظم شأنه إلا أنه طبق الأرض أنواره وجلل الآفاق ضياؤه ونفذ في العالم حكمه وقبل في الدنيا رسمه وطمس ظلام الكفر بعد أن كان مضروب الرواق ممدود الأطناب مبسوط الباع مرفوع العماد ليس على الأرض من يعرف الله حق معرفته أو يعبده حق عبادته أو يدين بعظمته أو يعلم علو جلالته أو يتفكر في حكمته فكان كما وصفه الله تعالى جل ذكره من أنه نور فقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من
نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (1/187)
فانظر إن شئت إلى شريف هذا النظم وبديع هذا التأليف وعظيم هذا الرصف كل كلمة من هذه الآية تامة وكل لفظ بديع واقع
قوله وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا يدل على صدوره من الربوبية ويبين عن وروده عن الإلهية وهذه الكلمة بمنفردها وأخواتها كل واحدة منها لو وقعت بين كلام كثير تميز عن جميعه وكان واسطة عقده وفاتحة عقده وغرة شهره وعين دهره
وكذلك قوله ولكن جعلناه نورا نهدي من نشاء من عبادنا فجعله روحا لأنه يحي الخلق فله فضل الأرواح في الأجساد وجعله نورا لأنه يضيء ضياء الشمس في الآفاق ثم أضاف وقوع الهداية به إلى مشيئته ووقف وقوع الاسترشاد به على إرادته وبين انه لم يكن ليهتدي إليه لولا توفيقه ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه وأنه لم يكن ليهتدي فكيف كان يهدي لولاه فقد صار يهدي ولم يكن من قبل ذلك ليهتدي فقال وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور
فانظر إلى هذه الكلمات الثلاث فالكلمتان الأوليان مؤتلفتان وقوله ألا إلى الله تصير الأمور كلمة منفصلة مباينة للأولى قد صيرهما شريف النظم أشد ائتلافا من الكلام المؤالف وألطف انتظاما من الحديث الملائم
وبهذا يبين فضل الكلام وتظهر فصاحتة وبلاغته
الأمر أظهر والحمد لله والحال أبين من أن يحتاج إلى كشف
تأمل قوله فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (1/188)
أنظر إلى هذه الكلمات الأربع التي ألف بينها واحتج بها على ظهور قدرته ونفاذ أمره أليس كل كلمة منها في نفسها غرة وبمنفردها درة
وهو مع ذلك يبين أنه يصدر عن علو الأمر ونفاذ القهر ويتجلى في بهجة القدرة ويتحلى بخالصة العزة ن ويجمع السلاسة إلى الرصانة والسلامة إلى المتانة والرونق الصافي والبهاء الضافي
ولست أقوال إنه شمل الإطباق المليح والإيجاز اللطيف والتعديل والتمثيل والتقريب والتشكيل وإن كان قد جمع ذلك وأكثر منه لأن العجيب ما بينا من انفراد كل كلمة بنفسها حتى تصلح أن تكون عين رسالة أو خطبة أو وجه قصيدة أو فقرة فإذا ألفت ازدادت به حسنا وإحسانا وزادتك إذا تأملت معرفة وإيمانا
ثم تأمل قوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم
هل تجد كل لفظة وهل تعلم كل كلمة تستقل بالاشتمال على نهاية البديع وتتضمن شرط القول البليغ
فإذا كانت الآية تنتظم من البديع وتتألف من البلاغات فكيف لا تفوت
حد المعهود ولا تحوز شأو المألوف وكيف لا تجوز قصب السبق ولا تتعالى عن كلام الخلق (1/189)
ثم اقصد إلى سورة تامة فتصرف في معرفة قصصها وراع ما فيها من براهينها وقصصها
تأمل السورة التي يذكر فيها النمل وانظر في كلمة كلمة وفصل فصل
بدأ بذكر السورة إلى أن بين أن القرآن من عنده فقال وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون
وقال في سورة طه في هذه القصة لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى وفي موضع لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون
قد تصرف في وجوه وأتى بذكر القصة على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك ولهذا قال فليأتوا بحديث مثله
ليكون أبلغ في تعجيزهم وأظهر للحجة عليهم
وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة فهي بليغة بنفسها تامة في معناها
ثم قال فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين
فانظر إلى ما أجرى له الكلام من علو أمر هذا النداء وعظم شأن
هذا الثناء وكيف انتظم مع الكلام الأول وكيف اتصل بتلك المقدمة وكيف وصل بها ما بعدها من الإخبار عن الربوبية وما دل به عليها من قلب العصا حية وجعلها دليلا يدله عليه ومعجزة تهديه إليه (1/190)
وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة ثم ما شفع به هذه الآية وقرن به هذه الدلالة من اليد البيضاء - عن نور البرهان - من غير سوء
ثم انظر في آية آية وكلمة كلمة هل تجدها كما وصفنا من عجيب النظم وبديع الرصف فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية وفي الدلالة آية فكيف إذا قارنتها أخواتها وضامتها ذواتها مما تجري في الحسن مجراها وتأخذ في معناها
ثم من قصة إلى قصة ومن باب إلى باب من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل وحتى يصور لك الفصل وصلا ببديع التأليف وبليغ التنزيل
وإن أردت أن تتبين ما قلناه فضل تبين وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق - فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص وحديث من هذه الأحاديث فعبر عنه بعبارة من جهتك وأخبر عنه بألفاظ من عندك حتى تري فيما جئت به النقص الظاهر وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر
ولذلك أعاد قصة موسى في سور وعلى طرق شتى وفواصل مختلفة مع اتفاق المعنى فلعلك ترجع إلى عقلك وتستر ما عندك إن غلطت في أمرك أو ذهبت في مذاهب وهمك أو سلطت على نفسك وجه ظنك
متى تهيأ لبليغ أن يتصرف في قدر آية في أشياء مختلفة فيجعلها مؤتلفة من غير أن يبين على كلامه إعياء الخروج والتنقل أو يظهر على خطابه آثار التكلف والتعمل (1/191)
وأحسب أنه لا يسلم من هذا - ومحال أن يسلم منه - متى يظفر بمثل تلك الكلمات الأفراد والألفاظ الأعلام حتى يجمع بينها فيجلو فيها فقرة من كلامه وقطعة من قوله ولو اتفق له في أحرف معدودة وأسطر قليلة فمتى يتفق له في قدر ما نقول إنه من القرآن معجز
هيهات هيهات إن الصبح يطمس النجوم وإن كانت زاهرة والبحر يغمر الأنهار وإن كانت زاخرة
متى تهيأ للآدمي أن يقول في وصف كتاب سليمان عليه السلام بعد ذكر العنوان والتسمية هذه الكلمة الشريفة العالية ألا تعلو علي وأتوني مسلمين والخلوص من ذلك إلى ما صارت إليه من التدبير واشتغلت به من المشورة ومن تعظيمها أمر المستشار ومن تعظيمهم أمرها وطاعتها بتلك الألفاظ البديعة والكلمات العجيبة البليغة
ثم كلامها بعد ذلك ألا تعلم تمكن قولها يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون
وذكر قولهم قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين لا تجد في صفتهم أنفسهم أبرع مما وصفهم به
وقوله والأمر إليك تعلم براعته بنفسه وعجيب معناه وموضع
اتفاقه في هذا الكلام وتمكن الفاصلة وملاءمته لما قبله وذلك قوله فانظري ماذا تأمرين (1/192)
ثم إلى هذا الاختصار والى هذا البيان مع الإيجاز فإن الكلام قد يفسده الاختصار ويعميه التخفيف منه والإيجاز وهذا مما يزيده الاختصار بسطا لتمكنه ووقوعه ويتضمن الإيجاز منه تصرفا يتجاوز محله وموضعه
وكم جئت إلى كلام مبسوط يضيق عن الأفهام ووقعت على حديث طويل يقصر عما يراد به من التمام ثم لو وقع على الأفهام والتمام أخل بما يجب فيه من شروط الإحكام أو بمعاني القصة وما تقتضي من الإعظام
ثم لو ظفرت بذلك كله رأيته ناقصا في وجه الحكمة أو مدخولا في باب السياسة او مضعوفا في طريق السيادة أو مشترك العبارات إن كان مستجود المعنى العبارة مشترك المعنى أو جيد البلاغة مستجلب المعنى أو مستجود أو مستجلب البلاغة جيد المعنى أو مستنكر اللفظ وحشي العبارة أو مستبهم الجانب مستكره الوضع
وأنت لا تجد في جميع ما تلونا عليك إلا ما إذا بسط أفاد وإذا اختصر كمل في بابه وجاد وإذا سرح الحكيم في جوانبه طرف خاطره وبعث العليم في أطرافه عيون مباحثه لم يقع إلا على محاسن تتوالى وبدائع تترى
ثم فكر بعد ذلك في آية آية أو كلمة كلمة في قوله إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون
هذه الكلمات الثلاث كل واحدة منها كالنجم في علوه ونوره وكالياقوت
يتلألأ بين شذوره ثم تأمل تمكن الفاصلة - وهي الكلمة الثالثة - وحسن موقعها وعجيب حكمتها وبارع معناها (1/193)
وإن شرحت لك ما في كل آية طال عليك الآمر ولكني قد بينت بما فسرت وقررت بما فصلت - الوجه الذي سلكت والنحو الذي قصدت والغرض الذي رميت والسمت الذي إليه دعوت
ثم فكر بعد ذلك في شيء أدلك عليه
وهو تعادل هذا النظم في الإعجاز في مواقع الآيات القصيرة والطويلة والمتوسطة
فأجل الرأي في سورة سورة وآية آية وفاصلة فاصلة وتدبر الخواتم والفواتح والبوادي والمقاطع ومواضع الفصل والوصل ومواضع التنقل والتحول ثم اقض ما أنت قاض
وإن طال عليك تأمل الجميع فاقتصر على سورة واحدة أو على بعض سوره
ما رأيك في قوله إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين
هذه تشتمل على ست كلمات سناؤها وضياؤها على ما ترى وسلاستها وماؤها على ما تشاهد ورونقها على ما تعاين وفصاحتها على ما تعرف
وهي تشتمل على جملة وتفصيل وجامعة وتفسير ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء وإذا تحكم في هذين الأمرين فما ظنك بما دونهما لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم والقلوب لا تقر على هذا الجور
ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد وكفت في التظليم وردت آخر الكلام على أوله وعطفت عجزه على صدره (1/194)
ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين وهذا من التأليف بين المؤتلف والجمع بين المستأنس
كما أن قوله وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين
وهي خمس كلمات متباعدة في المواقع نائية المطارح قد جعلها النظم البديع أشد تألفا من الشيء المؤتلف في الأصل وأحسن توافقا من المتطابق في أول الوضع
ومثل هذه الآية قوله وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون
ومثلها وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين
ومن المؤتلف قوله فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين
وهذه ثلاث كلمات كل كلمة منها أعز من الكبريت الأحمر
ومن الباب الآخر قوله تعالى ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون
كل سورة من هذه السور تتضمن من القصص ما لو تكلفت العبارة عنها بأضعاف كلماتها لم تستوف ما استوفته ثم تجد فيما تنظم ثقل النظم