صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ إعجاز القرآن - الباقلاني ]
الكتاب : إعجاز القرآن
المؤلف : أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم
الناشر : دار المعارف - القاهرة
تحقيق : السيد أحمد صقر
عدد الأجزاء : 1

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنعم على عباده بما هداهم إليه من الإيمان والمتمم إحسانه بما أقام لهم من جلى البرهان الذي حمد نفسه بما أنزل من القرآن ليكون بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وهاديا إلى ما ارتضى لهم من دينه وسلطانا أوضح وجه تبيينه ودليلا على وحدانيته ومرشدا إلى معرفة عزته وجبروته ومفصحا عن صفات جلاله وعلو شأنه وعظيم سلطانه وحجة لرسوله الذي أرسله به وعلما على صدقه وبينة على أنه أمينه على وحيه وصادع بأمره
فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله ورسالة تشتمل على قول مؤديها بين فيه سبحانه أن حجته كافية هادية ولا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة تتلوها وأن الذهاب عنها كالذهاب عن الضروريات والتشكك في المشاهدات ولذلك قال عز ذكره ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقال عز و جل ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون
فله الشكر على جزيل إحسانه وعظيم مننه والصلاة على محمد المصطفى وآله وسلم
ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه وأولى ما يلزم بحثه

(1/3)


ما كان لأصل دينهم قواما ولقاعدة توحيدهم عمادا ونظاما وعلى صدق نبيهم برهانا ولمعجزته ثبتا وحجة ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق شديد النفاق مستول على الآفاق والعلم إلى عفاء ودروس وعلى خفاء وطموس وأهله في جفوة الزمن البهيم يقاسون من عبوسة لقاء الأسد الشتيم حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن الواجب من سلوك مناهجه والأخذ في سبله
فالناس بين رجلين ذاهب عن الحق ذاهل عن الرشد وآخر مصدود عن نصرته مكدود في صنعته
فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين
وقد قل أنصاره واشتغل عنه أعوانه و أسلمه أهله فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره فمن قائل قال إنه سحر وقائل يقول إنه شعر وآخر يقول إنه أساطير الأولين وقالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا إلى الوجوه التي حكى الله عز و جل عنهم انهم قالوا فيه وتكلموا به فصرفوه إليه
وذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الأشعار ويوازن

(1/4)


بينه وبين غيره من الكلام ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه
وليس هذا ببديع من ملحدة هذا العصر وقد سبقهم إلى عظم ما يقولونه إخوانهم من ملحدة قريش وغيرهم إلا أن أكثر من كان طعن فيه في أول أمره استبان رشده وأبصر قصده فتاب وأناب وعرف من نفسه الحق بغريزة طبعه وقوة إتقانه لا لتصرف لسانه بل لهداية ربه وحسن توفيقه والجهل في هذا الوقت أغلب والملحدون فيه عن الرشد أبعد وعن الواجب أذهب
وقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن وتكلم في فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام أن يبسطوا القول في الإبانة عن وجه معجزته والدلالة على مكانه فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من القول في الجزء والطفرة ودقيق الكلام في الأعراض وكثير من بديع الإعراب وغامض النحو فالحاجة إلى هذا أمس والاشتغال به أوجب
وقد قصر بعضهم في هذه المسألة حتى أدى ذلك إلى تحول قوم منهم إلى مذاهب البراهمة فيها ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة يوجب أن لا مستنصر فيها ولا وجه لها حين رأوهم قد برعوا في لطيف ما أبدعوا وانتهوا إلى الغاية فيما أحدثوا ووضعوا ثم رأوا ما صنفوه في هذا المعنى غير كامل في بابه ولا مستوفى في وجهه قد أخل بتهذيب طرقه وأهمل ترتيب بيانه
وقد يعذر بعضهم في تفريط يقع منه فيه وذهاب عنه لأن هذا الباب مما لا يمكن إحكامه إلا بعد التقدم في أمور شريفة المحل عظيمة المقدار دقيقة المسلك لطيفة المأخذ

(1/5)


وإذا انتهينا إلى تفصيل القول فيها استبان ما قلناه من الحاجة إلى هذه المقدمات حتى يمكن بعدها إحكام القول في هذا الشأن
وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى
وسألنا سائل أن نذكر جملة من القول جامعة تسقط الشبهات وتزيل الشكوك التي تعرض للجهال وتنتهي إلى ما يخطر لهم و يعرض لأفهامهم من الطعن في وجه المعجزة
فأجبناه إلى ذلك متقربين إلى الله عز و جل ومتوكلين عليه وعلى حسن توفيقه ومعونته
ونحن نبين ما سبق فيه البيان من غيرنا ونشير إليه ولا نبسط القول لئلا يكون ما ألفناه مكررا ومقولا بل يكون مستفادا من جهة هذا الكتاب خاصة
ونصف ما يجب وصفه من القول في تنزيل متصرفات الخطاب وترتيب وجوه الكلام وما تختلف فيه طرق البلاغة وتتفاوت من جهته سبل البراعةوما يشتبه له ظاهر الفصاحة ويختلف فيه المختلفون من أهل صناعة العربية والمعرفة بلسان العرب في اصل الوضع
ثم ما اختلفت به مذاهب مستعمليه في فنون ما ينقسم إليه الكلام من شعر ورسائل وخطب وغير ذلك من مجارى الخطاب وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما يبين فيه التفاصح وتقصد فيه البلاغة لأن هذه أمور يتعمل لها في الأغلب ولا يتجوز فيها
ثم من بعد هذا الكلام الدائر في محاوراتهم والتفاوت فيه أكثر

(1/6)


لأن التعمل فيه أقل إلا من غزارة طبع أو فطانة تصنع وتكلف
ونشير 4إلى ما يجب في كل واحد من هذه الطرق ليعرف عظيم محل القرآن , وليعلم ارتفاعه عن مواقع هذه الوجوه وتجاوزه الحد الذي يصح أو يجوز أن يوازن بينه وبينها أو يشتبه ذلك على متأمل
ولسنا نزعم أنه يمكننا أن نبين ما رمنا بيانه وأردنا شرحه وتفصيله لمن كان عن معرفة الأدب ذاهبا وعن وجه اللسان غافلا لأن ذلك مما لا سبيل إليه إلا أن يكون الناظر فيما نعرض عليه مما قصدنا إليه من أهل صناعة العربية وقد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه وعرف جملة من طرق المتكلمين ونظر في شئ من أصول الدين
وإنما ضمن الله عز و جل فيه البيان لمثل من وصفناه فقال كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون وقال إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون

(1/7)


فصل في أن نبوة النبي معجزتها القرآن
الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن أن نبوة نبينا عليه السلام بنيت على هذه المعجزة وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة وأحوال خاصة وعلى أشخاص خاصة ونقل بعضها نقلا متواترا يقع به العلم وجودا وبعضها مما نقل نقلا خاصا إلا أنه حكى بمشهد من الجمع العظيم وأنهم شاهدوه فلو كان الأمر على خلاف ما حكي لأنكروه أو لأنكره بعضهم فحل محل المعنى الأول وإن لم يتواتر أصل النقل فيه وبعضها مما نقل من جهة الآحاد وكان وقوعه بين يدى الآحاد
فأما دلالة القرآن فهي عن معجزة عامة عمت الثقلين وبقيت بقاء العصرين ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الإتيان بمثله وجه دلالته فيغني ذلك عن نظر مجدد في عجز أهل هذا العصر عن الإتيان بمثله وكذلك قد يغنى عجز أهل هذا العصر عن الإتيان بمثله عن النظر في حال أهل العصر الأول
وإنما ذكرنا هذا الفصل لما حكى عن بعضهم أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الأول فليس أهل هذا العصر بعاجزين عنه ويكفي عجز أهل العصر الأول في الدلالة لأنهم خصوا بالتحدي دون غيرهم

(1/8)


ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه إن شاء الله فأما الذي يبين ما ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته القرآن وبنى أمر نبوته عليه فسور كثيرة وآيات نذكر بعضها وننبه بالمذكور على غيره فليس يخفى بعد التنبيه على طريقه
فمن ذلك قوله تعالى الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به , ولا يكون كذلك إلا وهو حجة ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة
وقال عز و جل وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة إلا وهو معجزة
وقال عز و جل وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين وهذا بين جدا فيما قلناه من أنه جعله سببا لكونه منذرا ثم أوضح ذلك بأن قال بلسان عربي مبين فلولا أن كونه بهذا اللسان حجة لم يعقب كلامه الأول به
وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما قلناه ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده
وكثير من هذه السور إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن والتنبيه على وجه معجزته
فمن ذلك سورة المؤمن قوله عز و جل حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله تعالى غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في

(1/9)


البلاد فدل على أن الجدال في تنزيله كفر وإلحاد
ثم اخبر بما وقع من تكذيب الأمم برسلهم بقوله عز و جل كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فتوعدهم بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب الأنبياء
ورد براهينهم فقال تعالى فأخذتهم فكيف كان عقاب ثم توعدهم بالنار فقال تعالى وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار
ثم عظم شأن المؤمنين بهذه الحجة بما أخبر من استغفار الملائكة لهم وما وعدهم عليه من المغفرة فقال تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم فلولا أنه برهان قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه ولم يحمد المؤمنين على المصير إليه
ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين ثم عطف على وعيد الكافرين فذكر آيات ثم قال هو الذي يريكم آياته فأمر بالنظر في آياته وبراهينه إلى أن قال رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق فجعل القرآن والوحي به كالروح لأنه يؤدي إلى حياة الأبد ولأنه لا فائدة للجسد من دون الروح فجعل هذا الروح سببا للإنذار وعلما عليه وطريقا إليه ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم يصح أن يقع به الإنذار والإخبار عما يقع عند مخالفته ولم يكن الخبر عن الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته من الوعيد حجة ولا معلوما صدقه فكان لا يلزمهم قبوله
فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول ضرب لهم

(1/10)


المثل بمن خالف الآيات وجحد الدلالات والمعجزات فقال أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق
ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوآى بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات وكانوا لا يقبلونها منهم فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول
ثم ذكر قصة موسى ويوسف عليهما السلام ومجيئهما بالبينات ومخالفتهم حكمها إلى أن قال تعالى الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة وإنما يقع عن جهل وأن الله يطبع على قلوبهم ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان لجحودهم وعنادهم واستكبارهم
ثم ذكر كثيرا من الاحتجاج على التوحيد ثم قال تعالى ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون
ثم بين هذه الجملة وأن من آياته الكتاب فقال الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إلى أن قال وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله
فدل على أن الآيات على ضربين أحدهما كالمعجزات التي هي أدلة في دار التكليف والثاني الآيات التي ينقطع عندها العذر ويقع عندها العلم الضروري وأنها إذا جاءت ارتفع التكليف ووجب الإهلاك إلى أن قال تعالى فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا فأعلمنا أنه قادر الى هذه الآيات ولكنه إذا أقامها زال التكليف وحقت العقوبة على الجاحدين

(1/11)


وكذلك ذكر في حم السجدة على هذا المنهاج الذي شرحنا فقال عز و جل حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فلولا أنه جعله / برهانا لم يكن بشيرا ولا نذيرا ولم يختلف بأن يكون عربيا مفصلا أو بخلاف ذلك
ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم بقوله تعالى فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ولولا أنه حجة لم يضرهم الإعراض عنه
وليس لقائل أن يقول قد يكون حجة ولكن يحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى كما أن الرسول حجة ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه وصحة نبوته
وذلك أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل ولم يذكر حجة غيره
ويبين ذلك أنه قال عقيب هذا قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي
ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له فقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ومعناه الذين آمنوا بهذا الوحي والتنزيل وعرفوا هذه الحجة
ثم تصرف في الاحتجاج على الوحدانية والقدرة إلى أن قال فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله من قوم عاد / وثمود في الدنيا ثم توعدهم بأمر الآخرة فقال ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون إلى انتهاء ما ذكره فيه
ثم رجع إلى ذكر القرآن فقال وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون

(1/12)


ثم أثنى بعد ذلك على من تلقاه بالقبول فقال إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ثم قال وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم
وهذا ينبه على أن النبي يعرف إعجاز القرآن وأنه دلالة له على جهة الاستدلال لأن الضروريات لا يقع فيها نزغ الشيطان ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه
ثم قال إن الذين يلحدون في آياتنا إلى أن قال إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهذا وإن كان متأولا على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الأولين وأخبار المرسلين وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه من الإخبار عن الغيوب وعن الحوادث التي أنبأ أنها تقع في الاتي - فلا يخرج عن أن يكون متأولا على ما يقتضيه نظام الخطاب من أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقة وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته وإعجازه وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه
ثم قال ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي فأخبر أنه لو كان أعجميا لكانوا يحتجون في رده إما بأن ذلك خارج عن عرف خطابهم أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا يبين لهم وجه الإعجاز فيه لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم أو بغير ذلك من الأمور وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه وجبت الحجة عليهم به على ما نبينه في وجه هذا الفصل إلى أن قال قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد

(1/13)


والذي ذكرناه من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور فكرهنا سرد القول فيها فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك
ثم مما يدل على هذا قوله عز و جل وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم فأخبر أن الكتاب آية من آياته وعلم من أعلامه وأن ذلك يكفي في الدلالة ويقوم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الأنبياء صلوات الله عليهم
ويدل عليه قوله عز و جل تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ملك السموات والأرض
ويدل عليه قوله أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته
فدل على أنه جعل قلبه مستودعا لوحيه ومستنزلا لكتابه وأنه لو شاء صرف ذلك عنه إلى غيره وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق وإبطال الباطل مع صرفه عنه ولذلك أشباه كثيرة تدل على نحو الدلالة التي وصفناها
فبان بهذا وبنظائره ما قلنا من أن بناء نبوته على دلالة القرآن ومعجزته وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء لأنها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد عليها ووصف منضاف إليها لأن نظمها ليس معجزا وإن كان ما تتضمنه من الإخبار عن الغيوب معجزا
وليس كذلك القرآن لأنه يشاركها في هذه الدلالة ويزيد عليها

(1/14)


في أن نظمه معجز فيمكن أن يستدل به عليه وحل في هذا من وجه محل سماع الكلام من القديم سبحانه وتعالى لأن موسى عليه السلام لما سمع كلامه علم أنه في الحقيقة كلامه
وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله وإن اختلف الحال في ذلك من بعض الوجوه لأن موسى عليه السلام سمعه من الله عز و جل وأسمعه نفسه متكلما وليس كذلك الواحد منا وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه وليس ذلك قصدنا بالكلام في هذا الفصل
والذي نرومه الآن ما بيناه من اتفاقهما في المعنى الذي وصفناه وهو أنه عليه السلام يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال وكذلك نحن نعلم ما نقرؤه من هذا على جهة الاستدلال

(1/15)


فصل في بيان وجه الدلالة على أن القرآن معجز
قد ثبت بما بينا في الفصل الأول ان نبوة نبينا على دلالة معجزة القرآن فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك قد ذكر العلماء أن الأصل في هذا هو أن يعلم أن القرآن الذي هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف هو الذي جاء به النبي وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة
والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر الذي يقع عنده العلم الضروري به
وذلك أنه قام به في المواقف وكتب به إلى البلاد وتحمله عنه إليها من تابعه وأورده على غيره ممن لم يتابعه حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه ويأخذه على غيره ويأخذه غيره على الناس حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها وتعدى إلى الملوك المصاقبة لهم كملك الروم والعجم والقبط والحبش وغيرهم من ملوك الأطراف
ولما ورد ذلك مضادا لأديان أهل ذلك العصر كلهم ومخالفا لوجوه اعتقاداتهم المختلفة في الكفر - وقف جميع أهل الخلاف على جملته ووقف جميع أهل دينه الذين أكرمهم الله بالإيمان على جملته / وتفاصيله وتظاهر بينهم حتى حفظه الرجال وتنقلت به الرحال وتعلمه الكبير والصغير إذ كان عمدة دينهم وعلما عليه والمفروض تلاوته في صلواتهم والواجب استعماله في أحكامهم

(1/16)


ثم تناقله خلف عن سلف هم مثلهم في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله حتى انتهى إلينا على ما وصفناه من حاله
فلن يتشكك أحد ولا يجوز أن يتشكك مع وجود هذه الأسباب في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله تعالى فهذا أصل
وإذا ثبت هذا الأصل وجودا فإنا نقول إنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله وقرعهم على ترك الإتيان به طول السنين التي وصفناها فلم يأتوا بذلك وهذا أصل ثان
والذي يدل على هذا الأصل أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن في المواضع الكثيرة كقوله وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين
وكقوله أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن / لم يستجيبوا لكم فاعلموا انما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون
فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلا على أنه منه ودليلا على وحدانيته وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم بالقرآن الوحدانيةوزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل لأن القرآن كلام الله عز و جل ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أولا
فقلنا إذا ثبت بما نبينه إعجازه وان الخلق لا يقدرون عليه - ثبت أن الذي أتى به غيرهم وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم وانه صدق وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقا وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل امتنع أن يعرف من طريق القرآن بل

(1/17)


يمكن عندنا أن يعرف من الوجهين
وليس الغرض تحقيق القول في هذا الفصل لأنه خارج عن مقصود كلامنا ولكنا ذكرناه من جهة دلالة الآية عليه
ومن ذلك قوله عز و جل قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وقوله أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه ولم يأتوا بمثله
وفي هذا أمران أحدهما التحدي إليه والآخر أنهم لم يأتوا له بمثل والذي يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين
وإن قال قائل لعله لم يقرأ عليهم الآيات التي فيها ذكر التحدي وإنما قرأ عليهم ما سوى ذلك من القرآن - كان ذلك قولا باطلا يعلم بطلانه بمثل ما يعلم به بطلان قول من زعم أن القرآن أضعاف هذا وهو يبلغ حمل جمل وأنه كتم وسيظهره المهدي
أو يدعى أن هذا القرآن ليس هو الذي جاء به النبي وإنما هو شيء وضعه عمر أو عثمان رضي الله عنهما حيث وضع المصحف
أو يدعى فيه زيادة أو نقصانا
وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه ووعده الحق
وحكاية قول من قال ذلك يغنى عن الرد عليه لأن العدد الذين أخذوا القرآن في الأمصار وفي البوادي وفي الأسفار والحضر وضبطوه حفظا

(1/18)


من بين صغير وكبير وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف لا يجوز عليهم السهو النسيان ولا التخليط فيه والكتمان
ولو زادوا او نقصوا أو غيروا لظهر وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره - على أنه لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن ولا أن يحفظ كحفظه ولا أن يضبط كضبطه ولا أن تمس الحاجة إليه إمساسها إلى القرآن - لو زيد فيه بيت أو نقص منه بيت لا بل لو غير فيه لفظ - لتبرأ منه أصحابه وأنكره أربابه
فإذا كان ذلك مما لا يمكن أن يكون في شعر امرئ القيس ونظرائه مع أن الحاجة إليه تقع لحفظ العربية فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن مع شدة الحاجة إليه في الصلاة التي هي أصل الدين ثم في الأحكام والشرائع واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه
فمنهم من يضبطه لأحكام قراءته و معرفة وجوهها وصحة أدائها
ومنهم من يحفظه للشرائع والفقه
ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره و معانيه
ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة و البلاغة
/ ومن الملحدين من يحصله لينظر في عجيب شأنه
وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة - على كثرة أعدادهم واختلاف بلادهم وتفاوت أغراضهم - أن يجتمعوا على التغيير و التبديل والكتمان
ويبين ذلك أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور مما بينا ومن نظائره في رد قومه عليه ورد غيرهم وقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا و قول بعضهم إن ذلك سحر و قول بعضهم ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في الطعن عليه

(1/19)


فمنهم من يستهين لببها ويجعل ذلك سببا لتركه الإتيان بمثله
ومنهم من يزعم أنه مفترى فلذلك لا يأتي بمثله ومنهم من يزعم أنه دارس وانه أساطير الأولين
وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه لئلا يقع التطويل
ولو جاز أن يكون بعضه مكتوبا لجاز على كله ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا لجاز ذلك في كله
فثبت بما بيناه أنه تحداهم به وأنهم لم يأتوا بمثله وهذا الفصل قد بينا أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه
فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه
والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي وجعله دلالة على صدقه ونبوته وضمن أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبى ذريتهم فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم ومألوف من خطابهم وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال وعن الجلاء عن الأوطان وعن تسليم الأهل والذرية للسبي
فلما لم تحصل هناك معارضة منهم علم أنهم عاجزون عنها
يبين ذلك أن العدو يقصد لدفع قول عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد لا سيما مع استعظامه ما بدهه بالمجيء من خلع آلهته وتسفيه رأيه في ديانته وتضليل آبائه والتغريب عليه بما جاء به وإظهار أمر يوجب الانقياد لطاعته والتصرف على حكم إرادته والعدول عن إلفه وعادته و الانخراط في سلك الأتباع بعد أن كان متبوعا والتشييع بعد

(1/20)


أن كان مشيعا وتحكيم الغير في ماله وتسليطه إياه على جملة أحواله والدخول تحت تكاليف شاقة وعبادات متعبة بقوله وقد علم أن بعض هذه الأحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه
هذا والحمية حميتهم والهمم الكبيرة هممهم وقد بذلوا له السيف فأخطروا بنفوسهم وأموالهم فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف أمرهم وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه جبين أو ينقطع دونه وتين أو يشتمل به خاطر وهو لسانهم الذي يتخاطبون به مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها متطلع والرتبة التي ليس فوقها منزع
ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره وتكذيب قوله وتفريق جمعه وتشتيت أسبابه وكان من صدق به يرجع على أعقابه ويعود في مذهب أصحابه
فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك مع طول المدة ووقوع الفسحة وكان أمره يتزايد حالا فحالا ويعلو شيئا فشيئا وهم على العجز عن القدح في آيته والطعن بما يؤثر في دلالته علم مما بينا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته ولا على توهين حجنه
وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قوم خصمون وقال وتنذر به قوما لدا وقال خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين
وعلم أيضا ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى الله عز و جل عنهم من قولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين وقولهم ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا

(1/21)


بهذا في آيائنا الأولين وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون وقالوا أفتأتون السحر وأنتم تبصرون وقالوا أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون وقال وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا وقوله الذين جعلوا القرآن عضين
إلى آيات كثيرة في نحو هذا تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم متعجبين من عجزهم يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل وتعذير ومدافعة بما وقع التحدي إليه ووجد الحث عليه
وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب وجاهدوه ونابذوه وقطعوا الأرحام وأخطروا بأنفسهم وطالبوه بالآيات والإتيان بالملائكة وغير ذلك من المعجزات يريدون تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه
فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم وذلك يدحض حجته ويفسد دلالته ويبطل أمره فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الأمور التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة ويتركون الأمر الخفيف
هذا مما يمتنع وقوعه في العادات ولا يجوز اتفاقه من العقلاء
وإلى هذا الموضع قد استقضى أهل العلم الكلام وأكثروا في هذا المعنى واحكموه
ويمكن أن يقال إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والإتيان بمثل ما أتى به لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة وهم على ما هم عليه من

(1/22)


الذرابة والسلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته وأنهم يضعفون عن مجاراته ويكرر فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتي به ويقرعهم ويؤنبهم عليه ويدرك آماله فيهم وينجح ما سعى له في تركهم المعارضة
وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه وتفخيم أمره حتى يتلو قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وقوله ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون وقوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم وقوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله وإنه لذكر لك ولي قومك وسوف تسئلون وقوله هدى للمتقين وقوله الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله
إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن تعظيم شأن القرآن فمنها ومنها ما يتكرر في السورة في مواضع منها ما ينفرد فيها وذلك مما يدعوهم إلى المبادراة ويحضهم على المعارضة وإن لم يكن متحديا إليه
ألا ترى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضا ولهم في ذلك مواقف معروفة وأخبار مشهورة وآثار منقولة مذكورة وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة ويتبجحون بذلك ويتفاخرون بينهم

(1/23)


فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها تحداهم أو لم يتحدهم إليها
ولو كان هذا لقبيل مما يقدر عليه البشر لوجب في ذلك أمر آخر وهو أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا القبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه وتعمل نظمه في الحال
فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق وخطبة متقدمة ورسالة سالفة ونظم بديع ولا عارضوه به فقالوا هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله - علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل وأنه لم يوجد له نظير
ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا ولعرفناه كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية وكلام الفصحاء والحكماء من العرب وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم وصنوف فصاحاتهم
فإن قيل الذي بنى عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن أنه وقع التحدي إلى الإتيان بمثله وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه وما ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي وأن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال
قيل إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة وإظهار وجه البرهان على الكافة لأن المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه ولا تظهر على مدع لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله فإذا كان يظهر وجه الإعجاز فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي لأنه تزول بذلك الشبهة عن الكل وينكشف للجميع أن / العجز واقع عن المعارضةوإلا كان مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب ويفتن في مصارف الكلام وكان كاملا في فصاحته جامعا للمعرفة بوجوه الصناعة - لو أنه احتج عليه بالقرآن وقيل له إن الدلالة على النبوة والآية للرسالة ما تلوته عليك منه

(1/24)


لكان ذلك بالغا في إيجاب الحجة عليه و تماما في إلزامه فرض المصير إليه
ومما يؤكد هذا أن النبي قد دعا الآحاد إلى الإسلام محتجا عليهم بالقرآن لأنا نعلم ضرورة أنه لم يلزمهم تصديقة تقليدا ونعلم أن السابقين الأولين إلى الإسلام لم يقلدوه إنما دخلوا على بصيرة ولم نعلمه قال لهم أرجعوا إلى جميع الفصحاء فإن عجزوا عن الإتيان بمثله فقد ثبتت حجتي
بل لما رآهم يعلمون إعجازه ألزمهم حكمة فقبلوه وتابعوا الحق وبادروا إليه مستسلمين ولم يشكوا في صدقه ولم يرتابوا في وجه دلالته
فمن كانت بصيرته أقوى ومعرفته أبلغ كان إلى القبول منه أسبق ومن اشتبه عليه وجه الإعجاز أو خفى عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات كان أبطأ إلى القبول حتى تكاملت أسبابه واجتمعت له بصيرته وترادفت عليه مواده
وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه من بعد فليس هذا بموضع له ويبين ما قلناه أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه ومعرفة وجه دلالته لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم وجرى مجراهم في توجه الحجة عليه
وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن ما يعرفه العالي في هذه الصنعة فربما حل في ذلك محل الأعجمي في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه
وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما - من غور هذا الشأن ما يعرف من استكمل معرفة

(1/25)


جميع تصاريف الخطاب ووجوه الكلام وطرق البراعة فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه لعجز البارع في هذه العلوم كلها عنه
فأما من كان متناهيا في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال إن النبي لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحى إليه حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه وهذا خطأ من القول
فصح من هذا الوجه أن النبي حين أوحى إليه القرآن عرف كونه معجزا أو عرف بأن قيل له إنه دلالة وعلم على نبوتك أنه كذلك من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه
ولذلك قلنا إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح متى سمع القرآن عرف أنه معجز لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو وان كان يحتاج بعد هذا إلى استدلال آخر على أنه علم على نبوته ودلالة على رسالته بأن يقال له إن هذه آية لنبي وإنها ظهرت عليه وادعاها معجزة له وبرهانا على صدقه
فإن قيل فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر ولا يعلم مع ذلك عجز غيره عنه فكذلك البليغ وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن فهو يخفي عليه عجز غيره
قيل هو مع مستقر العادة وإن عجز عن قول الشعر وعلم أنه مفحم فإنه يعلم أن الناس لا ينفكون من وجود الشعراء فيهم
ومتى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن علم عجز غيره عنه وأنه كهو لأنه يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء

(1/26)


إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن يعلم قدرة أحد من البغاء عليه فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام وأنواع الخطاب ووجد القرآن مباينا لها علم خروجة عن العادة وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات فهو لا يجوزه من نفسه وكذلك لا يجوز وقوعه من غيره إلا على وجه نقض العادة بل يرى وقوعه موقع المعجزة وهذا وإن كان يفارق فلق البحر وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه فهو أنه يستوي الناس في معرفته عجزهم عنه بكونه ناقضا للعادة من غير تأمل شديد ولا نظر بعيد فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل ويفتقر إلى مراعاة مقدمات والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع فكل واحد منهما يؤول إلى مثل حكم صاحبه في الجمع الذي قدمناه
ومما يبين ما قلناه من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن وتكون معرفة حجة عليه إذا تحدى إليه وعجز عن مثله وأن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره وما الذي يصنع ذلك بالغير فهو ما روي في الحديث ان جبير بن مطعم ورده على النبي في معنى حليف له أراد ان يفاديه فدخل والنبي يقرأ سورة والطور وكتاب مسطور في صلاة الفجر قال فلما انتهى إلى قوله إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع قال خشيت ان يدركني العذاب فأسلم وفي حديث آخر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة طه فأسلم وقد روي ان قوله عز و جل في أول حم السجدة إلى قوله فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة وأبي سفيان ابن حرب أبى جهل وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش بعتبة بن ربيعة

(1/27)


إلى النبي ليكلمه وكان حسن الحديث عجيب البيان بليغ الكلام وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي سورة حم السجدة من أولها حتى انتهى إلى قوله فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فوثب مخافة العذاب فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم يفهم منه كلمة واحدة ولا اهتدى لجوابه ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد فقال له عثمان بن مظعون لتعلموا أنه من عند الله إذا لم يهتد لجوابه
وأبين من ذلك قول الله عز و جل وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه فجعل سماعه حجة عليه بنفسه فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه
فإن قيل لو كان كذلك على ما قلتم لوجب أن يكون حال الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه
قيل له لا يجب ذلك لأن صوار فهم كانت كثيرة منها أنهم كانوا يشكون ففيهم من يشك في إثبات الصانع وفيهم من يشك في التوحيد وفيهم من يشك في النبوة ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب لما جاء إلى رسول الله ليسلم عام الفتح قال له النبي عليه السلام أما آن لك ان تشهد ان لا اله إلا الله قال بلى فشهد قال أما آن لك ان تشهد أني رسول الله قال أما هذه ففي النفس منها شيء
فكانت وجوه شكوكهم مختلفة وطرق شبههم متباينة فمنهم من قلت شبههه وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر فأسلم ومنهم من كثرت شبهه أو اعرض عن تأمل الحجة حق تأملها أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية فتطاول عليه الزمان إلى ان نظر واستبصر وراعى واعتبر واحتاج إلى ان يتأمل عجز غيره عن الإتيان بمثله فلذلك وقف أمره

(1/28)


ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقه - لتوافوا إلى القبول جملة واحدة
فإن قيل فكيف يعرف البليغ الذي وصفتموه إعجاز القرآن وما الوجه الذي يتطرق به إليه والمنهاج الذي يسلكه حتى يقف به على جلية الأمر فيه قيل هذا سبيله أن ينفرد له فصل
فإن قيل فلم زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات وتصرفهم في أجناس الفصاحات وهلا قلتم إن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه من هذه الطرق الغريبة كان على مثل نظم القرآن قادرا وإنما يصرفه الله عنه ضربا من الصرف أو يمنعه من الإتيان بمثله ضربا من المنع أو تقصر دواعيه اليه دونه مع قدرته عليه ليتكامل ما أراده الله من الدلالة ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين لم يعجز عن نظم مثلها وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر الآية والسورة
فالجواب أنه لو صح ذلك لكل من أمكنه نظم ربع بيت أو مصراع من بيت أن ينظم القصائد ويقول الأشعار وصح لكل ناطق قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن ,
على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه ومنع من مقدار الفصاحة في نظمه كان أبلغ في الأعجوبة إذا صرفوا عن الإتيان بمثله ومنعوا من معارضته وعدلت دواعيهم عنه فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب

(1/29)


على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف لأنهم لم يتحدوا إليه ولم تلزمهم حجته
فلما لم يوجد في كلام من قبله مثله علم أن ما ادعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان
وفيه معنى آخر وهو أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاما مطمعا لم يخف عليهم ولم يشتبه لديهم
ومن كان متناهيا في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال
فإن قال صاحب السؤال إنه قد يطمع في ذلك
قيل له أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمي يضارع القرآن و قد يزيد عليه في الفصاحة ولا يتحاشاه ويحسب أن ما ألفه في الجزء والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظا ومعنى ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه ويحسبه ظان من أمره والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد ونحن نبين بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ ونميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ببين الغلط وأن هذا التقدير من جنس من حكي الله تعالى قوله في محكم كتابه أنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر فهم يعبرون عن دعواهم أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله وأن ذلك من قول البشر لأن ما كان من قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذي يتجاوز إمكان معارضته
ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة أنه لو كانت المعرضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزا وإنما يكون المنع هو المعجز فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه

(1/30)


وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان بمثله وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به
ولا بأعجب من قول فريق منهم إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى في هذا الباب وإنه يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد
فإن قيل فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز و جل معجز كالتوراة والإنجيل والصحف
قيل ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار عن الغيوب
وإنما لم يكن معجزا لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن ولأنا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن
ولمعنى آخر وهو أن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذي ينتهي إلى حد الإعجاز ولكنه يتقارب وقد رأيت أصحابنا يذكرون هذا في سائر الألسنة ويقولون ليس يقع فيها من التفاوت ما يتضمن التقديم العجيب ويمكن بيان ذلك بأنا لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشيء الواحد من الأسماء ما نعرف من اللغة وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية وكذلك التصرف في الاستعارات والإشارات ووجوه الاستعمالات البديعة التي يجئ تفصيلها بعد هذا
ويشهد لذلك من القرآن أن الله تعالى وصفه بأنه بلسان عربي مبين وكرر ذلك في مواضع كثيرة ويبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجميا
فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته لم يكن ليرفعه عن هذه المنزلة وأنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله إنه عربي مبين أنه مما يفهمونه ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم ولا يحتاجون في تفسيره إلى سواهم فلا يمتنع أن يفيد ما قلناه أيضا كما أفاد بظاهره ما قد مناه
وبين ذلك أن كثيرا من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة وهم من أهل

(1/31)


البراعة فيها وفي العربية فقد وقفوا على أنه ليس فيها من التفاضل والفصاحة ما يقع في العربية ومعنى آخر وهو أنا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادعوا الإعجاز لكتابهم ولا ادعى لهم المسلمون فعلم أن الإعجاز مما يختص به القرآن
ويبين هذا أن الشعر لا يتأتى في تلك الألسنة على ما قد اتفق في العربية وإن كان قد يتفق منها صنف أو أصناف ضيقة لم يتفق فيها من البديع ما يمكن ويتأتى في العربية وكذلك لا يتأتى في الفارسية جميع الوجوه التي تتبين فيها الفصاحة على ما يتأتى في العربية
فإن قيل فإن المجوس تزعم أن كتاب زرادشت وكتاب مانى معجزان
قيل الذي يتضمنه ماني من طرق النسيرنجات وضروب من الشعوذة ليس يقع فيها إعجاز ويزعمون أن في الكتاب الحكم وهي حكم منقولة متداولة على الألسن لا تختص بها أمة دون أمة وإن كان بعضهم أكثر اهتماما بها وتحصيلا لها وجمعا لأبوابها
وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن وإنما فزعوا إلى الدرة والتليمية وهما كتابان أحدهما يتضمن حكما منقولة توجد عند حكماء كل أمة مذكورة بالفضل فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى
والآخر في شيء من الديانات وقد تهوس فيه بما لا يخفي على متأمل
وكتابه الذي بيناه في الحكم منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة فأي صنع له في ذلك وأي فضيلة حازها فيما جاء به
وبعد فليس يوجد له كتاب يدعي مدع أنه عارض فيه القرآن بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره فإن كان كذلك فقد أصاب وابصر القصد ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال في الابتداء ثم يلوح له رشده ويتبين له أمره وينكشف له عجزه ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه لم يخف علينا موضع غفلته ولم يشتبه لدينا وجه شبهته
ومتى أمكن أن تدعى الفرس في شيء من كتبها أنه معجز في حسن تأليفه وعجيب نظمه

(1/32)


فصل في جملة وجوه إعجاز القرآن
ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز
أحدهما يتضمن الإخبار عن الغيوب وذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه فمن ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله عز و جل هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ففعل ذلك
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه ليثقوا بالنصر ويستيقنوا بالنجح
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفعل كذلك في أيامه حتى وقف أصحاب جيوشه عليه فكان سعد بن أبي وقاص رحمه الله وغيره من أمراء الجيوش من جهته يذكر ذلك لأصحابه ويحرضهم يه ويوثق لهم وكانوا يلقون الظفر في متوجهاتهم حتى فتح إلى آخر أيام عمر رضي الله عنه إلى بلخ وبلاد الهند وفتح في أيامه مرو الشاهجان ومرو الروذ ومنعهم من العبور إلى جيحون وكذلك فتح في أيامه فارس إلى إصطخر وكرمان ومكران وسجستان وجميع ما كان من مملكة كسرى وكل ما كان يملكه ملوك فارس بين البحرين من الفرات إلى جيحون وأزال ملك ملوك الفرس فلم يعد إلى اليوم ولا يعود أبدا إن شاء الله تعالى ثم إلى حدود إرمينية وإلى باب الأبواب وفتح أيضا ناحية الشام والأردن وفلسطين وفسطاط مصر وأزال ملك قيصر عنها وذلك من الفرات إلى بحر مصر وهو ملك قيصر , وغزت الخيول في أيامه إلى عمورية فأخذ الضواحي كلها ولم يبق

(1/33)


منها إلا ما حجز دونه بحر أو حال عنه جبل منيع أو أرض خشنة أو بادية غير مسلوكة
وقال الله عز و جل قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد فصدق فيه
وقال في أهل بدر وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ووفي لهم بما وعد وجميع الآيات التي يتضمنها القرآن من الإخبار عن الغيوب يكثر جدا وإنما أردنا أن ننبه بالبعض على الكل
والوجه الثاني أنه كان معلوما من حال النبي أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن ان يقرأ
وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم , ثم أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير من حين خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعثه فذكر في الكتاب الذي جاء به معجزة له قصة آدم عليه السلام وابتداء خلقه وما صار أمره إليه من الخروج من الجنة ثم جملا من أمر ولده وأحواله وتوبته ثم ذكر قصة نوح عليه السلام وما كان بينه وبين قومه وما انتهى إليه أمرهم وكذلك أمر إبراهيم عليه السلام إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين في القرآن والملوك والفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء صلوات الله عليهم
ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم وإذ كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ولا مترددا إلى التعلم منهم ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه - علم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي ولذلك قال الله عز و جل وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون وقال وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست وقد بينا أن من

(1/34)


كان يختلف إلى تعلم علم ويشتغل بملابسه أهل صنعة لم يخف على الناس أمره ولم يشتبه عندهم مذهبه وقد كان يعرف من يحسن هذا العلم وإن كان نادرا وكذلك كان يعرف فيهم من يختلف إليه للتعلم وليس يخفي في العرف عالم كل صنعة ومتعلمها فلو كان منهم لم يخف أمره
والوجه الثالث أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل ونكشف الجملة التي أطلقوها
فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه
منها ما يرجع إلى الجملة وذلك أن نظمم القرآن على تصرف وجوهه وتباين مذاهبه - خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم و ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع ثم إلى معدل موزون غير مسجع ثم إلى ما يرسل إرسالا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع ترتيب لطيف وإن لم يكن معتدلا في وزنه وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل فيه ولا يتصنع له وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ومباين لهذه الطرق ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب مسجع ولا فيه شيء منه وكذلك ليس من قبيل الشعر لأن من الناس من زعم أنه كلام السجع ومنهم من يدعى فيه شعرا كثيراوالكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع فهذا إذا تأمله المتأمل تبين - بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم - أنه خارج عن العادة وأنه معجزوهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن وتميز حاصل في جميعه

(1/35)


ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع والمعاني اللطيفة والفوائد الغزيرة والحكم الكثير والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة على هذا الطول وعلى هذا القدر وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف وقد حصل القران على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه الله تعالى به فقال عز من قائل الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وقوله ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال
وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره فتأمله تعرف الفصل
وفى ذلك معنى ثالث وهو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة وسير مأثورة وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق والخطيب المصقع - يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور
فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو
ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح
ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين
ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ

(1/36)


ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف الروض أو وصف الخمر أو الغزل أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وبزهير إذا رغب ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها فيأتي بالغاية في البراعة في معنى فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه وبان الاختلاف على شعره ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم لأنه لا خلاف في تقدمهم في صنعة الشعر ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم فإذا كان الاختلال يتأتي في شعرهم لاختلاف ما يتصرفون فيه ستغنينا عن ذكر من هو دونهم وكذلك يستغني به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها ثم نجد من الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصد أصلا ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر تقصيرا عجيبا ويقع ذلك من رجزه موقعا بعيد ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية ولا ينظم الرجز أو يقصر فيه مهما تكلفة أو تعمله
ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا بينا ومنهم من يوجد بضد ذلك
وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا ويختلف اختلافا كبيرا ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت

(1/37)


بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر لأن الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التي يتضمن
ومعنى رابع وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع
ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره والخروج من باب إلى سواه حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتي فيه بشيء وإنما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضي وتنقل يستحسن
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء والتحول من باب إلى باب ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة ونبين أن القرآن على اختلاف فنونه وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف والمتباين كالمتناسب والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة ويخرج معه الكلام عن حد العادة ويتجاوز العرف
ومعنى خامس وهو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن كما يخرج عن عادة كلام الإنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ويقصرون دونه كقصورنا وقد قال الله عز و جل قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا

(1/38)


فإن قيل هذه دعوى منكم وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن الإتيان بمثله وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله وإن كنا عاجزين كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة وأسباب غامضة دقيقة لا نقدر نحن عليها ولا سبيل لنا للطفها إليها وإذا كان كذلك لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل
قيل قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر الله عز و جل وقد يمكن أن يقال إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن وما يروون لهم من الشعر ويحكون عنهم من الكلام وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم والقدر الذي نقلوه من ذلك قد تأملناه فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فبصاحة الإنس ولعله يقصر عنها ولا يمتنع أن يسمع كلامهم ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء صلوات الله عليهم وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان ولهم أشعار محفوظة مدونة في دواوينهم قال تأبط شرا
وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا
إلى أن حدا الصبح أثناءه ... ومزق جلبابه الأليلا
على شيم نار تنورتها ... فبت لها مدبرا مقبلا
فأصبحت والغول لي جارة ... فيا جارتا أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها فالتوت ... بوجه تهول واستغولا
فمن سال أين ثوت جارتي ... فإن لها باللوى منزلا
وكنت إذا ما هممت اعتزمت ... وأمر إذا قلت أن أفعلا

(1/39)


وقال آخر
عشوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما
فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم يحسد الإنس الطعاما
ويذكرون لامرئ القيس قصيدة مع عمرو الجني وأشعارا لهما كرهنا نقلها لطولها وقال عبيد بن أيوب /
فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف يتقفر
أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالي نيرانا تلوح وتزهر وقال ذو الرمة بعد قوله
قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أخضر يدعو هامة البوم
للجن بالليل في حافاتها زجل ... كما تناوح يوم الريح عيشوم
دوية ودجى ليل كأنهما ... يم تراطن في حافاته الروم
وقال أيضا
وكم عرست بعد السرى من معرس ... به من كلام الجن أصوات سامر

(1/40)


وقال
ورمل عزيف الجن في عقباته ... هزير كتضراب المغنين بالطبل
وإذا كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم ويحكون عنهم وذلك القدر المحكي لا يزيد أمره على فصاحة العرب - صح ما وصف عندهم من عجزهم عنه كعجز الإنس
ويبين ذلك من القرآن أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن فقال وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه
فإذا ثبت أنه وصف كلامهم ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم صح أن يوصف الشيء المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة
وهذان الجوابان أسد عندي من جواب بعض المتكلمين عنه بأن عجز الإنس عن القرآن يثبت له حكم الإعجاز فلا يعتبر غيره ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق المشاهدة عجز الجن عنه فقال لنا قائل فدلوا على أن الملائكة تعجز عن الإتيان بمثله لم يكن لنا في الجواب غير هذه الطريقة التي قد بيناها
وإنما ضعفنا هذا الجواب لأن الذي حكى وذكر عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله فيجب أن نعلم عجز الجن عنه كما علمنا عجز الإنس عنه ولو كان وصف عجز الملائكة عنه لوجب أن نعرف ذلك أيضا بطريقة
فإن قيل أنتم قد انتهيتم إلى ذكر الإعجاز في التفاصيل وهذا الفصل إنما يدل على الإعجاز في الجملة
قيل هذا كما أنه يدل على الجملة فإنه يدل على التفصيل أيضا فصح أن يلحق هذا القبيل كما كان يصح أن يلحق بباب الجمل

(1/41)


ومعنى سادس وهو أن الذي ينقسم عليه الخطاب من البسط والاقتصاد والجمع والتفريق والاستعارة والتصريح والتجوز والتحقيق ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم موجودة في القرآن وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والإبداع والبلاغة وقد ضمنا بيان ذلك من بعد لأن الوجه ههنا ذكر المقدمات دون البسط والتفصيل
ومعنى سابع وهو أن المعاني التي تضمنها في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين والرد على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع وذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة وأسباب مؤسسة مستحدثة فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرروالأمر المتقرر المتصور ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ويراد تحقيقه بان التفاضل في البراعة والفصاحة ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر فالبراعة أظهر والفصاحة أتم
ومعنى ثامن وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام أو تقذف ما بين شعر فتأخذها الأسماع وتتشوف إليها النفوس ويرى وجه رونقها باديا غامرا سائر ما تقرن به كالدرة التي ترى في سلك من خرز وكالياقوتة في واسطة العقد
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير وهي غرة جميعه وواسطة عقده والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه برونقه وجماله

(1/42)


واعتراضه في حسنه ومائة وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص ليتحقق ما ادعيناه منه
ولولا هذه الوجوه التي بيناها لم يتحير فيه أهل الفصاحة ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة والتصنع للمعارضة وكانوا ينظرون في أمرهم ويراجعون أنفسهم أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها
فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور لعلمهم بعجزهم عنه وقصور فصاحتهم دونه
ولا يمتنع أن يلتبس على من لم يكن بارعا فيهم ولا متقدما في الفصاحة منهم هذا الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل وحتى يعرف حال عجز غيره إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم يشتغلوا بذلك تحققا بظهور العجز وتبينا له وأما قوله تعالى حكاية عنهم لو نشاء لقلنا مثل هذا فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم وقد يمكن أن يكون قاله منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم وهو يدل على عجزهم ولذلك أورده الله مورد تقريعهم لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز والضمان إلى الوفاء فلما لم يفعلوا ذلك مع استمرار التحدي وتطاول زمان الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه علم عجزهم إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط
ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيات وفي وصف الأزمة والأنساع والأمور التي لا يؤبه لها ولا يحتاج إليها ويتنافسون في ذلك أشد التنافس ويتبجحون به أشد التبجح فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة والعبارات الفصيحة مع تضمن المعارضة لتكذيبه والذب عن أديانهم القديمة وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم وتضليله إياهم والتخلص من منازعته ثم من محاربته ومقارعته

(1/43)


ثم لا يفعلون شيئا من ذلك وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل ويعللونها بالأباطيل هذا محال
ومعنى تاسع وهو أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفا وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة وهو أربعة عشر حرفا ليدل بالمذكور على غيره وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم
والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمة أهل العربية وبنوا عليها وجوهها أقسام نحن ذاكروها
فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة
فالمهموسة منها عشرة وهي الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين
وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة
وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور
وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولا نقصان
والمجهور معناه أنه حرف اشبع الاعتماد في موضعه ومنع أن يجري معه النفس حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت
والمهموس كل حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس وذلك مما يحتاج إلى معرفته لتبني عليه أصول العربية
وكذلك مما يقسمون إليه الحروف يقولون إنها على ضربين أحدهما حروف الحلق وهي ستة أحرف العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين
والنصف الآخر من هذه الحروف مذكور في جملة الحروف التي تشتمل

(1/44)


عليها الحروف المثبتة في أوائل السور وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف الحلق
وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين أحدهما حروف غير شديدة وإلى الحروف الشديدة وهي التي تمنع الصوت أن يجري فيه وهي الهمزة والقاف والكاف والجيم والظاء والذال والطاء والباء
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هي مذكورة في جملة الحروف التي بنى عليها تلك السور
ومن ذلك الحروف المطبقة وهي أربعة أحرف وما سواها منفتحة فالمطبقة الطاء والظاء والصاد والضاد
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف في جملة تلك الحروف المبدوء بها في أوائل السور
وإذا كان القوم - الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي رأوا مباني اللسان على هذه الجهة وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر على حد التنصيف الذي وصفنا دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه بعد العهد الطويل لا يجوز أن يقع إلا من الله عز و جل لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب
وإن كان إنما تنبهوا على ما بنى عليه اللسان في أصله ولم يكن لهم في التقسيم شيء وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان فذلك أيضا من البديع الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان
فإن كان أصل اللغة توقيفا فالأمر في ذلك أبين وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضا لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند الله تعالى وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد يتعلق به الإعجاز من وجه

(1/45)


وقد يكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة تخصها في النظم إذا كانت حروفا كنحو آلم لأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلا واللام متوسطة والميم متطرفة لأنها تأخذ في الشفة فنبه بذكرها على غيرها من الحروف وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردد بين هذين الطرفين
ويشبه أن يكون التضيف وقع في هذه الحروف دون الألف لأن الألف قد تلغى وقد تقع الهمزة وهي موقعا واحدا
ومعنى عاشر وهو أنه سهل سبيله فهو خارج عن الوحشي المستكره والغريب المستنكر وعن الصنعة المتكلفة وجعله قريبا إلى الإفهام يبادر معناه لفظه إلى القلب ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول غير مطمع مع قربه في نفسه ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به
فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل والقول المسفسف فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة فيطلب فيه الممتنع أو يوضع فيه الإعجاز
ولكن لو وضع في وحشي مستكره أو غمر بوجوه الصنعة وأطبق بأبواب التعسف والتكلف - لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر أو يعيب ويقرع
ولكنه أوضح مناره وقرب منهاجه وسهل سبيله وجعله في ذلك متشابها متماثلا وبين مع ذلك إعجازهم فيه
وقد علمت أن كلام فصحائهم وشعر بلغائهم لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر أو وحشي مستكره ومعان مستبعدة ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة ثم تحولهم إلى كلام معتدل بين الأمرين متصرف بين المنزلتين
فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

(1/46)


ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها على وجه يؤخذ باليد ويتناول من كثب ويتصور في النفس كتصور الأشكال ليتبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن
واعلم أن من قال من أصحابنا إن الأحكام معللة بعلل موافقة لمقتضى العقل جعل هذا وجها من وجوه الإعجاز وجعل هذه الطريقة دلالة فيه كنحو ما يعللون به الصلاة ومعظم الفروض وأصولها ولهم في كثير من تلك العلل طرق قريبة ووجوه تستحسن
وأصحابنا من أهل خراسان يولعون بذلك ولكن الأصل الذي يبنون عليه عندنا غير مستقيم وفي ذلك كلام يأتي في كتابنا في الأصول
وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد فإنا جمعنا بين أمور وذكرنا المزية المتعلقة بها وكل واحد من تلك الأمور مما قد يمكن اعتماده في إظهار الإعجاز فيه
فإن قيل فهل تزعمون أنه معجز لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه أو لأنه عبارة عنه أو لأنه قديم في نفسه قيل لسنا نقول بأن الحروف قديمة فكيف يصح التركيب على الفاسد ولا نقول أيضا إن وجه الإعجاز في نظم القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة الإنجيل وغيرهما من كتب الله عز و جل معجزات في النظم والتأليف وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك
وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها وقد ثبت خلاف ذلك

(1/47)


فصل في شرح ما بينا من وجوه إعجاز القرآن
فأما الفصل الذي بدأنا بذكره من الإخبار عن الغيوب والصدق والإصابة في ذلك كله فهو كقوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أويسلمون فأغزاهم أبو بكر وعمر رضى الله عنهما إلى قتال العرب والفرس والروم
وكقوله الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين وراهن أبو بكر الصديق رضى الله عنه في ذلك وصدق الله وعده
وكقوله في قصة أهل بدر وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم
وكقوله سيهزم الجمع ويولون الدبر
وكقوله لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون
وكقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا وصدق الله تعالى وعده في ذلك كله
وقال في قصة المخلفين عنه في غزوته لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا فحق ذلك كله وصدق ولم يخرج من المنافقين الذين خوطبوا بذلك معه أحد

(1/48)


وكقوله ليظهره على الدين كله
وكقوله فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين
فامتنعوا من المباهلة ولو أجابوا إليها اضطرمت عليهم الأودية نارا على ما ذكر في الخبر
وكقوله قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه ابدا بما قدمت أيديهم ولو تمنوه لوقع بهم فهذا وما أشبهه فصل
وأما الوجه الثاني الذي ذكرناه من إخباره عن قصص الأولين وسير المتقدمين فمن العجيب الممتنع على من لم يقف على الأخبار ولم يشتغل بدرس الآثار وقد حكي في القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها
ولذلك قال الله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون
وقال وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين
وقال وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك فبين وجه دلالته من إخباره بهذه الأمور الغائبة السالفة

(1/49)


وقال تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين
فأما الكلام في الوجه الثالث وهو الذي بيناه من الإعجاز الواقع في النظم والتأليف والرصف فقد ذكرنا من هذا الوجه وجوها
منها أنا قلنا إنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم ومباين لأساليب خطابهم
ومن ادعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحح أنه ليس من قبيل الشعر ولا السجع ولا الكلام الموزون غير المقفى لأن قوما من كفار قريش ادعوا أنه شعر
ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا
ومن أهل الملة من يقول إنه كلام مسجع إلا أنه أفصح مما قد اعتادوه من أسجاعهم
ومنهم من يدعى أنه كلام موزون
فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب

(1/50)


فصل في نفى الشعر من القرآن
قد علمنا أن الله تعالى نفى الشعر عن القرآن وعن النبي فقال وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين وقال في ذم الشعراء والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون إلى آخر ما وصفهم به في هذه الآيات وقال وما هو بقول شاعر
وهذا يدل على أن ما حكاه عن الكفار - من قولهم إنه شاعر وإن هذا شعر - لا بد من أن يكون محمولا على أنهم نسبوه إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام لا أنهم نسبوه في القرآن إلى أن الذي أتاهم به هو من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة
أو يكون محمولا على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياهم بالشعر لدقة نظرهم في وجوه الكلام وطرق لهم في المنطق وإن كان ذلك الباب خارجا عما هو عند العرب شعر على الحقيقة
أو يكون محمولا على أنه أطلقه بعض الضعفاء منهم في معرفة أوزان الشعر وهذا أبعد الاحتمالات
فإن حمل على الوجهين الأولين كان ما أطلقوه صحيحا وذلك أن الشاعر يفطن لما لا يفطن له غيره وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه في رأيهم وعندهم أقدر فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب
فإن زعم زاعم أنه قد وجد في القرآن شعرا كثيرا فمن ذلك ما يزعمون أنه بيت تام أو أبيات تامة ومنه ما يزعمون أنه مصراع كقول القائل
قد قلت لما حاولوا سلوتي ... هيهات هيهات لما توعدون
ومما يزعمون أنه بيت قوله وجفان كالجواب وقدور راسيات قالوا هو من الرمل من البحر الذي قيل فيه

(1/51)


ساكن الريح نطوف المزن ... منحل العزالي
وقوله من تزكى فإنما يتزكى لنفسه كقول الشاعر من بحر الخفيف
كل يوم بشمسه ... وغد مثل أمسه
وكقوله عز و جل ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب قالوا هو من المتقارب
وكقوله ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويشبعون حركة الميم فيزعمون أنه من الرجز
وذكر عن أبي نواس أنه ضمن ذلك شعرا وهو قوله
وفتية في مجلس وجوههم ... ريحانهم قد عدموا التثقيلا
دانية عليهم ظلالها ... وذللت قطوفها تذليلا
وقوله عز و جل ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين زعموا أنه من الوافر كقول الشاعر
لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها عصى
وكقوله عز و جل أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ضمنه أبو نواس في شعره ففصل وقال فذاك الذي وشعره
وقرا معلنا ليصدع قلبي ... والهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالدين ... فذاك الذي يدع اليتيما

(1/52)


وهذا من الخفيف كقول الشاعر
وفؤادي كعهده بسليمي ... بهوى لم يحل ولم يتغير
وكما ضمنه في شعره من قوله
سبحان من سخر هذا لنا ... حقا وما كنا له مقرنين
فزاد فيه حتى انتظم له الشعر وكما يقولونه في قوله عز و جل والعاديات ضبحا فالموريات قدحا ونحو ذلك في القرآن كثير كقوله والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا وهو عندهم شعر من بحر البسيط
والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها من وجوه
أولها أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن لو كانوا يعتقدونه شعرا ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته لأن الشعر مسخر لهم مسهل عليهم ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب والاقتدار اللطيف فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ولا عولوا عليه - علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة والمرمدون في هذا الشأن وإن استدراك من يجيء الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم ونعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن وقد ذهب أولئك النفر عنه وخفي عليهم مع شدة حاجتهم عندهم إلى الطعن في القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه - فلن يجوز أن يخفي على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن وهو بالجهل حقيق
إذا كان كذلك علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد وهو أنهم قالوا إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا وأقل الشعر

(1/53)


بيتان فصاعدا وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام
وقالوا أيضا إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما فليس بشعر
ثم منهم من قال إن الرجز ليس بشعر أصلا لا سيما إذا كان مشطورا أو منهوكا وكذلك ما كان يقاربه في قلة الأجزاء وعلى هذا يسقط السؤال
ثم يقولون إن الشعر إنما يطلق متى قصد القاصد إليه - على الطريق الذي يتعمد ويسلك ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامي والجاهل والعالم بالشعر واللسان وتصرفه وما يتفق من كل واحد فليس يكتسب اسم الشعر ولا صاحبه اسم شاعر لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض كان الناس كلهم شعراء لأن كل متكلم ر ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر وينتظم انتظامه
ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه أغلق الباب وائتني بالطعام ويقول الرجل لأصحابه أكرموا من لقيتم من تميم ومتى تتبع الإنسان هذا النحو عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه
وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد ليس يعده أهل الصناعة سرقة إذا لم تعلم فيه حقيقة الأخذ كقول امرئ القيس
وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل

(1/54)


وكقول طرفة
وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد
ومثله هذا كثير
فإذا صح مثل ذلك في بعض البيت ولم يمتنع التوارد فيه فكذلك لا يمتنع وقوعه في الكلام المنثور اتفاقا غير مقصود إليه فإذا اتفق لم يكن ذلك شعرا
وكذلك يمتنع التوارد على بيتين وكذلك يمتنع في الكلام المنثور وقوع البيتين ونحوهما
فثبت بهذا أن ما وقع هذا الموقع لم يعد شعرا وإنما يعد شعرا ما إذا قصده صاحبه تأتي له ولم يمتنع عليه
فإذا كان هو مع قصده لا يتأتى له وإنما يعرض في كلامه عن غير قصد إليه - لم يصح أن يقال إنه شعر ولا إن صاحبه شاعر ولا يصح أن يقال إن هذا يوجب أن مثل هذا لو اتفق من شاعر فيجب أن يكون شعرا لأنه لو قصده لكان يتأتي له
وإنما لم يصح ذلك لأن ما ليس بشعر فلا يجوز أن يكون شعرا من أحد وما كان شعرا من أحد من الناس كان شعرا من كل أحد ألا ترى أن السوقي قد يقول اسقني الماء يا غلام سريعا وقد يتفق ذلك من الساهي ومن لا يقصد النظم
فأما الشعر إذا بلغ الحد الذي بينا فلا يصح أن يقع إلا من قاصد إليه
وأما الرجز فإنه يعرض في كلام العوام كثيرا فإذا كان بيتا واحدا فليس ذلك بشعر وقد قيل إن أقل ما يكون منه شعرا أربعة أبيات بعد أن تتفق قوافيها ولم يتفق ذلك في القرآن بحال فأما دون أربعة أبيات منه أو ما يجرى مجراه في قلة الكلمات فليس بشعر

(1/55)


وما اتفق في ذلك من القرآن مختلف الروى ويقولون إنه / متى اختلف الروي خرج عن أن يكون شعرا
وهذه الطرق التي سلكوها في الجواب معتمدة أو أكثرها
ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوف إلى معارضته لأن طريق الشعر غير مستصعب على أهل الزمان الواحد وأهله يتقاربون فيه أو يضربون فيه بسهم
فإن قيل في القرآن كلام موزون كوزن الشعر وإن كان غير مقفى بل هو مزاوج متساوي الضروب وذلك أحد أقسام كلام العرب
قيل من سبيل الموزون من الكلام أن تتساوى أجزاؤه في الطول والقصر والسواكن والحركات فإن خرج عن ذلك لم يكن موزونا كقوله
رب أخ كنت به مغتبطا ... أشد كفى بعرا صحبته
تمسكا منى بالود ولا ... أحسبه يزهد في ذي أمل
تمسكا منى بالود ولا ... أحسبه يغير العهد ولا
يحول عنه أبدا ... فخاب فيه أملي
وقد علمنا أن القرآن ليس من هذا القبيل بل هذا قبيل غير ممدوح ولا مقصود من جملة الفصيح وربما كان عندهم مستنكرا بل أكثره على ذلك
وكذلك ليس في القرآن من الموزون الذي وصفناه أولا وهو الذي شرطنا فيه التعادل والتساوي في الأجزاء غير الاختلاف الواقع في التقفية ويبين ذلك أن القرآن خارج عن الوزن الذي بينا وتتم فائدته بالخروج منه وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتم بوزنه

(1/56)


فصل في نفي السجع من القرآن
ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه في غير موضع من كتبه
وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة وأقوى ما يستدلون به عليه اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هرون عليهما السلام ولمكان السجع قيل في موضع هرون وموسى ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل موسى وهرون
قالوا وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا إليه وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي نسميه شعرا وذلك القدر ما يتفق وجوده من المفحم كما يتفق / وجوده من الشاعر وأما ما في القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه
ويبنون الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع قال أهل اللغة هو موالاة الكلام على وزن واحد وقال ابن دريدسجعت الحمامة معناه رددت صوتها وانشد
طربت فأبكتك الحمام السواجع ... تميل بها ضحوا غصون نوائع
النوائع الموائل من قولهم جائع نائع أي متمايل ضعفا
وهذا الذي يزعمونه غير صحيح ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز

(1/57)


ولو جاز أن يقولوا هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعر معجز
وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر لأن الكهانة تنافي النبوات وليس كذلك الشعر
وقد روى أن النبي قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين كيف ندى من لا شرب ول أكل ولا صاح فاستهل أليس دمه قد يطل فقال أسجاعه كسجاعة الجاهلية وفي بعضها أسجعا كسجع الكهان فرأى ذلك مذموما لم يصح أن يكون في دلالته
والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعا لأن ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ومتى ارتبط المعنى بالسجع كانت إفادة السجع كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى
فإن قيل فقد يتفق في القرآن ما يكون من القبيلين جميعا فيجب أن تسموا أحدهما سجعا
قيل الكلام في تفصيل هذا خارج عن غرض كتابنا وإلا كنا نأتي على فصل فصل من أول القرآن إلى آخره ونبين في الموضع الذي يدعون الاستغناء عن السجع من الفوائد ما لا يخفي ولكنه خارج عن غرض كتابنا وهذا القدر يحقق الفرق بين الموضعين
ثم إن سلم لهم مسلم موضعا أو مواضع معدودة وزعم أن وقوع ذلك موقع الاستراحة في الخطاب إلى الفواصل لتحسين الكلام بها وهي الطريقة

(1/58)


التي يباين القرآن بها سائر الكلام وزعم أن الوجه في ذلك أنه من الفواصل أو زعم أن ذلك وقع غير مقصود إليه - فإن ذلك إذا اعترض في الخطاب لم يعد سجعا على ما قد بينا في القليل من الشعر كالبيت الواحد والمصراع والبيتين من الرجز ونحو ذلك يعرض فيه فلا يقال إنه شعر لأنه لا يقع مقصودا إليه وإنما يقع مغمورا في الخطاب وكذلك حال السجع الذي يزعمونه ويقدرونه
ويقال لهم لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعا لكان مذموما مرذولا لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه كان قبيحا من الكلام وللسجع منهج مرتب محفوظ وطريق مضبوط متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه ونسب إلى الخروج عن الفصاحة كما أن الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا وكان شعره مرذولا وربما أخرجه عن كونه شعرا
وقد علمنا أن بعض ما يدعونه سجعا متقارب الفواصل متداني المقاطع وبعضها مما يمتد حتى يتضاعف طوله عليه وترد الفاصلة على ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير وهذا في السجع غير مرضي ولا محمود
فإن قيل متى خرج السجع من المعتدل إلى نحو ما ذكرتموه خرج من أن يكون سجعا وليس على المتكلم أن يلتزم أن يكون كلامه كله سجعا بل يأتي به طورا ثم يعدل عنه إلى غيره ثم قد يرجع إليه
قيل متى وقع أحد مصراعي البيت مخالفا للآخر كان تخليطا وخبطا وكذلك متى اضطرب أحد مصراعي الكلام المسجع وتفاوت كان خبطا
وقد علم أن فصاحة القرآن غير مذمومة في الأصل فلا يجوز أن يقع فيها نحو هذا الوجه من الاضطراب

(1/59)


ولو كان الكلام الذي هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه ولكانت الطباع تدعو إلى المعارضة لأن السجع غير ممتنع عليهم بل هو عادتهم فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة وهو غير خارج عنها ولا متميز منها وقد يتفق في الشعر كلام متزن على منهاج السجع / وليس بسجع عندهم وذلك نحو قول البحتري
تشكي الوجى والليل ملتبس الدجا ... غريرية الأنساب مرت بقيعها
وقوله
قريب المدى حتى يكون إلى الندى ... عدو البنى حتى تكون معالي
ورأيت بعضهم يرتكب هذا فيزعم أنه سجع مداخل
ونظيره من القرآن قوله تعالى ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم وقوله أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وقوله أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله وقوله والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل وقوله إني وهن العظم مني
ولو كان ذلك عندهم سجعا لم يتحيروا فيه ذلك التحير حتى سماه بعضهم سحرا وتصرفوا فيما كانوا فيما كانوا يسمونه به ويصرفونه إليه ويتوهمونه فيه وهم في الجملة عارفون بعجزهم عن طريقة وليس القوم بعاجزين عن تلك الأساليب المعتادة عندهم المألوفة لديهم
والذي تكلمنا به في هذا الفصل كلام على جملة دون التفصيل

(1/60)


ونحن نذكر بعد هذا في التفصيل ما يكشف عن مباينة ذلك وجوه السجع
ومن جنس السجع المعتاد عندهم قول أبي طالب لسيف يبن ذي يزن أنبتك منبتا طابت أرومته وعزت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه ونبت زرعه في أكرم موطن وأطيب معدن وما يجري هذا المجرى من الكلام
والقرآن مخالف لهذه الطريقة مخالفته للشعر وسائر أصناف كلامهم الدائر بينهم
ولا معنى لقولهم إن ذلك مشتق من ترديد الحمامة صوتها على نسق واحد وروي غير مختلف لأن ما جرى هذا المجري لا يبني على الاشتقاق وحده ولو بنى عليه لكان الشعر سجعا لأن روية يتفق ولا يختلف وتتردد القوافي على طريقة واحدة
وأما الأمور التي يستريح إليها الكلام فإنها تختلف فربما كان ذلك يسمى قافية وذلك إنما يكون في الشعر وربما كان ما ينفصل عنده الكلامان مقاطع السجع وربما سمي ذلك فواصل وفواصل القرآن مما هو مختص بها لا شركة بينه وبين سائر الكلام فيها ولا تناسب
وأما ما ذكروه من تقديم موسى على هارون عليهما السلام في موضع وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوي مقاطع الكلام فليس بصحيح لأن الفائدة عندنا غير ما ذكروه وهي أن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة وتؤدي معنى واحدا من الأمر الصعب الذي تظهر به الفصاحة وتتبين به البلاغة وأعيد كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة ونبهوا بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا
ولو كان فيهم تمكن من المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ

(1/61)


لهم تؤدي تلك المعاني ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما حكى وجاء به وكيف وقد قال لهم فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فعلى هذا يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذي توهموه
فإن قال قائل القرآن مختلط من أوزان كلام العرب ففيه من جنس خطبهم ورسائلهم وشعرهم وسجعهم وموزون كلامهم الذي هو غير مقفى ولكنه أبدع فيه ضربا من الإبداع لبراعته وفصاحته
قيل قد علمنا أن كلامهم ينقسم إلى نظم ونثر وكلام مقفى غير موزون وكلام موزون غير مقفى ونظم موزون ليس بمقفى كالخطب والسجع ونظم مقفى موزون له روي
ومن هذه الأقسام ما هو سجية الأغلب من الناس فتناوله أقرب وسلوكه لا يتعذر ومنه ما هو أصعب تناولا كالموزون عند بعضهم والشعر عند الآخرين
وكل هذه الوجوه لا تخرج عن أن تقع لهم بأحد أمرين إما بتعمل وتكلف وتعلم وتصنع أو باتفاق من الطبع وقذف من النفس على اللسان للحاجة إليه
ولو كان ذلك مما يجوز اتفاقه من الطبائع لم ينفك العالم من قوم يتفق ذلك منهم ويعرض على ألسنتهم وتجيش به خواطرهم ولا ينصرف عنه الكل مع شدة الدواعي إليه
ولو كان طريقة التعلم لتصنعوه ولتعلموه والمهلة لهم فسيحة والأمد واسع

(1/62)


وقد اختلفوا في الشعر كيف اتفق لهم فقد قيل إنه اتفق في الأصل غير مقصود إليه على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام ثم لما استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفه الأسماع وتقبله النفوس تتبعوه من بعد وتعملوه وحكي لي بعضهم عن أبي عمر غلام ثعلب عن ثعلب أن العرب تعلم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول يوضع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن
قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل ...
ويسمون ذلك الوضع المتير واشتقاقه من المتر وهو الجذب أو القطع يقال مترت الحبل أي قطعته أو جذبته ولم يذكر هذه الحكاية عنهم غيره فيحتمل ما قاله
وأما ما وقع السبق إليه فيشبه أن يكون على ما قد منا ذكره أولا
وقد يحتمل على قول من قال إن اللغة اصطلاح أنهم تواضعوا على هذا الوجه من النظم
وقد يمكن أن يقال مثله على المذهب الآخر وأنهم وقفوا على ما يتصرف إليه القول من وجوه التفاصح وتواقفوا بينهم على ذلك
ويمكن أن يقال إن التواضع وقع على أصل الباب وكذلك التوقيف ولم يقع على فنون تصرف الخطاب وإن الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النظم ما أجري وفطنوا لحسنة فتتبعوه من بعد وبنوا عليه وطلبوه ورتبوا فيه المحاسن التي يقع الإطراب بوزنها وتهش النفوس إليها وجمع دواعيهم وخواطرهم على استحسان وجوه من ترتيبها واختبار طرق من تنزيلها وعرفهم محاسن الكلام ودلهم على كل طريقة عجيبة ثم أعلمهم عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن وأن القدر الذي تتناهى إليه قدرهم هو ما لم يخرج عن لغتهم ولم يشذ من جميع كلامهم بل قد عرض في خطابهم ووجدوا أن

(1/63)


هذا لما تعذر عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر وتكامل أحوالهم فيه دل على أنه اختص به ليكون دلالة على النبوة ومعجزة على الرسالة ولولا ذلك لكان القوم إذا اهتدوا في الابتداء إلى وضع هذه الوجوه التي يتصرف إليها الخطاب على براعته وحسن انتظامه فللأن يقدروا بعد التنبيه على وجهة والتحدي إليه أولى أن يبادروا إليه لو كان لهم إليه سبيل
ولو كان الأمر على ما ذكره السائل لوجب أن لا يتحيروا في أمرهم إولا تدخل عليهم شبهة فيما نابهم ولكانوا يسرعون إلى الجواب ويبادون إلى المعارضة
ومعلوم من حالهم أن الواحد منهم يقصد إلى الأمور البعيدة عن الوهم والأسباب التي لا يحتاج إليها فيكثر فيها من شعر ورجز ونجد من يعينه على نقله عنه على ما قدمنا ذكره من وصف الإبل ونتاجها وكثر من أمرها لا فائدة في الاشتغال به في دين ولا دنيا
ثم كانوا يتفاخرون باللسن والذلاقة والفصاحة والذرابة ويتنافرون فيه وتجرى بينهم فيه الأسباب المنقولة في الآثار على ما لا يخفى على أهله
فاستدللنا بتحيرهم في أمر القرآن على خروجه عن عادة كلامهم ووقوعه موقعا يخرق العادات وهذه سبيل المعجزات
فبان بما قلنا أن الحروف التي وقعت في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها في باب السجع
وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء فكان / بعض مصاريعه كلمتين وبعضها أربع كلمات ولا يرون في ذلك فصاحة بل يرونه عجزا
فلو رأوا أن ما تلى عليهم من القرآن سجع لقالوا نحن نعارضه بسجع

(1/64)


معتدل فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن ونتجاوز حده في البراعة والحسن
ولا معنى لقول من قدر أنه ترك السجع تارة إلى غيره ثم رجع إليه لأن ما تخلل بين الأمرين يؤذن بأن وضع الكلام غير ما قدروه من التسجيع لأنه لو كان من باب السجع لكان أرفع نهاياته وأبعد غاياته
ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه النظام وعباد بن سليمان وهشام الفوطى ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز وأنه يمكن معارضته وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف
ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم وأنه منتظم من فرق شتى ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه وكيف يعجزهم الخروج عن السجع والرجوع إليه وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم أنهم كانوا لا يلزمون أبدا طريقة السجع والوزن بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك لم يجدوا فاصلة بين نظمى الكلامين

(1/65)


فصل في ذكر البديع من الكلام
إن سأل سائل فقال هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما تضمنه من البديع
قيل ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظا نحن نذكرها ثم نبين ما سألوا عنه ليكون الكلام واردا على أمر مبين وباب مقرر مصور
ذكروا / أن من البديع في القرآن قوله عز ذكره واخفض لهما جناح الذل من الرحمة
وقوله إنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم
وقوله واشتعل الرأس شيبا وقوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون وقوله أو يأتيهم عذاب يوم عقيم وقوله نور على نور
وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة كقوله ولكم في القصاص حياة
وفي الألفاظ الفصيحة كقوله فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا
وفي الألفاظ الإلهية كقوله وله كل شيء وقوله وما بكم من نعمة فمن الله وقوله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار

(1/66)


ويذكرون من البديع قول النبي خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله كلما سمع هيعة طار إليها
وقوله ربنا تقبل توبتي واغسل حوبتي
وقوله غلب عليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء وهي حالقة الدين لا حالقة الشعر
وقوله الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة
وقوله وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم
وقوله إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم
وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه في كلام له قد نقلناه / بعد هذا على

(1/67)


وجهه وقوله لخالد بن الوليد رضي الله عنه احرص على الموت توهب لك الحياة وقوله فر من الشرف يتبعك الشرف
وكقول على بن أبي طالب في كتابه إلى ابن عباس وهو عامله على البصرة أرغب راغبهم واحلل عقدة الخوف عنهم وقوله رضي الله عنه حين سئل عن قول النبي غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود - إن النبي إنما قال ذلك والدين في قل فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرئ وما اختار
وسأل على رضي الله عنه بعض كبراء فارس عن أحد ملوكهم عندهم فقال لأردشير فضيله السبق غير أن أحمدهم أنوشروان قال فأي أخلاقه كان أغلب عليه قال الحلم والأناة فقال على رضي الله عنه هما توأمان ينتجهما علو الهمة
وقال قيمة كل امرئ ما يحسن
وقال العلم قفل ومفتاحه المسئلة
وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس أما بعد فالحمد لله / الذي فض خدمتكم وفرق كلمتكم والخدمة الحلقة المستديرة ولذلك قيل للخلاخيل خدام
وقال الحجاج دلوني على رجل سمين الأمانة
ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي على الخوارج أرادوه

(1/68)


على الكلام فقال لا خير في الرأي الفطير وقال دعوا الرأي يغب
وقال أعرابي في شكر نعمة ذاك عنون نعمة الله عز و جل
ووصف أعرابي قوما فقال إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام وإذا تصافحوا بالسيوف قعد الحمام
وسئل أعرابي عن رجل فقال صفرت عياب الود بيني وبينه بعد امتلائها واكفهرت وجوه كانت بمائها
وقال آخر من ركب ظهر الباطل نزل دار الندامة
وقيل لرؤبة كيف خلفت ما وراءك فقال التراب يابس والمال عابس
ومن البديع في الشعر طرق كثيرة قد نقلنا منها جملة لتستدل بها على ما بعدها
فمن ذلك قول امرئ القيس
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل

(1/69)


قوله قيد الأوابد عندهم من البديع ومن الاستعارة ويرونه من الألفاظ الشريقة وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيدا لها وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره
واقتدى به الناس واتبعه الشعراء فقيل قيد النواظر وقيد الألحاظ وقيد الكلام الحديث وقيد الرهان
وقال الأسود بن يعفر
بمقلص عتد جهيز شده ... قيد الأوابد والرهان جواد
وقال أبو تمام
لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب
وقال آخر
ألحاظه قيد عيون الورى ... فليس طرف يتعداه
وقال آخر
قيد الحسن عليه الحدقا ...
وذكر الأصمعي وأبو عبيد وحماد وقبلهم أبو عمرو أنه أحسن في هذه

(1/70)


اللفظة وأنه اتبع فلم يلحق وذكروه في باب الاستعارة البليغة
وسماها بعض أهل الصنعة باسم آخر وجعلوها من باب الإرداف وهوأن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى بل بلفظ هو تابع له وردف
وقالوا ومثله قوله
نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل ...
وإنما أراد ترفهها بقوله نؤوم الضحى
ومن هذا الباب قول الشاعر
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم
وإنما أراد أن يصف طول جيدها فأتى بردفه
ومن ذلك قول امرىء القيس
وليل كموج البحر أرخى سدوله ...
وذلك من الاستعارة المليحة
ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره من القرآن واشتعل الرأس

(1/71)


شيبا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة
ومما يعدونه من البديع التشبيه الحسن كقول امرىء القيس
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
وقوله
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
واستبدعوا تشبيه بشيئين على حسن تقسيم ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحدثين قول بشار
كأن مثار النقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى دون صحة التقسيم والتفصيل
وكذلك عدوا من البديع قول امريء القيس في أذني الفرس
وسامعتان يعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب

(1/72)


اتبعه طرفة فقال فيه
وسامعتان يعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد
ومثله قول امرؤ القيس في وصف الفرس
وعينان كالماويتين ومحجر ... إلى سند مثل الصفيح المنصب
وقال طرفة في وصف عيني ناقة
وعينان كالماويتين استكنتا ... بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد
ومن البديع في التشبيه قول امريء القيس
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء أحسن فيها
ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام وقوله تعالى كأنهن بيض مكنون
ومواضع نذكرها بعد هذا

(1/73)


ومن البديع فيه الاستعارة قول امريء القيس
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... على بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل
ومن ذلك قول النابغة
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
فاستعاره من إراحة الراعي إبله إلى مواضعها التي تأوي إليها بالليل
وأخذ منه ابن الدمينة فقال
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع
ومن ذلك قول زهير
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعري أفراس الصبا ورواحله
ومن ذلك قول امريء القيس
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال

(1/74)


وأخذه أبو تمام فقال
سمو عباب الماء جاشت غواربه ...
وإنما أراد امرؤ القيس إخفاء شخصه
ومن ذلك قوله
كأني و أصحابي على قرن أعفرا ...
يريد أنهم غير مطمئنين
ومن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله بن سعيد قال أخبرني أبي قال أخبرنا عسل بن ذكوان أخبرنا أبو عثمان المازني قال سمعت الأصمعي يقول أجمع أصحابنا أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
قال الحسن بن عبد الله وأخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا عون بن محمد الكندي أخبرنا قعنب بن محرز قال سمعت الأصمعي يقول سمعت أبا عمرو يقول كان زهير يمدح السوق ولو ضرب على أسفل قدميه مئتا دقل صيني على أن يقول كقول النابغة
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

(1/75)


لما قال يريد أن سلطانه كالليل إلى كل مكان
واتبعه الفرزدق فقال
ولو حملتني الريح ثم طلبتني ... لكنت كشيء أدركتني مقادره
فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة
ثم أخذه الأخطل فقال
وإن أمير المؤمنين و فعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
وقد روى نحو هذا عن النبي نصرت بالرعب وجعل رزقي تحت ظل رمحي وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل
وأخذه علي بن جبلة فقال
وما لامرئ حاولته منك مهرب ... ولو رفعته في السماء المطالع
بلىهارب لا يهتدي لمكانه ... ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
ومثله قول سلم الخاسر
فأنت كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهر لا ملجأ سنه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب
فأخذه البحتري فقال
ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ينجيهم عن خوف بأسك مهرب
ومن بديع الاستعارة قول زهير
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم

(1/76)


وقول الأعشى
وإن عتاق العيس سوف يزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق
ومنه أخذ نصيب فقال
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
ومن ذلك قول تأبط شرا
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحة والموت خزيان ينظر
ومن الاستعارة في القرآن كثير كقوله وإنه لذكر لك ولقومك
يريد ما يكون الذكر عنه شرفا
وقوله صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة قيل دين الله أراد
وقوله اشتروا الضلالة بالهدىفما ربحت تجارتهم
ومن البديع عندهم الغلو والإفراط في الصفة كقول النمر بن تولب
أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف قديم بأثره بادى
تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والقيدين والهادى
وكقول النابغة
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب
وكقول عنترة
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم

(1/77)


وكقول أبي تمام
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه ... لخر يلثم منه موطئ القدم
وكقول البحتري
ولو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لمشى إليك المنبر
ومن هذا الجنس في القرآن يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد
وقوله إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا
وقوله تكاد تميز من الغيظ
ومما يعدونه من البديع المماثلة وهو ضرب من الاستعارة سماه قدامة التميثل وهو على العكس الإرداف لان الإرداف مبني على الإسهاب والبسط وهو مبني على الإيجاز والجمع
وذلك أن يقصد الإشارة إلى معنى فيضع ألفاظا تدل عليه وذلك المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الإشارة إليه
نظيره من المنثور أن يزيد بن الوليد بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته فكتب إليه أما بعد فإني أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فاعتمد على أيتهما شئت
وكنحو ما كتب به الحجاح إلى المهلب فإن أنت فعلت ذاك وإلا أشرعت إليك الرمح فأجابه المهلب فإن أشرع الأمير الرمح قلبت إليه ظهر المجن

(1/78)


وكقول زهير
ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم
وكقول امريء القيس
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
وكقول عمرو بن معدى كرب
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
وكقول القائل
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا

(1/79)


وكقول الآخر
أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
ومن هذا الباب في القرآن قوله فما أصبرهم على النار
وكقوله وثيابك فطهر قال الأصمعي أراد البدن قال / وتقول العرب فدى لك ثوباي يريد نفسه وأنشد
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
ويرون من البديع أيضا ما يسمونه المطابقة وأكثرهم على أن معناها أن يذكر الشيء وضده كالليل والنهار والسواد والبياض وإليه ذهب الخليل ابن أحمد والأصمعي ومن المتأخرين عبد الله بن المعتز
وذكر ابن المعتز من نظائره من المنثور ما قاله بعضهم أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع فأدخلتنا في ضيق الضمان
ونظيره من القرآن ولكم في القصاص حياة
وقوله يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي
وقوله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ومثله كثير جدا

(1/80)


وكقول النبي للأنصار إنكم تكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع
وقال آخرون بل المطابقة أن يشترك معنيان بلفظة واحدة وإليه ذهب قدامة ابن جعفر الكاتب
فمن ذلك قول الأفوه الأودي
وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل مستأنس عنتريس
عنى بالهوجل الأول الأرض وبالثاني الناقة
ومثله قول زياد الأعجم
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام
ومثله قول أبي دواد
عهدت لها منزلا داثرا ... وآلا على الماء يحملن آلا
فالآل الأول أعمدة الخيام تنصب على البئر للسقي والآل الثاني السراب
وليس عنده قول من قال المطابقة إنما تكون باجتماع الشيء وضده - بشيء

(1/81)


ومن المعنى الأول قول الشاعر
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها
ومثله قول امريء القيس
وتردي على صم صلاب ملاطس ... شديدات عقد لينات متان
وكقول النابغة
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربه لازب
وكقول زهير وقد جمع فيه طباقين
بعزمه مأمور مطيع وآمر ... مطاع فلا يلقى لحزمهم مثل
وكقول الفرزدق
والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
ومما قيل فيه ثلاث تطبيقات قول جرير
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا
وكقول رجل من بلعنبر
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا

(1/82)


وروى عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه تمثل بقول القائل
فلا الجود يفنى المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر
وكقول الآخر
فسري كإعلاني وتلك سجيتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا
وكقول قيس بن الخطيم
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يرجي الفتى كيما يضر وينفعا
وكقول السموأل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل فهذا باب يرونه من البديع
وباب آخر وهو التجنيس ومعنى ذلك أن تأتي بكلمتين متجانستين
فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى في تأليف حروفها ومعناها وإليه ذهب الخليل
ومنهم من زعم أن المجانسة أن تشترك اللفظتان على جهة الاشتقاق
كقوله عز و جل فأقم وجهك للدين القيم
وكقوله وأسلمت مع سليمان
وكقوله يا أسفا على يوسف 0

(1/83)


وكقوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
وكقوله وهو ينهون عنه وينأون عنه
وكقول النبي أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها وعصية عصت الله ورسوله وتجيب أجابت الله ورسوله
وكقوله الظلم ظلمات يوم القيامة
وقوله لا يكون ذو الوجهين وجيها عند الله
وكتب بعض الكتاب العذر مع التعذر واجب فرأيك فيه
وقال معاوية لابن عباس مالكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم فقال كما تصابون في بصائركم
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجروا ولا تهجروا
ومن ذلك قول قيس بن عاصم
ونحن حفرنا الحوفزان بطعنة ... كسته نجيعا من دم الجوف أشكلا

(1/84)


وقال آخر
أمل عليها بالبلى الملوان ...
وقال الآخر
وذاكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا تعرف الأنفا
وكتب إلي بعض مشايخنا قال أنشدنا الأخفش عن المبرد عن التوزي
وقالوا حمامات فحم لقاوها ... وطلح فزيرت والمطى طلوح
عقاب بأعقاب من النأي بعدما ... جرت نية تنسي المحب طروح
وقال صحابي هدهد فوق بانة ... هدى وبيان بالنجاح يلوح
وقالوا دم دامت مواثيق عهده ... ودام لنا حسن الصفاء صريح

(1/85)


وقال آخر
أقبلن من مصر يبارين البرى ...
وقال القطامي
ولما ردها في الشول شالت ... بذيال يكون لها لفاعا
وقد يكون التجنيس بزيادة حرف أو بنقصان حرف أو ما يقارب ذلك كقول البحتري
هل لما فات من تلاق تلاف ... أم لشاك من الصبابة شاف
وقال ابن مقبل
يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثرى حينا
وقال زهير
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكلون إذا ما استلحموا وحموا

(1/86)


ومن ذلك قول أبي تمام
يمدون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب
وأبو نواس يقصد في مصراعي مقدمات شعره هذا الباب كقوله
ألا دارها بالماء حتى تلينها ... فلن تكرم الصهباء حتى تهينها
وكذلك قوله
ديار نوار ما ديار نوار ... كسونك شجوا هن منه عوار
وكقول ابن المعتز
سأتني على عهد المطيرة والقصر ... وأدعو لها بالساكنين وبالقطر
وكقوله أيضا
هي الدار إلا أنها منهم قفر ... وأنى بها ثاو وأنهم سفر
وكقوله
للأماني حديث قد يقر ... ويسوء الدهر من قد يسر
وكقول المتنبي
وقد أراني المشيب الروح في بدني ... وقد أراني المشي الروح في بدلي
وقد قيل إن من هذا القبيل قوله عز و جل خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون وقوله قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه
ويعدون من البديع المقابلة وهي أن يوفق بين معان ونظائرها والمضاد بضده وذلك مثل قول النابغة الجعدي

(1/87)


فتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
وقال تأبط شرا
أهز به في ندوة الحي عطفه ... كما هز عطفي بالهجان الأوارك
وكقول الآخر
وإذا حديث ساءني لم أكتئب ... وإذا حديث سرني لم أشرز
وكقول الآخر
وذي إخوة قطعت أرحام بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخاليا
ونظيره من القرآن ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون
ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة وقد أحسن إليها برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة
ويعدون من البديع الموازنة وذلك كقول بعضهم أصبر على حر اللقاء ومضض النزال وشدة المصاع

(1/88)


وكقول امريء القيس
سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا ... له محجبات مشرفات على الفال
ونظيره من القرآن والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود
ويعدون من البديع
المساواة وهي أن يكون اللفظ مساويا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وذلك يعد من البلاغة وذلك كقول زهير
ومهما تكن عند امريء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وكقول جرير
فلو شاء قومي كان حلمي فيهم ... وكان على جهال أعدائهم جهلي
وكقول الآخر
إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وكقول الهذلي
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... وأول راض سنة من يسيرها

(1/89)


وكقول الآخر
فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك
ونظير ذلك في القرآن كثير
ومما يعدونه من البديع
الإشارة وهو اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة وقال بعضهم في وصف البلاغة البلاغة لمحة دالة
ومن ذلك قول طرفة
فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل نحسه متغيب
وكقول زيد الخيل
فخيبة من يخيب على غنى ... وباهلة بن أعصر والرباب

(1/90)


ونظيره من القرآن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا ومواضع كثيرة
ويعدون من البديع المبالغة والغلو
والمبالغة تأكيد معاني القول وذلك كقول الشاعر
ونكرم جارنا ما كان فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
ومن ذلك قول الآخر
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام
فقوله رأت صقرا مبالغة
ومن الغلو قول أبى نواس
توهمتها في كاسها فكأنما ... توهمت شيئا ليس يدركه العقل
فما يرتقي التكييف فيها إلى مدى ... يحد به إلا ومن قبله قبل
وقول زهير
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
وكقول النابغة
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

(1/91)


وكقول الخنساء
وما بلغت كف امرئ متناول ... بها المجد إلا حيثما نلت أطول
وما بلغ المهدون في القول مدحة ... وإن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل
وقول الآخر
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البر صار البر أندى من البحر
ويرون من البديع الإيغال في الشعر خاصة فلا يطلب مثله في القرآن إلا في الفواصل كقول امريء القيس
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
فقد أوغل بالقافية في الوصف وأكد التشبيه بها والمعنى قد يستقل دونها
ومن البديع عندهم التوشيح وهو أن يشهد أول البيت بقافيته وأول الكلام بآخره كقول البحتري
فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام
ومثله في القرآن فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم

(1/92)


ومن ذلك رد عجز الكلام على صدره كقول الله عز و جل انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
وكقوله لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى
ومن هذا الباب قول القائل
وان لم يكن إلا تعلل ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها
وكقول جرير
سقى الرمل جون مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل
وكقول الآخر
يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف يرى طول السلامة يفعل
وكقول أبي صخر الهذلي
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وكقول الآخر
أصد بأيدي العيس عن قصد أرضها ... وقلبي إليها بالمودة قاصد

(1/93)


وكقول عمرو بن معدي الكرب
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ومن البديع صحة التقسيم ومن ذلك قول نصيب
فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق قال ويحك ما ندري
وليس في أقسام الجواب أكثر من هذا
وكقول الآخر
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
وقول المقنع الكندي
وإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا
وكقول عروة بن حزام
بمن لو أراه عانيا لفديته ... ومن لو رآني عانيا لفداني
ونحوه قول الله عز و جل الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات

(1/94)


إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات
ونحوه صحة التفسير وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحوالها فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها ولا زيادة ولا نقصان كقول القائل
ولى فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولى فرس للجهل بالجهل مسرج
ومن البديع التكميل والتتميم
وهو أن يأتي بالمعنى الذي بدأ به بجميع المعاني المصححة المتممة لصحته المكملة لجودته من غير أن يخل ببعضها ولا أن يغادر شيئا منها كقول القائل وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل ومرافد لم تشب بمن وبشر لم يمازجه ملق ولم يخالطه مذق
وكقول نافع بن خليفة
رجال إذا لم يقبلوا الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواطع
وإنما تم جودة المعنى بقوله ويعطوه
وذلك كقول الله عز و جل إن الله عنده علم الساعة إلى آخر الآية ثم قال إن الله عليم خبير
ومن البديع الترصيع وذلك على ألوان

(1/95)