صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إعجاز القرآن للباقلاني |
وكقول عمرو بن معدى كرب: إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع (1) * * * ومن البديع " صحة التقسيم " ومن ذلك قول نصيب: / فقال فريق القوم: لا وفريقهم: * نعم، وفريق قال: ويحك ما ندرى (2) وليس في أقسام الجواب أكثر من هذا. (1/94)
وكقول الآخر (3): فكأنها فيه نهار ساطع * وكأنه ليل عليها مظلم (4) وقول المقنع الكندى: وإن يأكلوا لحمى وفرت لحومهم * وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا (5) وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم * وإن هم هووا غيى هويت لهم رشدا وإن زجروا طيرا بنحس تمر بى * زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا وكقول عروة بن حزام: بمن لو أراه عانيا لفديته * ومن لو رأني عانيا لفداني (6) ونحوه قول الله عز وجل: (الله ولى الذين آمنوا، يخرجهم من / الظلمات
__________
(1) الشعر والشعراء 1 / 335 والاصمعيات ص 45 والصناعتين ص 306 والاغانى 14 / 33 ومعاهد التنصيص 2 / 236 وحماسة البحترى 236
(2) العمدة 2 / 20 وسر الفصاحة 224 وس، ك " ما يدرى " ونقد الشعر ص 46 " لا أدرى " وفى الصناعتين: " وفريق لا يمن الله ما ندرى " وفى اللسان 17 / 354: فقال فريق القوم لما نشدتهم * نعم وفريق كيمن الله ما ندرى (3) هو بكر بن النطاح، كما في الامالى 1 / 227 وقبله: بيضاء تسحب من قيام فرعها * وتغيب فيه وهو وحف أسحم (4) س، ك " فكأنما " (5) الامالى 1 / 281 وفى الاغانى 15 / 157 والشعر والشعراء 2 / 716 " إذا أكلوا لحمى وفرت لحومهم " وحماسة البحترى 240 (6) الاغانى 20 / 155 وفى س، ك: " لو أراه غائبا...رأني غائبا " (*)
إلى النور، والذين كفروا أوليائهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (1). (1/95)
* * * ونحوه: " صحة التفسير ".
[ وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحولها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها ولا زيادة ولا نقصان ] (2).
كقول القائل (3): ولى فرس للحلم بالحلم ملجم * ولى فرس للجهل بالجهل مسرج * * * ومن البديع: " التكميل والتتميم ".
[ وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصححة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها.
كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق ] (4).
/ وكقول نافع بن خليفة:
رجال إذا لم يقبلوا الحق منهم * ويعطوه عادوا بالسيوف القواطع (5) وإنما تم جودة المعنى بقوله: " ويعطوه ".
وذلك كقول الله عز وجل: (إن الله عنده علم الساعة) إلى آخر الآية.
ثم قال: (إن الله عليم خبير) (6).
* * * ومن البديع: " الترضيع ".
وذلك على ألوان (7).
__________
(1) سورة البقرة: 257 (2) الزيادة من م (3) هو محمد بن وهيب كما في عيون الاخبار 1 / 289 أو محمد بحازم الباهلى كما في معجم الشعراء ص 429 أو صالح بن جناح اللخمى كما في نقد الشعر ص 49 والصناعتين ص 272 (4) الزيادة من م (5) نقد الشعر ص 49 وفى العمدة 2 / 49 والصناعتين ص 309 وسر الفصاحة 255 " بالسيوف القواضب ".
(6) سورة لقمان: 34.
(7) س، ك: " من ألوان ".
(*)
منها قول امرئ القيس: مخش مجش مقبل مدبر معا * كتيس ظباء الحلب العدوان (1) ومن ذلك كثير من مقدمات أبى نواس: يامنة امتنها السكر * ما ينقضى منى لها الشكر (2) وكقوله، وقد ذكرناه قبل هذا (3): / ديار نوار ما ديار نوار * كسونك شجوا هن منه عوار (1/96)
* * * ومن ذلك: " الترصيع مع التجنيس "، كقول ابن المعتز: ألم تجزع على الربع المحيل * وأطلال وآثار محول (4) ونظيره من القرآن كقوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون) (5).
وقوله: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وإن لك لاجرا غير ممنون) (6).
وكقوله: (وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد) (7).
وكقوله: (والطور.
وكتاب مسطور) (8).
وقوله: (والسابحات سبحا.
فالسابقات سبقا) (9).
وقد أولع الشعراء بنحو هذا، فأكثروا فيه.
ومنهم من اقتنع / بالترصيع في بعض أطراف الكلام.
ومنهم من بنى كلامه [ كله ] (10) عليه، كقول ابن الرومي: أبدانهن وما لبس * ن من الحرير معا حرير (11)
__________
(1) ديوانه ص 145 ونقد الشعر 11 والصناعتين 296 وانظر اللسان 1 / 323 (2) ديوانه ص 101 (3) راجع ص 131 (4) ديوانه 59 (5) سورة الاعراف: 201 - 202 سورة القلم: 2 - 3 (7) سورة العاديات: 7 - 8 (8) سورة الطور: 1 - 2 (9) سورة النازعات: 3 - 4
(10) الزيادة من ا، م (11) ديوانه ص 280 وفيه " أبشارهن وما ادرعهن ".
(*)
أرادنهن وما مسس * ن من العبير معا عبير (1) وكقوله: فلراهب أن لا يريث مكانه * ولراغب أن لا يريث نجاحه (2) ومما يقارب الترصيع ضرب يسمى: " المضارعة " وذلك كقول الخنساء: حامى الحقيقة محمود الخليفة مه * دى الطريقة نفاع وضرار (3) جواب قاصية جزاز ناصية * عقاد ألوية للخيل جرار (4) * * * ومن البديع باب: " التكافؤ ". (1/97)
وذلك قريب من " المطابقة " / كقول المنصور: لا تخرجوا من عز الطاعة، إلى ذل المعصية (5).
وقول عمر بن ذر (6): إنا لم نجد لك إذ عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع الله فيك (7).
ومنه قول بشار: إذا أيقظتك حروب العدا * فنبه لها عمرا ثم نم (8) [ ومنه قول أعرابي يذم قومه: ألسن عامرة من الوعد، وقلوب خربة من العزم.
وقال آخر: وساع في الهوى، وطرب في الحاجة ] (9).
__________
(1) في الديوان: " ونسيمهن وما " (2) ديوانه 2 / 78 وفى س، ك، ا: " ألا يريب أمانه " (3) لا يوجد هذا البيت في ديوانها، وهو لها في الصناعتين ص 298 والحقيقة: ما يحق عليه أن يحميه.
وفى س: " الحقيبة " (4) م " حوال قاصية...الونه " ك: " جزار ناصية " والذى في ديوانها:
حمال ألوية هباط أودية * شهاد أندية للجيش جرار (5) الصناعتين ص 241 (6) في البيان والتبيين 1 / 260 " مر عمر بن ذر بعبد الله بن عياش المنتوف.
وقد كان سفه عليه فأعرض عنه، فتعلق بثوبه ثم قال له: ياهناه إنا لم نجد إلخ " (7) قال الجاحظ: " وهذا كلام أخذه عمر بن ذر عن عمر بن الخطاب، قال عمر...وإنك والله ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه " (8) نقد الشعر ص 53 وفى الاغانى 3 / 193 " إذا دهمتك عظام الامور " والبيت في مدح الجواد الشجاع عمر بن العلاء (9) الزيادة من م وفى الصناعتين ص 124 " ووصف أعرابي غلاما فقال: ساع في الهرب قطوف في الحاجة " (*)
ومن البديع باب: " التعطف " كقول امرئ القيس (1): * عود على عود على عود خلق (2) * / وقد تقدم مثاله (3). (1/98)
* * * ومن البديع: " السلب والايجاب " كقول القائل: وننكر إن شئنا على الناس قولهم * ولا ينكرون القول حين نقول (4) * * * ومن البديع " الكناية والتعريض ".
كقول القائل: وأحمر كالديباج، أما سماؤه * فريا، وأما أرضه فمحول (5) ومن هذا الباب " لحن القول ".
* * *
ومن ذلك: " العكس والتبديل " كقول الحسن (6): إن من خوفك لتأمن خير ممن أمنك لتخاف " وكقوله: " اللهم أغننى / بالفقر إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك " (7).
وكقوله: " بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا " (8).
__________
(1) م " باب العطف كقول رويه " (2) الصناعتين ص 335 وفى اللسان 4 / 317 " العود الاول: رجل مسن، والعود الثاني: جمل مسن، والعود الثالث: طريق قديم " وهو غير موجود في ديوان امرئ القيس.
(3) راجع ص 123 (4) الصناعتين ص 322 وشرح الحماسة للتبريزي 1 / 116 وشرح المرزوقى 1 / 120 (5) قال ابن السيد البطليوسى في الاقتضاب ص 335 " هذا البيت ينسب إلى طفيل الغنوى، ولم أجده في ديوان شعره.
يصف فرسا أحمر وشبهه بالديباج في حسن لونه وملاسة جلده.
وأراد بسمائه أعاليه، وبأرضه: قوائمه، وشبه قوائمه لقلة لحمها بالارض المحل التى لا نبات فيها " والبيت لطفيل في اللسان 19 / 124 والجواليقي 211 والمعاني الكبير 155 وغير منسوب في ديوان المعاني 2 / 106 وأمالى المرتضى 4 / 75 وأساس البلاغة 1 / 460 والبديع لاسامة بن منقذ ص 212 (6) في البديع ص 76: " وقال الحسن وقد أنكر عليه الافراط في تخويف الناس: إن إلخ والصناعتين ص 239 (7) الصناعتين ص 293 (8) البيان والتبيين 3 / 132 (*)
وكقول القائل: وإذا الدر زان حسن وجوه * كان للدر حسن وجهك زينا (1) وقد يدخل في هذا الباب قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج (1/99)
النهار في الليل) (2).
* * * ومن البديع: " الالتفات " فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن عبد الله العسكري، أخبرنا محمد بن يحيى (3) الصولى، [ قال ]: حدثنى يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم، قال: قال لى الاصمعي: أتعرف التفاتات جرير ؟ قلت: لا، فما هي ؟ قال: أتنسى إذ تودعنا سليمى * بفرع بشامة ؟ سقى البشام (4) / ومثل ذلك لجرير: متى كان الخيام بذى طلوح * - سقيت الغيث - أيتها الخيام ؟ (5) ومعنى الالتفاتات أنه اعترض في الكلام (6) قوله: " سقيت الغيث "، ولو لم يعترض لم يكن ذلك التفاتا، وكان الكلام منتظما، وكان يقول: " متى كان الخيام بذى طلوح أيتها الخيام " ؟ فمتى خرج عن الكلام الاول ثم رجع إليه على وجه يلطف - كان ذلك التفاتا.
ومثله قول النابعة الجعدى: ألا زعمت بنو سعد بأنى * - ألا كذبوا - كبير السن فانى (7)
__________
(1) البيت لمالك بن أسماء بن خارجة كما في أمالى المرتضى 2 / 91 والموشح ص 220 وهو غير منسوب في البيان والتبيين 1 / 195 (2) سورة الحج: 61 (3) س، ك " محمد بن عبد الله الصولى " (4) ديوانه ص 512 والبديع ص 107 والصناعتين ص 311 واللسان 14 / 317 والعمدة 2 / 44 والبشام كما في اللسان 14 / 316 " شجر طيب الريح والطعم يستاك به ".
(5) ديوانه ص 512 والبديع ص 107 واللسان 19 / 68 وذو طلوح: اسم موضع (6) قال ابن المعتز في البديع ص 106 " الالتفات هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى
الاخبار وعن الاخبار إلى المخاطبة...".
(7) البديع 108 والصناعتين 312 والمعمرين ص 64 وفية " بنو كعب " والعمدة 2 / 43 وفى م " ألا كذبت ".
(*)
ومنه قول كثير: لو أن الباذلين، وأنت منهم، * رأوك، تعلموا منك المطالا (1) ومثله قول أبى تمام: / وأنجدتم من بعد إتهام داركم * فيا دمع أنجدني على ساكنى نجد (2) وكقول جرير: طرب الحمام بذى الاراك فشاقنى * لا زلت في غلل وأيك ناضر (3) التفت إلى الحمام فدعا لها. (1/100)
ومثله قول حسان: إن التى ناولتنى فرددتها * قتلت قتلت فهاتها ثم تقتل (4) ومثله قول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: وأجمل إذا ما كنت لا بد مانعا * وقد يمنع الشئ الفتى وهو مجمل (5) وكقول ابن ميادة: فلا صرمه يبدوا وفى اليأس راحة * ولا وصله يصفوا لنا فنكارمه (6) ونظير ذلك من القرآن ما حكى الله تعالى عن إبراهيم الخليل من قوله: (اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
إنما / تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا) (7) إلى قوله: (فما كان جواب قومه) (8).
__________
(1) ديوانه ص 150 ويروى " الباخلين...العطايا " وفى الصناعتين 5، 36، 312 والبديع 108 " ولو أن الباخلين...المطالا " وفى م " ولو أن الماطلين ".
(2) ديوانه ص 63 والبديع 107 (3) ديوانه 304 وفيه " الاراك فهاجنى " والبديع ص 107 والعمدة 2 / 42 والصناعتين 311.
(4) ديوانه 311 والصناعتين ص 311 وفى اللسان 14 / 68 " وقتل الخمر قتلا: مزجها فأزال بذلك حدتها، قال حسان: إن التى عاطيتنى...قوله: قتلت دعاء عليه، أي قتلك الله لم مزجتها ؟ " (5) نقد الشعر 53 والصناعتين ص 311 (6) نقد الشعر 53 وفى الصناعتين ص 312: " ولاوده يصفوا...كأنه يقول: وفي اليأس راحة، والتفت إلى المعنى لتقديره أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمة ؟ فيقول: لانه يؤدى إلى اليأس، وفى اليأس راحة " (7) سورة العنكبوت: 16 - 17 (8) آية 24 (*)
وقوله عز وجل: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز، وبرزوا لله جميعا) (1). (1/101)
ومثله قوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ما جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين) (2).
ومثله قوله: (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين.
ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث) (3).
ومثله قوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا
من الله، والله عزيز حكيم.
فمن تاب من بعد ظلمه) (4).
/ ومنهم من لا يعد الاعتراض والرجوع (5) من هذا الباب.
ومنهم من يفرده عنه، كقول زهير: قف بالديار التى لم يعفها القدم * نعم، وغيرها الارواح والديم (6) وكقول الاعرابي: أليس قليلا نظرة إن نظرتها * إليك، وكلا ليس منك قليل (7) وكقول ابن هرمة: ليت حظى كلحظة العين منها * وكثير منها القليل المهنا (8) * * *
__________
(1) سورة إبراهيم: 19 - 21 (2) سورة يونس: 22 (3) سورة الاعراف: 175 - 176 (4) سورة المائدة: 38 - 39 (5) في البديع ص 108 " ومن محاسن الكلام أيضا والشعر اعتراض كلام في كلام لم يتمم معناه، ثم يعود إليه فيتتممه في بيت واحد...ومنها الرجوع وهو أن يقول شيئا ويرجع عنه..." (6) العمدة 2 / 44 ديوانه ص 145 (7) البيت ليزيد بن الطثرية كما في شرح حماسة أبى تمام 3 / 289 والامالي 1 / 196 وغير منسوب في البديع ص 109 والصناعتين 313.
(8) الصناعتين ص 313.
(*)
ومن الرجوع قول القائل: بكل تداوينا فلم يشف ما بنا * على أن قرب الدار خير من البعد (1) وقال الاعشى: (1/102)
/ صرمت ولم أصرمكم وكصارم * أخ قد طوى كشحا وأب ليذهبا (2) وكقول بشار: لى حلة فيمن ينم * م وليس في الكذاب حيله (3) من كان يخلق ما يقو * ل فحيلتي فيه قليله (4) وقال آخر: وما بى انتصار إن عدا الدهر ظالما * على، بلى إن كان من عندك النصر (5) * * * / وباب آخر من البديع يسمى: " التذييل " وهو ضرب من التأكيد، وهو ضد ما قدمنا ذكره من الاشارة (6)، كقول أبى داود:
__________
(1) البيت لابي الدمنية كما في ديوانه ص 28 وحماسة أبى تمام 3 / 257 (2) ديوانه ص 89 وفى اللسان 1 / 199 " أب للسير: تهيأ للذهاب وتجهيز، قال الاعشى...أي صرمتكم في تهيئي لمفارقتكم، ومن تهيأ للمفارقة فهو كمن صرم " وفى 3 / 407 " ويقال طوى فلان كشحه: إذا قطعك وعاداك، ومنه قول الاعشى: وكان طوى كشحا وأب ليذهبا " (3) في الكامل 2 / 17 لبعض المحدثين، وطبقات الشافعية 2 / 320 لابي الحسن التميمي، منصور ابن اسماعيل، وقد أنشدهما القاضى ابن فريعة كما في المنتظم 7 / 92 ونسبهما المرزبانى في معجم الشعراء ص 502 لابي مروان يحيى بن مروان.
وفى الموشح ص 350 عن الصولى قال: " أنشدهما أبو العباس المبرد لمحمود بن مروان بن أبى حفصة: لى حيلة...قال المبرد: وقد ناقض هذا الشاعر، لانه قال: " وليس في الكذاب حيلة " ثم قال: " فحيلتي فيه قليلة " ثم أنشدنا لنفسه: إن النموم أغطى دونه خبرى * وليس لى حيلة في مفترى الكذب " وهما من غير نسبة في غرر الخصائص 49 والذخائر والاعلاق 106.
(4) م " يكذب " وفى الموشح ومعجم الشعراء: " يكذب ما يريد ".
(5) البيت لابي البيداء الرياحي كما في خزانة الادب لابن حجة الحموى ص 449 وفى س، ك
والصناعتين ص 314 " إن غدا الدهر ظالمي " (6) في الصناعتين ص 294 " فأيما التذييل فهو إعادة الالفاظ المترادفة على المعنى بعينه حتى يظهر لمن لم يفهمه ويتوكد عند فهمه، وهو ضد الاشارة والتعريض...".
(*)
إذا ما عقدنا له ذمة * شددنا العناج وعقد الكرب (1) وأخذه الحطيئة فقال: [ قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا (2). (1/103)
/ وكقول الآخر ] (3): فدعوا نزال فكنت أول نازل * وعلام أركبه إذا لم أنزل ؟ (4) وكقول جرير: لقد كنت فيها يا فرزدق تابعا * وريش الذنابى تابع للقوادم (5) ومثله قوله عز وجل: (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا.
يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم، إنه كان من المفسدين.
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)، إلى قوله: (كانوا خاطئين) (6).
وباب من البديع يسمى " الاستطراد " (7).
فمن ذلك ما كتب إلى الحسن بن
__________
(1) في اللسان 3 / 154 " العناج: خيط أو سير يشد في أسفل الدلو، ثم يشد في عروتها أو عرقوتها، وربما شد في إحدى آذانها " والكرب كما في اللسان 2 / 208 " الحبل الذى يشد على الدلو بعد المنين - وهو الحبل الاول - فإذا انقطع المنين بقى الكرب ".
(2) البيت في اللسان 2 / 209، 3 / 154 وفى ديوان الحطيئة ص 7 ونظام الغريب ص 199 ومبادئ اللغة ص 21 وشرح أدب الكاتب للجواليقى ص 240 وقال ابن قتيبة في أدب الكاتب ص 192: " والخشبتان اللتان تعترضان على الدلو كالصليب هما: " العرقوتان " والسيور التى بين آذان الدلو
والعراقي هي " الوذم "، " العناج " في الدلو الثقيلة: حبل أو بطان يشد تحتها، ثم يشد إلى العراقى، فيكون عونا للوذم، فإن كانت الدلو خفيفة شد الخيط في إحدى آذانها إلى العرقوة، و " الكرب " أن يشد الحبل إلى العراقى، قال الحطيئة: قوم إلخ وقال ابن السيد في الاقتضاب ص 351 " وأراد الحطيئة: أنهم إذا عقدوا عقدا أحكموه وأوثقوه كإحكام عقد الدلو إذا شد عليها العناج والكرب، وليس هناك عناج ولا كرب في الحقيقة وإنما هو مثل " (3) الزيادة من م (4) البيت غير منسوب في الصناعتين ص 295 واللسان 14 / 181 وهو لربيعة بن مقروم الضبى كما في الاغانى 19 / 93 وفى اللسان " وصف فرسه بحسن الطراد فقال: وعلام أركبه إذا لم أنازل الابطال عليه ؟ " (5) ديوانه ص 561 (6) سورة القصص: 4 - 8 (7) في الصناعتين ص 316 " وهو أن يأخذ المتكلم في معنى، فبينا يمر فيه يأخذ في معنى آخر وقد جعل الاول سببا إليه " (*)
عبد الله قال: أنشدني أبو بكر بن دريد، قال: أنشدنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، لحسان بن ثابت، رضى الله عنه: / إن كنت كاذبة الذى حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام (1) ترك الاحبة أن يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام (2) وكقول السموأل: وإنا لقوم لا نرى القتل سبة * إذا ما رأته عامر وسلول (3) وكقول الآخر: خليلي من كعب أعينا أخا كما * على دهره، إن الكريم معين (4) (1/104)
ولا تبخلا بخل ابن قزعة، إنه * مخافة أن يرجى نداه حزين وكقول الآخر: فما ذر قرن الشمس حتى كأننا * من العى نحكى أحمد بن هشام (5) / وكقول زهير: إن البخيل ملوم حيث كان ول * كن الجواد على علاته هرم (6) وفيما (7) كتب إلى الحسن بن عبد الله، قال: أخبرني محمد بن يحيى [ قال ]:
__________
(1) ديوانه ص 363 والصناعتين ص 316 وفى س، ك " كاذبة التى " ويشير حسان إلى فرار الحارث بن هشام عن أخيه أبى جهل يوم بدر.
(2) س، ك " لم يقاتل دونهم ورمى برأس " وفي اللسان 6 / 174 " الطمر: الفرس الجواد، وقيل: المستعد للعدو والانثى، طمرة ".
(3) الصناعتين ص 317 والبديع ص 110 والعمدة 2 / 37 وشرح الحماسة للتبريزي 1 / 111 والمرزوقي 1 / 114 وزهر الآداب 4 / 163.
(4) الشعر لبشار كما في البديع لابن المعتز ص 109 والصناعتين ص 318 والعمدة 2 / 38 وفى الكامل 1 / 233 " وقال بشار بن برد يذكر عبيد الله بن قزعة " وفى ص، ك " نراه حزين ".
(5) البيت لاسحق بن إبراهيم الموصلي يصف السكر، كما في البديع لابن المعتز ص 111 وحماسة ابن الشجرى ص 259 وغير منسوب في الصناعتين ص 318 والبيان والتبيين 1 / 402 وجاء في خاص الخاص ص 60: " ولما بلغ أحمد بن هشام قول إسحق الموصلي - قال: يا أبا محمد لم هجوتني ؟ قال: لانك قعدت على طريق القافية " ! (6) البديع ص 110 والصناعتين 317 والعمدة 2 / 38 وديوانه ص 152.
على علاته: على عسره ويسره.
(7) م: " ومما ".
(*)
حدثنى محمد بن على الانباري (1)، قال: سمعت البحترى يقول: أنشدني أبو تمام لنفسه: وسابح هطل التعداء هتان * على الجزاء أمين غير خوان (2) أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه * فخل عينيك في ريان ظمآن (3) ولو تراه مشيحا والحصى فلق * بين السنابك من مثنى ووحدان (4) أيقنت - إن لم تثبت - أن حافره * من صخر تدمر أو من وجه عثمان (5) وقال لى: ما هذا من الشعر ؟ قلت لا أدرى. (1/105)
قال: هذا المستطرد، أو قال: الاستطراد.
قلت: وما معنى ذلك ؟ قال: يرى أنه يصف الفرس، ويريد هجاء عثمان (6).
/ وقال البحترى: ما إن يعاف قذى ولو أوردته * يوما خلائق حمدوية الاحول (7) قال: فقيل للبحتري: إنك أخذت هذا من أبى تمام، فقال: ما يعاب على أن آخذ منه وأتبعه فيما يقول.
ومن هذا الباب قول أبى تمام: صب الفراق علينا صب من كثب * عليه إسحاق يوم الروع منتقما (8)
__________
(1) في أخبار أبى تمام ص 68 " حدثنى أبو الحسن على بن محمد الانباري " (2) في الصناعتين 317 وأخبار أبى تمام ص 68 والعمدة 2 / 38 وديوانه ص 201 وفيه " أمون " وزهر الآداب 4 / 162 وديوان المعاني 1 / 198 ومعجم الآدباء 19 / 250 (3) س، ك " فجل عينك " (4) في الديوان والصناعتين " تحت السنابك " (5) في الديوان " حلفت إن لم ".
ويريد بعثمان: عثمان بن إدريس السامى (6) س، ك: " فقال وقال ".
(7) ديوانه 2 / 218 والصناعتين 318 وزهر الآداب 4 / 162 ومعجم الادباء 19 / 250 (8) ديوانه ص 302 والصناعتين 364 وفى ص " صب من كتبا " ب " صبا من كثب " ويعنى بإسحاق: إسحاق بن إبراهيم المصعبى، وإلى بغداد الذى كان يطلب العلماء ويمتحنهم بأمر المأمون في فتنة خلق القرآن، ويقال: إنه ما كان أحد أشغف بشعر أبى تمام منه، وكان يعطيه عطاء كثيرا.
وكانت وفاة إسحاق في سنة 235 (*)
ومنه قول السرى الرفاء: نزع الوشاة لنا بسهم قطيعة * يرمى بسهم الحين من يرمى به (1) ليت الزمان أصاب حب قلوبهم * بقنا ابن عبد الله أو بحرابه ونظيره من القرآن: (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون، ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) (2)../ كأنه كان المراد من أن يجرى بالقول الاول إلى الاخبار عن أن كل شئ يسجد لله عز وجل، وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص. (1/106)
* * * ومن البديع عندهم: " التكرار " كقول الشاعر: هلا سألت جموع كن * دة يوم ولوا أين أينا ؟ (3) وكقول الآخر: وكانت فزارة تصلى بنا * فأولى فزارة أولى فزارا (4) ونظيره من القرآن [ كثير، كقوله تعالى ] (5): (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) (6).
وكالتكرار في قوله: (قل يا أيها الكافرون) (7).
وهذا فيه معنى زائد على
التكرار، لانه يفيد الاخبار عن الغيب.
* * * ومن البديع عندهم ضرب من " الاستثناء " كقول النابغة:
__________
(1) ديوانه ص 21 وفيه: " ترمى بسهم قطيعة ترمى به " (2) سورة النحل: 48 - 49 (3) البيت لعبيد بن الابرص كما في ص ديوانه ص 28 ومختارات ابن الشجرى 2 / 39 والصناعتين 144 وتأويل مشكل القرآن ص 143، 183 (4) البيت لعوف بن عطية بن الخرع الربابى كما في المفضليات 2 / 216 وفيها " فكادت فزارة " وفى س، ك " أولى لها " وهو في الصاحبى ص 194 وسيبويه 1 / 331 وتأويل مشكل القرآن ص 183 (5) الزيادة من ا وفى م " ومن التكرار في القرآن كثير كقوله تعالى " (6) سورة الانشراح: 5 - 6 (7) سورة الكافرون: 1 (*)
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (1) وكقول النابغة الجعدى: فتى كملت أخلاقه غير أنه * جواد فلا يبقى من المال باقيا. (1/107)
(2) فتى تم فيه ما يسر صديقه * على أن فيه ما يسوء الاعاديا وكقول الآخر: حليم إذا ما الحلم زين أهله * مع الحلم في عين العدو مهيب (3) وكقول أبى تمام (4): تنصل ربها من غير جرم * إليك سوى النصيحة والوداد (5) * * * ووجوه البديع كثيرة جدا، فاقتصرنا على ذكر بعضها، ونبهنا بذلك على ما لم نذكر، كراهة التطويل، فليس الغرض ذكر جميع أبواب البديع.
* * * / وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الابواب التى نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه.
وليس كذلك عندنا، لان هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذى إذا عرف الانسان طريقه صح منه التعمل له وأمكنه نظمه.
والوجوه التى تقول: إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال.
ويبين ما قلنا: أن كثيرا من المحدثين (6)
__________
(1) ديوان النابغة الذبيانى ص 44 والصناعتين ص 324 والبديع ص 111 والعمدة 2 / 45 (2) الامالى 2 / 2 وفيه: " كملت خيرته " والشعر والشعراء 1 / 252 وأمالى المرتضى 1 / 194 وشرح الحماسة للتبريزي 3 / 19 والبديع ص 111 والصناعتين ص 324 والعمدة 2 / 46 (3) البيت لعريقة بن مسافع العبسى، كما في الاصمعيات ص 15 والامالي 2 / 149 (4) م: " كقول أبى التمام ".
(5) ديوانه ص 81 يعتذر إلى أحمد بن أبى دؤاد والموازنة ص 315.
(6) م: " قد تصنعوا لابواب الصنعة حتى حشى بعضهم شعره جميعا منها، واجتهد ألا يعن له بيت إلا وهو مملوء من الصنعة..في كلمته ".
(*)
قد تصنع لابواب الصنعة، حتى حشى جميع شعره منها، واجتهد أن لا يفوته بيت إلا وهو يملؤه من الصنعة، كما صنع أبو تمام في لاميته: متى أنت عن ذهلية الحى ذاهل * * وصدرك منها مدة الدهر آهل (1) تطل الطلول الدمع في كل موقف * وتمثل بالصبر الديار المواثل (2) دوارس لم يجف الربيع ربوعها * ولا مر في أغفالها وهو غافل (3) (1/108)
/ فقد سحبت فيها السحاب ذيولها * وقد أخملت بالنور تلك الخمائل (4) تعفين من زاد العفاة إذا انتحى * على الحى صرف الازمة المتماحل (5) لهم سلف سمر العوالي وسامر * وفيهم جمال لا يغيض وجامل (6) ليالى أضللت العزاء وخزلت * بعقلك آرام الخدور العقائل (7) من الهيف لو أن الخلاخيل صيرت * لها وشحا جالت عليه الخلاخل (8) مها الوحش إلا أن هاتا أوانس * قنا الخط إلا أن تلك ذوايل (9) هوى كان خلسا إن من أطيب الهوى * هوى جلت في أفيائه وهو خامل (10) ومن الادباء من عاب عليه هذه الابيات ونحوها على ما قد تكلف (11) فيها من البديع، وتعمل من الصنعة، فقال: قد أذهب ماء هذا الشعر / ورونقه وفائدته،
__________
(1) ديوانه ص 255 وفيه " وقلبك منها " وذهلية: منسوبة إلى قبيلة ذهل (2) س " تطل طلول " ب " ويمثل " (3) في اللسان 14 / 11 " وكل ما لا علامة فيه ولا أثر عمارة من الارضين والطرق ونحوها: غفل، والجمع أغفال " (4) في الديوان " فيها السحائب ذيلها...منها الخمائل " وم " فيها الخمائل " (5) م: " من دار العفاة " والديوان: " المتحامل " (6) سمر العوالي: الرماح.
وفى اللسان 13 / 131 " الجامل: قطيع من الابل معها رعيانها وأربابها، قال الخطيئة: فإن تلك ذا مال كثير فإنهم * لهم جامل ما يهدأ الليل سامره " (7) س، ك " وخذلت " م " وحولت " ا " وجولت ".
(8) راجع الموازنة 1 / 130 (9) راجع الموازنة 1 / 140 (10) م " في أثنائه " والديوان " إن من أحسن الهوى ".
(11) م " على ما تكلف " (*)
اشتغالا بطلب التطبيق وسائر ما جمع فيه (1). (1/109)
وقد تعصب " عليه أحمد بن عبيد الله بن عمار " وأسرف حتى تجاوز إلى الغض من محاسنه.
ولما قد أولع به من الصنعة ربما غطى على بصره حتى يبدع في القبيح، وهو يريد أن يبدع في الحسن.
كقوله في قصيدة له أولها: سرت تستجير الدمع خوف نوى غد * وعاد قتادا عندها كل مرقد (3) فقال فيها: لعمري لقد حررت يوم لقيته * لو أن القضاء وحده لم يبرد (4) وكقوله: لو لم تدارك مسن المجد مذ زمن * بالجود والبأس كان المجد قد خرفا (5) فهذا من الاستعارات القبيحة، والبديع المقيت (6) ! ! / وكقوله: تسعون ألفا كآساد الشرى نضجت * أعمارهم قبل نضج التين والعنب (7) وكقوله: لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا * لمات، إذ لم يمت، من شدة الحزن (8)
__________
(1) في الموازنة ص 13 " روى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح قال: حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه قال: سمعت أبى يقول: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، ثم أتبعه أبو تمام، واستحسن مذهبه وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الاصناف، فسلك طريقا وعرا، واستكره الالفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه " (2) م " ابن عبد الله " وهو خطأ.
(3) ديوانه ص 101 وفيه " غدت تسجير ".
(4) م " لقد حردت...لم يجرد " والموازنة 259 والوساطة 68 والموشح 308
(5) ديوانه ص 204 وفيه: " لو لم تفت...كان الجود " والوساطة 69 والموشح 308 والصناعتين 236 والموازنة 231.
(6) م " المعيب " (7) ديوانه ص 11 والموشح 308، 322 وأخبار أبى تمام ص 30 (8) ديوانه ص 388 والوساطة ص 69 وفى الموشح ص 309 " فكأنه لو نصر أيضا وظفر كان يموت من الغم حيث لم ينصر ويقتل، فهذا معنى لم يسبقه أحد إلى الخطأ في مثله " ! ! (*)
وكقوله: * خشنت عليه أخت بنى خشين (1) * وكقوله: ألا لا يمد الدهر كفا بسيئ * إلى مجتدى نصر فتقطع من الزند (2) وقال في وصف المطايا: / لو كان كلفها عبيد حاجة * يوما لزنى شدقما وجديلا (3) وكقوله: فضربت الشتاء في أخدعيه * ضربة غادرته عودا ركوبا (4) فهذا وما أشبهه إنما يحدث من غلوه في محبة الصنعة، حتى يعميه عن وجه الصواب، وربما أسرف في المطابق والمجانس ووجوه البديع من الاستعارة وغيرها، حتى استثقل نظمه، واستوخم رصفه، وكان التكلف (5) باردا، والتصرف جامدا. (1/110)
وربما اتفق مع ذلك في كلامه النادر المليح، كما يتفق البارد القبيح.
* * * وأما البحترى فإنه لا يرى في التجنيس ما يراه أبو تمام، ويقل التصنع له.
فإذا وقع في كلامه كان في الاكثر حسنا رشيقا، وظريفا جميلا.
وتصنعه
__________
(1) هذا الشطر مطلع قصيدة له، وعجزه كما في ديوانه ص 321 * وأنجح فيك قول العاذلين * وقد ورد في الصناعتين ص 262 والموشح ص 324 في ص 310 " وهذا الكلام لا يشبه خطاب النساء في مغازلتهن، وإنما أوقعه في ذلك محبته ها هنا للتجنيس، وهو بهجاء النساء أولى " ! وفي الموازنة ص 437 " فأما قوله: خشنت عليه، فهو لعمري من تجنيساته القبيحة، وعهدت مجان البغداديين يقولون فيه: قليل نورة يذهب بالخشونة " (2) ديوانه ص 115 من قصيدة يمدح بها أبا العباس، نصر بن منصور بن بسام، وفيه " فتقطع للزند " والبيت في الصناعتين 236 والوساطة 68 والموازنة ص 229 والموشح ص 311.
(3) ديوانه ص 243 وفيه " لانسى شدقما " والوساطة ص 65 وفى الموشح ص 311 ما أخس قوله: " لزنى شدقما وجديلا، وما معنى تزنيته ناقة أو بهيمة " ؟ وفى اللسان 13 / 112 " وجديل وشدقم: فحلان من الابل كانا للنعمان بن المنذر ".
ويشير أبو تمام إلى قول عبيد الراعى النميري: شم الحوارك جنحا أعضادها * صهبا تناسب شدقما وجديلا (4) ديوانه ص 27 وفيه " غادرته قودا " والوساطة ص 68 والصناعتين ص 236 والموشح ص 313.
والقود، والعود: البعير المسن.
(5) س: " واستوخم رصعه وكان التكليف ".
(*)
للمطابق كثير حسن، وتعمقه في وجوه الصنعة على وجه طلب السلامة، والرغبة في السلاسة، فلذلك يخرج سليما من العيب في الاكثر. (1/111)
/ وأما وقوف الالفاظ به عن تمام الحسنى، وقعود العبارات عن الغاية القصوى، فشئ لا بد منه، وأمر لا محيص عنه.
كيف وقد وقف على من هو أجل منه وأعظم قدرا في هذه الصنعة، وأكبر في الطبقة، كامرئ القيس، وزهير، والنابغة، وابن هرمة (1).
ونحن نبين تميز كلامهم، وانحطاط درجة قولهم، ونزول طبقة نظمهم عن بديع نظم القرآن، في باب مفرد، يتصور به ذو الصنعة ما يجب تصوره، ويتحقق (2) وجه الاعجاز فيه، بمشيئة الله وعونه.
* * * / ثم رجع الكلام بنا إلى ما قدمناه، من أنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذى ادعوه في الشعر ووصفوه فيه.
وذلك: أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعلم والتدرب به والتصنع له، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في البلاغة.
وله طريق يسلك، ووجه يقصد، وسلم يرتقى فيه إليه، ومثال قد يقع طالبه عليه.
فرب إنسان يتعود أن ينظم جميع كلامه شعرا، وآخر يتعود (3) أن يكون جميع خطابه سجعا، أو صنعة متصلة، لا يسقط من كلامه حرفا (4)، وقد يتأتى له لما قد تعوده (5).
وأنت ترى أدباء زماننا يضعون (6) المحاسن في جزء.
وكذلك يؤلفون أنواع البارع، ثم ينظرون فيه إذا أرادوا إنشاء قصيدة أو خطبة فيحسنون (7) به كلامهم.
ومن كان قد تدرب وتقدم في حفظ ذلك - استغنى عن هذا التصنيف، ولم يحتج إلى تكلف هذا التأليف، وكان ما أشرف عليه من هذا الشأن باسطا من باع كلامه، وموشحا بأنواع البديع ما يحاوله من قوله.
__________
(1) في جميع الطبعات السابقة " والنابغة وإلى يومه ونحن نبين " ! ! ! (2) م " ويتيقن " (3) س، ك " شعرا أو يتعود " (4) س، ك " حرف وقد يباده به ما قد " (5) س، ك " يضيفون " (6) س، ك " فيحشون " (7) س، ك " اشتغل " (*)
/ وهذا طريق لا يتعذر، وباب لا يمتنع، وكل يأخذ فيه مأخذا ويقف منه موقفا (1)، على قدر ما معه من المعرفة، وبحسب ما يمده من الطبع. (1/112)
فأما شأو نظم القرآن، فليس له مثال يحتذى عليه (2) ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا، كما يتفق للشاعر البيت النادر، والكلمة الشاردة، والمعنى الفذ الغريب، والشئ القليل العجيب، وكما يلحق من كلامه (3)، بالوحشيات، ويضاف من قوله إلى الاوابد، لان ما جرى هذا المجرى ووقع هذا الموقع، فإنما يتفق للشاعر في لمع من شعره، وللكاتب في قليل من رسائله، وللخطيب في يسير من خطبه.
ولو كان كل شعره نادرا، ومثلا سائرا، ومعنى بديعا، ولفظا رشيقا، وكل كلامه مملوءا من رونقه ومائه، ومحلى (4) ببهجته وحسن روائه، ولم يقع فيه المتوسط بين الكلامين، والمتردد بين الطرفين، ولا البارد (5) المستثقل، والغث المستنكر - لم يبن الاعجاز في الكلام، ولم يظهر (6) التفاوت العجيب بين النظام والنظام.
/ وهذه جملة تحتاج إلى تفصيل (7)، ومبهم قد يحتاج في بعضه إلى تفسير (7).
وسنذكر ذلك بمشيئة الله وعونه.
ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذى حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وإنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا (8) أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع - كان جديرا.
وإنما لم نطلق القول إطلاقا، لانا لا نجعل الاعجاز متعلقا بهذه الوجوه الخاصة ووقفا عليها، ومضافا إليها، وإن صح أن تكون هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستبشع والتعمل المستشنع.
__________
(1) س، ك " ويقف فيه " (2) س، ك " يحتذى إليه " (3) س " بكلامه بالوحشيات " (4) س، ك " ومملا " (5) م " ولا يشاركه البارد " (6) س، ك " ولم يبن " (7) م " إلى التفصيل ومنهم من يضطر في بعضه إلى التفسير ".
(8) م " فإذا ورد...جديرا به " (*)
/ فصل في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن إلا بأن (1) يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك. (1/113)
فإذا عرفوا هذا - بأن علموا أنهم قد تحدوا إلى (2) أن يأتوا بمثله، وقرعوا على ترك الاتيان بمثله، ولم يأتوا به - تبينوا أنهم عاجزون عنه.
وإذا عجز أهل ذلك اللسان، فهم عنه أعجز.
وكذلك نقول:، إن من كان من أهل اللسان العربي - إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذى يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، وما يعدونه فصيحا بليغا بارعا من غيره - فهو كالأعجمي: في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن، إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسى الذى بدأنا بذكره، وهو ومن ليس من أهل اللسان، سواء.
فأما من كان قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها -
فهو يعرف القدر الذى ينتهى إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع، ويتجاوز حدود القدرة - / فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر، وكما يميز بين الشعر الجيد والردئ، والفصيح والبديع، والنادر والبارع والغريب.
وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفى من النقد ما يخفى على غيره، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ورداءته ما يخفى على غيره، وإن كان يبقى مع معرفة هذا الشأن أمر آخر، وربما (3) اختلفوا فيه: لان من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين، والقول الرصين.
ومنهم من يختار الكلام الذى يروق ماؤه، وتروع بهجته ورواؤه،
__________
(1) س، ك " إلا أن " (2) س، ك " تحملوا على " (3) ا، م " آخر ربما " (*)
ويسلس مأخذه، ويسلم وجهه ومنفذه، ويكون قريب المتناول، غير عويص اللفظ، ولا غامض المعنى. (1/114)
كما [ قد ] (1) يختار (2) قوم ما يغمض معناه، ويغرب لفظه، ولا يختار ما سهل على اللسان، وسبق إلى البيان.
وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه وصف زهيرا، فقال: كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه (3).
وقال لعبد بنى الحسحاس حين أنشده: / * كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا (4) *: أما إنه لو قلت مثل هذا لاجزتك عليه (5).
وروى أن جريرا سئل عن أحسن الشعر ؟ فقال: قوله:
أن الشقى الذى في النار منزله * والفوز فوز الذى ينجو من النار (6) كأنه فضله لصدق معناه.
ومنهم من يختار الغلو في قول الشعر والافراط فيه (7)، حتى ربما قالوا: أحسن الشعر أكذبه، كقول النابغة: يقد السلوقى المضاعف نسجه * ويوقدن بالصفاح نار الحباحب (8) وأكثرهم على مدح المتوسط بين المذهبين: في الغلو (9) والاقتصاد، وفى المتانة والسلاسة.
__________
(1) الزيادة من م (2) س " ويختار " (3) راجع الاغانى 9 / 147 والشعر والشعراء 1 / 87 (4) صدره في ديوان سحيم ص 16 * عميرة ودع إن تجهزت غاديا * (5) في الاغانى 20 / 3 " لو قلت شعرك كله..." وفى البيان والتبيين 1 / 72 " لو قدمت الاسلام على الشيب لاجزتك " (6) من أبيات جميلة أنشدها ابن الاعرابي، كما في أمالى المرتضى 1 / 45 - 46 وقبله: ما شقوة المرء بالاقتار يقتره * ولا سعادته يوما بإكثار (7) سقطت كلمة " فيه " من م (8) ديوانه ص 44 والعمدة 2 / 59، 285 (9) س " في اللغو " (*)
ومنهم من رأى أن أحسن الشعر ما كان أكثر صنعة، وألطف / تعملا، وأن (1/115)
يتخير الالفاظ الرشيقة للمعانى البديعية والقوا في الواقعة، كمذهب البحترى، وعلى ما وصفه عن بعض الكتاب (1) [ في قوله ] (2): في نظام من البلاغة ما شك * ك امرؤ أنه نظام فريد (3) وبديع كأنه الزهر الضا * حك في رونق الربيع الجديد حزن مستعمل الكلام اختيارا * وتجنبن ظلمة التعقيد وركبن اللفظ القريب فأدرك * ن به غاية المراد البعيد (4) [ كالعذاري غدون في الحلل ال * بيض إذا رحن في الخطوط السود ] (5) ويرون أن من تعدى هذا كان سالكا مسلكا عاميا، ولم يروه شاعرا ولا مصيبا.
/ وفيما كتب [ إلى ] الحسن بن عبد الله: أبو (6) أحمد العسكري، قال: أخبرني محمد بن يحيى، قال: أخبرني عبد الله بن الحسين (7) قال: قال لى البحترى: دعاني " على بن الجهم " فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين، إلى أن ذكرنا شعر أشجع [ السلمى ]، فقال لى: إنه يخلى، وأعادها مرات، ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت أفكرت في الكلمة ونظرت في شعره، فإذا هو ربما مرت له الابيات مغسولة ليس فيها بيت رائع،
__________
(1) هو محمد بن عبد الملك الزيات (2) الزيادة من م (3) ديوانه 2 / 693 (4) في ا " ورمين اللفظ ".
(5) الزيادة من م.
وفيها " فالعذاري " والتصويب من الديوان (6) م " ابن أحمد " وهو خطأ (7) س " ابن الحسن " وهو خطأ (*)
وإذا هو يريد هذا بعينه: أن يعمل الابيات فلا يصيب فيها بيت نادر (1)، كما أن الرامى إذا رمى برشقة فلم يصب بشئ (2)، قيل: قد أخلى. (1/116)
قال (3): وكان " على بن الجهم " أحسن الناس علما بالشعر (4).
وقوم من أهل اللغة يميلون إلى الرصين من الكلام، الذى يجمع الغريب والمعاني، مثل أبى عمرو بن العلاء، وخلف الاحمر، والاصمعى.
/ ومنهم من يختار الوحشى من الشعر، كما اختار المفضل (5) للمنصور من " المفضليات " وقيل: إنه اختار ذلك لميله إلى ذلك الفن.
وذكر الحسن بن عبد الله: أنه أخبره بعض الكتاب عن على بن العباس، قال: حضرت مع البحترى مجلس عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (6)، وقد سأل البحترى عن أبى نواس ومسلم بن الوليد: أيهما أشعر ؟ فقال البحترى: أبو نواس أشعر.
فقال عبيد الله: إن أبا العباس ثعلبا لا يطابقك على قولك، ويفضل مسلما.
فقال البحترى: ليس هذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك (7) الشعر إلى مضايقه، وانتهى إلى ضرواته (8).
فقال له عبيد الله (9): وريت بك زنادى يا أبا عبادة، وقد وافق حكمك حكم أخيك بشار بن برد في جرير والفرزدق، [ فإن دعبلا حدثنى عن أبى نواس، أنه حضر بشارا، وقد سئل عن جرير والفرزدق، و ] (10) أيهما أشعر ؟ فقال: جرير أشعرهما.
فقيل له: / بماذا ؟ فقال: لان جريرا يشتد، إذا شاء، وليس كذلك الفرزدق، لانه يشتد أبدا.
فقيل له: فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق على جرير.
__________
(1) م " فيها بيتا نادرا " (2) م " شيئا " (3) سقطت كلمة " قال " من م (4) راجع أخبار أبى تمام ص 63 (5) م " اختار ذلك المفضل " (6) كان واليا على شرطة بغداد.
ولد سنة 213 وتوفى سنة 300 راجع ترجمته في وفيات الاعيان 2 / 304 - 306.
(7) س " وقع في سلك " م، أ " دفع في مسلك " (8) دلائل الاعجاز ص 195 (9) س " عبد (10) الزيادة من م، ا (*)
فقال: ليس هذا من عمل أولئك القوم، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله، وفى الشعر ضروب لم يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأته فناح عليها بقول جرير: لولا الحياء لعادني استعبار * ولزرت قبرك والحبيب يزار (1) وروى عن أبى عبيدة: أنه قال للفرزدق (2): مالك لا تنسب كما ينسب جرير ؟ فغاب حولا، ثم جاء فأنشد: يا أخت ناجية بن سامة إننى * أخشى عليك بنى إن طلبوا دمى (3) والاعدل في الاختيار ما سلكه أبو تمام (4) من الجنس الذى جمعه في كتاب " الحماسة "، وما اختاره من " الوحشيات "، وذلك أنه تنكب (5) المستنكر الوحشى، والمبتذل العامي، وأتى بالواسطة. (1/117)
وهذه طريقة من ينصف في الاختيار، ولا يعدل به غرض (6) / يخص، لان الذين اختاروا الغريب فإنما اختاروه لغرض لهم في تفسير ما يشتبه على غيرهم، وإظهار (7) التقدم في معرفته، وعجز غيرهم عنه، ولم يكن قصدهم جيد الاشعار لشئ يرجع إليها في أنفسها.
ويبين هذا: أن الكلام الموضوع للابانة عن الاغراض التى في النفوس وإذا كان كذلك وجب أن يتخير من اللفظ ما كان أقرب إلى الدلالة على (8) المراد، وأوضح في الابانة عن المعنى المطلوب، ولم يكن مستكره المطلع على الاذن، و [ لا ] (9) مستنكر المورد على النفس، حتى يتأبى بغرابته (10) في اللفظ عن الافهام، أو يمتنع بتعويص (11) معناه عن الابانة.
ويجب أن يتنكب ما كان عامى اللفظ (12)، مبتذل العبارة، ركيك المعنى، سفسافى الوضع، مجتلب
__________
(1) ديوانه ص 199 والصناعتين ص 17 والشعر والشعراء 1 / 464 (2) م " قال قيل للفرزدق " (3) ديوانه ص 778 (4) م " أبو تمام " (5) س، ك " تنكر " (6) م " به إلى غرض " (7) م في نفسه لكونه مما يشتبه غيرهم ولاظهار " (8) ا " عن " (9) الزيادة من م (10) م " لغربته " (11) م " لعويص " (12) س، ك " ما كان عليه اللفظ " (*)
التأسيس (1) على غير أصل ممهد، ولا طريق موطد. (1/118)
وإنما فضلت العربية على غيرها، لاعتدالها في الوضع.
لذلك وضع أصلها
على أن أكثرها [ هو ] (2) بالحروف المعتدلة، فقد أهملوا الالفاظ / المستكرهة في نظمها، وأسقطوها من كلامهم، وجعلوا عامة (3) لسانهم على الاعدل.
ولذلك صار أكثر كلامهم من الثلاثي، لانهم بدءوا بحرف وسكتوا على آخر، وحعلوا حرفا وصلة بين الحرفين، ليتم الابتداء والانتهاء على ذلك.
والثنائي أقل.
وكذلك الرباعي والخماسي أقل، ولو كان ثنائيا لتكررت الحروف.
ولو كان كله رباعيا أو (4) خماسيا لكثرت الكلمات.
وكذلك بنى أمر الحروف التى ابتدئ بها السور على هذا: فأكثر هذه السور التى ابتدئت بذكر الحروف، ذكر فيها ثلاثة أحرف.
وما هو أربعة أحرف سورتان.
وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان.
فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه: فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا، وإنما جعله فعلا واسما لشئ خاص.
ومن جعل ذلك حرفا قال: أراد أن يحقق الحروف مفردها ومنظومها.
ولضيق ما سوى كلام العرب، أو لخروجه عن الاعتدال - يتكرر (5) في بعض الالسنة الحرف الواحد في الكلمة الواحدة والكلمات المختلفة كثيرا (6)، كنحو تكرر الطاء والسين في لسان / يونان، وكنحو الحروف الكثيرة التى هي (7) اسم لشئ واحد في لسان الترك، ولذلك لا يمكن أن ينظم من الشعر في تلك الالسنة على الاعاريض التى تمكن في اللغة العربية.
والعربية أشدها تمكنا، وأشرفها تصرفا وأعدلها، ولذلك (8) جعلت حلية لنظم القرآن، وعلق بها الاعجاز، وصار دلالة في النبوة (9).
* * *
__________
(1) م " سفسافا في الوضع مختلف التأسيس " (2) الزيادة من م
(3) س " فجرى لسانهم " (4) م " رباعيا وخماسيا " (5) س، ك " يتكرر " (6) سقطت هذه الكلمة من م (7) م " الكثيرة هي " (8) م " وكذلك " (9) س، ك " وصارت دلالة في النبوة " (*)
وإذا كان الكلام إنما يفيد الابانة عن الاغراض القائمة في النفوس، التى لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهى محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب في تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الابانة عن المراد، وأشد تحقيقا في الايضاح عن المطلب (1) وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه - كان أولى وأحق بأن يكون شريفا. (1/119)
وقد شبهوا النطق بالخط، والخط يحتاج مع بيانه إلى رشاقة / وصحة، [ وملاحة ] (2) ولطف، حتى يحوز الفضيلة ويجمع الكمال.
شبهوا الخط والنطق بالتصوير، وقد أجمعوا أن من أحذق المصورين من صور لك الباكى المتضاحك، والباكى الحزين، والضاحك المتباكى، والضاحك المستبشر.
وكما أنه يحتاج إلى لطف يد في تصوير هذه الامثلة، فكذلك يحتاج إلى لطف في اللسان والطبع في تصوير ما في النفس للغير.
وفى جملة الكلام ما تقصر (3) عبارته وتفضل معانيه.
وفيه ما تقصر معانيه (4) وتفضل العبارات.
وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر.
ثم ينقسم ما يقع وفقا إلى أنه قد يفيدها على [ جملة وقد يفيدها على ] (5) تفصيل.
وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا شريفا، وغريبا لطيفا.
وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا، ومصنوعا متعسفا، وقد يكون [ كل ] (6) واحد منهما حسنا رشيقا، وبهيجا نضيرا (7).
وقد يتفق أحد الامرين دون الآخر.
وقدر / يتفق أن يسلم الكلام والمعنى من غير رشاقة ولا نضارة في واحد منهما.
[ و ] (8) إنما يميز من يميز، ويعرف من يعرف.
والحكم في ذلك صعب شديد، والفصل فيه شأو بعيد.
وقد قل من
__________
(1) س " عن الطلب " (2) الزيادة من ا، م.
ومكانها بياض في ك (3) س، ك " الكلام إلى ما تقصر " (4) س، ك " المعاني " (5) الزيادة من ا، م (6) الزيادة من ا، م، ك (7) ك، م " نظيرا " (8) الزيادة من ك، م (*)
يميز أصناف الكلام، فقد حكى عن طبقة أبى عبيدة وخلف الاحمر وغيرهما في زمانهما (1)، أنهم قالوا: ذهب من يعرف نقد (2) الشعر. (1/120)
وقد بينا قبل هذا اختلاف القوم في الاختيار، وما يجب أن يجمعوا عليه، ويرجعوا عند التحقيق إليه، فكلام المقتدر نمط، وكلام المتوسط (3) باب، وكلام المطبوع له طريق، وكلام المتكلف له منهاج، والكلام المصنوع المطبوع له باب.
ومتى تقدم الانسان في هذه الصنعة، لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم تشتبه عنده هذه الطرق: فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه (4)، وقدر كل كلام في
نفسه، ويحله محله، ويعتقد فيه ما هو عليه، ويحكم فيه (5) بما يستحق من الحكم.
/ وإن كان المتكلم يجود في شئ دون شئ، عرف ذلك منه.
وإن كان (6) يعم إحسانه، عرف (7).
ألا ترى أن منهم من يجود في المدح دون الهجو.
ومنهم من يجود في الهجو وحده (8)، ومنهم من يجود في المزح (9) والسخف، ومنهم من يجود في الاوصاف.
والعالم لا يشذ عنه [ شئ من ذلك، ولا تخفى عليه ] (10) مراتب هؤلاء، ولا تذهب عليه أقدارهم، حتى إنه إذا عرف طريقة شاعر في قصائد معدودة، فأنشد غيرها من شعره - لم يشك أن ذلك من نسجه، ولم يرتب في في أنها (11) من نظمه، كما أنه إذا عرف خط رجل لم يشتبه عليه خطه حيث رآه (12) من بين الخطوط المختلفة، وحتى يميز بين رسائل كاتب وبين رسائل غيره، وكذلك أمر الخطب.
__________
(1) س، ك " وغيرهم في زمانهم " (2) م " يعرف هذا الشعر " (3) س، ك " وكلام المتوسع باب " (4) سقطت هذه الكلمة من م (5) م " عليه ما يستحق " (6) م " ولو كان " (7) م " عرفه " (8) م " في الهجو دون المدح، ومنهم من يعكس " (9) س، ك " في المدح "
(10) الزيادة من م (11) س، ك " في أنه " (12) م " يراه " (*)
فإن اشتبه عليه البغض، فهو لاشتباه الطريقين، وتماثل الصورتين، كما قد يشتبه شعر أبى تمام بشعر البحترى: في القليل الذى يترك أبو تمام فيه التصنع، ويقصد فيه التسهل، ويسلك الطريقة الكتابية، / ويتوجه في تقريب الالفاظ وترك تعويض المعاني، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحترى وألفاظه. (1/121)
ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبى نواس [ من سبك مسلم ] (1)، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحترى، وينبهه ديباجة (2) شعر البحترى، وكثرة مائه، وبديع رونقه، وبهجة كلامه، إلا فيما يسترسل فيه، فيشتبه بشعر (3) ابن الرومي، ويحركه ما لشعر (4) أبى نواس من الحلاوة، والرقة، والرشاقة، والسلاسة، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم.
وكذلك يميز بين شعر الاعشى في التصرف، وبين شعر امرئ القيس، وبين شعر النابغة وزهير، وبين شعر جرير والاخطل، والبعيث والفرزدق.
وكل له منهج معروف، وطريق مألوف.
ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين طبقة من بعده (5)، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " وبين رسائل أهل عصره ومن بعده من برع في صنعة الرسائل، / وتقدم في شأوها، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين، [ و ] حتى خلص لنفسه طريقة (6)، وأنشأ لنفسه منهاجا، فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع،
وتارة طريقة الاصل، وبرع في ذلك باقتداره، وتقدم بحذقه، ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقه من طريق غيره، وإن كان قد يشتبه البعض، ويدق القليل، وتغمض الاطراف، وتشذ النواحى.
__________
(1) الزيادة من م (2) ا، " وتنبهه " م " وشبهه " (3) م " فيشيه بعفو شعر (4) م " في الشعر " (5) سقط ما بين الرقمين من م (6) م " طريقا " (*)
وقد يتقارب (1) سبك نفر من شعراء عصر، وتتدانى رسائل كتاب دهر، حتى تشتبه اشتباها شديدا، وتتماثل تماثلا قريبا، فيغمض الاصل (2). (1/122)
وقد يتشاكل الفرع والاصل، وذلك فيما لا يتعذر دراك (3) أمده، ولا يتصعب طلاب شأوه، ولا يمنع بلوغ غايته، والوصول إلى نهايته، لان الذى ينفق من الفصل (4) بين أهل الزمان إذا تفاضلوا [ في سبق ] (5)، وتفاوتوا في مضمار، فصل قريب، وأمر يسير.
وكذلك لا يخفى عليهم معرفة سارق الالفاظ و [ لا ] سارق (6) / المعاني، ولا من يخترعها، ولا من يلم بها، ولا من يجاهر بالاخذ ممن يكاتم به، ولا من يخترع الكلام اختراعا، ويبتدهه ابتداها، ممن يروى (7) فيه، ويجيل الفكر في تنقيحه، ويصبر عليه، حتى يتخلص له ما يريد، وحتى يتكرر نظره فيه.
قال أبو عبيدة: سمعت أبا عمرو يقول: زهير والحطيئة وأشباههما عبيد
الشعر، لانهم نقحوه، ولم يذهبوا فيه مذهب المطبوعين (8).
وكان زهير يسمى كبر شعره " الحوليات المنقحة ".
وقال عدى ابن الرقاع: وقصيدة قد بت أجمع بينها * حتى أقوم ميلها وسنادها (9) نظر المثقف في كعوب قناته * حتى يقيم ثقافة منادها وكقول سويد بن كراع: أبيت بأبواب القوافى كأنما * أصادي بها سربا من الوحش نزعا (10)
__________
(1) ا، م " وقد يتفاوت " (2) س " الفصل " ك " الفضل " (3) س " إدراك " ا " أمره " (4) م " الفضل " (5) الزيادة من م ومكانها بياض في ك (6) الزيادة من م (7) م " ثم يروى " (8) الشعر والشعراء 1 / 23، 94 وفى البيان والتبيين 2 / 12 (9) الموشح ص 13 والاغانى 8 / 184 والشعر والشعراء 2 / 601 (10) الاغانى 11 / 129 وفيه " شربا " وهو خطأ، والبيان والتبيين 2 / 12 والشعر والشعراء 1 / 23، 2 / 616 والمصاداة: المداراة (*)
ومنهم من يعرف بالبديهة وحدة الخاطر، ونفاذ الطبع وسرعة / النظم، يرتجل القول ارتجالا، ويطبعه (1) عفوا صفوا، فلا يقعد به عن قوم قد تعبوا وكدوا أنفسهم، وجاهدوا خواطرهم. (1/123)
وكذلك لا [ يمكن أن ] (2) يخفى عليهم الكلام العلوى، واللفظ الملوكى، كما لا يخفى عليهم الكلام العامي، واللفظ السوقى، ثم تراهم ينزلون الكلام تنزيلا، ويعطفونه - كيف تصرف - حقوقه، ويعرفون مراتبه فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم، من الوجه الذى لا يشاركه فيه غيره، ولا يساهمه سواه.
ألا تراهم وصفوا زهيرا بأنه أمدحهم وأشدهم أسر شعر (3)، قاله أبو عبيدة (4) ؟ وروى أن الفرزدق انتحل بيتا من شعر جرير، وقال: هذا يشبه شعرى.
فكان هؤلاء لا يخفى عليهم ما قد نسبناه إليهم من المعرفة بهذا الشأن، وهذا كما يعلم البزاز أن (5) هذا الديباج عمل بتستر (6)، وهذا / لم يعمل بتستر، وأن هذا من صنعة فلان دون فلان، ومن نسج فلان دون فلان، حتى لا يخفى عليه، وإن كان قد يخفى على غيره.
ثم إنهم يعلمون أيضا من له سمت بنفسه، ورفت برأسه، ومن يقتدى في الالفاظ أو في المعاني أو فيهما بغيره، ويجعل سواه قدوة له، ومن يلم في الاحوال بمذهب غيره، ويطور (7) في الاحيان [ بجنبات كلامه ] (8).
وهذه أمور ممهدة عند العلماء، وأسباب معروفة عند الادباء، وكما يقولون: إن " البحترى " يغير على " أبى تمام " إغارة، ويأخذ منه صريحا وإشارة،
__________
(1) م " ويطيعه " (2) الزيادة من م (3) س " أثر " (4) الشعر والشعراء 1 / 93
(5) س، ك " البزازون " (6) مدينة من كور الاهواز، فتحها أبو موسى الاشعري في عهد عمر، وكانت بها مصانع للثياب والعمائم، معجم البلدان 2 / 377 وابن خلكان 2 / 150 (7) س، ك " ويأتى " (8) الزيادة من ا، م ومكانها بياض في ك (*)
ويستأنس بالاخذ منه بخلاف (1) ما يستأنس بالاخذ من غيره، ويألف اتباعه كما لا يألف اتباع سواه، وكما كان أبو تمام يلم بأبى نواس ومسلم، وكما يعلم أن بعض الشعراء يأخذ من كل أحد ولا يتحاشى، ويؤلف ما يقوله من فرق شتى. (1/124)
وما الذى نفع " المتنبي " جحوده الاخذ، وإنكاره معرفة " الطائيين " وأهل الصنعة يدلون على كل حرف أخذه منهما جهارا، أو ألم بهما فيه سرارا ؟ ! / وأما ما لم يأخذ عن الغير، ولكن سلك النمط، وراعى النهج، فهم يعرفونه، ويقولون: هذا أشبه به من التمر بالتمرة، وأقرب إليه من الماء إلى الماء، وليس بينهما إلا كما بين الليلة والليلة، فإذا تباينا وذهب أحدهما في غير مذهب صاحبه، وسلك في غير جانبه (2)، قيل: بينهما ما بين السماء والارض، وماب ين النجم والنون (3)، وما بين المشرق والمغرب.
* * * وإنما أطلت عليك، ووضعت جميعه بين يديك، لتعلم أن أهل الصنعة يعرفون دقيق هذا الشأن وجليله، وغامضه وجليه، وقريبه وبعيده، ومعوجه ومستقيمه.
فكيف يخفى عليهم الجنس الذى هو بين الناس متداول، وهو قريب متناول، من أمر يخرج عن أجناس كلامهم، ويبعد عما هو في عرفهم، ويفوت مواقع قدرهم ؟ !
وإذا اشتبه ذلك، فإنما يشتبه على ناقص في الصنعة، أو قاصر عن معرفة طرق الكلام الذى يتصرفون فيه ويديرونه (4) بينهم ولا يتجاوزونه، فلكلامهم سبل مضبوطة، وطرق معروفة محصورة.
وهذا كما يشتبه على من يدعى الشعر - من أهل زماننا - والعلم بهذا / الشأن، فيدعى أنه أشعر من البحترى، ويتوهم أنه أدق مسلكا من أبى نواس، وأحسن طريقا من مسلم ! وأنت تعلم أنهما متباعدان، وتتحقق أنهما لا يجتمعان
__________
(1) م " خلاف " (2) م " مسلكه " (3) في اللسان 17 / 316 " النون الحوت، والجمع أنوان ونينان " (4) م " وسد يرونه " (*)
ولعل أحدهما إنما يلحظ غبار (1) صاحبه، ويطالع ضياء نجمه، ويراعى خفوق (2) جناحه وهو راكد في موضعه، ولا يضر البحترى ظنه، ولا يلحقه بشأوه وهمه (3). (1/125)
فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مرمد، فصاحة القرآن وموقع بلاغته، وعجيب براعته - فما عليك منه، إنما يخبر عن نقصه (4)، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح (5) بسخافة فهمه، وركاكة عقله.
وإنما قدمنا (6) ما قدمناه في هذا الفصل، لتعرف أن ما ادعيناه من معرفة البليغ بعلو شأن القرآن وعجيب نظمه وبديع تأليفه، أمر لا يجوز غيره، ولا يحتمل سواه، ولا يشتبه على ذى بصيرة، ولا يخيل عند (7) أخى معرفة، كما يعرف الفصل بين طبائع (8) الشعراء / من أهل الجاهلية، وبين المخضرمين، وبين المحدثين، ويميز بين من يجرى على شاكلة طبعه وغريزة نفسه، وبين من يشتغل
بالتكلف والتصنع، وبين من يصير التكلف له كالمطبوع، وبين من كان مطبوعه كالمتعمل (9) المصنوع.
هيهات هيهات ! ! هذا أمر - وإن دق - فله قوم يقتلون علما، وأهل يحيطون به فهما، ويعرفونه (10) إليك إن شئت، ويصورونه لديك إن أردت، ويجلونه على خواطرك إن أحببت، ويعرفونه لفطنتك إن حاولت، وقد قال القائل: للحرب والضرب أقوام لها خلقوا * وللدواوين كتاب وحساب ولكل عمل رجال، ولكل صنعة ناس، وفى كل فرقة الجاهل والعالم والمتوسط، ولكل قد قل من يميز في هذا الفن خاصة، وذهب من يحصل في هذا الشأن، إلا قليلا ! فإن كنت ممن هو بالصفة التى وصفناها - من التناهى في معرفة الفصاحات،
__________
(1) س: " عبارة " ا " بطريقة " (2) س، ك " حفوف " (3) م " وهمته " (4) م " نقصانه " (5) م " ويبوح " (6) م " وإنما قلنا " (7) م " ولا يختل على " (8) ك، ا، م " طباع " (9) س، ك " كالتعمل " (10) م " ويقدمونه " (*)
والتحقق (1) بمجارى البلاغات - فإنما يكفيك التأمل، ويغنيك التصور. (1/126)
وإن كنت في الصنعة مرمدا، وفى المعرفة بها متوسطا، فلا بد / لك من التقليد، ولا غنى بك عن التسليم.
إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها، والشادى فيها كالبائن منها.
فإن أراد أن نقرب عليه أمرا (2)، ونفسح له طريقا، ونفتح له بابا - ليعرف به إعجاز القرآن - فإنا نضع بين يديه الامثلة، ونعرض عليه الاساليب، ونصور له صور (3) كل قبيل من النظم والنثر، ونحضره (4) من كل فن من القول شيئا يتأمله حق تأمله، ويراعيه حق رعايته (5)، فيستدل استدلال العالم، ويستدرك استدراك (6) الناقد، ويقع (7) له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية، الطالع عن الالهية، الجامع بين الحكم والحكم، والاخبار عن الغيوب والغائبات، والمتضمن لمصالح الدنيا والدين، والمستوعب لجلية اليقين، والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها بالالفاظ الشريفة، على تفننها وتصرفها.
ونعمد إلى شئ من الشعر المجمع عليه، فنبين وجه النقص فيه، وندل على انحطاط رتبته، ووقوع أبواب الخلل فيه، حتى إذا تأمل ذلك، وتأمل ما نذكره - من تفصيل إعجاز القرآن وفصاحته، وعجيب براعته - انكشف له واتضح، وثبت / ما وصفناه لديه ووضح، وليعرف حدود " البلاغة "، ومواقع البيان " والبراعة " ووجه التقدم في " الفصاحة ".
وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين (8): أن الفارسى سئل، فقيل له: ما " البلاغة " ؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل.
وسئل اليونانى عنها ؟ فقال: تصحيح الاقسام، واختيار الكلام.
وسئل الرومي عنها ؟ فقال: حسن الاقتضاب عند البداهة (9)، والغزازة يوم الاطالة.
__________
(1) م " والتحقيق " (2) م " أمدا " (3) س " صورة " (4) س " ونحضر له " (5) س، ك " مراعاته " (6) م " الاستدلال " (7) س " ويقطع " (8) راجع البيان والتبيين 1 / 88 (9) م " البديهة " (*)
وسئل الهندي عنها ؟ فقال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الاشارة. (1/127)
وقال مرة (1): التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات (2) القول، وقلة الخرق بما (3) التبس من المعاني، أو غمض وشرد من اللفظ وتعذر.
وزينته (4) أن تكون الشمائل موزونة، والالفاظ معدلة، واللهجة نقية (5)، وأن (6) لا يكلم سيد الامة بكلام الامة، ويكون في قواه فضل (7) التصرف في كل طبقة ولا يدقق المعاني كل التدقيق، ولا ينقح الالفاظ كل التنقيح، و [ لا ] يصفيها كل التصفية، و [ لا ] يهذبها بغاية التهذيب (8).
وأما " البراعة " فهى فيما يذكر (9) أهل اللغة: الحذق بطريقة الكلام وتجويده، وقد يوصف بذلك كل متقدم في قول أو صناعة.
وأما " الفصاحة " فقد اختلفوا فيها: فمنهم من عبر عن معناها بأنه: ما كان جزل اللفظ، حسن المعنى.
وقد قيل: معناها: الاقتدار على الابانة عن المعاني الكامنة في النفوس، على عبارات جلية، ومعان نقية بهية.
* * * والذى يصور عندك ما ضمنا تصويره، ويحصل لديك (10) معرفته - إذا كنت في صنعة الادب متوسطا، وفى علم العربية متبينا (11) - / أن تنظر أو لا في
__________
(1) في البيان والتبيين " قال: وقال مرة: جماع البلاغة التماس..." (2) س " بساحات " م " بتبرعات " (3) م " وقلة الحذف فيما " (4) في البيان 1 / 89 " ثم قال: وزين ذلك كله وبهاؤه وحلاوته وسناؤه أن تكون الشمائل " (5) م " والبهجة نقية " وفى البيان بعد ذلك: " فإن جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت، فقد تم كل التمام، وكمل كل الكمال " (6) هذا الكلام من الصحيفة التى زعم الجاحظ أن فيها البلاغة عند الهند.
وأولها كما ذكر في البيان 1 / 92 " أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، ذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارج قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الامة بكلام الامة، ولا الملوك بكلام السوقة، ويكون في قواه..." (7) م " فصل " (8) راجع بقية الصحيفة المزعومة في البيان 1 / 92 (9) س، ك: " البراعة ففيما " (10) س، ك " عندك " (11) م: " مشاركا " (*)
في نظم القرآن، ثم في شئ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فتعرف الفصل (1/128)
بين النظمين، والفرق بين الكلامين.
فإن تبين لك الفصل، ووقعت على جلية الامر وحقيقة الفرق - فقد أدركت الغرض، وصادفت المقصد.
وإن لم تفهم الفرق، ولم تقع (1) على الفصل - فلا بد لك من التقليد، وعلمت أنك من جملة العامة، وأن سبيلك سبيل من هو خارج عن أهل اللسان.
__________
(1) ك: " الفاصلة ".
(*)
/ خطبة للنبى صلى الله عليه وسلم روى طلحة بن عبيد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على منبره يقول: " ألا أيها (1) الناس، توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا الاعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذى بينكم وبين ربكم - بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية - ترزقوا وتؤجروا وتنصروا. (1/129)
واعلموا أن الله عز وجل قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في عامى هذا، في شهرى هذا، إلى يوم القيامة: حياتي ومن بعد (2) موتى، فمن تركها وله إمام - فلا جمع الله له شملة، ولا بارك له في أمره، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا صدقة له، ألا ولا برله.
ألا ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ألا ولا يؤم فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه ولا سوطه ".
/ خطبة له صلى الله عليه وسلم " أيها (3) الناس، إن لكم معالم، فانتهوا (4) إلى معالمكم، وإن لكم نهاية، فانتهوا إلى نهايتكم.
إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى، لا يدرى ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى، لا يدرى ما الله تعالى قاض عليه فيه.
فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة (5).
قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت.
__________
(1) م: " ألا يايها " (2) م: " وبعد " (3) في البيان والتبيين 1 / 302 " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس..." وهى في عيون الاخبار 2 / 231 (4) س: " فانتبهوا " (5) في البيان " ومن الشيبة قبل الكبرة ".
(*)
والذى نفس محمد بيده: ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا دار، إلا الجنة أو النار ". (1/130)
خطبة له صلى الله عليه وسلم " إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيآت أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك (1) له.
/ إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الاسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن (2) الحديث وأبلغه.
أحبوا من أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسو عليه قلوبكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.
اتقوا الله حق تقاته، وصدقوا صالح ما
تعملون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، والسلام عليكم ورحمة الله ".
خطبة له صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق قال بعد حمد الله: " أيها الناس، أتدرون (3) في أي شهر أنتم ؟ وفى أي يوم أنتم ؟ وفى أي بلد أنتم ؟ قالوا: في يوم حرام، وشهر حرام، وبلد حرام.
قال: ألا فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه.
ثم قال: اسمعوا منى تعيشوا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا، ألا لا تظالموا.
__________
(1) من أول الخطبة إلى هنا هو صدر خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، كما في العقد الفريد 4 / 75 والبيان والتبيين 2 / 31 (2) س: " إنه أصدق " (3) س ": هل تدرون " (*)
/ ألا إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه. (1/131)
ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية، تحت قدمى هذه، ألا وإن أول دم وضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - كان مسترضعا في بنى ليث، فقتلته هذيل (1) -.
ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ربا يوضع: ربا عمى العباس، لكم (رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون).
ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض (منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم).
ألا لا ترجعوا بعدى كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض (3).
/ ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينكم (4).
اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان (5)، لا يملكن لانفسهن شيئا، وإن لهن عليكم حقا، ولكم عليهن حق: أن لا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فإنما أخذتموهن بأمانة الله تعالى، واستحللتم فروجهن بكلمة الله.
__________
(1) هذه الجملة التفسيرية ثابتة في النسخ كلها.
وفى م: " بنو هذيل " (2) كذا في كل النسخ وفى البيان والتبيين والعقد " والارض وإن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق السموات والارض، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات، وواحد فرد.
ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذى بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد " (3) في العقد بعد ذلك: " فإنى قد تركت ما إن أخذتم به لم تضلوا: كتاب الله، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ؟ ".
وكذلك في البيان (4) في البيان والعقد: " أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم " (5) في اللسان 19 / 336 " عوان: أي أسرى أو كالاسرى، واحدة العوانى عانية، وهى الاسيرة، يقول: إنما هن عندكم بمنزلة الاسرى.
قال ابن سيده: العوانى: النساء، لانهن يظلمن فلا ينتصرن ".
وفى النهاية: " العانى الاسير، وكل من ذل واستكان وحضع فقد عنا يعنو، وهو عان، والمرأة عانية، وجمعها: عوان " (*)
ألا ومن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. (1/132)
ثم بسط يده، فقال: ألا هل بلغت، ألا هل بلغت، ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أبلغ من سامع ".
/ خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقف على باب الكعبة، ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق (1) وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده.
ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى - فهو تحت قدمى هاتين، إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج.
ألا وقتيل الخطإ العمد بالسوط والعصا - فيه الدية مغلظة، منها أربعون خلفة (2)، في بطونها أولادها.
يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم خلق من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) (3).
يا معشر قريش - أو يا أهل مكة - ما ترون أنى فاعل بكم ؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ [ كريم.
ثم ] قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء ".
خطبته صلى الله عليه وسلم بالخيف وروى زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب / بالخيف من منى، فقال (4):
__________
(1) س، ك " صدق الله "
(2) في اللسان 10 / 433 " الخلفة بفتح الخاء وكسر اللام: الحامل من النوق " (3) سورة الحجرات: 13 (4) من أول قوله وروى " زيد بن ثابت " ليس في ك، وهو ثابت في ا، م (*)
" نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها (1)، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. (1/133)
ثلاث لا يغل (2) عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لاولى الامر، ولزوم الجماعة، إن دعوتهم تكون من ورائه.
ومن كان همه الآخرة: جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة.
ومن كان همه الدنيا: فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ".
/ خطبة له صلى الله عليه وسلم رواها أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه قال (3): خطب بعد العصر، فقال: " ألا إن الدنيا خضرة حلوة (4)، ألا وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء.
ألا لا يمنعن رجلا مخافة الناس، أن يقول الحق إذا علمه.
__________
(1) " نضر الله عبدا " يجوز في " نضر " تخفيف الضاد المفتوحة وتشديدها.
وقد روى بالوجهين.
فعلى التخفيف يكون هذا الفعل الثلاثي متعديا، وهو في أصله لازم.
ولكن جاز فيه الامران، يقال: " نضر وجه فلان "، و " نضر الله وجهه "، و " نضر " و " أنضره " أيضا (2) في اللسان 4 / 13 " قيل معنى قوله: لا يغل عليهن قلب مؤمن: أي لا يكون معها
في قلبه غش ودغل ونفاق، ولكن يكون معها الاخلاص في ذات الله عز وجل.
وروى لا يغل ولا يغل، فمن قال يغل بالفتح للياء وكسر الغين فإنه يجعل ذلك في الضغن والغل وهو الضغن والشحناء، أي لا يدخله حقد يزيله عن الحق.
ومن قال يغل بضم الياء جعله من الخيانة...وقال ابن الاثير: ويروى يغل بالتخفيف، من الوغول، الدخول في الشئ.
والمعنى أن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والخيانة والشر.
وعليهن في موضع الحال، تقديره لا يغل كائنا عليهن...ابن الاعرابي في النوادر: غل بصر فلان: حاد عن الصواب، من غل يغل، وهو معنى قوله: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن، أي لا يحيد عن الصواب غاشا ".
(3) هذه الكلمة من م فقط (4) في اللسان 5 / 332 " والدنيا خضرة مضرة: أي ناعمة غضة طرية طيبة، وقيل: مونفة معجبة.
وفى الحديث: إن الدنيا حلوة خضرة مضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها " (*)
قال: ولم يزل يخطب حتى لم تبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف، فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى، إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى ". (1/134)
كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك فارس " من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد عبده ورسوله، وأدعوك / بدعاء الله تعالى، فإنى أنا رسول الله إلى الناس كافة، لانذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين.
فأسلم تسلم ".
كتاب له صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي
" من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة: سلم أنت، فإنى أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن.
وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول (1) الطيبة، فحملت بعيسى، فحملته من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده ونفخه.
وإنى أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذى جاءني.
وإنى أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، فقد (2) بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي.
والسلام على من اتبع الهدى ".
__________
(1) قال أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر 1 / 114 " البتل: القطع، ومنه العذراء البتول، لانها قطعت عن الرجال " (2) م " قد " (*)
نسخة عهد الصلح مع (1) قريش عام الحديبية " هذا (2) ما صالح عليه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، سهيل / ابن عمرو: اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين (3)، يأمن فيها الناس، ويكف (4) بعضهم عن بعض على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش (5) بغير إذن (6) وليه، رده عليهم. (1/135)
ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يردوه عليه (7)، وأن بيننا عيبة مكفوفة (8) وأنه لا إسلال (9)، ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده / دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا
مكة، فإذا كان عاما قابلا خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، وأن معك سلاح الراكب، والسيوف في القرب (10)، فلا تدخلها بغير هذا " * * * ولا أطول عليك، وأقتصر على ما ألقيته إليك (11)، فإن كان لك في الصنعة حظ، أو كان لك في هذا المعنى حس، أو كنت تضرب في الادب
__________
(1) م " عهد الصلح بين قريش ".
(2) في إمتاع الاسماع 297 " باسمك اللهم، هذا ما اصطلح " (3) س، ك " عشرين سنة يأمن فيه " ؟ ! ! (4) س، ك " ويكف فيه بعضهم " (5) قوله " من قريش " ساقط من ك، س (6) م: " بغير اذيه وانه رده " (7) م: " لم يرد عليه " (8) في اللسان 2 / 126 " وروى عن ابن الاعرابي أنه قال: معناه أن بيننا وبينهم في هذا الصلح صدرا معقودا على الوفاء بما في الكتاب، نقيا من الغل والغدر والخداع.
والمكفوفة: المشرجة المعقودة، والعرب تكنى عن الصدور والقلوب التى تحتوى على الضمائر المخفاة بالعياب، وذلك أن الرجل إنما يضع في عيبته حر متاعه، وصون ثيابه، ويكتم في صدره أخص أسراره التى لا يحب شيوعها، فسميت الصدور والقلوب عيابا تشببها بعياب الثياب...وقال بعضهم: أزاد به الشر بيننا مكفوف كما تكف العيبة إذا أشرجت.
وقيل: أراد أن بينهم موادعة ومكافة عن الحرب.
يجريان مجرى المودة التى تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض (9) في اللسان 13 / 364 " قال أبو عمرو: الاسلال: السرقة الخفية.
قال الجوهرى: وهذا يحتمل الرشوة والسرقة جميعا.
ويقال: الاسلال الغارة الظاهرة، وقيل: سل السيوف " وفى 14 / 13 " قال أبو عبيد: الاغلال: الخيانة، والاسلال: السرقة.
وقيل: الاغلال: السرقة، أي لا خيانة ولا سرقة: ويقال: لا رشوة "
(10) س، ك: " في الركب ".
والقرب: جمع قراب، وهو غمد السيف.
كما في اللسان 3 / 161 (11) م: " عليك " (*)
بسهم، أو في العربية بقسط - وإن قل ذلك السهم، أو نقص ذلك النصيب - فما أحسب أنه يشتبه عليك الفرق بين براعة القرآن، وبين ما نسخناه لك من كلام الرسول، صلى الله صلى الله عليه وسلم، في خطبه ورسائله، وما عساك تسمعه من كلامه، ويتساقط إليك من ألفاظه، وأقدر أنك ترى بين الكلامين بونا بعيدا، وأمدا مديدا، وميدانا واسعا، ومكانا شاسعا. (1/136)
* * * فإن قلت: لعله أن يكون تعمل للقرآن، وتصنع لنظمه، وشبه عليك الشيطان ذلك من خبثه - فتثبت في نفسك، وارجع إلى عقلك، / واجمع لبك، وتيقن أن الخطب يحتشد لها في المواقف العظام، والمحافل الكبار، والمواسم الضخام، ولا يتجوز فيها، ولا يستهان بها، والرسائل إلى الملوك مما يجمع لها الكاتب جراميزه (1)، ويشمر لها عن جد واجتهاد، فكيف يقع بها الاخلال ؟ وكيف تعرض (2) للتفريط ؟ فستعلم، لا محالة أن نظم القرآن من الامر الالهى، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الامر النبوى.
فإذا أردت زيادة في التبين (3) وتقدما في التعرف، وإشرافا على الجلية وفوزا بمحكم القضية، فتأمل - هداك الله - ما ننسخه لك من خطب الصحابة والبلغاء، لتعلم أن نسجها ونسج ما نقلنا - من خطب
النبي صلى الله عليه وسلم - واحد، وسبكها سبك غير مختلف، وإنما يقع بين كلامه وكلام غيره، ما يقع من التفاوت بين كلام الفصيحين، وبين (4) شعر الشاعرين، وذلك أمر له مقدار معروف، وحد - ينتهى إليه - مضبوط.
__________
(1) في اللسان 7 / 183 " ويقال: جمع فلان لفلان جراميزه: إذا استعد له وعزم على قصده.
وجراميز الرجل: جسده وأعضاؤه ".
وانظر مجمع الامثال 1 / 174 (2) س، ا: " وكيف يتعرض " (3) س: " في التبيين " (4) م: " وشعر " (*)
فإذا عرفت أن جميع كلام الآدمى منهاج، ولجملته طريق (1) / وتبينت (2) ما يمكن فيه من (3) التفاوت - نظرت إلى نظم القرآن نظرة أخرى، وتأملته مرة ثانية، فتراعى بعد موقعه، وعالى محله وموضعه، وحكمت بواجب من اليقين، وثلج (4) الصدر بأصل الدين. (1/137)
/ خطبة لابي بكر الصديق رضى الله عنه قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (5): " أما بعد، فإنى وليت أمركم، ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن، وسن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمنا فعلمنا.
واعلموا أن أكيس الكيس التقى، وأن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف، حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوى، حتى آخذ منه الحق.
أيها الناس، إنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني،
وإن زغت فقوموني " (6).
عهد لابي بكر الصديق إلى عمر رضى الله عنهما بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخر / عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، ساعة يؤمن فيها الكافر، ويتقى فيها الفاجر.
__________
(1) م: " منهاجا...طريقا " (2) ا، م " وتصورت (3) سقطت من م (4) م: " وثلج من الصدر ".
وفى اللسان 3 / 45 " وثلجت نفسي بالشئ ثلجا: اشتفت به واطمأنت إليه...وثلج قلبه: تيقن ".
(5) في عيون الاخبار 2 / 234 " الهيثم، عن مجالد، عن الشعبى، قال: لما بويع أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، صعد المنبر فنزل مرقاة من مقعد النبي، صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " والخطبة في العقد 4 / 59 باختلاف.
(6) في عيون الاخبار بعد ذلك: " أقول قولى هذا، وأستغفر الله العظيم لى ولكم ".
(*)
إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل: فذاك ظنى به، ورأيى فيه، وإن جار وبدل فلا علم لى بالغيب، والخير أردت لكم (1)، ولكل امرئ ما اكتسب من الاثم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (2). (1/138)
* * * وفى حديث عبد الرحمن بن عوف رحمة الله عليه، قال:
دخلت على أبى بكر الصديق رضى الله عنه، في علته التى مات فيها، فقلت: أراك بارئا يا خليفة رسول الله، فقال: أما إنى - على ذلك - لشديد الوجع، ولما لقيت منكم - يا معشر المهاجرين - أشد على من وجعى.
إنى وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم (3) أنفه أن يكون له الامر من دونه.
والله لتتخذن نضائد (4) الديباج، وستور الحرير، ولتألمن النوم / على الصوف الاذربى (5)، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان (6)، والذى نفسي بيده لان يقدم أحدكم فتضرب رقبته في غير حد، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا.
يا هادى الطريق جرت (7)، إنما هو - والله - الفجر أو البجر (8).
__________
(1) م: " بكم " (2) ورد هذا العهد في الكامل للمبرد 1 / 8 (3) قال المبرد 1 / 7 " يقول: امتلا من ذلك غضبا.
وذكر أنفه دون السائر، كما قال: فلان شامخ بأنفه، يريد رافع رأسه.
وهذا يكون من الغضب " (4) قال المبرد: " واحدة نضيدة، وهى الوسادة وما ينضد من المتاع...ويقال: نضدت المتاع: إذا ضممت بعضه إلى بعض، فهذا أصله " (5) قال المبرد 1 / 6 " الاذربى منسوب إلى أذربيجان " (6) قال المبرد: " السعدان: نبت كثير الحسك (الشوك) تأكله الابل فتسمن عليه، ويغذوها غذاء لا يوجد في غيره، فمن أمثال العرب: مرعى ولا كالسعدان، تفضيلا له " (7) س، ك: " جزت " (8) س، ك: " البحره " قال المبرد 1 / 7 " يقول: إن انتظرت حتى يضئ لك الفجر
الطريق أبصرت قصدك، وإن خبطت الظلماء وركبت العشواء هجما بك على المكروه.
وضرب ذلك مثلا لغمرات الدنيا وتحييرها أهلها " (*)
قال: فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله، صلى الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذا يهيضك (1) إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحا مصلحا، لا تأسى على شئ فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالامر وحدك، فما رأيت إلا خيرا. (1/139)
وله خطب ومقامات مشهورة اقتصرنا منها على ما نقلنا، منها قصة السقيفة.
* * * / نسخة كتاب كتبه (2) أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنهم: سلام الله عليك، فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو.
أما بعد، فإنا عهدناك وأمر نفسك لك (3) مهم، فأصبحت وقد وليت أمر هذه الامة أحمرها، وأسودها، يجلس بين يديك الصديق والعدو، والشريف والوضيع، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت - يا عمر - عند ذلك، فإنا نحذرك يوما تعنوا فيه الوجوه، وتجب فيه القلوب.
وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الامة يرجع (4) في آخر زمانها: أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، وإنا نعوذ بالله أن تنزل كتابنا سوى المنزل الذى نزل من قلوبنا، فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك، والسلام.
فكتب إليهما: من عمر بن الخطاب، إلى أبى عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل: سلام عليكما، فإنى أحمد إليكما الله الذى لا إله إلا هو (5).
/ أما بعد، فقد جاءني كتابكما، تزعمان أنه بلغكما أنى وليت أمر هذه الامة: أحمرها وأسودها، يجلس بين يدى الصديق والعدو، والشريف والوضيع، وكتبتما:
__________
(1) قال المبرد: " يهيضك، مأخوذ من قولهم: هيض العظم: إذا جبر ثم أصابه شئ يعنته فآذاه، فكسره ثانية أو لم يكسره، وأكثر ما يستعمل في كسره ثانية " (2) س، ك: " كتب " (3) م: " إليك " (4) س، ك: " أن هذه الامة ترجع " (5) في سيرة عمر ص 552 " أما بعد فإنى أوصيكما بتقوى الله، فإنه رضا ربكما، وحظ أنفسكما، وغنيمة الاكياس لانفسكم عند تفريط العجزة، وقد بلغني كتابكما..." (*)
أن انظر كيف أنت يا عمر عند ذلك ؟ وإنه لا حول ولا قوة لعمر - عند ذلك - إلا الله. (1/140)
وكتبتما تحذراني ما حذرت به الامم قبلنا، وقديما كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس: يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود: حتى يصير الناس إلى منازلهم، من الجنة أو النار، ثم توفى كل نفس بما كسبت، إن الله سريع الحساب.
وكتبتما تزعمان أن أمر هذه الامة يرجع في آخر زمانها: أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بذاك، وليس هذا ذلك الزمان، ولكن زمان ذلك (1) حين تظهر الرغبة والرهبة، فتكون رغبة بعض الناس إلى بعض إصلاح دينهم، ورهبة بعض الناس إصلاح دنياهم.
وكتبتما تعوذاننى بالله أن أنزل كتابكما منى سوى المنزل الذى نزل من قلوبكما، وإنما كتبتما نصيحة لى، وقد صدقتكما، فتعهداني منكما بكتاب، ولا غنى
بى عنكما (2).
/ عهد من عهود عمر رضى الله عنه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن قيس (3): سلام عليك.
أما بعد، فإن القضاء: فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
آس (4) بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك (5)، ولا ييأس ضعيف (6) من عدلك.
__________
(1) م: " ولستم بذلك...زمان هذا " (2) الرياض النضرة 2 / 61 (3) هو أبى موسى الاشعري عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار اليماني الصحابي المشهور، راجع تاريخ الاسلام 2 / 255 - 258 والمعارف ص 115 وابن سعد 6 / 9 وخلاصة تذهيب الكمال ص 178 (4) قال المبرد 1 / 9 " يقول: سو بينهم، وتقديره: اجعل بعضهم أسوة بعض " (5) قال المبرد: " أي في ميلك معه لشرفه " (6) ك: " شريف " (*)
البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. (1/141)
والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا.
ولا يمنعنك (1) قضاء قضيته بالامس - فراجعت فيه عقلك، وهديت لرشدك - أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق
خير من التمادي في الباطل.
/ الفهم الفهم، فيما تلجلج في صدرك (2)، مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الاشباه والامثال، وقس الامور عند ذلك، واعمد إلى أشبهها، بالحق.
واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة - أمدا (3) ينتهى إليه، فإن أحضر بينة، أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك، وأجلى للعمى.
المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب (4)، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ بالايمان والببنات (5).
وإياك والغلق (6) والضجر، والتأذى بالخصوم، والتنكر عند / الخصومات (7)
__________
(1) س، ك: " ولا يمنعك " (2) قال المبرد 1 / 10 " يقول: تردد، وأصل ذلك: المضغة والاكلة يرددها الماضغ في فيه، فلا تزال تتردد إلى أن يسيغها أو يقذفها، والكلمة يرددها الرجل إلى أن يصلها بأخرى " (3) ك: " أمرا " (4) فسر المبرد: " الظنين بأنه المتهم، ثم قال: " وإنما قال عمر ذلك لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ملعون ملعون من انتمى إلى غير أبيه، أو ادعى إلى غير مواليه.
فلما كانت معه الاقامة على هذا لم يره للشهادة موضعا " (5) قال المبرد: " ودرأ، إنما هو دفع، من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادرءوا الحدود بالشبهات " (6) س، ك: " والغلو " وفى عيون الاخبار والبيان والتبيين: " والقلق.
" قال المبرد: " وأما قوله: إياك والغلق والضجر فإنه ضيق الصدر وقلة الصبر، يقال في سوء الخلق: رجل غلق.
وأصل ذلك من قولهم: أغلق عليه أمره، إذا لم يتضح ولم ينفتح من ذلك قولهم غلق: الرهن أي لم
يوجد له تخلص، وأغلقت الباب من هذا " (7) ما هنا يوافق ما في الكامل.
وفى البيان والتبيين " والتنكر للخصوم في مواطن الحق، التى يوجب الله بها الاجر، فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى، ولو على نفسه، يكفه الله ما بينه وبين الناس " (*)
فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الاجر، ويحسن به الذخر، فمن صحت نيته، وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه، شانه الله (1)، فما ظنك بثواب الله عز وجل في عاجل رزقه، وخزائن رحمته، والسلام. (1/142)
ولعمر رضى الله عنه خطب مشهورة مذكورة في التاريخ، لم ننقلها اختصارا.
* * * ومن كلام عثمان بن عفان رضى الله عنه خطبة له (2) رضى الله عنه قال: إن لكل شئ آفة، وإن لكل نعمة عاهة، وإن عاهة (3) هذا الدين عيابون ظنانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون / ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، طغام (4) مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم النازح.
لقد أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم على، ولكنه وقمكم وقمعكم، وزجركم زجر النعام المخزمة (5).
والله إنى لاقرب ناصرا، وأعز نفرا (6)، وأقمن - إن قلت: هلم - أن تجاب دعوتي، من عمر.
هل تفقدون من حقوقكم شيئا ؟ فما لى لا أفعل في الحق ما أشاء ؟ إذا فلم كنت إماما ؟ !
__________
(1) في البيان " ومن تزين للناس بما يعلم الله منه خلاف ذلك هتك الله ستره، وأبدى فعله فما ظنك " (2) ك، ا " خطبة لعثمان " (3) ك: " عاهة هذا الدين " س " عاهة، في هذا الدين " (4) في اللسان 15 / 261 " الطغام أرذال الناس وأوغادهم...قال الازهرى: وسمعت العرب تقول للرجل الاحمق: طغامة، والجميع الطغام " (5) في اللسان 15 / 64 " والمخزم من نعت النعام، قيل له مخزم لثقب في منقاره " (6) في البيان والتبيين 1 / 377 بعد ذلك: فضل فضل من مالى، فمالى لا أفعل في الفضل ما أشاء ؟ ! " (*)
كتابه إلى على حين حصر - رضى الله عنهما أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وطمع في من لا يدفع عن نفسه. (1/143)
فإذا أتاك كتابي هذا: فأقبل إلى، على كنت أم لى.
/ فإن كنت مأكولا: فكن خيرآكل * وإلا فأدركني ولما أمزق (2) * * * ومن كلام على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: لما قبض أبو بكر رضى الله عنه إرتجت المدينة بالبكاء، كيوم قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء على باكيا مسترجعا (3)، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذى فيه أبو بكر،
فقال: رحمك (4) الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنسه، وثقته وموضع سره، كنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله، وأحوطهم على رسول الله (5)، وأثبتهم (6) على الاسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، / وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله (7) صلى الله عليه وسلم سننا (8) وهديا، ورحمة وفضلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده.
__________
(1) قال المبرد 1 / 12 " الزبية: مصيدة الاسد، ولا تتخذ إلا في قلة أو رابية أو هضبة...وقوله: وبلغ الحزام الطبيين، فإن السباع والخيل يقال لموضع الاخلاف منها: أطباء، واحدها طبى...فإذا بلغ الحزام الطبيين فقد انتهى في المكروه " (2) البيت للمزق العبدى من قصيدة يعتذر فيها إلى النعمان بن المنذر، كما في اللسان 13 / 21 وطبقات فحول الشعراء ص 232 والشعر والشعراء 1 / 360 وبقية القصيدة في الاصمعيات ص 47 (3) م: " متوجعا " (4) م: " يرحمك " (5) س، ك: " على رسوله " (6) ك: " وأيمنهم " (7) س، ك: " وأقربهم برسول الله " (8) م: " سمتا " (*)
فجزاك (1) الله عن الاسلام وعن رسوله خيرا، كنت عنده بمنزلة السمع (1/144)
والبصر.
صدقت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين كذبه الناس، فسماك في تنزيله صديقا، فقال: (والذى جاء بالصدق وصدق به) (2).
واسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة، ثانى اثنين وصاحبه (3) في الغار، والمنزل عليه السكينة والوقار، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وفى أمته - أحسن الخلافة - حين ارتد الناس، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، وقمت بالامر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا (4)، مضيت بنور إذ وقفوا، واتبعوك فهدوا.
/ وكنت أصوبهم منطقا، وأطولهم صمتا، وأبلغهم قولا، وأكثرهم رأيا، وأشجعهم نفسا، وأعرفهم بالامور، وأشرفهم عملا.
كنت للدين يعسوبا (5)، أولا: حين نفر عنه الناس، وآخرا: حين قفلوا (6)، وكنت للمؤمنين أبا رحيما، إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما ضعفوا عنه (7)، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، شمرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا.
وكنت كما قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم أمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفا في بدنك، قويا في أمر الله، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في أعين الناس (8)، كبيرا في أنفسهم.
__________
(1) س، ك: " جزاك "
(2) سورة الزمر: 33 (3) م: " اثنين إذ هما "، (4) س: " حين تبعبعوا " وفى اللسان 9 / 384 والتعتعة في الكلام: أن يعيا بكلامه ويتردد من حصر أوعى، ومنه الحديث: الذى يقرأ القرآن ويتعتع قيه، أي يتردد في قراءته ويتبلد فيها لسانه " (5) في اللسان 2 / 89 " اليعسوب: السيد والرئيس والمقدم، وأصله أمير النحل وذكرها " (6) س " حين أقبلوا " ك: " حين قبلوا " ومعنى قفلوا: رجعوا، يشير بذلك إلى الردة (7) سقطت من ك، س (8) م " في أعين المؤمنين " (*)
لم يكن لاحد (1) فيك مغمز، ولا لاحد مطمع، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف الذليل عندك قوى عزيز، حتى تأخذ / له بحقه، والقوى العزيز عندك ضعيف ذليل، حتى تأخذ منه الحق، القريب والبعيد عندك سواء، أقرب الناس إليك أطوعهم لله شأنك الحق والصدق والرفق (2) وقولك حكم وحتم (3)، وأمرك حلم (4) وحزم، ورأيك علم وعزم، فأبلغت وقد نهج السبيل، وسهل العسير، وأطفأت النيران، واعتدل بك الدين، وقوى الايمان، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون، وأتعبت من بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا عظيما (5)، فجللت عن البكاء، وعظمت رزيتك في السماء، وهدت مصيبتك الايام فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثلك أبدا، فألحقك الله بنبيه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك. (1/145)
وسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم.
* * * / خطبة أخرى لعلى رضى الله عنه أما بعد، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم، وغدا السباق.
ألا وإنكم في أيام مهل، ومن ورائه أجل، فمن أخلص في أيام مهله (6) فقد فاز، ومن قصر في أيام مهله (7)، قبل حضور أجله، فقد خسر عمله، وضره أمله.
ألا فاعملوا لله في الرغبة، كما تعملون له في الرهبة.
ألا وإنى لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها.
__________
(1) ا " لاحدهم " (2) سقطت هذه الكلمة من م (3، 4) مكان هاتين الكلمتين بياض في ك، س (5) س، ك: " بالحد فوزا مبينا " (6، 7) س، ك: " أمله...أمله إعجاز القرآن (*)
ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره (1) الباطل، ومن لم يستقم (2) به الهدى يجر به الضلال. (1/146)
ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على (3) الزاد.
ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع (4) الهوى، وطول الامل (5).
* * * / وخطب رضى الله عنه، فقال بعد حمد الله:
أيها الناس، اتقوا الله، فما خلق امرؤ عبثا فيلهو، ولا أهمل سدى فيلغو، ما دنياه التى تحسنت إليه بخلف من الآخرة التى قبحها سوء النظر إليه، وما الخسيس الذى ظفر به - من الدنيا - بأعلى همته (6)، كالآخر الذى ذهب (7) من الآخرة من سهمته (8).
* * * وكتب على رضى الله عنه إلى عبد الله بن عباس: رحمة الله عليهما، وهو بالبصرة: أما بعد، فإن المرء يسر (9) بدرك ما لم يكن ليحرمه، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما قدمت، من أجر أو منطق، وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك.
وانظر ما فاتك من الدنيا: فلا تكثر عليه جزعا، وما نلته: فلا تنعم به فرحا، وليكن همك لما بعد الموت (10).
/ كلام لابن عباس رضى الله عنه قال عتبه بن أبى سفيان لابن عباس: ما منع أمير المؤمنين أن يبعثك مكان أبى موسى، يوم الحكمين ؟
__________
(1) س، ك: " يضربه " (2) ك: " ومن لا يستقيم " (3) م: " عن " (4) سقطت من س، ك (5) الخطبة من عيون الاخبار 2 / 235 والبيان والتبيين 2 / 52 ونهج البلاغة 1 / 66 (6) م: " همية " (7) س، ك: " الذى ظفر به من الآخرة " (8) م: " من سهميه " والسهمة: النصيب كما في اللسان 15 / 200
(9) م: " ليسر " (10) نهج البلاغة 3 / 23 - 24 والامالي لابي على القالى 2 / 94 (*)
قال: منعه - والله - من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء. (1/147)
أما والله، لو بعثنى مكانه لاعترضت له في مدارج نفسه، ناقضا لما أبرم، ومبرما لما نقض، أسف إذا طار، وأطير إذا أسف، ولكن مضى قدر، وبقى أسف، ومع يومنا غد، والآخرة خير لامير المؤمنين، من الاولى.
* * * خطبة لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، خير الملل ملة إبراهيم، وأحسن السنن سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، خير الامور أوساطها، وشر الامور محدثاتها، ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى، خير الغنى غنى النفس، وخير ما ألقى في القلب اليقين، الخمر جماع الاثم، النساء حبالة (1) الشيطان، الشباب شعبة من الجنون، حب الكفاية مفتاح المعجزة.
من / الناس من لا يأتي الجماعة إلا دبرا، ولا يذكر الله إلا هجرا، أعظم الخطايا اللسان الكذوب، سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، من يتأل على الله يكذبه (2)، من يغفر يغفر له، مكتوب في ديوان المحسنين: من عفا عفى عنه.
الشقى من شقى في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، الامور بعواقبها.
ملاك العمل خواتيمه (3)، أشرف الموت الشهادة، من يعرف
البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرف البلاء ينكره.
* * *
__________
(1) م " حبائل " (2) في اللسان 18 / 43 " من يتأل على الله يكذبه " أي من حكم عليه وحلف، كقولك: والله ليدخلن الله فلانا النار وينجحن الله سعى فلان " (3) م " خواتمه " وفى البيان والتبيين 1 / 57 بعد ذلك: " أحسن الهدى هدى الانبياء.
أقبح الضلالة بعد الهدى " (*)
خطبة لمعاوية بن أبى سفيان، رضى الله عنه قال الراوى: لما حضرته الوفاة قال لولى له: من بالباب ؟ فقال: نفر من قريش يتباشرون بموتك ! فقال: ويحك، ولم ؟ ثم أذن للناس، فحمد الله وأثنى عليه (1) فأوجز، ثم قال: / أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف (2) قارعة حتى تحل بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم: من لا يمنعه من الفساد في الارض إلا مهانة نفسه، وكلال حده، ونضيض (3) وفره. (1/148)
ومنهم: المصلت (4) لسيفه، والمجلب برجله (5)، والمعلن (6) بشره، قد أشرط نفسه (7)، وأوبق دينه، لحطام (8) ينتهزه، أو مقنب (9) يقوده، أو منبر يفرعه (10) وبئس المتجرأن تراها لنفسك ثمنا، ومما لك
عند الله عوضا.
/ ومنهم: من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف
__________
(1) س، ك: " فحمد الله فأوجز " (2) س، ك: " من قارعة " (3) م: " وقصيص " (4) س، ك: " المسلط " وفى اللسان 2 / 358 " وأصلت السيف: جرد من غمده فهو مصلت " (5) في اللسان 1 / 265 " وأجلب الرجل الرجل إذا توعده بشره وجمع الجمع عليه، وكذلك جلب يجلب جلبا، وفى التنزيل: " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) أي أجمع عليهم وتوعدهم بالشر " (6) ك: " والمعلق بشره " (7) م: " قد أشرك " ومعنى " أشرط نفسه ": أي هيأها (8) م: " بحطام " (9) وفى اللسان 2 / 184 " المقنب بالكسر: جماعة الخيل والفرسان " (10) س، ك: " يقرعه "، ومعنى " يفرعه ": يعلوه (*)
نفسه للامانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. (1/149)
ومنهم: من أقعده عن الملك ضئولة في نفسه، وانقطاع سببه، فقصر به الحال عن حال (1)، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى.
وبقى رجال أغض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد (2) ناد، وخائف منقمع (3)، وساكت مكعوم (4)
وداع مخلص، وموجع ثكلان، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، في بحر أجاج، أفواههم دامية (5)، وقلوبهم قرحة (6)، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا.
/ فلتكن الدنيا في عيونكم أقل من حتاتة القرظ (7)، وقراضة الجلم (8)، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، فارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم (9)
__________
(1) كذا في م والعقد الفريد 4 / 89 وا " الحال على ماله " وعيون الاخبار 2 / 238 " على حاله " والبيان والتبيين 2 / 60 " الحال عن أمله " وفى ك، س " فقصرته الحال فتحلى باسم القناعة " (2) س، ك: " شديد ناد " وفى العقد وم " شريد باد " والناد: النافر الذاهب على وجهه (3) س: " متقمع " وفى اللسان 10 / 168 " قمع الرجل في بيته وانقمع دخله مستخفيا " (4) في اللسان 15 / 426 " مكعوم: وقد سد الخوف فمه فمنعه من الكلام " (5) في البيان والتبيين 2 / 60 " ضامزة " وفى م " أقدامهم دامية " (6) س، ك: " قريحة " (7) م: " حثاثة " وفى اللسان 2 / 326 " حتات كل شئ: ما تحات منه، أي تناثر " وفى 13 / 150 " وحثالة القرظ: نفايته، ومنه قول معاوية في خطبته: فأنا في مثل حثالة القرظ " يعنى الزمان وأهله " (8) في اللسان 9 / 82 " والقراضة: ما سقط بالقرض.
وقراضات الثوب: الفضالة التى يقطعها الخياط وينفيها الجلم " والجلم: المقص.
(9) عقب الجاحظ على هذه الخطبة بقوله 2 / 61 " وفى هذه الخطبة - أبقاك الله - ضروب من العجب: منها أن الكلام لا يشبه الذى من أجله دعاهم معاوية، ومنها أن هذا المذهب في تصنيف الناس، وفى الاخبار عما هم عليه من القهر والاذلال، ومن التقية والخوف، أشبه بكلام على رضى الله عنه ومعانيه وحاله - منه بحال معاوية.
ومنها أنا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه
مسلك الزهاد، ولا يذهب مذاهب العباد.
وإنما نكتب لكم ونخبر بما سمعناه، والله أعلم بأصحاب الاخبار وبكثير منهم " وقد قال الرضى في نهج البلاغة 1 / 76 إنها من كلام على الذى لا يشك فيه، وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 1 / 172 (*)
خطبة لعمر بن عبد العزيز، رضى الله عنه أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري: لئن كنتم صادقين، لقد قصرتم، ولئن كنتم كاذبين، لقد هلكتم. (1/150)
يا أيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل، أو بحضيض / أرض - يأته، فأجملوا في الطلب (1).
خطبة للحجاج بن يوسف حمد الله، وأثنى عليه (2)، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق، ومساوى الاخلاق، وبنى اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الاماء، والفقع بالقرقر (3)، إنى سمعت تكبيرا لا يراد به الله، وإنما يراد به الشيطان، وإنما مثلى ومثلكم،، ما قاله ابن براقة الهمداني (4): وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم * فهل أنا في ذا، يا لهمدان، ظالم متى تجمع القلب الذكى وصار ما * وأنفا حميا، تجتنبك المظالم (5) أما والله لا تقرع عصا عصا، إلا جعلتها (6) كأمس الدابر.
__________
(1) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزى ص 198 (2) في البيان والتبيين 2 / 137 عن الهيثم بن عدى قال " أنبأني ابن عياش، عن أبيه قال: خرج الحجاج يوما من القصر بالكوفة، فسمع تكبيرا في السوق فراعه ذلك، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال "
(3) في اللسان 10 / 126 " الفقع والفقع بالفتح والكسر: الابيض الرخو من الكمأة وهو أردؤها...ويشبه به الرجل الذليل فيقال: هو فقع قرقر، ويقال أيضا: أذل من فقع بقرقر، لان الدواب تنجله بأرجلها " والقرقر: الارض المنخفضة (4) هو عمرو بن براقة، وهو ابن منبه بن شهر الهمذانى، شاعر فاتك، جاهلي إسلامى.
نسب إلى أمه براقة، راجع المؤتلف والمختلف للآمدي ص 66 - 67 والاغانى 21 / 175 (5) ا: " القلب الكمى " (6) ك: " إلا جعلها " وفى ا، م " كالامس ".
(*)
/ خطبة لقس بن ساعدة الايادي (1) أخبرني محمد بن على الانصاري (2) بن محمد بن عامر، قال: حدثنا على ابن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن داود بن عبد الرحمن العمرى، قال: حدثنا الانصاري على بن محمد الحنظلي - من ولد حنظلة الغسيل - حدثنا جعفر ابن محمد، عن محمد بن حسان (3)، عن محمد بن حجاج اللخمى (4)، عن مجالد (5)، عن الشعبى، عن ابن عباس، قال: لما وفد وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة ؟ / قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله (6). (1/151)
قال: لست أنساه بعكاظ، إذ وقف على بعير له أحمر، فقال: أيها الناس اجتمعوا، وإذا اجتمعتم فاسمعوا، وإذا سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فقولوا، وإذا قلتم فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت.
أما بعد، فإن في السماء لخبرا، وإن في الارض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، أقسم بالله قس قسما
__________
(1) م: " رضى الله عنه " ! (2) هذه الكلمة من ك فقط (3) هو محمد بن حسان بن خالد السمتى، أبو جعفر البغدادي.
مات سنة ثمان وعشرين ومائتين راجع خلاصة تذهيب الكمال ص 283.
(4) هو أبو إبراهيم: محمد بن الحجاج، من أهل واسط، سكن بغداد، وحدث بها عن عبد الملك بن عمير، ومجالد بن سعيد، وهو كذاب خبيث منكر الحديث، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أطعمني جبريل الهريسة لتشد ظهرى لقيام الليل "، وقد توفى سنة إحدى وثمانين ومائة.
وترجمته في تاريخ بغداد 2 / 279 - 282.
(5) هو مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، أبو عمرو الكوفى.
ضعفه ابن معين.
وقال ابن عدى إن ما يرويه غير محفوظ.
مات سنة أربع وأربعين ومائة، كما في خلاصة تذهيب الكمال ص 315.
(6) حديث قس بن ساعدة طرقه كلها ضعيفة، كما قال الحافظ ابن حجر في الاصابة 5 / 285 - 286 وانظر ترجمته في البداية والنهاية لابن كثير 2 / 230 - 237 وعيون الاثر لابن سيد الناس 1 / 68 - 72 وتاريخ بغداد 2 / 283 والاغانى 14 / 41 - 43 والبيان والتبيين 1 / 308 - 309 والمعمرين للسجستاني ص 69 - 70 ومجمع الامثال 1 / 117 - 118 وخزانة الادب 1 / 268 263 و 4 / 25 - 26 ونقد النثر 87 وطبع دار الكتب، والزهد لاحمد بن حنبل 355.
(*)
حقا لا كاذبا فيه ولا آثما، لئن كان في الارض رضا ليكونن سخطا (1)، إن لله تعالى دينا هو أحب إليه من دينكم الذى أنتم عليه، وقد أتاكم أوانه، ولحقتكم مدته. (1/152)
مالى أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ؟ أرضوا بالمقام فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا ؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم يروى شعره ؟ فأنشدوه: / في الذاهبين الاولي * ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * يسعى الاصاغر والاكابر لا يرجع الماضي إلي * ى ولا من الباقين غابر أيقنت أنى لا محا * لة حيث صار القوم صائر * * * أخبرني الحسن بن عبد الله بن سعيد، حدثنا على بن الحسين (2) بن إسماعيل، حدثنا محمد بن زكريا، حدثنا عبيد الله بن الضحاك، عن هشام، عن أبيه: أن وفدا من إياد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم عن حال قس ابن ساعدة، فقالوا: قال قس: يا ناعى الموت والاموات في جدث * عليهم من بقايا بزهم خرق دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * كما ينبه من نوماته الصعق (3) منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ومنها الاورق الخلق (4)
__________
(1) س: " سخط " (2) م: " الحسن " (3) في المعمرين بعد هذا البيت: حتى يجئ بحال غير حالهم * خلق مضوا ثم ماذا بعد ذاك لقوا (4) في المعمرين ص 71 " منهم عراة وموتى في ثيابهم ".
(*)
/ مطر ونبات (1)، وآباء وأمهات، وذاهب وآت. (1/153)
وآيات في إثر آيات، وأموات بعد أموات.
ضوء وظلام، وليال وأيام، وغنى وفقير، وشقي وسعيد، ومحسن ومسئ.
أين الارباب الفعلة ؟ ليصلحن كل عامل عمله.
كلا، بل هو الله واحد،، ليس بمولود ولا والد، أعاد (2) وأبدى، وإليه
المآب غدا.
أما بعد، يا معشر إياد، أين ثمود وعاد ؟ وأين الآباء والاجداد ؟ أين الحسن الذى لم يشكر ؟ أين الظلم الذى لم ينقم (3) ؟ كلا ورب الكعبة ليعودن مابدا، ولئن ذهب يوم ليعودن يوم.
قال: وهو قس بن ساعدة (4) بن حذاق بن ذهل بن إياد بن نزار.
أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية.
وأول من توكأ على عصا (5).
وأول من تكلم ب " أما بعد (5) ".
/ خطبة لابي طالب الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس.
وإن محمد بن عبد الله، ابن أخى، لا يوازن (6) به فتى من قريش إلا رجح به: بركة وفضلا وعدلا، ومجدا ونبلا، وإن كان في المال مقلا، فإن المال عارية مسترجعة، وظل زائل، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أردتم من الصداق فعلى (7).
* * * / قد نسخت لك جملا من كلام الصدر الاول ومحاوراتهم وخطبهم،
__________
(1) في المعمرين " قال أبو حاتم: وذكر حزم بن أبى راشد قال: أملى على رجل من أهل خراسان من مواعظ قس: مطر..." (2) م: " وابدأ ": " وابداء " (3) س: " الظالم " وفى البيان والتبيين 1 / 309 " والظلم الذى لم ينكر " (4) في جمهرة أنساب العرب لابن حرم ص 308 " قس بن ساعدة بن عمرو بن شمر بن عدى ابن مالك..." وفى المعمرين غير ذلك فراجعه هناك ص 69
(5 - 5) م ابين الرقمين ساقط من ا، م وثابت في ب وك، والمعمرين ص 69 (6) م: " لا أزن " (7) صبح الاعشى 1 / 213 (*)
وأحيلك فيما لم أنسخ على التواريخ والكتب المصنفة في هذا الشأن. (1/154)
فتأمل ذلك، وسائر ما هو مسطر من الاخبار المأثورة عن السلف، وأهل البيان واللسن، والفصاحة والفطن، والالفاظ المنثورة، والمخاطبات الدائرة بينهم، والامثال المنقولة عنهم.
ثم انظر - بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل - في ذلك، فسيقع لك الفصل (1) بين كلام الناس وبين كلام رب العالمين، وتعلم أن نظم القرآن يخالف نظم (2) كلام الآدميين، وتعلم الحد الذى يتفاوت بين كلام البليغ والبليغ، والخطيب والخطيب، والشاعر والشاعر، وبين نظم القرآن جملة.
فإن خيل إليك، أو شبه عليك، وظننت أنه يحتاج أن يوازن بين نظم الشعر والقرآن، لان الشعر أفصح من الخطب، وأبرع من الرسائل، وأدق مسلكا من جميع أصناف المحاورات - ولذلك (3) قالوا له صلى الله عليه وسلم: هو شاعر أو ساحر - وسول إليك الشيطان أن الشعر أبلغ وأعجب، وأرق (4) وأبرع، وأحسن الكلام وأبدع - فهذا فصل فيه نظر بين المتكلمين، وكلام بين المحققين.
__________
(1) ك: " الفضل " (2) م: " مخالف لنظم " (3) م: " وكذلك " (4) م: " وأدق " (*)
باب (1) سمعت (2) أفضل من رأيت من أهل (3) العلم بالادب والحذق بهذه الصناعة، مع تقدمه في الكلام - يقول: إن الكلام المنثور يتأتى فيه من الفصاحة والبلاغة ما لا يتأتى في الشعر، لان الشعر يضيق نطاق الكلام، ويمنع القول من انتهائه، ويصده عن تصرفه على سننه. (1/155)
وحضره من يتقدم في صنعة الكلام، فراجعه في ذلك، وذكر أنه لا يمتنع أن يكون الشعر أبلغ إذا صادف شروط الفصاحة، وأبدع إذا تضمن أسباب البلاغة.
ويشهد عندي للقول الاخير: أن معظم براعة كلام العرب في الشعر، ولا نجد في منثور قولهم ما نجد في منظومه، وإن كان قد أحدثت البراعة في الرسائل على حد لم يعهد في سالف أيام العرب، ولم ينقل في دواوينهم (4) وأخبارهم.
وهو، وإن ضيق نطاق القول، فهو يجمع حواشيه، ويضم / أطرافه ونواحيه، فهو إذا تهذب في بابه، ووفى (5) له جميع أسبابه - لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب.
وقد حكى عن " المتنبي " أنه كان ينظر في المصحف، فدخل إليه بعض أصحابه، فأنكر نظره فيه، لما كان رآه (6) عليه من سوء اعتقاده، فقال له: هذا (7) المكى على فصاحته كان مفحما ! ! فإن صحت هذه الحكاية عنه في إلحاده عرف بها (8) أنه كان يعتقد أن الفصاحة في قول الشعر [ أمكن ] وأبلغ (9).
__________
(1) هذا العنوان من م (2) س: " أسمعت "
(3) م: " من العلم بالادب " ا: " من أهل الادب " (4) س: " من دواوينهم " (5) م: " ووفر " (6) م: " يراه " (7) ك: " هو " (8) ك: " عرف لها " (9) س، ك: " الشعر أبلغ " (*)
وإذا كانت الفصاحة في قول الشعر أو لم تكن، وبينا أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، ويتقدم في بلاغته على كل قول، بما يتضح به الامر اتضاح الشمس، ويتبين به بيان الصبح - وقفت على جلية هذا الشأن. (1/156)
فانظر فيما نعرضه عليك (1)، وتصور بفهمك ما نصوره، ليقع لك موقع عظيم شأن القرآن، وتأمل ما نرتبه، ينكشف لك الحق.
إذا أردنا (2) تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة / متفق على كبر محلها، وصحة نظمها، وجودة بلاغتها، ورشاقة (3) معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة، والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع (4) خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقى، يقرن بلفظ ملوكي، وغير ذلك من الوجوه التى يجئ تفصيلها، ونبين ترتيبها وتنزيلها.
* * *
فأما كلام " مسيلمة " الكذاب، وما زعم أنه قرآن، فهو أخس من أن نشتغل به، وأسخف من أن نفكر فيه.
وإنما نقلنا منه طرفا ليتعجب القارئ، وليتبصر الناظر، فإنه (5) على سخافته قد أضل، وعلى ركاكته قد أزل، وميدان الجهل واسع ! ومن نظر فيما نقلناه عنه، وفهم موضع جهله، كان جديرا أن يحمد الله على ما رزقه من فهم، وآتاه من علم.
فما كان يزعم أنه نزل عليه من السماء: " والليل الاضخم، والذئب / الادلم، والجذع الازلم، ما انتهكت أسيد من محرم " ! وذلك قد ذكر في خلاف وقع بين قوم أتوه من أصحابه !
__________
(1) ك: " تعرضه وتصور " س: " نعرضه عليك ما نعرضه وتصور " (2) م: " إذا أردت " (3) سقطت هذه الكلمة من س، ك (4) م: " فنوقفك على مواقع " (5) م: " لانه " (*)
وقال أيضا، " والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس " ! وكان يقول: " والشاء وألوانها، وأعجبها السود، وألبهانها، والشاة السوداء، واللبن الابيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تجتمعون " (1) ! وكان يقول: " ضفدع بنت ضفدعين، نقى ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين (2)، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الارض ولقريش نصفها، ولكن قريش (3) قوم يعتدون " ! (1/157)
وكان يقول: " والمبديات (4) زرعا، والحاصدات حصدا، والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغى فناوئوه.
" ! / وقالت سجاج بنت الحارث بن عقبان - وكانت تتنبأ، فاجتمع مسيلمة معها - فقالت له: ما أوحى إليك ؟ فقال: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى (5)، ما بين صفاق وحشا " ! وقالت: فما بعد ذلك ؟ قال: أوحى إلى: " إن الله خلق النساء أفواجا، وجعل الرجال لهن أزواجا، فنولج فيهن قعسا إيلاجا، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجا، فينتجن لنا سخالا نتاجا " ! فقالت: أشهد أنك نبى (6) ! ! ولم ننقل كل ما ذكر من سخفه، كراهية التثقيل.
وروى: أنه سأل أبو بكر الصديق رضى الله عنه أقواما قدموا عليه من بنى حنيفة، عن هذه الالفاظ ؟ فحكوا بعض ما نقلناه، فقال أبو بكر: سبحان
__________
(1) م: " تمجعون " ! (2) التمهيد ص 128 (3) م: " قريش " (4) في التمهيد " والزارعات " م: " والمنذرات " ك: " والمتبديات " (5) ل: " تسعى بين " (6) انظر قصة اجتماعهما، وبقية حوارهما، وما قاله الاغلب العجلى في قصة زواجهما، في كتاب الاغانى 18 / 165 - 166 وطبقات فحول الشعراء ص 573 - 575 (*)