صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إعجاز القرآن للباقلاني
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والاخذ عنه، فأقصته الملوك وشردته عن بلاده ".
وكالحافظ الذهبي الذى قال عنه في سير أعلام النبلاء: " لم يتأدب مع الائمة في الخطاب، بل فجج العبارة، وسب وجدع، فكان جزاؤه من جنس فعله، بحيث إنه أعرض عن تصانيفه جماعة من الائمة وهجروها، ونفروا منها، وأحرقت في وقته " وإذا كان ذلك كذلك فيجب ألا يلتفت إنسان إلى قول ابن حزم في الباقلانى، ولا ينظر بعين الاعتبار إلى طعنه عليه، وتكفيره له.
(23) قال ابن خلدون: عبد الرحمن بن محمد (732 - 808) في مقدمته، في أثناء حديثه في فصل علم الكلام ص 465: "..وكثر أتباع الشيخ أبى الحسن الاشعري، واقتفى طريقته من بعده تلاميذه، كابن مجاهد وغيره، وأخذ عنهم القاضى أبو بكر الباقلانى، فتصدر للامامة في طريقتهم وهذبها، ووضع المقدمات العقلية التى تتوقف عليها الادلة والانظار، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم، وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الايمانية في وجوب اعتقادها، لتوقف تلك الادلة عليها وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول.
وحملت هذه الطريقة، وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية، إلا أن صور الادلة تعتبر بها الاقيسة، ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشئ، فلم يأخذ به المتكلمون، لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك.
ثم جاء بعد القاضى أبى بكر الباقلانى إمام الحرمين أبو المعالى، فأملى في الطريقة كتاب الشامل، وأوسع القول فيه، ثم لخصه، في كتاب الارشاد، واتخذه الناس إماما لعقائدهم.
".
(24) قال ابن تيمية في كتاب " بغية المرتاد " ص 107 في معرض حديثه
عن مصادر معارف أبى حامد الغزالي (450 - 505) وأستاذه أبى المعالى الجوينى، إمام الحرمين (419 - 478) -: " وأبو حامد مادته الكلامية من كلام شيخه في " الارشاد " و " الشامل " ونحوهما، مضموما إلى ما تلقاه من القاضى أبى بكر

(1/63)


الباقلانى، لكنه في أصول الفقه سلك في الغالب مذهب ابن الباقلانى، مذهب الواقفة وتصويب المجتهدين، ونحو ذلك، وضم إلى ذلك ما أخذه من كلام أبى زيد الدبوسي وغيره في القياس ونحوه.
وأما في الكلام فطريقته طريقة شيخه دون القاضى أبى بكر.
وأما شيخه أبو المعالى فمادته الكلامية أكثر من كلام القاضى أبى بكر ونحوه واستمد من كلام أبى هاشم الجبائى، على مختارات له.
وكان قد فسر الكلام على أبى قاسم الاسكافي.
عن أبى إسحاق الاسفراينى.
ولكن القاضى هو عندهم أولى.
ولقد خرج عن طريقة القاضى وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة ".
(25) ومن ألد أعداء الاشعري والاشاعرة: أبو على الحسن بن على بن إبراهيم بن يزداد بن هرمز، الاهوازي (362 - 446) وقد ألف في مثالب الاشعري كتابا، رماه فيه بكل ما أمكنه ذكره من الامر الشنيع والوصف القبيح، كما رمى كبار أصحابه، وأعلام مذهبه، وقد نقض عليه كتابه الحافظ ابن عساكر في كتاب " تبيين كذب المفترى " ص 364 - 420 ومن قوله في ص 398: " وأما ما ذكره في حق القاضى أبى بكر بن الباقلانى رحمه الله من أنه كان أجير الفامى، وأنه إنما ارتفع قدره بمداخلة السلاطين لا بالعلم - فعين الجهل والتعامى.
وهل ينكر فضل القاضى أبى بكر في العلم والفهم من شم أدنى شمة من العلم ؟ وتصانيفه في الخلق مبثوثة، وعلومه عنه مستفادة موروثة.
وقد كان يدرس المدة الطويلة في دار السلام، ويصنف الكتب الجليلة في قواعد الاسلام، ويؤخذ
عنه علم الفقه على مذهب مالك بن أنس، وينتفع بدروسه في أصول الدين والفقه كل مقتبس، والرحلة من الشرق والغرب، فقوله في حقه قول من لا يتحاشى من الكذب ".
والذى حدا بالأهوازي إلى الطعن في الاشعري ومتابعيه، أنه كان مشبها مجسما يقول بالظاهر، ويذهب مذهب السالمية، وهى فرقة من المشبهة، يقولون: إن الله سبحانه يرى في صورة آدمى، وإنه يقرأ على لسان كل قارئ، وإنهم إذا سمعوا القرآن من قارئ يرون أنهم يسمعونه من الله.
ويعتقدون أن الميت يأكل في قبره

(1/64)


ويشرب.
وقد اتهم العلماء الاهوازي بالوضع والاختلاق، وقد قال عنه تلميذه الخطيب البغدادي: " أبو على الاهوازي كذاب في الحديث والقرآن جميعا " ! الباقلانى وابن المعلم: وكان يعاصر الباقلانى إمام الرافضة ولسان الامامية أبو عبد الله: محمد بن محمد ابن النعمان بن سعيد، البغدادي الكوفى، المعروف بابن المعلم، والملقب عند الشيعة بالشيخ المفيد (336 - 413) وكان ابن المعلم جليل المكانة في الدولة البويهية، وكان عضد الدولة يزوره في داره، وكان قويا في الكلام والفقه والجدل، مولعا بمناظرة أهل كل عقيدة.
قال الخطيب البغدادي 5 / 379: " إن ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها، حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له، إذ أقبل القاضى أبو بكر الاشعري، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه، وقال لهم: قد جاءكم الشيطان، فسمع القاضى كلامهم - وكان بعيدا من القوم - فلما جلس أقبل على ابن المعلم وأصحابه وقال لهم: قال الله تعالى: (إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) أي إن كنت شيطانا فأنتم كفار، وقد أرسلت عليكم ! " قال القاضى: وحكى غير الخطيب أن الحكاية جرت للباقلاني مع أهل مجلس
فنا خسرو الملك، من شيوخ المعتزلة، وأنه كان داخلا إذ سمعهم يذكرون أمره، فقال لهم بعضهم: ما هو إلا شيطان ؟ فوصل إليهم وهو يتلو الآية.
قال: وسمعت بعض الشيوخ يحكى: أن ابن المعلم تكلم معه يوما فلما احتد الكلام بينهما، رماه ابن المعلم بكف باقلاء (فول) أعده له، يعرض له بما ينسب إليه، ليخجله بذلك ويحصره، فرد القاضى للحين يده في كمه ورماه بدرة أعدها له، فعجب من فطنته وإعداده للامور أشباهها قبل وقتها ! وفاة الباقلانى: حدث الخطيب البغدادي 5 / 382 عن على بن أبى على المعدل، قال: مات القاضى أبو بكر: محمد بن الطيب، في يوم السبت لسبع بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وأربعمائة.

(1/65)


وقال أبو الحجاج: يوسف بن عبد العزيز اللخمى: توفى القاضى الباقلانى سنة أربع وأربعمائة.
وقد نقل القاضى عياض في " ترتيب المدارك " ما حكاه الخطيب، ثم قال: " ووجدت عن غيره: سنة أربع، أيام بهاء الدولة، والخليفة القادر بالله، وهذا خطأ والاول أصح ".
وقد صلى على الباقلانى ابنه الحسن، وكان شابا مرجوا، واخترمته المنية بعد أبيه.
ودفن القاضى في داره، ثم نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب، في تربة بقرب قبر أحمد بن حنبل، ونقش على شاهد تربته ما نصه: " هذا قبر القاضى الامام السعيد، فخر الامة، ولسان الملة وسيف السنة، عماد الدين، ناصر الاسلام، أبى بكر: محمد بن الطيب البصري، قدس الله روحه، وألحقه بنبيه محمد صلوات الله عليه وسلامه، ويزار ويستسقى ويتبرك به ".
وقد حضر أبو الفضل التميمي الحنبلى (341 - 410) يوم وفاته العزاء حافيا مع إخوته وأصحابه، وأمر أن ينادى بين يدى جنازته: " هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذى كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذى صنف سبعين ألف ورقة ردا على الملحدين ".
وقعد للعزاء ثلاثة أيام فلم يبرح وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار.
وكان يزورها أيضا للترحم عليه أبو الفضل: عبيد الله بن أحمد بن على المقرئ (370 - 451) وأبو علي: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان (339 - 426) وأبو القاسم: عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفى (355 - 435).
وقد رثى الباقلانى بعض الشعراء فقال: انظر إلى جبل تمشى الرجال به * * وانظر إلى القبر ما يحوى من الصلف وانظر إلى صارم الاسلام منغمدا * * وانظر إلى درة الاسلام في الصدف

(1/66)


كتاب إعجاز القرآن وهو أول كتب الباقلانى نشرا، وأشهرهم ذكرا، وهو أعظم كتاب ألف في الاعجاز إلى اليوم، وإن كره ذلك بعض المتعصبين على المعهد العتيق.
ولقد حدثنى من أثق بصدق حديثه: أن دارا للنشر والطبع استشارت كبيرا منهم في طبع هذا الكتاب بتحقيقي، فكتب إليها بخط يده يقول: " أنا لا أنصح بطبع كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، لانه ليس أنفس كتاب في موضوعه " ! ! ولما لقيت كاتب هذا التقرير العجيب قذفت سامعتيه بهذا التحدي: " دلنى على كتاب واحد في إعجاز القرآن تربو قيمته على كتاب الباقلانى أو تضارعه " ! فأبلس ولم يحر جوابا..* * * ذكر الباقلانى في مقدمته أن الذين ألفوا في " معاني القرآن " من علماء اللغة
والكلام، لم يبسطوا القول في الابانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه، مع أن الحاجة إلى ذلك البيان أمس، والاشتغال به أوجب، فهو أحق بالتصنيف من الجزء والطفرة والاعراض وغريب النحو وبديع الاعراب.
وأن ما صنفه العلماء في هذا المعنى جاء غير كامل في بابه، قد أخل بتهذيبه، وأهمل ترتيبه، وقد التمس لبعضهم العذر فيما وقع منه من تفريط، لان بيان وجه الاعجاز " مما لا يمكن بيانه إلا بعد التقدم في أمور عظيمة المقدار، دقيقة المسلك، لطيفة المأخذ ".
وقال: إن الجاحظ " صنف في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ".
ثم قال: إن سائلا سأله أن يذكر جملة من القول جامعة، تسقط الشبهات وتزيل الشكوك التى تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطر لهم، ويعرض لافهامهم، من الطعن في وجه المعجزة.
فأجابه إلى ذلك، وألف هذا الكتاب، وذكر أنه أشار إلى ما سبق بيانه من غيره، ولم يبسط القول فيه، لئلا يكون ما ألفه مكررا

(1/67)


ومقولا.
وقال: إنه لا يزعم أنه يمكنه أن يبين ما رام بيانه، وأراد شرحه وتفصيله، إلا لمن كان " من أهل صناعة العربية، وقد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين ونظر في شئ من أصول الدين ".
ثم بين في الفصل الاول أن نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، مبينة على دلالة معجزة القرآن، واستدل على ذلك بآيات كثيرة، وقال: إنه ما من سورة من السور المفتتحة بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ذلك " وكثير من هذه السور إذا تأملته، فهو من أوله إلى آخره مبنى على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على معجزته ".
وفصل القول في نظم سورتي غافر وفصلت، وبين دلالته على ذلك.
* * * وعقد الفصل الثاني ص 21 لبيان وجه دلالة معجزة القرآن على نبوة النبي وبنى ذلك على أصلين: أولهما: وقوع العلم الضرورى بأن القرآن المتلو المحفوظ المرسوم في المصاحف - هو الذى جاء به النبي من عند الله تعالى، وأنه تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة، وقام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد وتحمله عنه إليها من تابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذى لا يشتبه.
والاصل الثاني: أنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الاتيان طول تلك السنين فلم يأتوا بذلك، واستدل على هذا الاصل بآيات كثيرة، منها آية استدل بها على بطلان قول من زعم أن وحدانية الله لا تعلم إلا من جهة العقل، ولا يمكن أن تعلم من القرآن، وهى قوله تعالى: (أم يقولون افتراه، قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين.
فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون ؟).
وقد عقب عليها بقوله ص 23: " فجعل عجزهم عن الاتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته ".
ثم كشف عن المعاني التى استقصى أهل العلم الكلام فيها قبله، وما جاء به بعدهم، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف كون القرآن معجزا حين أوحى إليه من قبل أن يقرأه على غيره أو يتحدى إليه سواه.
وأفاض في إبطال قول

(1/68)


القائلين بالصرفة، وقال: إن التوراة والانجيل وغيرهما من كلام الله يشارك القرآن في الاعجاز بما تضمنه من الاخبار عن الغيوب، ويباينه في أنه ليس بمعجز في النظم والتأليف، لان الله لم يصفه بما وصف به القرآن، ولم يقع به التحدي كما وقع بالقرآن، ولان الالسنة التى نزل بها لا يتأتى فيها من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذى ينتهى إلى حد الاعجاز.
وقال: إن كتاب زرادشت وكتاب مانى ليس يقع
فيهما إعجاز، وإنه لا يوجد لابن المقفع كتاب يدعى مدع أنه عارض فيه القرآن.
* * * والفصل الثالث ص 48 في جملة وجوه إعجاز القرآن.
وقد ذكر في مستهله أن الاشاعرة وغيرهم ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه: أولها: ما تضمنه القرآن من الاخبار عن الغيوب، وذلك مما يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه.
والوجه الثاني: أنه أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الامور ومهمات السير من حين خلق الله آدم إلى مبعثه، مع أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.
والوجه الثالث: " أنه بديع النظم عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذى يعلم عجز الخلق عنه " وقال: إن الذى أطلقه العلماء في هذا الوجه هو على هذه الجملة، أما هو فقد كشف الجملة التى أطلقوها، وفصل ذلك بعض التفصيل، حيث يقول ص 51: " فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للاعجاز وجوه: منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد ".
ومنها ص 53 " أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر.
وهذا المعنى هو غير المعنى الاول، فتأمله تعرف الفصل ".
والمعنى الثالث ص 54: أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التى يتصرف فيها ويشتمل عليها " وإنما هو على حد

(1/69)


واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن
المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا.
وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الاعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف.
وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة، تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كثيرا.
ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت بل هو على نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر ".
والمعنى الرابع: أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع.
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شئ إلى شئ، والتحول من باب إلى باب.
والقرآن على اختلاف فنونه، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة - يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الافراد إلى حد الآحاد.
وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف ".
والمعنى الخامس: أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الجن، كما يخرج عن عادة كلام الانس، فهم يعجزون عن الاتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا ".
والمعنى السادس ص 62: " أن الذى ينقسم إليه الخطاب، من البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التى توجد في كلامهم - موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والابداع والبلاغة ".
والمعنى السابع ص 63: " أن المعاني التى تضمنها في أصل وضع الشريعة
والاحكام والاحتجاجات في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الالفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة مما يتعذر على البشر ويمتنع ".

(1/70)


والمعنى الثامن: أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الاسماع وتتشوف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديا، غامرا سائر ما تقرن به، كالدرة التى ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهى غرة جميعه، وواسطة عقده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه ومائه ".
ثم قال في ص 64: " ولولا هذه التى بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة..فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك - علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الامور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه ".
والمعنى التاسع ص 66: " أن الحروف التى بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفا، وعدد السور التى افتتح فيها بذكر الحروف ثمانية وعشرون سورة وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفا، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التى ينظمون بها كلامهم ".
والمعنى العاشر: " أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشى المستكره والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلفة.
وجعله قريبا إلى الافهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس.
وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في
موقعه - أن يقدر عليه، أو يظفر به ".
ثم قال في ص 70: " وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والافراد فإنا جمعنا بين أمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها.
وكل واحد من تلك الامور مما يمكن اعتماده في إظهار الاعجاز فيه ".
ثم ختم كلامه في هذا الفصل بالاجابة على سؤال هام أورده في ص 71 وهو: " فإنه قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لانه حكاية لكلام القديم سبحانه،

(1/71)


أو لانه عبارة عنه، أو لانه قديم في نفسه ؟ " قيل: " لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فكيف يصح التركيب على الفاسد ؟ ولا نقول أيضا: إن وجه الاعجاز في نظم القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله، لانه لو كان كذلك لكانت التوراة والانجيل وغيرها من كتب الله عز وجل - معجزات في النظم والتأليف.
وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك.
وكذلك يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها.
وقد ثبت خلاف ذلك ".
* * * والفصل الرابع ص 72: عقده لشرح ما بينه من وجوه إعجاز القرآن الثلاثة السابقة، وهى الاخبار عن الغيوب، والانباء عن قصص الاولين وسير المتقدمين وبراعة النظم والتأليف والرصف.
* * * والفصل الخامس ص 76: مقصور على نفى الشعر من القرآن.
وأما الفصل السادس فقد عقده لنفى السجع من القرآن.
وقد استهله بقوله: " ذهب أصحابنا كلهم إلى نفى السجع من القرآن.
وذكره الشيخ أبو الحسن الاشعري في غير موضع من كتبه.
وذهب كثير ممن يخالفهم إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من
الوجوه التى تعرف بها الفصاحة.
وأقوى ما يستدلون به عليه: اتفاق الكل على أن موسى أفضل من هارون، عليهما السلام، ولمكان السجع قيل في موضع: " هارون وموسى " ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون، قيل: " موسى وهارون " ثم قال الباقلانى: " وهذا الذى يزعمونه غير صحيح.
ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز.
ولو جاز أن يقولوا: هو سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز، وكيف والسجع مما كان يألفه الكهان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر ؟ لان الكهانة تنافى النبوات، وليس كذلك الشعر.
وقد روى أن النبي

(1/72)


صلى الله عليه وسلم قال للذين جاءوه وكلموه في شأن الجنين: كيف ندى من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل، أليس دمه قد يطل ؟ فقال: " أسجاعة كسجاعة الجاهلية ؟ " وفى بعضها: " أسجعا كسجع الكهان ؟ " فرأى ذلك مذموما لم يصح أن يكون في دلالته.
والذى يقدرونه أنه سجع فهو وهم، لانه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعا، لان ما يكون به الكلام سجعا يختص ببعض الوجوه دون بعض، لان السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع، لان اللفظ يقع فيه تاليا للمعنى ".
ثم قال: " ويقال لهم: لو كان الذى في القرآن على ما تقدرونه سجعا لكان مذموما مرذولا، لان السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه: كان قبيحا من الكلام.
وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة ".
ثم قال: " فلو رأوا أن ما تلى عليهم من القرآن سجعا لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن " ويقول ص 90: " ولو كان الكلام الذى هو في صورة السجع منه لما تحيروا فيه، ولكانت الطباع تدعوا إلى المعارضة، لان السجع ممتنع عليهم، بل هو في عادتهم، فكيف تنقض العادة بما هو نفس العادة، وهو غير خارج عنها ولا متميز منها ؟ " ثم مضى في حديثه عن السجع، وذكر فيما ذكر اختلاف العلماء في الشعر كيف اتفق للعرب قوله أو لا ؟ وهل كان اتفاقا غير مقصود إليه ؟ أم تواضعوا على هذا الوجه من النظم ؟ وأن الله عرفهم محاسن الكلام، ودلهم على كل طريقة عجيبة.
ثم أعلمهم عجزهم عن الاتيان بمثل القرآن " ووجدوا أن هذا لما تعذر عليهم مع التحدي والتقريع الشديد والحاجة الماسة إليه، مع علمهم بطريق وضع النظم والنثر، وتكامل أحوالهم فيه - دل على أنه اختص به، ليكون دلالة على

(1/73)


النبوة، ومعجزة على الرسالة ".
وختم الباقلانى كلامه في هذا الفصل بإلزام عجيب لمخالفيه حيث يقول في ص 99: " ولا بد لمن جوز السجع فيه وسلك ما سلكوه من أن يسلم ما ذهب إليه النظام، وعباد بن سليمان، وهشام الفوطى، ويذهب مذهبهم، في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف.
ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها.
ويستهين ببديع نظمه وعجيب تأليفه الذى وقع التحدي إليه ! وكيف يعجزهم الخروج عن السجع
والرجوع إليه، وقد علمنا عادتهم في خطبهم وكلامهم، أنهم كانوا لا يلزمون أبدا طريقة السجع والوزن، بل كانوا يتصرفون في أنواع مختلفة.
فإذا ادعوا على القرآن مثل ذلك، لم يجدوا فاصلة بين نظمى الكلامين ! " هذا مجمل ما قاله الباقلانى في هذا الفصل الذى عقده لبيان نفى السجع من القرآن، وهو أخف فصول الكتاب وزنا، وأقلها قدرا، وأحفلها بالخطأ البين في أصل الفكرة، وفى كيفية نصرتها والدفاع عنها، والحجاج دونها، والرد على مخالفيها ومرد ذلك - فيما يلوح لى - إلى أن الباقلانى قد اندفع في كلامه بدافع المناصرة لمذهب الاشاعرة الذى كان يدين به.
والذى حدا شاعرنا إلى نفى السجع من القرآن أنهم ظنوا، بل تيقنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذم السجع في حديث الجنين.
ومن قصة هذا الحديث أن حمل بن مالك بن النابغة كان قد تزوج بامرأتين، يقال لاحداهما: مليكة بنت ساعدة، وللاخرى: أم عفيفة بنت مسروح، فتغايرتا كما هو الشأن دائما بين الضرتين، فضربت أم عفيفة مليكة بمسطح أو بعمود فسطاطها، وهى حامل فألقت جنينها، ورفعت قضيتها إلى النبي فقضى على عاقلة الضاربة بغرة: عبد أو أمة.
فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل، فمثل هذا يطل ؟ ! فقال عليه السلام: " أسجع كسجع الجاهلية ؟ " وقد روى قول النبي بعدة روايات، منها: " أسجع كسجع

(1/74)


الجاهلية وكهانتها ؟ ".
ومنها: " دعني من أراجيز الاعراب ".
ومنها: " أسجاعة بك ؟ ".
ومنها: " أسجع كسجع الجاهلية ؟ قيل: يا رسول الله، إنه شاعر.
ومنها: " لسنا من أساجيع الجاهلية في شئ " ومنها.
" إنما هذا من إخوان الكهان ".
ومنها: " إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه - أي في الجنين - غرة " ومنها:
" أسجع كسجع الاعراب ؟ " وقد فهم كثير من العلماء أن هذا الحديث إنما ورد في ذم السجع، والتنفير منه.
ولا شك أنهم واهمون في ذلك.
ولو كان النبي أراد إلى ذمه لقال: " أسجعا " فقط.
وإنما أراد النبي بقوله هذا، كما يتضح من سياق الحديث، إنكار تشادق هذا الساجع في دفعه حقا وجب عليه وعلى عاقلته، وقعقعته بالسجع على طريقة الكهان في الجاهلية.
وقد أغرب الباقلانى في استنباطه من هذا الحديث ص 88: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أن السجع مذموم، فلا يصح أن يكون في دلالته على نبوته ! وكيف يذم النبي السجع وكثير من كلامه مسجوع ؟ يقول: " أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ؟ " وقد أخطأ الباقلانى في قوله: إن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع.
فليس السجع كذلك على الاطلاق، وإنما هذا نوع من السجع ردئ لا يقع إلا في كلام الضعفاء.
ومنه نوع آخر يقع فيه اللفظ موقعه الرائع، وهو مع ذلك تابع للمعانى.
وهذا هو النوع المحمود منه الذى جاء في المأثور الصحيح عن بلغاء الجاهلية، وفصحاء الاسلام، وورد في أحاديث الرسول على أكمل وجه وأتم نسق اتفق وجوده في كلام البشر، وإليه يريغ المثبتون للسجع في القرآن، القائلون بأن ما كان منه كذلك هو نهاية النهايات، وأبعد الغايات في البلاغة، وقد بان بطلاوته وصفاء لفظه وتمكن معناه - عن جميع ما جرى هذا المجرى من كلام الخلق.
ولو قد تدبر الباقلانى ما حكاه من قول المثبتين للسجع في القرآن: إنه مما يبين

(1/75)


به فضل الكلام، وإنه من الاجناس التى يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها الفصاحة لو تدبر هذا القول، ولم يكن مدفوعا إلى معارضته لمخالفته مذهب أصحابه - لرآه قولا وجيها، ولما وجد بين السجع وبين أنواع البديع التى ذكرها من فرق، ولقال عنه مثل قوله عن البديع ص 170: " ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذى حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وإنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع، كان جديرا " ولو صنع ذلك لاهتدى إلى سواء الصراط، ولما ذهب يتمحل العلل الواهية لنفى السجع من القرآن، كقوله: " لو كان الذى في القرآن على ما تقدرونه سجعا لكان مذموما مرذولا، لان السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه - كان قبيحا من الكلام ! وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة..فلو كان ما تلى عليهم من القرآن سجعا لقالوا، نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن ".
وفوق ما في كلامه هذا من خطأ وتهافت، فإن فيه هفوة أخرى، إذ حكم قواعد البلاغة في القرآن، مع أن القرآن هو الاساس الذى يجب أن تحاكم إليه قواعد البلاغة، وأن تجرى على سننه، ووفق أحكامه.
وكقوله: " ولا بد لمن جوز السجع في القرآن وسلك ما سلكوه، من أن يسلم ما ذهب إليه النظام وعباد وهشام، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف ! ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة
ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها ! ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه الذى وقع التحدي إليه " ! ! وهذه إلزامات عجيبة لا تلزم المثبتين للسجع في القرآن بحال من الاحوال،

(1/76)


لانهم يرون أن السجع الرائع مظهر من مظاهر الاقتدار على البلاغة، والامتلاك لزمام الفصاحة، وأن السجع الكثير في القرآن قد جاء في أرفع صور البيان، وباين كل أسجاع الساجعين، كما يؤمنون بأن سر إعجاز القرآن نظمه البديع، وبلاغته الرائعة المجاوزة لجميع بلاغات العرب.
وأى فارق بين مشاركة القرآن كله لغيره من الكلام في كونه كلاما عربيا مؤلفا من ألفاظ فصيحة بليغة، وبين مشاركة بعض آية في كونها جاءت مسجوعة ؟ وكيف يكون السجع المحمود من أمارات الفصاحة المعدودة، التى يقصد إليها أعلام البلغاء في بعض كلامهم لتوشيته وتزيينه، وتحسينه بعقد المناسبة بين ألفاظه ثم نجرد القرآن منه، وننفيه عنه بزعمنا، مع ادعائنا أنه قد اشتمل على أنواع البلاغة والفصاحة جميعا ؟ ولئن قال الباقلانى: " إن السجع عيب يجب تفيه عن القرآن، فإنى أقول: إن السجع من الميزات البلاغية التى يجدر بنا أن ننزه القرآن عن خلوه منها.
* * * والفصل السابع من فصول إعجاز القرآن ص 101 في ذكر البديع من الكلام، بدأه الباقلانى بقوله: إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة تضمنه البديع ؟ قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظا نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوه عنه، ليكون الكلام واردا على أمر مبين، وباب مقرر مصور ".
ثم نقل جملة من بديع الشعر، بعضها من كتابي البديع لابن المعتز، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر، وقال ص 162: " وقد
قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الابواب التى نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه.
وليس كذلك عندنا، لان هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، والوجوه التى نقول: إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال ".
وختم كلامه في هذا الفصل بقوله: " إنا لا نجعل الاعجاز متعلقا بهذه الوجوه الخاصة، ووقفا عليها، ومضافا إليها، وإن صح أن تكون

(1/77)


هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستبشع، والتعمل المستشنع ".
* * * والفصل الثامن في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن.
وعنده: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ الذى قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها، ولا يشتبه على ذى بصيرة، ولا يخيل عند أخى معرفة.
وأما من لم يبلغ في الفصاحة الحد الذى يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء عنه فهو عنه أعجز.
ثم نقل الباقلانى نصوصا من خطب النبي وكتبه، وكلام أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن عباس وعبد الله بن مسعود ومعاوية وعمر بن عبد العزيز والحجاج وقس ابن ساعدة وأبى طالب.
وقد استغرقت هذه النصوص من ص 196 - إلى ص 234.
و ثم قال: إنه نسخ لقارئ كتابه جملا من كلام الصدر الاول ومحاوراتهم وخطبهم، ليتأملها بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل حتى يقع له الفصل بين كلام الآدميين،.
وبين كلام رب العالمين، ويعلم أن نظم القرآن يخالف نظمهم، ويتبين الحد الذى يتفاوت بين كلام البليغين والخطيبين والشاعرين، وبين نظم القرآن جملة.
ثم عقد بابا جليل الشأن عظيم الخطر ص 236، لبيان أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، قال فيه: " إذا إردنا تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة متفق على كبر محلها.
وصحة نظمها، ووجوه بلاغتها، ورشاقة معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقى، يقرن بلفظ ملوكي ".
وبعد أن عرض لكلام مسيلمة، رجع إلى ما ضمنه من الكلام على الاشعار

(1/78)


المتفق على جودتها.
فمهد لذلك بالكلام على جودة شعر امرئ القيس وبراعته وفصاحته، وما ابتدعه في طرق الشعر، ثم عرض لنقد معلقته حيث يقول ص 243: " ونظم القرآن جنس متميز، وأسلوب متخصص، وقبيل عن النظير متخلص، فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه، فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبين لك من عواره على التفصيل ".
ثم مضى في نقد المعلقة، وانتهى منه في ص 277 بعد أن بين أن " هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذلة، وأبيات متوسطة، وأبيات ضعيفة مرذولة، وأبيات وحشية غامضة مستكرهة، وأبيات معدودة بديعة، وأن وحشيها مستنكر يروع السمع، ويهول القلب، ويكد اللسان، ويعبس معناه في وجه كل خاطر ويكفهر مطلعه على كل متأمل أو ناظر، ولا يقع بمثله التمدح والتفاصح ".
ثم قال ص 277: " وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتا بينا في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال
والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء في نظائرها، ومنازعون في محاسنها، ومعارضون في بدائعها.
ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة، ويذوب تارة، ويتلون تلون الحرباء، ويختلف اختلاف الاهواء، ويكثر في تصرفه اضطرابه، وتتقاذف به أسبابه، وبين قول يجرى في سبكه على نظام، وفى رصفه على منهاج، وفى وضعه على حد.
وفى صفائه على باب، وفى بهجته ورونقه على طريق، مختلفه مؤتلف، ومؤتلفه متحد، ومتباعده متقارب، وشارده مطيع، ومطيعه شارد، وهو على متصرفاته واحد لا يستصعب في حال، ولا يتعقد في شأن ".
ثم عرض لنظم القرآن ونهجه، فقال: " فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته، وتحارفى بحره، وتضل دون وصفه.
ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض، وتستولي به على الامد، وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس، وتتيقن تناهى بلاغته كما تتيقن الفجر، وأقرب عليك الغامض، وأسهل لك العسير ".

(1/79)


ثم ذكر آيات كثيرة، وبين أسرار إعجازها بيانا شافيا كافيا، على نحو رائع جميل، كقوله في ص 294: " ما رأيك في قوله تعالى: (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم، إنه كان من المفسدين) ؟ هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف.
وهى تشتمل على جملة وتفصيل، وجامعة وتفسير: ذكر العلو في الارض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبى النساء، وإذا تحكم في هذين الامرين فما ظنك بما دونهما ؟ ! لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على
هذا الجور.
ثم ذكر الفاصلة التى أوغلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره.
ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).
وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس ".
وقد استغرق كلامه على تلك الآيات من ص 281 - إلى 322، ثم رجع إلى حديثه عن امرئ القيس وعمن عارض القرآن بشعره، ثم قال ص 227: " فإن قال قائل: أجدك تحاملت على امرئ القيس، ورأيت أن شعره يتفاوت بين اللين والشراسة، وبين اللطف والشكاسة، وبين التوحش والاستئناس، والتقارب والتباعد، ورأيت الكلام الاعدل أفضل، والنظام المستوثق أكمل، وأنت تجد البحترى يسبق في هذا الميدان، ويفوت الغاية في هذا الشأن، وأنت ترى الكتاب يفضلون كلامه على كل كلام، ويقدمون رأيه في البلاغة على كل رأى، وكذلك تجد لابي نواس من بهجة اللفظ، ودقيق المعنى، ما يتحير فيه أهل الفضل..فكيف يعرف فضل ما سواه عليه ؟ " ثم خلص من الاجابة عن هذا السؤال، وقال في ص 333: " ونحن نعمد إلى بعض قصائد البحترى فنتكلم عليها، كما تكلمنا على قصيدة امرئ القيس، ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة، ويستخلص من سر المعرفة سريرة، ويعلم كيف تكون الموازنة، وكيف تقع المشابهة والمقاربة.
ونجعل تلك القصيدة التى نذكرها

(1/80)


أجود شعره " وهى التى مطلعها: أهلا بذلكم الخيال المقبل * * فعل الذى نهواه أو لم يفعل ثم أخذ في نقدها حتى قال في ص 373: " وإنما اقتصرنا على ذكر قصيدة البحترى، لان الكتاب يفضلونه على أهل دهره، ويقدمونه على من في عصره.
ومنهم من يدعى له الاعجاز غلوا، ويزعم أنه يناغى النجم في قوله علوا.
فبينا قدر درجته، وموضع رتبته، وحد كلامه.
وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه، وأن يكون الليل كالنهار، والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر " والحق أن نقد الباقلانى لمعلقة امرئ القيس وقصيدة البحترى، من نماذج النقد الادبى الرائعة، وصوره الرفيعة البارعة، غير أنه شان حسنها، وشاب صفاءها، بتحامله عليهما، وإسرافه في نقد أبياتهما، كقوله في نقد قول امرئ القيس ص 253: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة * * فقالت: لك الويلات إنك مرجلى قوله: " دخلت الخدر خدر عنيزة " ذكره تكريرا لاقامة الوزن، لا فائدة فيه غيره، ولا ملاحة له ولا رونق ! وقوله: " فقالت: لك الويلات إنك مرجلى " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من جهته إلى شعره ! وليس فيه غير هذا ! وكقوله ص 235 في نقد قول البحترى: أهلا بذلكم الخيال المقبل * * فعل الذى نهواه أو لم يفعل برق سرى في بطن وجرة فاهتدت * * بسناه أعناق الركاب الضلل البيت الاول في قوله: " ذلكم الخيال " ثقل روح وتطويل وحشو، وغيره أصلح له.
وأخف منه قول الصنوبرى: أهلا بذاك الزور من زور * * شمس بدت في فلك الدور وعذوبة الشعر تذهب بزيادة حرف أو نقصان حرف، فيصير إلى الكزازة، وتعود ملاحته بذلك ملوحة، وفصاحته عيا، وبراعته تكلفا، وسلاسته تعسفا،

(1/81)


وملاسته تلويا وتعقدا، فهذا فصل.
وفيه شئ آخر وهو: أن هذا الخطاب إنما يستقيم مهما خوطب به الخيال حال إقباله، فأما أن يحكى الحال التى كانت وسلفت
على هذه العيادة، ففيه عهدة، وفى تركيب الكلام عن هذا المعنى عقدة.
وهو لبراعته وحذقه في هذه الصنعة - يعلق نحو هذا الكلام، ولا ينظر في عواقبه، لان ملاحة قوله تغطى على عيون الناظرين فيه نحو هذه الامور.
ثم قوله: " فعل الذى نهواه أو لم يفعل "، ليست بكلمة رشيقة، ولا لفظة ظريفة، وإن كانت كسائر الكلام ".
ولست أشك في أن الباقلانى قد حاد عن جادة الصواب عند ما حكم بأن بيت الصنوبرى أخف من بيت البحترى.
وغنى عن البيان أن بيت الصنوبرى ثقيل بالغ الثقل، وحسبه أن يجتمع في شطره الاول " الزور من زور " وأن يكون في شطره الثاني كلمة " الدور "، ليأخذ سبيله إلى مستقره في حضيض الشعر الاوهد.
وأما نقد الباقلانى لبيت البحترى الثاني، فإنى أورده ليكون بيانا لمنهجه في نقده ولانه استطرد فيه إلى نقد امرئ القيس بنقد لطيف ذهب به، ولم يسبقه أحد إليه.
قال: " فأما بيته الثاني، فهو عظيم الموقع في البهجة، وبديع المأخذ، حسن الرواء، أنيق المنظر والمسمع، يملا القلب والفهم، ويفرح الخاطر، وتسرى بشاشته في العروق.
وكان البحترى يسمى نحو هذه الابيات عروق الذهب، وفى نحوه ما يدل على براعته في الصناعة، وحذقه في البلاغة.
ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل، مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح.
وذلك أنه جعل الخيال كالبرق لاشراقه في مسراه، كما يقال: إنه يسرى كنسيم الصبا، فيطيب ما مر به كذلك يضئ ما مر حوله، وينور ما مر به.
وهذا غلو في الصنعة، إلا أن ذكره " بطن وجرة " حشو، وفى ذكره خلل، لان النور القليل يؤثر في بطون الارض وما أطمأن منها، بخلاف ما يؤثر في غيرها، فلم يكن من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة.
وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط اللوى بين الدخول فحومل، فتوضح فالمقراة " لم يقنع
بذكر حد، حتى حده بأربعة حدود، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى إن أخل

(1/82)


بحد أن يكون بيعه فاسدا أو شرطه باطلا ! فهذا باب.
ثم إنما يذكر الخيال بخفاء الاثر، ودقة المطلب، ولطف المسلك.
وهذا الذى ذكره يضاد هذا الوجه، ويخالف ما وضع عليه أصل الباب.
ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحترى قطع الكلام الاول، وابتدأ بذكر برق لمع من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة، لان هذا القطع إن كان فعله، كان خارجا به، عن النظم المحمود، ولم يكن مبدعا، ثم كان لا تكون فيه فائدة، لان كل برق شعل وتكرر وقع الاهتداء به في الظلام، وكان لا يكون بما نظمه مفيدا ولا متقدما.
وهو على ما كان من مقصده، فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب غير مقصود، ويعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالاشارات.
وهذا من الشعر الحسن الذى يحلو لفظه، وتقل فوائده ".
ومن شواهد تجنى الباقلانى على البحترى قوله في ص 240: " وأما قوله: ما الحسن عندك يا سعاد بمحسن * * فيما أتاه ولا الجمال بمجمل عذل المشوق وإن من سيما الهوى * * في حيث يجهله لجاج العذل قوله في البيت الاول: " عندك " حشو، وليس بواقع ولا بديع، وفيه كلفة، والمعنى الذى قصده، أنت تعلم أنه متكرر على لسان الشعراء.
وفيه شئ آخر، لانه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده.
وتهييم قلبه، وضد هذا المعنى هو الذى يميل إليه أهل الهوى والحب.
وبيت كشاجم أسلم من هذا وأبعد من الخلل، وهو قوله: بحياة حسنك أحسنى، وبحق من * * جعل الجمال عليك وقفا أجملي " ولست أرى رأى الباقلانى في أن كلمة " عندك " قد وقعت حشوا متكلفا، ليست بواقعة ولا بديعة، وإنما هي في هذا المقام قد وقعت موقعها الطبيعي البديع
ولم يجتلبها التكلف حشوا لا يغنى غناءه في تأدية المعنى، وإنما هي أصيلة في أصل المعنى، ولا يؤدى معناها غيرها.
ولست أشك كذلك في أن بيت البحترى أمثل من بيت كشاجم.
ويخيل إلى أن الباقلانى قد ضل عنه معنى بيت البحترى، إذ فهم أنه " يذكر

(1/83)


أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه ".
وإنى أفهم أن المعنى الذى أراغ إليه البحترى: أن حسنها لم يحسن إليه بما يود الحبيب من حبيبه أن يحسن إليه به، مما يمتع نفسه، ويروى ظمأ حبه، وأن جمالها لم يجمل بإصفاء المودة، وإنالة جنى الحب المشتهى.
وبذلك يتسق معنى البيت، مع المعنى الذى يميل إليه أهل الهوى.
والحب.
ولئن كان الباقلانى قد أخطأ في نقد بيت البحترى الاول، وضل عن معناه، فإنه أصاب في نقده للبيت الثاني، حيث يقول: " وأما البيت الثاني فإن قوله: " في حيث " حشا بقوله كلامه، ووقع ذلك مستنكرا وحشيا نافرا عن طبعه، جافيا في وضعه، فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن ! فهو يمحو حسنه، ويأتى على جماله.
ثم في المعنى شئ، لان لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولا لم يهتدوا للعذل عليه.
فعلم أن المقصد استجلاب العبارات.
ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، قولهم المكرر المقول " * * * ثم قال الباقلانى في ص 374 " وأما الغرض الذى صنفنا فيه، في التفصيل والكشف عن إعجاز القرآن، فلم نجده على التقريب الذى قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا.
وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق ".
ثم عرض لنقد الجاحظ في ص 377: بأن كلامه قريب، ومنهاجه معيب ونطاق قوله ضيق.
ومن أجل ذلك يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت سائر، ومثل نادر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة، فإذا أطال ولم يستعن بكلام غيره، كان كلامه ككلام غيره.
ثم زعم أن أبا الفضل بن العميد قد سلك مسلكه، ونازعه طريقته، فلم يقصر عنه.
ولعله قد بان تقدمه عليه، لانه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه، ولا يقتصر على أن يأتي بالاسطر من نحو كلامه، كما ترى الجاحظ يفعل

(1/84)


في كتبه، متى ذكر من كلامه سطرا أتبعه من كلام الناس أوراقا، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا ".
وفى هذا الكلام حق كثير، وظلم مبين، وأين كلام ابن العميد من سحر الجاحظ ؟ هيهات هيهات أن يقارنه أو يقاربه.
* * * ثم عقد فصلا في ص 380 لبيان أن عجز سائر أهل الاعصار عن الاتيان بمثل القرآن ثابت، كعجز أهل العصر الاول.
ثم أعقبه بفصل في التحدي ووجه الحاجة إليه في باب القرآن ص 382.
وتلاه بفصل في قدر المعجز من القرآن عند الاشاعرة والمعتزلة ص 386.
" فذهب عامة الاشاعرة إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن: السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها.
قال الاشعري: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز، ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر.
وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهى معجزة ".
وبعده فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة ؟ ص 393 وقد ذهب إلى
أن الاعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك غير البليغ من العرب، فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه عن الاتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه.
وجعل الفصل الذى يليه ص 394 فيما يتعلق به الاعجاز: أهو الحروف المنظومة ؟ أم الكلام القائم بالذات ؟ أم غير ذلك ؟ وذهب إلى أن التحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة، التى هي عبارة عن كلام الله تعالى، في نظمها وتأليفها، وهى حكاية لكلامه، ودلالات عليه، وأما رات له، على أن يكونوا مستأنفين لذلك، لا حاكمين لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر فصلا في وصف وجوه من البلاغة، بدأه بقوله: " ذكر بعض أهل الادب والكلام: أن البلاغة على عشرة أقسام..".
وهذا البعض الذى لم يشأ

(1/85)


أن يصرح باسمه، هو معاصره أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي وقد نقل الباقلانى هذا الفصل الطويل بأمثلته من كتابه: " النكت في إعجاز القرآن "، وعلق عليه تعليقات شتى.
وقد ذيلت كل مثال نقله بما قاله الرماني فيه، لتتم فائدة القارئ، وليستبين الفرق بين الرجلين.
ثم عقد الباقلانى فصلا في حقيقة المعجز ص 436، فبين معنى إعجازه على أصول الاشاعرة بأنه لا يقدر العباد عليه، وإنما ينفرد الله بالقدرة عليه، ولما لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد على مثله، لانه لو صح أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز، وقد أجرى الله العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم وأن لا يقدروا عليه.
ولو كان غير خارج عن العادة لاتوا بمثله، أو عرضوا عليه من كلام فصحائهم وبلغائهم ما يعارضه.
فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم، وأساليب نظامهم، وزالت أطماعهم عنه.
وتعرض في هذا الفصل لنظم القرآن ص 43، وأن أصحابه قالوا فيه: إن الله يقدر
على نظم هيئة أخرى تزيد في الفصاحة عليه، كما يقدر على مثله وأما بلوغ بعض نظم القرآن الرتبة التى لا مزيد عليها، فقد قال مخالفونا: إن هذا غير ممتنع.
والذى نقوله: إنه لا يمتنع أن يقال إنه يقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم أبلغ وأبدع من القرآن كله.
وأما قدر العباد فهى متناهية في كل ما يقدرون عليه، مما تصح قدرتهم عليه ".
وعقد بعد ذلك فصلا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأمور تتصل بالاعجاز، بين فيه أنه محال أن يكون القرآن من كلامه عليه السلام، ورد فيه على قول من يقول لولا أن كلامه معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل بين المعوذتين وبين غيرهما من القرآن، وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو من القرآن أم لا.
وقال: إن هذا من تخليط الملحدين، وإن الذى يروونه في ذلك خبر واحد، لا يسكن إليه في مثل هذا ولا يعمل به.
وقد جوز أن يكون أبى قد كتب دعاء القنوت على ظهر مصحفه لئلا ينساه، كما جوز أن يكون ابن مسعود قد شذ عن

(1/86)


مصحفه إثبات المعوذتين، أو أن يكون الناقل اشتبه عليه الامر، لان مصحفه مخالف في النظم والترتيب مصحف عثمان.
وقال: " ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره على ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه ؟ ! وقد علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة المولدة في الاجماع المتقرر، والاتفاق المعروف ؟ " ثم قال: " ولو كان القرآن من كلامه، لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة وخطبة ينشئهما رجل واحد، وكانوا يعارضونه، لانا قد علمنا أن القدر الذى
بين كلامهم وبين كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لا يخرج إلى حد الاعجاز، ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه من جنس أوزان كلامهم، وليس كذلك نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك ".
ثم أجاب إجابة دقيقة موفقة على اعتراض أورده في ص 446 وهو: " ولو كان القرآن معجزا لم يختلف أهل الملة في وجه إعجازه ؟ " ثم أعقبه بفصل موجز لبيان أن من شرط المعجز أن يعلم أنه أتى به من ظهر عليه.
ثم ذكر الباقلانى الفصل الاخير من كتابه ص 452، وقال في مستهله: " قد ذكرنا في الابانة عن معجز القرآن وجيزا من القول، رجونا أن يكفى، وأملنا أن يقنع، والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الاطراف، واسع الاكناف، لعلو شأنه، وشريف مكانه.
والذى سطرناه في الكتاب، وإن كان موجزا، وما أمليناه فيه، وإن كان خفيفا، فإنه ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه ويهدى إلى الحجة، ومتى عظم محل الشئ فقد يكون الاسهاب فيه عيا، والاكثار في وصفه تقصيرا..ولولا أن العقول تختلف، والافهام تتباين، والمعارف تتفاضل - لم نحتج إلى ما تكلفنا، ولكن الناس يتفاوتون في المعرفة، ولو اتفقوا فيها لم يجز أن يتفقوا في معرفة هذا الفن، أو يجتمعوا في الهداية إلى هذا العلم، لاتصاله بأسباب خفية، وتعلقه بعلوم غامضة الغور، عميقة القعر، كثيرة المذاهب، قليلة

(1/87)


الطلاب، ضعيفة الاصحاب، وبحسب تأتى مواقعه تقع الافهام دونه، وعلى قدر لطف مسالكه يكون القصور عنه.
فإذا كان نقد الكلام كله صعبا، وتمييزه شديدا، والوقوع على اختلاف فنونه متعذرا، وهذا في كلام الآدميين، فما ظنك بكلام رب العالمين ؟ "
ثم قال: " وقد بينا في نظم القرآن أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، والاسلوب يختص بمعنى آخر من الشرف ".
وأطلق لقلمه العنان في وصف القرآن وما اشتمل من جوامع المعاني وعظيم البلاغة وعجيب النظم المفارق لسائر النظوم، فأتى في ذلك بما يلذ ويشوق.
ويعجب ويطرب، ومن قوله في هذا المعنى: " تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض رشيق، غير معتاص على الاسماع، ولا مغلق على الافهام، ولا مستكره في اللفظ ولا مستوحش في المنظر، غريب في الجنس، غير غريب في القبيل، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفا وغضارة، يسرى في القلب كما يسرى السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ الفجر، ويزخر كما يزخر البحر، طموح، العباب، جموح على المتناول المنتاب، كالروح في البدن، والنور المستطير في الافق،.
والغيث الشامل، والضياء الباهر، (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)، من توهم أن الشعر يلحق شأوه بان ضلاله، ووضح جهله، إذ الشعر سمت قد تناولته الالسن، وتداولته القلوب، وانثالت عليه الهواجس، وضرب الشيطان فيه بسهمه، وأخذ منه بحظه.
وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلا، وأقرب مأخذا، وأسهل مطلبا.
والقرآن كتاب دل على صدق متحمله، ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها، وبرهان شهد له براهين الانبياء المتقدمين،.
وبينة على طريقة ما سلف إلى الاولين.
تحداهم به.
إذ كان من جنس القول الذى زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية، وبلغوا فيه الغاية، فعرفوا عجزهم، كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج، والوصول إلى أعلى مراتب الطب، فجاءهم بما بهرهم من إحياء الموتى، وإبراء الاكمه والابرص، وكما أتى موسى بالعصا التى تلقفت ما برعوا فيه من سحرهم، وأتت

(1/88)


على ما أجمعوا عليه من أمرهم، وكما سخر لسليمان الريح والطير والجن حين كانوا يولعون به من فائق الصنعة وبدائع اللطف.
ثم كانت هذه المعجزة مما يقف عليه الاول والآخر وقوفا واحدا، ويبقى حكمها إلى يوم القيامة..فتأمل ما عرفناك في كتابنا، وفرغ له قلبك.
واجمع عليه لبك، ثم اعتصم بالله يهدك، وتوكل عليه يعنك ويجرك،.
واسترشده يرشدك، وهو حسبى وحسبك، ونعم الوكيل " * * * رأى الرافعى في إعجاز القرآن: قال في كتاب " تاريخ آداب العرب " 2 / 153: " وجاء القاضى أبو بكر الباقلانى المتوفى سنة 403 فوضع كتابه المشهور " إعجاز القرآن " الذى أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الاعجاز على حدة، والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي، ولا كتاب الرماني، ولا كتاب الخطابى الذى كان يعاصره، وأومأ إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما، فكأنه هو ابتدأ التأليف في الاعجاز بما بسط في كتابه واتسع، وفى ذلك ما يثبت لنا أن عهد هذا التأليف لا يرد في نشأته إلى غير الجاحظ.
على أن كتاب الباقلانى وإن كان فيه الجيد الكثير، وكان الرجل قد هذبه وصفاه وتصنع له، إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش وجها من التأليف لم يرضه من سواه، وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ: " لم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ".
فإن مرجع الاعجاز فيه إلى الكلام، وإلى شئ من المعارضة البيانية بين جنس وجنس من القول، ونوع وآخر من فنونه، وقد حشر إليه أمثلة من كل قبيل من النظم والنثر، ذهبت بأكثره، وغمرت جملته، وعدها في محاسنه وهى من عيوبه، وكان الباقلانى، رحمه الله وأثابه، واسع الحيلة في العبارة، مبسوط اللسان إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ ومذهب مقلده ابن العميد، على بصر وتمكن وحسن تصرف، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضع له، لما فيه من
الاغراق في الحشد، والبالغة في الاستعانة، والاستراحة إلى النقل إذ كان أكبر

(1/89)


غرضه في هذا الكتاب أن " ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه، ويهدى إلى الحجة " وهذه ثلاثة لو بسطت لها كل علوم البلاغة وفنون الادب - لوسعتها، وهى مع ذلك حشو ووصل.
على أن كتابه قد استبد بهذا الفرع من التصنيف في الاعجاز، واحتمل المؤنة فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد، ووفى بكثير مما قصد إليه من أمهات المسائل والاصول التى أوقع الكلام عليها، حتى عدوه الكتاب وحده، لا يشرك العلماء معه كتابا آخر في خطره ومنزلنه، وبعد غوره، وإحكام ترتيبه، وقوة حجته، وبسط عبارته، وتوثيق سرده، فانظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه أو تلاه.
وما زاد الباقلانى، رحمه الله، على أن ضمن كتابه روح عصره، وعلى أن جعله في هذا الباب كالمستحث للخواطر الوانية، والهمم المتثاقلة في أهل التحصيل والاستيعاب الذين لم يذهبوا عن معرفة الادب، ولم يغفلوا عن وجه اللسان ولم ينقطعوا دون محاسن الكلام وعيونه، ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه، حتى قال: " إن الناقص في هذا الصنعة كالخارج عنها، والشادى فيها كالبائن منها " وقد كانت علوم البلاغة لم تهذب لعهده، ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي ولم تجرد فيها الامهات والاصول، ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده، فبسط الرجل من ذلك شيئا، وأجمل شيئا، وهذب شيئا، ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من العلماء بالشعر وأهل الموازنة بين الشعراء، وكانت تلك العصور بهم حفيلة.
وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره "

(1/90)


وقد طبع كتاب " إعجاز القرآن " عدة طبعات: الاولى بمطبعة الاسلام بمصر
في سنة 1315.
والثانية على هامش كتاب الاتقان للسيوطي المطبوع بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة 1317.
والثالثة على هامشه كذلك في المطبعة الازهرية بالقاهرة سنة 1318.
والطبعة الرابعة في المطبعة السلفية سنة 1349، وهى بتحقيق الاستاذ محب الدين الخطيب.
وقد عارضها بنسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية، وصدرها بكلمة طيبة عن الباقلانى.
ومع أن هذه الطبعة أحسن طبعات الكتاب جميعا، فإنها لم تخل من شوائب التصحيف والتحريف، والنقص الكثير: وفيها ما هو أكثر من ذلك.
فقد كرر فيها كلام الباقلانى من السطر الحادى عشر من صفحة 17 إلى السطر الاول من ص 19، فأعيد بنصه وفصه ابتداء من السطر الثاني والعشرين من صفحة 217 إلى السطر التاسع من صفحة 219، مع أنه مقحم في هذا الموضع إقحاما يأباه المقام.
ومن أمثلة النقص الواقع فيها: ما جاء في ص 41: " وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة.
فرأيناه غير مختلف " وقد ورد هذا الكلام في طبعتنا كاملا ص 56 ".
عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كبيرا.
ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ".
ومنها في ص 70 وكقول على " حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما قال ذلك والدين في قل ".
وهو في طبعتنا: " حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك والدين في قل ".
ومنها ما جاء في ص 77 " ومن البليغ عندهم الغلو، كقول النمر بن تولب " وهو في طبعتنا: " ومن البليغ عندهم الغلو والافراط في الصفة، كقول النمر بن تولب ".
ومنها في ص 83 " إذا فريق منكم بربهم يشركون.
ويعدون من البديع الموازنة.

(1/91)


وفى طبعتنا ص 133 "..يشركون.
ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة.
ويعدون من البديع الموازنة ".
ومنها في ص 87 " ونحوه صحة التفسير، كقول القائل ".
وفى طبعتنا ص 143 " ونحوه صحة التفسير، وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحوالها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها، ولا زيادة ولا نقصان، كقول القائل ".
وفى نفس الصفحة منها: " ومن البديع التكميل والتتميم، كقول نافع بن خليفة ".
وهو في صفحتنا نفسها: " ومن البديع التكميل والتتميم وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصحة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها.
كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق.
وكقول نافع بن خليفة ".
ومنها في ص 220 " وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو من القرآن أم، ولا يجوز أن يخفى عليهم " وهو في طبعتنا ص 242 "..هو من القرآن أم لا، قيل: هذا من تخليط الملحدين، لان عندنا أن الصحابة لم يخف عليهم ما هو من القرآن، ولا يجوز أن يخفى عليهم ".
وقد رمزت إلى طبعة السلفية برمز " س " ووضعت كل زيادة عليها بين هاتين العلامتين [ ].
وأمثلة التحريف والتصحيف كثيرة مبينة في أماكنها من الكتاب، ولكنا نذكر منها: جاء في ص 66 منها " وفطنوا لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتبوا فيه المحاسن التى يقع الاضطراب بوزنها، وتهش النفوس إليها ".
والصواب في طبعتنا ص 97 " التى يقع الاطراب بوزنها ".
وجاء في ص 97 " كامرئ القيس، وزهير، والنابغة وإلى يومه، ونحن نبين تميز كلامهم ".
والصواب في طبعتنا ص 167 " والنابغة، وابن هرمة، ونحن

(1/92)


نبين تميز كلامهم ".
وجاء في ص 131 " وإنما قرع له الاصمعي إلى إفادته هذه الفائدة خشية أن يعاب عليه ".
والصواب في طبعتنا ص 245 " وإنما فزع الاصمعي إلى إفادته هذه الفائدة، خشية أن يعاب عليه ".
وجاء في ص 114 " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو: اصطلحنا على وضع الحرب عن الناس عشرين سنة يأمن فيه الناس ".
والصواب في طبعتنا ص 205 " اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ".
وجاء في ص 130 في كلام الباقلانى عن امرئ القيس: " ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته، وربما عثرت في وجهه على أشياء كثيرة، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة ".
والصواب في طبعتنا ص 242 ".
وربما غيرت في وجهه أشياء كثيرة ".
وجاء في كلام الباقلانى على بيت امرئ القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * * بسهميك في أعشار قلب مقتل ص 138 " لانه إن كان محتاجا - على ما وصف به نفسه من الصبابة فقلبه كله لها، فكيف يكون بكاؤها هو الذى يخلص قلبه لها ؟ " والصواب كما في طبعتنا ص 260 " لانه إن كان محبا - على ما وصف به نفسه من الصبابة.
" ص 100 " ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته
وربما عثرت في جهة على أشياء كثيرة، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة " والصواب كما في طبعتنا ص 242 ".
وربما غبرت في وجهه أشياء كثيرة.
" ومن أجل ذلك وأمثاله رأيت أن أنشر الكتاب نشرة علمية قويمة، تقوم أوده، وتكمل نقصه، وكان لى ما أردت، بحمد الله وتوفيقه.

(1/93)


وقد اعتمدت في نشره على أربع نسخ خطية: فالنسخة الاولى: صورتها عن نسخة المتحف البريطاني رقم 7749 وعدد أوراقها 139 ورقة، وخطها نسخ جميل وقد ضبطت كلماتها بالحركات.
وكتب في آخرها بخط يخالف خطها: " هذا ما كتبه المؤلف لخزانة كتب عضد الدولة، وطالع فيه الحسن ابن المؤلف، سنة تسع وتسعين بعد الثلثمائة ".
ولست أمترى في أن هذه العبارة مزورة.
قد كتبها كاتب ليضفى على النسخة قيمة تاريخية ليتسنى له بيعها بثمن مرتفع.
وبعيد أن يكتب الباقلانى هذه النسخة لمكتبة عضد الدولة، ويكون فيها: " خطبة لقس بن ساعدة الايادي رضى الله عنه ! "، ولا يعنى بتصحيحها وهذه النسخة مترعة بالتحريف، وتنقص بعض النصوص، كما هو مبين في أماكنه من الكتاب.
وقد رمزت إلى هذه النسخة بالرمز " م ".
والنسخة الثانية: صورتها عن نسخة مكتبة " كوبريلى " بالآستانة، وهى تقع في 104 ورقات، ومقاسها 5، 8 25 X، 16 وخطها نسخ مشكول بالحركات، وهى مخرومة من وسطها، وقد كتب في آخرها بخط ناسخها: " وكان الفراغ من نسخه سلخ الشهر المعظم رجب سنة ثمانية عشر وستمائة.
علقه الشريف حسن بن الشريف محمد، بن الشريف على بن الشريف حسين، الحسينى، السمرقندى الناسخ، وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما " وقد رمزت إليها بالحرف
" ك ".
والنسخة الثالثة: مخطوطة خاصة مجهولة التاريخ، وليس عليها ما يدل على اسم ناسخها، وهى مكتوبة بخط مغربي دقيق، غير مضبوطة وتقع في 112 ورقة وقد فقدت منها الورقة الاولى، وقد رمزت إليها بالحرف " ب ".
والنسخة الرابعة صورتها عن النسخة المحفوظة بمكتبة " الاسكوريال " بأسبانيا تحت رقم 1435 وهى تقع في 125 ورقة، وقد جاء في آخرها: " وكان الفراغ منه في غرة ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، نسخته من أصل الفقيه الامام أبى الحجاج: يوسف بن عبد العزيز اللخمى، الذى عليه خط شيخه عمدة أهل الحق، أبى عبد الله التميمي.
وأخبرني أنه نسخها من نسخة صحيحة عليها

(1/94)


مكتوب: فرغ من نسخها في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة.
وقال لى: توفى القاضى المؤلف، رحمه الله، سنة أربع وأربعمائة.
وعارضت نسختي هذه بالاصل، وقرأتها عليه وهو يمسك أصله، والحمد لله رب العالمين " وقد رمزت إلى هذه النسخة بحرف " ا ".
* * * وبعد، فإنى أحمد الله سبحانه أن وفقني لاخراج الكتاب على هذا النحو، فإن كنت أصبت فالخير أردت، وإن تكن الاخرى فحسبي أننى بذلت فيه وسعى، وفى لفتات النقاد ما يكمل النقص ويسد الخلل، والله ولى التوفيق.
السيد أحمد صقر القاهرة يوم الخميس (18 من المحرم سنة 1374 ه (16 من سبتمبر 1954 م

(1/95)


إعجاز القرآن
للباقلاني أبى بكر محمد بن الطيب

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المنعم على عباده بما هداهم إليه من الايمان، والمتمم إحسانه بما أقام لهم من جلى البرهان، الذى حمد نفسه بما (1) أنزل من القرآن، ليكون بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وهاديا إلى ما ارتضى لهم من دينه، وسلطانا أوضح وجه تبيينه (2)، ودليلا على وحدانيته، ومرشدا إلى معرفة عزته وجبروته، ومفصحا عن صفات جلاله، وعلو شأنه وعظيم (3) سلطانه، وحجة لرسوله الذى أرسله به، وعلما على صدقه، وبينة على أنه أمينه على وحيه، وصادع بأمره.
فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، ورسالة تشتمل على قول مؤديها.
بين فيه سبحانه أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها، أو (4) حجة تتلوها، وأن الذهاب عنها كالذهاب عن الضروريات، والتشكك في المشاهدات.
ولذلك قال عز ذكره: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم / لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) (5).
وقال عز وجل: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون.
لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون) (6).
فله الشكر على جزيل إحسانه، وعظيم مننه.
والصلاة على محمد المصطفى وآله، وسلم ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه، وأولى ما يلزم بحثه،
__________
(1) ا: " فيما " (2) م: " بينته "
(3) م: " وعظم " (4) م: " ولا " (5) سورة الانعام: 7 (6) سورة الحجر: 15.
يعرجون: يصعدون.
سكرت: صارت سكرى، أي غشيهم ما غطى أبصارهم، كما غشى السكران ما غطى عقله، القرطبى 10 / 8 - 9 (*)

(1/3)


ما كان لاصل دينهم قواما، ولقاعدة توحيدهم عمادا (1) ونظاما وعلى صدق نبيهم، صلى الله عليه وسلم، برهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة (2).
ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق، شديد النفاق (3)، مستول على الآفاق، والعلم إلى عفاء ودروس، وعلى خفاء وطموس، وأهله في جفوة الزمن البهيم (4)، يقاسون من عبوسه لقاء الاسد الشتيم (5) حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن الواجب من سلوك مناهجه، والاخذ في سبله.
/ فالناس بين رجلين: ذاهب عن الحق، ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته، مكدود في صنعته.
فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين، في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين.
وقد قل أنصاره، واشتغل عنه أعوانه، وأسلمه أهله.
فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه، حتى عاد مثل الامر الاول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره.
فمن قائل قال: إنه سحر (6)، وقائل يقول: إنه شعر (7)، وآخر يقول: إنه أساطير الاولين (8)، وقالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا (9).
إلى الوجوه التى حكى الله عز وجل عنهم أنهم قالوا فيه، وتكلموا به، فصرفوه إليه.
وذكر لى عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الاشعار، ويوازن
__________
(1) م: " عصاما أو " (2) ا: " حجة وتبيانا "، م: " وحجة لمعجزته وتبيانا " (3) الرواق: الفسطاط.
النفاق: الرواج (4) البهيم: الاسود (5) في اللسان 15 / 211: " أسد شتيم: عابس " (6) قال تعالى في سورة سبأ 43: (وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: إن هذا إلا سحر مبين) (7) قال تعالى في سورة الانبياء 5: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر)، وقال في سورة الصافات 36: (ويقولون: أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) (8) قال تعالى في سورة الفرقان 5: (وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا) (9) قال تعالى في سورة الانفال 21: (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الاولين) (*)

(1/4)


بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه ! وليس هذا ببديع من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى عظم (1) / ما يقولونه إخوانهم من ملحدة قريش وغيرهم.
إلا أن أكثر من كان طعن فيه في أول أمره استبان رشده، وأبصر قصده، فتاب وأناب، وعرف من (2) نفسه الحق بغريزة طبعه، وقوة إتقانه، لا لتصرف لسانه، بل لهداية (3) ربه وحسن توفيقه.
والجهل في هذا الوقت أغلب، والملحدون (4) فيه عن الرشد أبعد، وعن الواجب أذهب.
وقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن، وتكلم في فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام، أن يبسطوا القول في الابانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه.
فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من القول في الجزء { والطفرة } (5)، ودقيق الكلام
في الاعراض، وكثير من بديع الاعراب وغامض النحو.
فالحاجة إلى هذا أمس، والاشتغال به أوجب.
وقد قصر بعضهم في هذه المسألة، حتى أدى ذلك إلى تحول قوم منهم إلى مذاهب البراهمة فيها، ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة يوجب أن لا مستنصر (6) فيها، ولا وجه لها، حين رأوهم قد برعوا في لطيف ما أبدعوا، وانتهوا إلى الغاية فيما أحدثوا / ووضعوا.
ثم رأوا ما صنفوه في هذا المعنى غير كامل في بابه، ولا مستوفى في وجهه، قد أخل بتهذيب طرقه، وأهمل ترتيب بيانه.
وقد يعذر بعضهم في تفريط يقع منه فيه، وذهاب عنه، لان هذا الباب مما لا يمكن إحكامه إلا بعد (7) التقدم في أمور شريفة المحل، عظيمة المقدار، دقيقة المسلك لطيفة المأخذ.
__________
(1) م: " أعظم " (2) ك: " على " (3) ا: " بهداية " (4) ك: " والملحد " (5) الزيادة من ا، م (6) س: " أن لا يستنصر " (7) س، ك: " مما يمكن إحكامه بعد " (*)

(1/5)


وإذا انتهينا إلى تفصيل القول فيها، استبان ما قلناه من الحاجة إلى هذه المقدمات، حتى يمكن بعدها إحكام القول في هذا الشأن.
وقد صنف " الجاحظ " في نظم القرآن كتابا، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى.
* * *
وسألنا سائل أن نذكر جملة من القول جامعة، تسقط الشبهات، وتزيل الشكوك التى تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطر لهم، ويعرض لافهامهم من الطعن في وجه المعجزة.
فأجبناه إلى ذلك، متقربين إلى الله عز وجل، ومتوكلين عليه وعلى حسن توفيقه ومعونته.
ونحن نبين ما سبق فيه البيان من غيرنا، ونشير إليه ولا نبسط القول، لئلا يكون ما ألفناه مكررا ومقولا، بل يكون مستفادا من جهة هذا الكتاب خاصة.
/ ونصف ما يجب وصفه من القول في تنزيل متصرفات الخطاب، وترتيب وجوه الكلام، وما تختلف فيه طرق البلاغة، وتتفاوت من جهته سبل البراعة، وما يشتبه له ظاهر الفصاحة، ويختلف فيه المختلفون من أهل صناعة العربية، والمعرفة بلسان العرب في أصل الوضع.
ثم ما اختلفت به مذاهب مستعمليه في فنون ما ينقسم إليه الكلام، من شعر ورسائل وخطب، وغير ذلك من مجارى الخطاب.
وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما يبين فيه التفاصح، وتقصد فيه البلاغة، لان هذه أمور يتعمل لها في الاغلب، ولا يتجوز فيها.
ثم من بعد هذا (1) الكلام الدائر في محاوراتهم.
والتفاوت فيه أكثر،
__________
(1) ب: " ثم من بعدها " (*)

(1/6)


لان التعمل فيه أقل، إلا من غزارة طبع، أو فطانة تصنع وتكلف.
ونشير إلى ما يجب في كل واحد من هذه الطرق، ليعرف عظيم
محل القرآن، وليعلم ارتفاعه عن مواقع هذه الوجوه، وتجاوزه الحد الذى يصح أو يجوز أن يوازن بينه وبينها، أو يشتبه ذلك على متأمل.
ولسنا نزعم أنه يمكننا أن نبين ما رمنا بيانه، وأردنا شرحه وتفصيله، لمن كان عن معرفة الادب ذاهبا (1) وعن وجه اللسان غافلا، لان ذلك / مما لا سبيل إليه، إلا أن يكون الناظر فيما نعرض عليه مما قصدنا إليه من أهل صناعة العربية، قد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين، ونظر في شئ من أصول الدين.
وإنما ضمن الله عز وجل فيه البيان لمثل من وصفناه، فقال: (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) (2).
وقال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (3).
__________
(1) م: " ذاهلا " (2) سورة فصلت: 3 (3) سورة الزخرف: 3 (*)

(1/7)


/ فصل في أن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها القرآن الذى يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن، أن بنوة نبينا عليه السلام بنيت (1) على هذه المعجزة، وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة.
إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة، وأحوال خاصة، وعلى أشخاص خاصة.
ونقل بعضها نقلا متواترا يقع به العلم وجودا.
وبعضها مما نقل نقلا خاصا، إلا أنه حكى بمشهد من الجمع العظيم وأنهم شاهدوه، فلو كان الامر على خلاف ما حكى لا نكروه، أو لا نكره بعضهم،
فحل محل المعنى الاول، وإن لم يتواتر أصل النقل فيه.
وبعضها مما نقل من جهة الآحاد، وكان وقوعه بين يدى الآحاد.
فأما دلالة القرآن فهى عن معجزة عامة، عمت الثقلين، وبقيت بقاء العصرين.
ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الاول عن الاتيان / بمثله - وجه دلالته، فيغنى ذلك عن نظر مجدد في عجز أهل هذا العصر عن الاتيان (2) بمثله.
وكذلك قد يغنى عجز أهل هذا العصر عن الاتيان بمثله، عن النظر في حال أهل العصر الاول.
وإنما ذكرنا هذا الفصل، لما حكى عن " بعضهم " أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الاول فليس أهل هذا العصر بعاجزين عنه، ويكفى عجز أهل العصر الاول في الدلالة، لانهم خصوا بالتحدى دون غيرهم (3).
__________
1 (1) م: " أثبتت " (2) س: " أول العصر عن مثله " (3) ليس القرآن وإعجازه على ذلك، فإن أهل العصر الاول لم يخصوا بالتحدى دون غيرهم، وذلك لان القرآن معجزة باقية على الزمن، فالتحدي باق معها على الزمن، فهو تحد لاهل كل عصر كما كان لاهل العصر الاول، وقد حبا الله هذا الرسول العربي الكريم بالرسالة " مؤيدا بدلالة على الايام باقية، وعلى الدهور والازمان ثابتة، وعلى ممر الشهور والسنين دائمة.
يزداد ضياؤها على كر الدهور إشراقا، وعلى مر الليالى والايام ائتلاقا " كما قال الطبري في مقدمة تفسيره 1 / 3.
فالاعجاز فيها واقع في كل عصر.
والتحدى بها لازم لاهل كل زمان (*)

(1/8)


ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه، إن شاء الله.
فأما الذى يبين ما ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته
القرآن، وبنى أمر نبوته عليه - فسور كثيرة وآيات نذكر بعضها، وننبه بالمذكور على غيره، فليس يخفى بعد التنبيه على طريقه.
فمن ذلك قوله تعالى: (الر.
كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) (1) فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة.
/ وقال عز وجل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) (2) فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه.
ولا يكون حجة إلا وهو معجزة.
وقال عز وجل: (وإنه لتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الامين، على قلبك لتكون من المنذرين).
وهذا بين جدا فيما قلناه، من أنه جعله سببا لكونه منذرا.
ثم أوضح ذلك بأن قال: (بلسان عربي مبين) (3).
فلولا أن كونه بهذا اللسان حجة، لم يعقب كلامه الاول به.
وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما قلناه.
ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده.
وكثير من هذه السور إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبنى على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على وجه معجزته.
فمن ذلك سورة المؤمن (4).
قوله عز وجل: (حم.
تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله تعالى: (غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذى الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير.
ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك / تقلبهم في
__________
(1) سورة إبراهيم: 1
(2) سورة التوبة: 6 (3) سورة الشعراء: 192 - 195 (4) هي سورة غافر (*)

(1/9)


البلاد) فدل على أن الجدال في تنزيله كفر وإلحاد.
ثم أخبر بما وقع (1) من تكذيب الامم برسلهم، بقوله عز وجل: (كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) فتوعدهم بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب الانبياء.
ورد براهينهم فقال تعالى: (فأخذتهم فكيف كان عقاب).
ثم توعدهم بالنار، فقال تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار).
ثم عظم شأن المؤمنين بهذه الحجة، بما أخبر من استغفار الملائكة لهم، وما وعدهم عليه من المغفرة، فقال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا: ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم).
فلولا أنه برهان قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه، ولم يحمد المؤمنين على المصير إليه.
ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين، ثم عطف على وعيد الكافرين، فذكر آيات، ثم قال: (هو الذى يريكم آياته).
فأمر بالنظر في آياته وبراهينه، إلى أن قال: (رفيع الدرجات ذو العرش، يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق) / فجعل القرآن والوحى به كالروح، لانه يؤدى إلى حياة الابد، ولانه لا فائدة للجسد
من دون الروح.
فجعل هذا الروح سببا (2) للانذار، وعلما عليه، وطريقا إليه.
ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم يصح أن يقع به الانذار والاخبار عما يقع عند مخالفته، ولم يكن الخبر عن الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته (3) من الوعيد - حجة ولا معلوما صدقه، فكان لا يلزمهم قبوله.
فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول، ضرب لهم
__________
(1) ا: " ما وقع م ": " عما وقع " (2) م: " سبيلا " (3) م: " دلالة " (*)

(1/10)


المثل بمن خالف الآيات، وجحد الدلالات والمعجزات، فقال: (أو لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الارض، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق).
ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوآى، بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، وكانوا لا يقبلونها منهم.
فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر قصة موسى ويوسف عليهما السلام، ومجيئهما بالبينات، ومخالفتهم حكمها، إلى أن قال تعالى: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا، كذلك يطبع الله / على كل قلب متكبر جبار).
فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة، وإنما يقع عن جهل، وأن الله يطبع على قلوبهم، ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان.
لجحودهم وعنادهم واستكبارهم.
ثم ذكر كثيرا من الاحتجاج على التوحيد، ثم قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون).
ثم بين هذه الجملة، وأن من آياته الكتاب، فقال: (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون).
إلى أن قال: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله).
فدل على أن الآيات على ضربين: أحدهما كالمعجزات التى هي أدلة (1) في دار التكليف، والثانى الآيات التى ينقطع عندها العذر، ويقع عندها العلم الضرورى، وأنها إذا جاءت ارتفع التكليف، ووجب الاهلاك.
إلى أن قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا).
فأعلمنا أنه قادر على هذه الآيات، ولكنه إذا أقامها زال التكليف، وحقت العقوبة على الجاحدين.
__________
(1) ا، م: " الادلة ".
(*)

(1/11)


وكذلك ذكر في (حم) السجدة (1) على هذا المنهاج الذى شرحنا، فقال عز وجل: (حم.
تنزيل الكتاب من الرحمن الرحيم.
كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون.
بشيرا ونذيرا) فلولا أنه جعله / برهانا لم يكن بشيرا ولا نذيرا، ولم يختلف بأن يكون عربيا مفصلا أو بخلاف (2) ذلك.
ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم، بقوله تعالى: (فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون).
ولولا أنه حجة لم يضرهم الاعراض عنه.
وليس لقائل أن يقول: قد يكون حجة ولكن (3) يحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حجة، ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه، وصحة نبوته.
وذلك: أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل، ولم يذكر حجة غيره.
ويبين ذلك: أنه قال عقيب هذا: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى).
فأخبر أنه مثلهم لولا الوحى.
ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له، فقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون).
ومعناه: الذين آمنوا بهذا الوحى والتنزيل، وعرفوا هذه الحجة.
ثم تصرف في الاحتجاج على الوحدانية والقدرة، إلى أن قال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود).
فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله من قوم عاد / وثمود في الدنيا.
ثم توعدهم بأمر الآخرة، فقال: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون)، إلى انتهاء ما ذكره فيه.
ثم رجع إلى ذكر القرآن، فقال: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون).
__________
(1) هي سورة: فصلت (2) ا، م: " خلاف " (3) س: " ويحتاج " (*)

(1/12)


ثم أثنى بعد ذلك على من تلقاه بالقبول، فقال: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا).
ثم قال: (وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم).
وهذا ينبه على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إعجاز القرآن، وأنه دلالة له على جهة الاستدلال، لان الضروريات لا يقع فيها نزع الشيطان.
ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه.
ثم قال: (إن الذين يلحدون في آياتنا)، إلى أن قال: (إن الذين كفرا بالذكر لما جاءهم، وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه).
وهذا وإن كان متأولا على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الاولين وأخبار المرسلين، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه (1) من الاخبار عن الغيوب وعن الحوادث التى أنبأ أنها تقع في الاتى - فلا يخرج عن أن يكون متأولا على ما يقتضيه نظام الخطاب، مع أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة / تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقه.
وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته [ وإعجازه ].
وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه.
ثم قال: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فصلت آياته، أ أعجمى وعربى) (2) فأخبر أنه لو كان أعجميا لكانوا يحتجون في رده: إما بأن ذلك خارج عن عرف خطابهم، أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا يبين (3) لهم وجه الاعجاز فيه.
لانه ليس من شأنهم ولا من لسانهم، أو بغير ذلك من الامور، وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه - وجبت الحجة عليهم به، على ما نبينه في وجه هذا الفصل.
إلى أن قال: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، من أضل ممن هو في شقاق بعيد).
__________
(1) م: " تضمنه " (2) سورة فصلت: 44 (3) م، " وبأنه لا يتبين " (*)

(1/13)


والذى ذكرناه من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور، فكر هنا سرد القول فيها.
فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك.
ثم مما يدل على هذا قوله عز وجل: (وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين.
أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (1) فأخبر أن الكتاب آية من / آياته، وعلم من أعلامه، وأن ذلك يكفى في الدلالة، ويقوم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الانبياء، صلوات الله عليهم.
ويدل عليه قوله عز وجل: (تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الذى له ملك السموات والارض) (2).
ويدل عليه قوله: (أم يقولون افترى على الله كذبا، فإن يشإ الله يختم على قلبك، ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته) (3).
فدل على أنه جعل قلبه مستودعا لوحيه، ومستنزلا لكتابه، وأنه لو شاء صرف ذلك [ عنه } إلى غيره.
وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق، وإبطال الباطل مع صرفه عنه.
ولذلك أشباه كثيرة تدل على نحو الدلالة التى وصفناها.
فبان بهذا وبنظائره (4) ما قلناه، من أن بناء نبوته صلى الله عليه وسلم على دلالة القرآن ومعجزته، وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى، وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الانبياء، لانها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد عليها، ووصف منضاف (5) إليها، لان نظمها ليس معجزا (6)، وإن / كان ما تتضمنه (7) من الاخبار عن الغيوب (8) معجزا.
وليس كذلك القرآن، لانه يشاركها في هذه الدلالة، ويزيد عليها
__________
(1) سورة العنكبوت: 50 و 51 (2) سورة الفرقان: 1 و 2 (3) سورة الشورى: 24 (4) ا: " بها وبنظائرها " (5) س: " مضاف " (6) م: " معجز " (7) س: " يتضمنه " (8) م: " عن الغائبات والغيوب " (*)

(1/14)


في أن نظمه معجز، فيمكن أن يستدل به عليه، وحل في هذا من وجه محل سماع الكلام من القديم سبحانه وتعالى، لان موسى عليه السلام لما سمع كلامه علم أنه في الحقيقة كلامه.
وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله، وإن اختلف الخال في ذلك من بعض الوجوه، لان موسى عليه السلام سمعه من الله عز وجل، وأسمعه نفسه متكلما، وليس كذلك الواحد منا.
وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه، وليس ذلك قصدنا بالكلام في هذا الفصل.
والذى نرومه الآن ما بيناه من اتفاقهما في المعنى الذى وصفناه، وهو: أنه عليه السلام يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال، وكذلك نحن نعلم ما نقرؤه (1) من هذا على جهة الاستدلال.
__________
(1) ا، م: " ما نعلمه " (*)

(1/15)


/ فصل في [ بيان وجه ] الدلالة على أن القرآن معجز قد ثبت بما بينا في الفصل الاول أن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم
مبنية على دلالة معجزة القرآن.
فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك: قد ذكر العلماء أن الاصل في هذا هو: أن يعلم أن القرآن، الذى هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف، هو الذى جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذى تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة.
والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر، الذى يقع عنده العلم الضرورى به.
وذلك أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره ممن لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذى لا يشتبه على أحد، ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره، ويأخذه غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها، وتعدى إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش، وغيرهم من ملوك الاطراف.
ولما ورد ذلك مضادا لاديان أهل ذلك العصر كلهم، ومخالفا لوجوه اعتقاداتهم المختلفة في الكفر - وقف جميع أهل الخلاف على جملته، ووقف جميع أهل دينه الذين أكرمهم الله بالايمان على جملته / وتفاصيله، وتظاهر بينهم، حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير، إذ كان عمدة دينهم، وعلما عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله في أحكامهم.

(1/16)


ثم تناقله خلف عن سلف هم (1) مثلهم في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله، حتى انتهى إلينا، على ما وصفناه من حاله.
فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن يتشكك، مع وجود هذه الاسباب،
في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله تعالى.
فهذا أصل.
وإذا ثبت هذا الاصل وجودا، فإنا نقول: إنه تحداهم إلى (2) أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الاتيان به، طول السنين التى وصفناها، فلم يأتوا بذلك.
[ وهذا أصل ثان ].
والذى يدل على هذا الاصل: أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن في المواضع الكثيرة، كقوله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين.
فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (3).
وكقوله: (أم يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين.
فإن / لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، وأن لا إله إلا هو، فهل أنتم مسلمون) (4).
فجعل عجزهم عن الاتيان بمثله دليلا على أنه منه، ودليلا على وحدانيته.
وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم بالقرآن الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل، لان القرآن كلام الله عز وجل، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أو لا.
فقلنا: إذا ثبت بما نبينه إعجازه، وأن الخلق لا يقدرون عليه - ثبت أن الذى أتى به غيرهم، وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم، وأنه صدق.
وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقا، وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل امتنع أن يعرف من [ طريق القرآن، بل
__________
(1) ا: " عن سلفهم " (2) ا: " على " (3) سورة البقرة: 23 و 24 (4) سورة هود: 13 و 14 (*)

(1/17)


يمكن عندنا أن يعرف من ] الوجهين.
وليس الغرض تحقيق القول في هذا الفصل، لانه خارج عن مقصود كلامنا، ولكنا ذكرناه من جهة دلالة الآية عليه.
ومن ذلك قوله عز وجل: (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتو ا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (1) وقوله: (أم يقولون تقوله، بل لا يؤمنون.
فليأتوا بحديث / مثله إن كانوا صادقين) (2) فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه، ولم يأتوا بمثله.
وفى هذا أمران: أحدهما التحدي إليه.
والآخر أنهم لم يأتوا له بمثل (3).
والذى يدل على ذلك النقل المتواتر الذى يقع به العلم الضرورى، فلا يمكن جحود واحد من هذين الامرين.
وإن قال قائل: لعله لم يقرأ عليهم الآيات التى فيها ذكر التحدي، وإنما قرأ عليهم ما سوى ذلك من القرآن -: كان ذلك قولا باطلا، يعلم بطلانه بمثل (4) ما يعلم به بطلان قول [ من زعم ] أن القرآن أضعاف هذا ! وهو يبلغ حمل جمل ! وأنه كتم، وسيظهره [ المهدى ] ! ! ! أو يدعى أن هذا القرآن ليس هو الذى جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو شئ وضعه عمر أو عثمان، رضى الله عنهما، حيث وضع (5) المصحف.
أو يدعى فيه زيادة أو نقصانا.
وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، ووعده الحق.
وحكاية قول من قال ذلك يغنى عن الرد عليه.
لان العدد الذين / أخذوا
القرآن في الامصار وفى البوادى، وفى الاسفار والحضر، وضبطوه حفظا،
__________
(1) سورة الاسراء: 88 (2) سورة الطور: 33 و 34 (3) ا، م: " يأتوا بمثله " (4) س: " مثل " (5) ا، م: " وضعا " (*)

(1/18)


من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف - لا يجوز عليهم السهو والنسيان، ولا التخليط فيه والكتمان.
ولو زادوا أو نقصوا أو غيروا لظهر.
وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره - على أنه لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه، ولا أن يضبط كضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه إمساسها (1) إلى القرآن - لو زيد فيه بيت، أو نقص منه بيت، لا، بل لو غير فيه لفظ - لتبرأ منه أصحابه، وأنكره أربابه.
فإذا كان ذلك مما لا يمكن [ أن يكون ] في شعر امرئ القيس ونظرائه، مع أن الحاجة إليه تقع لحفظ العربية، فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن، مع شدة الحاجة إليه في [ الصلاة التى هي ] أصل الدين، ثم في الاحكام والشرائع، واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه: فمنهم من يضبطه لاحكام قراءته ومعرفة وجوهها، وصحة أدائها.
ومنهم من يحفظه للشرائع والفقه.
ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره ومعانيه.
ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة والبلاغة.
/ ومن الملحدين من يحصله لينظر في عجيب شأنه.
وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة - على كثرة أعدادهم، واختلاف بلادهم، وتفاوت أغراضهم - أن يجتمعوا على التغيير والتبديل والكتمان ؟ ! ويبين ذلك: أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور مما بينا، ومن نظائره في رد قومه عليه ورد غيرهم، وقولهم: (لو نشاء لقلنا مثل هذا) (2) [ وقول بعضهم: إن ذلك سحر ]، وقول بعضهم: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق) (3) إلى الوجوه التى يصرف إليها قولهم في الطعن عليه.
__________
(1) س: " مساسها " (2) سورة الانفال: 31 (3) سورة ص: 7 (*)

(1/19)


فمنهم من يستهين بها (1) ويجعل ذلك سببا لتركه الاتيان بمثله.
ومنهم من يزعم أنه مفترى، فلذلك لا يأتي بمثله ومنهم من يزعم أنه دارس، وأنه أساطير الاولين.
وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه، لئلا يقع التطويل.
ولو جاز أن يكون بعضه مكتوما لجاز على كله.
ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا لجاز ذلك في كله.
فثبت بما بيناه أنه تحداهم به، وأنهم لم يأتوا بمثله (2).
وهذا الفصل قد بينا أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه.
/ فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للاتيان بمثله كان لعجزهم عنه.
والذى يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الاتيان بمثل القرآن: أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وضمن (3) أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبى ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه، بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الاوطان، وعن تسليم الاهل والذرية للسبى.
فلما لم تحصل هناك معارضة منهم، علم أنهم عاجزون عنها.
يبين ذلك أن العدو يقصد لدفع قول (4) عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد، لا سيما مع استعظامه ما بدهه بالمجئ من (5) خلع آلهته، وتسفيه رأيه في ديانته، وتضليل آبائه، والتغريب عليه بما جاء به، وإظهار أمر يوجب الانقياد لطاعته، والتصرف على حكم إرادته، والعدول عن إلفه وعادته، والانخراط، في سلك الاتباع بعد أن كان متبوعا، والتشييع بعد
__________
(1) ا، م: " به " (2) س: " تحدى إليه...له بمثل " (3) س: " وتضمن " (4) ا: " لقول " (5) ا: " مع " (*)

(1/20)


أن كان مشيعا، وتحكيم الغير في ماله، وتسليطه إياه على جملة أحواله، والدخول تحت تكاليف شاقة، / وعبادات متعبة، بقوله، وقد علم أن بعض هذه الاحوال مما يدعو إلى سلب النفوس دونه.
هذا، والحمية حميتهم، والهمم الكبيرة هممهم، وقد بذلوا له السيف فأخطروا (1) بنفوسهم وأموالهم.
فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف أمرهم، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه (2) جبين، [ أو ينقطع دونه وتين ]، أو يشتمل به خاطر، وهو لسانهم الذى يتخاطبون به، مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التى ليس وراءها متطلع، والرتبة التى ليس فوقها (3) منزع ؟ ! ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب.
قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، ويعود في مذهب أصحابه.
فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك، مع طول المدة، ووقوع الفسحة، وكان أمره يتزايد حالا فحالا، ويعلو شيئا فشيئا، وهم على العجز عن القدح في آيته، والطعن [ بما يؤثر ] في دلالته - علم مما (4) بينا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته، ولا على توهين حجته.
/ وقد أخبر الله تعالى عنهم: أنهم (قوم خصمون) (5) وقال: (وتنذر به قوما لدا) (6)، وقال: (خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين) (7).
وعلم أيضا ما كانوا (8) يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن، مما حكى الله عز وجل عنهم في قولهم: (لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الاولين) (9) وقولهم: (ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا
__________
(1) س: " وأخطروا " (2) ا، م: " له " (3) س: " مطلع...وراءها " (4) ا، م: " بما "
(5) سورة الزخرف: 58 (6) سورة مريم: 97 (7) سورة النحل: 4 (8) س: " أن ما كانوا " (9) سورة الانفال: 31 (*)

(1/21)


بهذا في آبائنا الاولين) (1) وقالوا: (يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (2) وقالوا: (أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) (3) وقالوا: (ائنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) (4)، وقال: (وقال الذين كفروا: إن هذا إلا إفك إفتراه وأعانه عليه قوم آخرون، فقد جاءوا ظلما وزورا، وقالوا: أساطير الاولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة / وأصيلا) (5)، (وقال الظالمون: إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) (6)، وقوله: (الذين جعلوا القرآن عضين) (7).
إلى آيات كثيرة في نحو هذا، تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم، متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الامور: من تعليل وتعذير، ومدافعة بما وقع التحدي إليه، ووجد (8) الحث عليه.
وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب، وجاهدوه (9) ونابذوه، وقطعوا الارحام، وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والاتيان [ بالملائكة ] وغير ذلك من المعجزات، يريدون تعجيزه ليظهروا عليه بوجه من الوجوه.
فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم - وذلك يدحض حجته، ويفسد دلالته، ويبطل أمره - فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه من الامور التى ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة، ويتركون الامر الخفيف ؟ !
هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه (10) من العقلاء.
وإلى هذا [ الموضع ] قد استقصى أهل العلم الكلام، وأكثروا في هذا المعنى وأحكموه.
/ ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على معارضته والاتيان بمثل ما أتى به، لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من
__________
(1) سورة القصص: 36 (2) سورة الحجر: 6 (3) سورة الانبياء: 3 (4) سورة الصافات: 36 (5) سورة الفرقان 4 و 5 (6) سورة الفرقان: 8 (7) سورة الحجر: 91 (8) س: " وعرف " (9) س: " وجاهروه " (10) س: " إتقانه " (*)

(1/22)


الذرابة والسلاقة (1)، والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته.
ويكرر (2) فيما جاء به ذكر عجزهم عن مثل ما يأتي به، ويقرعهم ويؤنبهم عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما سعى له في تركهم (3) المعارضة.
وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه، وتفخيم أمره، حتى يتلو قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (4)، وقوله: (ينزل الملائكة بالروح
من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون) (5)، وقوله: (ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم)، (6) وقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (7)، وقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) (8) وقوله: (هدى للمتقين) (9)، وقوله: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) (10).
إلى غير ذلك من الآيات التى تتضمن تعظيم شأن القرآن.
فمنها ما يتكرر في السورة في مواضع منها، ومنها ما ينفرد فيها.
وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضهم على المعارضة، وإن لم يكن متحديا إليه.
ألا ترى أنهم قد ينافر شعراؤهم بعضهم بعضا ؟ ولهم في ذلك مواقف معروفة، وأخبار مشهورة، وآثار منقولة مذكورة (11).
وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة، ويتبجحون بذلك، ويتفاخرون بينهم.
__________
(1) في اللسان 12 / 25: " وسلقه بلسانه يسلقه سلقا: أسمعه ما يكره فأكثر، وسلقه بالكلام سلقا: إذا آذاه، وهو شدة القول باللسان، وفى التنزيل: (سلقوكم بألسنة حداد) أي بالغوا فيكم بالكلام وخاصموكم في الغنيمة أشد مخاصمة وأبلغها " (2) ا، م " وتكرر " (3) س: " ما يسعى له يتركهم " (4) سورة الاسراء: 88 (5) سورة النحل: 2 (6) سورة الحجر: 87 (7) سورة الحجر: 9 (8) سورة الزخرف: 44
(9) سورة البقرة: 2 (10) سورة الزمر: 23 (11) س: " وأيام منقولة وكانوا " (*)

(1/23)


فلن يجوز - والحال هذه - أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها تحداهم أو لم يتحدهم إليها.
ولو كان هذا القبيل مما يقدر عليه البشر، لوجب في ذلك أمر آخر، وهو: أنه لو كان مقدورا للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا لقبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه، وتعمل نظمه في الحال.
/ فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق، وخطبة متقدمة ورسالة سالفة، ونظم بديع، ولا عارضوه به فقالوا: هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله - علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لم يوجد له نظير.
ولو كان وجد له مثل لكان ينقل إلينا، ولعرفناه، كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد، وغير ذلك من أنواع بلاغاتهم، وصنوف فصاحاتهم.
فإن قيل: الذى بنى عليه الامر في تثبيت معجزة القرآن: أنه وقع التحدي إلى الاتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه، فإذا نظر الناظر وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب - وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه.
وما ذكرتم يوجب سقوط تأثير التحدي، وأن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال.
قيل: إنما احتيج إلى التحدي لاقامة الحجة، وإظهار وجه البرهان [ على الكافة ].
لان المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه، ولا تظهر
على مدع لها إلا وهى معلومة أنها من عند الله.
فإذا كان يظهر وجه الاعجاز فيها للكافة بالتحدى وجب فيها التحدي.
لانه تزول بذلك الشبهة عن الكل، وينكشف للجميع أن / العجز واقع في المعارضة.
وإلا كان (1) مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب، ويفتن في مصارف (2) الكلام، وكان كاملا في فصاحته، جامعا للمعرفة بوجوه الصناعة - لو أنه احتج عليه بالقرآن، وقيل له، إن الدلالة على النبوة والآية للرسالة ما تلوته (3) عليك منه،
__________
(1) س: " وإلا فإن ".
(2) س: " ويتقن مصارف ".
(3) س: " على الرسالة ما أتلوه ".
(*)

(1/24)


لكان ذلك بالغا (1) في إيجاب الحجة [ عليه ]، وتماما في إلزامه فرض المصير إليه.
ومما يؤكد هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الآحاد إلى الاسلام، محتجا عليهم بالقرآن، لانا نعلم [ ضرورة ] أنه لم يلزمهم تصديقه تقليدا، ونعلم أن السابقين الاولين إلى الاسلام لم يقلدوه، إنما دخلوا على بصيرة.
ولم نعلمه قال لهم: ارجعوا إلى جميع الفصحاء، فإن عجزوا عن الاتيان بمثله فقد ثبت حجتى.
بل لما رآهم يعلمون إعجازه، ألزمهم حكمه فقبلوه، وتابعوا الحق، وبادروا إليه مستسلمين، ولم يشكوا في صدقه، ولم يرتابوا في وجه دلالته.
فمن كانت بصيرته أقوى، ومعرفته أبلغ، كان إلى القبول منه / أسبق.
ومن اشتبه عليه وجه الاعجاز، أو خفى (2) عليه بعض شروط المعجزات وأدلة النبوات - كان أبطأ إلى القبول، حتى تكاملت أسبابه، واجتمعت له بصيرته
وترادفت عليه مواده.
وهذا فصل يجب أن يتمم القول فيه [ من ] بعد، فليس هذا بموضع له.
ويبين ما قلناه: أن هذه الآية علم يلزم الكل قبوله والانقياد له، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه، ومعرفة وجه دلالته، لان الاعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه.
وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة.
فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم، وجرى مجراهم في (3) توجه الحجة عليه.
وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان، من هذا الشأن، ما يعرفه العالي في هذه الصنعة.
فربما حل في ذلك محل الاعجمي، في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهى في الصنعة عنه.
وكذلك لا يعرف المتناهى في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما - [ من ] غور هذا الشأن - ما يعرف من استكمل معرفة
__________
(1) س: " بلاغا ".
(2) س: " واشتبه ".
(3) ا: " من ".
(*)

(1/25)


جميع تصاريف الخطاب ووجوه / الكلام وطرق البراعة.
فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه لعجز (1) البارع في هذه العلوم كلها عنه.
فأما من كان متناهيا في معرفة وجوه الخطاب وطرق البلاغة والفنون التى يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه.
وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحى إليه، حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه ! وهذا خطأ من القول.
فصح من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوحى إليه القرآن عرف كونه معجزا، أو عرف - بأن (2) قيل له: إنه دلالة وعلم على نبوتك.
- أنه كذلك، من قبل أن يقرأه على غيرة أو يتحدى إليه سواه.
ولذلك قلنا: إن المتناهى في الفصاحة والعلم بالاساليب التى يقع فيها التفاصح، متى سمع القرآن عرف أنه معجز، لانه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه، وهو يعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو.
وإن كان يحتاج بعد هذا إلى / استدلال آخر على أنه علم على نبوته، ودلالة على رسالته (3) بأن يقال له: إن هذه آية لنبى، وإنها (4) ظهرت عليه، وادعاها معجزة له، وبرهانا على صدقه.
فإن قيل: فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر، ولا يعلم مع ذلك عجز غيره عنه.
فكذلك البليغ، وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن، فهو يخفى عليه عجز غيره.
قيل: هو مع مستقر العادة، وإن عجز عن قول الشعر، وعلم أنه مفحم، فإنه يعلم أن الناس لا ينفكون من وجود الشعراء فيهم.
ومتى علم البليغ المتناهى في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن، علم عجز غيره عنه، وأنه كهو، لانه (5) يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء.
__________
(1) س: " يعجز ".
(2) س: " معجزا، وبأن قيل ".
(3) س: " على نبوة..على رسالة ".
(4) س: " لنبيه وإنما ".
(5) س: " غيره لانه كهو لانه (*)

(1/26)


إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن (1) يعلم قدرة أحد من البلغاء عليه.
فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة - وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام، وأنواع الخطاب، ووجد القرآن مباينا لها - علم خروجه عن العادة، وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات، فهو لا يجوزه من نفسه، وكذلك لا يجوز وقوعه من غيره، إلا على وجه نقض العادة، بل يرى وقوعه / موقع المعجزة.
وهذا وإن كان يفارق فلق البحر، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه، فهو (2) أنه يستوى الناس في معرفة عجزهم عنه، بكونه (3) ناقضا للعادة، من غير تأمل شديد، ولا نظر بعيد.
فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل، ويفتقر إلى مراعاة مقدمات، والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع.
فكل واحد منهما (4) يؤول إلى مثل حكم صاحبه، في الجمع الذى قدمناه..ومما يبين ما قلناه -: من أن البليغ المتناهى في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن، وتكون معرفته حجة عليه، إذا تحدى إليه وعجز عن مثله، وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره، وما لذى يصنع ذلك بالغير.
- فهو ما روى في الحديث أن جبير بن مطعم ورد على النبي صلى الله عليه وسلم في معنى حليف له، أراد أن يفاديه، فدخل والنبى صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة (والطور وكتاب مسطور) في صلاة الفجر، قال: فلما انتهى إلى قوله: (إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع)، قال: خشيت أن يدركنى العذاب.
فأسلم (5).
وفى حديث آخر، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سمع سورة (طه) فأسلم (6).
وقد روى أن قوله عز وجل في أول (حم) السجدة إلى قوله (فأعرض أكثر هم فهم لا يسمعون) (7) نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة، وأبى سفيان بن حرب، وأبى جهل.
وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش، بعتبة بن ربيعة
__________
(1) س: " للقرآن يجوز أو ".
(2) س: " وهو أنه ".
(3) س: " فكونه ".
(4) س: " منها ".
(5) راجع البخاري 7 / 249 (من الفتح) والاصابة 1 / 235 - 236.
(6) راجع الاصابة 4 / 280.
(7) سورة فصلت: 4.
(*)

(1/27)


إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليكلمه، وكان حسن الحديث، عجيب البيان (1) بليغ الكلام،.
وأرادوا أن يأتيهم بما عنده فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة (حم) السجدة، من أولها حتى انتهى إلى قوله: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود)، فوثب مخافة العذاب، فاستحكوه ما سمع فذكر أنه لم يفهم (2) منه كلمة واحدة، ولا اهتدى لجوابه.
ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد.
فقال له عثمان بن مظعون: لتعلموا أنه من عند الله، إذ لم يهتد لجوابه (3).
وأبين من ذلك قول الله عز وجل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره، حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه) (4) فجعل سماعه حجة عليه بنفسه، فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه.
فإن قيل: لو كان [ كذلك ] على ما قلتم، لوجب أن يكون حال / الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه.
قيل له: لا يجب ذلك، لان صوارفهم كانت كثيرة، منها أنهم كانوا يشكون: ففيهم (5) من يشك في إثبات الصانع، وفيهم من يشك في التوحيد،
وفيهم من يشك في النبوة.
ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب، لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم عام الفتح، قال له النبي عليه السلام: أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال: بلى.
فشهد، قال: أما آن لك أن تشهد أنى رسول الله ؟ قال: أما هذه ففى النفس منها شئ ؟ ! فكانت وجوه شكوكهم مختلفة، وطرق شبههم متباينة، فمنهم من قلت شبههه، وتأمل الحجة حق تأملها ولم يستكبر، فأسلم.
ومنهم من كثرت شبهه، أو أعرض (6) عن تأمل الحجة حق تأملها، أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر، وراعى واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل (7) عجز غيره عن الاتيان بمثله، فلذلك وقف أمره.
__________
(1) س: " عجيب الشأن " (2) س: " لم يسمع " (3) راجع تفسير القرطبى 1 / 338.
(4) سورة التوبة: 6 (5) س: " يشكون منهم " (6) م، س: " وأعرض " (7) م: " إلى تأمل " (*)

(1/28)


ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة - لتوافوا إلى القبول جملة واحدة.
/ فإن قيل: فكيف يعرف البليغ الذى وصفتموه إعجاز القرآن ؟ وما الوجه الذى يتطرق به إليه، والمنهاج الذى يسلكه، حتى يقف به على جلية الامر فيه ؟ قيل: هذا سبيله أن يفرد له فصل.
* * *
فإن قيل: فلم زعتم أن البلغاء عاجزون عن الاتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات ؟ وهلا قلتم: إن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة بوجه (1) من هذه الطرق الغريبة - كان على مثل نظم القرآن قادرا، وإنما يصرفه الله عنه ضربا من الصرف، أو يمنعه من الاتيان بمثله ضربا من المنع، أو تقصر دواعيه [ إليه ] دونه، مع قدرته عليه.
ليتكامل ما أراده الله من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة، لان من قدر على نظم كلمتين بديعتين، لم يعجز عن نظم مثلها، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الاولى، وكذلك الثالثة، حتى يتكامل قدر الآية والسورة ؟ فالجواب: أن لو صح ذلك لصح لكل من أمكنه نظم ربع بيت، أو مصراع من بيت - أن ينظم القصائد ويقول الاشعار، وصح لكل ناطق - قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة - نظم الخطب البليغة والرسائل العجيبة ! ومعلوم أن ذلك غير سائغ ولا ممكن.
على أن ذلك لو لم يكن معجزا على ما وصفناه من جهة نظمه / الممتنع، لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه، ومنع (2) من مقدار الفصاحة في نظمه، [ كان ] أبلغ في الاعجوبة (3)، إذا صرفوا عن الاتيان بمثله، ومنعوا من (4) معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغنى عن إنزاله على النظم البديع، وإخراجه في (5) المعرض الفصيح العجيب.
__________
(1) س: " وتوجه " (2) س: " ووضع " (3) م: " في العجوبة " (4) س: " عن " (5) م: " على "
(*)

(1/29)


على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وعجيب الرصف.
لانهم لم يتحدوا إليه، ولم تلزمهم حجته.
فلما لم يوجد في كلامه من قبله مثله، علم أن ما ادعاه القائل " بالصرفة " ظاهر البطلان.
وفيه معنى آخر، وهو: أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاما مطمعا لم يخف عليهم، ولم يشتبه لديهم.
ومن كان متناهيا في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال.
فإن قال صاحب السؤال: إنه قد يطمع في ذلك.
قيل له: أنت تزيد على هذا فتزعم أن كلام الآدمى قد يضارع القرآن، وقد يزيد / عليه في الفصاحة ولا يتحاشاه، ويحسب أن ما ألفه (1) في الجزء والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظا ومعنى ! ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه، ويحسبه ظان من أمره.
والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء دون الآحاد.
ونحن نبين بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ، ونميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب، ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ ببين الغلط، وأن هذا التقدير من جنس من حكى الله تعالى قوله في محكم كتابه: (إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر) (2) فهم يعبرون عن دعواهم: أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله، وأن (3) ذلك من قول
البشر، لان ما كان من قولهم فليس يقع فيه التفاضل إلى الحد الذى يتجاوز إمكان معارضته.
ومما يبطل ما ذكروه من القول " بالصرفة " أنه لو كانت المعارضة ممكنة - وإنما منع منها " الصرفة " - لم يكن الكلام معجزا.
وإنما يكون المنع هو المعجز (4)، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه.
__________
(1) م: " أن ما قد ألفه " (2) سورة المدثر: 18 - 25 (3) س: " بأن " (4) س: " المنع معجزا " (*)

(1/30)


/ وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم: أن الكل قادرون على الاتيان بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه به.
ولا بأعجب من قول فريق منهم: إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله تعالى في هذا الباب، وإنه يصح من كل واحد منهما الاعجاز على حد واحد.
* * * فإن قيل: فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز وجل معجز، كالتوراة والانجيل والصحف ؟ قيل: ليس شئ من ذلك بمعجز (1) في النظم والتأليف، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الاخبار عن الغيوب (2).
وإنما لم يكن معجزا لان الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولانا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما وقع التحدي إلى القرآن.
ولمعنى آخر، وهو أن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة، ما يقع به التفاضل الذى ينتهى إلى حد الاعجاز، ولكنه يتقارب.
وقد رأيت أصحابنا يذكرون هذا في سائر الالسنة، ويقولون: ليس / يقع فيها من التفاوت ما يتضمن
التقديم العجيب.
ويمكن بيان ذلك بأنا (3) لا نجد في القدر الذى نعرفه من الالسنة للشئ الواحد، من الاسماء ما نعرف من اللغة، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية، وكذلك التصرف في الاستعارات والاشارات، ووجوه الاستعمالات البديعة، التى يجئ تفصيلها بعد هذا.
ويشهد لذلك من القرآن: أن الله تعالى وصفه بأنه: (بلسان عربي مبين) (4).
وكرر ذلك في مواضع كثيرة، وبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجميا.
فلو كان يمكن في لسان العجم إيراد مثل فصاحته، لم يكن ليرفعه عن هذه المنزلة.
وأنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله: إنه عربي مبين، أنه مما يفهمونه ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم، ولا يحتاجون في تفسيره إلى سواهم (5)، فلا يمتنع أن يفيد ما قلناه أيضا، كما أفاد بظاهره ما قدمناه.
ويبين ذلك أن كثيرا من المسلمين قد عرفوا تلك الالسنة، وهم من أهل
__________
(1) م: " معجز " (2) س: " الاخبار بالغيوب " (3) م: " فإنا " (4) سورة الشعراء: 195 (5) س: " إلى من " (*)

(1/31)


البراعة فيها، وفى العربية، فقد وقفوا على أنه ليس فيها / من التفاضل والفصاحة، ما يقع في العربية.
ومعنى آخر، وهو أنا لم نجد أهل التوراة والانجيل ادعوا الاعجاز لكتابهم، ولا ادعى لهم المسلمون.
فعلم أن الاعجاز مما يختص به القرآن.
ويبين هذا أن الشعر لا يتأتى في تلك الالسنة، على ما قد اتفق في العربية.
وإن كان قد يتفق منها صنف أو أصناف ضيقة، لم يتفق فيها من البديع ما يمكن
ويتأتى في العربية، وكذلك لا يتأتى في الفارسية جميع الوجوه التى تتبين فيها الفصاحة على ما يتأتى في العربية.
فإن قيل: فإن المجوس تزعم أن كتاب زرادشت، وكتاب مانى معجزان ؟ قيل: الذى يتضمنه كتاب مانى، من طرق النيرنجات (1)، وضروب من الشعوذة، ليس يقع فيه إعجاز.
ويزعمون أن في كتاب الحكم، وهى حكم منقولة، متداولة على الالسن (2)، لا تختص بها أمة دون أمة، وإن كان بعضهم أكثر إهتماما بها، وتحصيلا لها، وجمعا لابوابها.
وقد ادعى قوم أن " ابن المقفع " عارض القرآن، وإنما فزعوا إلى " الدرة " و " التليمية ".
وهما كتابان: أحدهما يتضمن حكما منقولة، توجد عند / حكماء كل أمة مذكورة بالفضل.
فليس فيها (3) شئ بديع من لفظ ولا معنى.
والآخر في شئ من الديانات، وقد تهوس فيه بما لا يخفى على متأمل.
وكتابه الذى بيناه في الحكم، منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة.
فأى صنع له في ذلك ؟ وأى فضيلة حازها فيما جاء به ؟ وبعد، فليس يوجد له كتاب يدعى مدع أنه عارض فيه القرآن، بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة، ثم مزق ما جمع، واستحيا لنفسه من إظهاره.
فإن كان كذلك، فقد أصاب وأبصر القصد، ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال في الابتداء ثم يلوح له رشده، ويتبين له أمره، وينكشف له عجزه.
ولو كان بقى على اشتباه الحال عليه، لم يخف علينا موضع غفلته، ولم يشتبه لدينا وجه شبهته.
ومتى أمكن أن تدعى الفرس في شئ من كتبها أنه معجز في حسن تأليفه، وعجيب نظمه ؟
__________
(1) النيرنجات: ضروب من السحر وليست به، إنما هي تخييل وتلبيس.
كما في تاج العروس 2 / 105 (2) م: " الالسن التى ".
(3) م: " فليس في هذا منها شئ " (*)

(1/32)