صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إعجاز القرآن للباقلاني |
إعجاز القرآن- الباقلانى (1/)
إعجاز القرآن
الباقلانى
إعجاز القرآن للباقلاني أبى بكر محمد بن الطيب (1/1)
ذخائر العرب 12 إعجاز القرآن للباقلاني أبى بكر محمد بن الطيب 403 ه تحقيق السيد أحمد صقر الطبعة الثالثة دار المعارف بمصر الناشر: دار المعارف بمصر - 1119 كورنيش النيل - القاهرة ج. (1/3)
م.
ع
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة جرت سنة الله في ابتعاث رسله إلى خلقه، لتبصيرهم بعظمته وجمعهم على عبادته، أن يؤيدهم بأمور حسية تخالف السنن الكونية، وتشذ عن النواميس الطبيعية، وتكون من قبيل ما استحكم في زمانهم، وغلب على خاصتهم، وعظم في نفوس عامتهم، لتكون معجزة الرسول المرسل إليهم مفحمة لاعجب الامور في أنظارهم، ومبطلة لاقوى الاشياء في حسبانهم، ولئلا يجد المبطلون متعلقا يتشبثون (1/5)
به، ولا سبيلا يتخذونه إلى اختداع الضعفاء فقد أيد الله جل جلاله موسى عليه السلام - وكان عصره عصر سحر - بفلق البحر، وانقلاب العصا حية تسعى، وانبجاس الحجر الصلد بعيون الماء الرواء.
وأيد عيسى عليه السلام - وكان عهده عهد طب - بإبراء الاكمه والابرص وخلق الطير من الطين، وإحياء الموتى بإذنه.
ولما أرسل رسوله محمدا، صلى الله عليه وسلم، إلى الناس أجمعين، وجعله خاتم النبيين - أيده بمعجزات حسية كمعجزات من سبقه من المرسلين، وخصه بمعجزة عقلية خالدة، وهى إنزال القرآن الكريم، الذى لو اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثله لم يستطيعوا ولم يقاربوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
وكان ذلك في زمان سما فيه شأن البيان، وجلت مكانته في صدور أهله، وعرفوا باللسن والفصاحة، وقوة العارضة في الاعراب عن خوالج النفوس، والابانة عن مشاعر القلوب.
وظل رسول الله صلوات الله عليه، يتحداهم بما كانوا يعتقدون في أنفسهم القدرة عليه، والتمكن منه، ولم يزل يقرعهم ويعجزهم، ويكشف عن نقصهم، حتى استكانوا وذلوا، وطبع عليهم الخزى بطابعه، وصاروا حيال فصاحته في أمر مريج.
وقد أدهش القرآن العرب لما سمعوه، وحير ألبابهم وعقولهم بسحر بيانه، وروعة معانيه، ودقة ائتلاف ألفاظه ومبانيه، فمنهم من آمن به ومنهم مكفر، وافترقت كلمة الكافرين على وصفه، وتباينت في نعته، فقال بعضهم، هو شعر، وقال فريق: إنه سحر، وزعمت طائفة أنه أساطير الاولين اكتتبها محمد، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا، وذهب قوم أنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون. (1/6)
وقال غير هؤلاء وهؤلاء: لو نشاء لقلنا مثل هذا.
ولكنهم لم يقولوا هم ولا غيرهم لان تأليف القرآن البديع، ووصفه الغريب، ونظمه العجيب، قد أخذ عليهم منافذ البيان كلها وقطع أطماعهم في معارضته، فظلوا مقموعين مدحورين ثلاثة وعشرين عاما، يتجرعون مرارة الاخفاق، ويهطعون لقوارع التبكيت، وينغضون رؤوسهم تحت مقارع التحدي والتعيير، مع أنفتهم وعزتهم، واستكمال عدتهم وكثرة خطبائهم وشعرائهم، وشيوع البلاغة فيهم، والتهاب قلوبهم بنار عداوته، وترادف الحوافز إلى مناهضته، وعرفانهم أن معارضته بسورة واحدة أو آيات يسيرة أنقض لقوله، وأفعل في إطفاء أمره، وأنجع في تحطيم دعوته، وتفريق الناس عنه - من مناجزته، ونصبهم الحرب له، وإخطارهم بأرواحهم وأموالهم، وخروجهم عن أوطانهم وديارهم.
وقد ندب الله المسلمين إلى تلاوة القرآن، وقراءة ما تيسر منه، وحضهم على ادكار معانيه، وتدبر أغراضه ومراميه، ليهتدوا ببصائره وهداه، وليستضيئوا بأنواره في الحياة، حتى تكون كلمتهم فيها هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
فأقبل عليه علماؤهم يتدبرونه ويفسرونه، ويجلون آياته على أعين الناس لعلهم يشهدون ما فيها من المنافع لهم، فيأتمروا حيث أمر، وينتهوا حيث زجر.
وأقبل عليه غيرهم، من أعدائه وأعدائهم، فاتبعوا ما تشابه من آيه ابتغاء الفتنة بتأويلها، وتحريف كلمه عن مواضعها، وخيلت لهم أفهامهم الكليلة، وأذهانهم العليلة، أن في نظمه فسادا، وفى أسلوبه لحنا، وفى معانيه تناقضا، وفى نقله اضطرابا، فنفوا عنه صفة الاعجاز، وسددوا نحوه المطاعن، وبثوا حوله الشكوك.
وكان الناجمون الاولون منهم يخافتون بأقوالهم، ويجمجمون بآرائهم، ويستخفون بمذاهبهم
ويصطنعون الحذر والدهاء في كل ما يأتون وما يذرون، خوفا من بطش الخلفاء (1/7)
الراشدين، ومن تلاهم من خلفاء الامويين.
وخلف من بعد هؤلاء خلف كانوا أكثر ثقافة، وأعزر علما، وأحسن بيانا فأصحروا بآرائهم، وجاهروا بمعتقداتهم، وبثوا شكوكهم في المجالس والاندية، وسطروها في الكتب والرسائل التى أسرفوا في تحسينها، وبالغوا في تزيينها، وغالوا في انتقاء ورقها ومدادها واستجادة خطها، ليحسن وقعها في الانظار، وتصبو إليها أنفس القراء.
وقد ساعدهم على جهرهم هذا ومكن لهم منه، تبدل الزمان وتغير الحال، بتسامح الخلفاء في غير ما يمس سلطانهم ويعرض لدولتهم، وامتلاك غير العرب لزمام الامور في الدولة، وانتشار الكتب المترجمة، وازدياد اتصال العرب بغيرهم من أهل المذاهب والنحل الاخرى، وكثرة الجدال بين المذاهب الاسلامية، واشتعال نار العداوة بين الفرق الكلامية ولما كثرت المطاعن في القرآن، وأوشكت الشبهات أن تأخذ سبيلها إلى نفوس الاغرار والاحداث -: نهض فريق من العلماء يدرءون عنه، وينافحون دونه ويرمون من ورائه بالحجج النيرة، والادلة الواقعة، فشرعوا أقلامهم لتأليف الكتب والرسائل في الرد عليهم، وتبيين مفترياتهم.
وفى طليعة هؤلاء أبو محمد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينورى، فقد عمد إلى مطاعنهم فيه فجمعها، ثم كر عليها بالنقض في كتابه الجليل: " تأويل مشكل القرآن " وكانت مسألة الاعجاز من أبرز المسائل التى تعاورها العلماء بالبحث في أثناء تفسيرهم للقرآن، وردهم على منكري النبوة، وخوضهم في علم الكلام، كعلى بن ربن كاتب المتوكل في كتاب: " الدين والدولة " وكأبي جعفر الطبري في تفسيره: " جامع البيان عن وجوه تأويل آى القرآن " وكأبي الحسن الاشعري في " مقالات الاسلاميين " وأبى عثمان الجاحظ في كتاب: " الحجة في تثبيت النبوة "
وكان علماء الاعتزال أكثر المثيرين للكلام في إعجاز القرآن، فقد ذهب النظام - من بينهم - إلى أن القرآن نفسه غير معجز، وانما كان إعجازه بالصرفة
وقال " ان الله ما أنزل القرآن ليكون حجة على النبوة، بل هو كسائر الكتب المنزلة لبيان الاحكام من الحلال والحرام. (1/8)
والعرب إنما يعارضوه، لان الله تعالى صرفهم عن ذلك، وسلب علومهم به وذهب هشام الفوطى، وعباد بن سليمان إلى أن القرآن لم يجعل علما للنبى وهو عرض من الاعراض، والاعراض لا يدل شئ منها على الله ولا على نبوة النبي.
وكان ذلك وغيره من أقوال أئمتهم، منبعا غزيرا للقول في إعجاز القرآن وقد انبرى كثير منهم للرد على من أنكر إعجازه جملة، كأبى الحسين الخياط وأبى على الجبائى، اللذين نقضا على " ابن الراوندي " كتابه " الدامع " الذى طعن فيه على نظم القرآن وما يحتويه من المعاني، وقال: إن فيه سفها وكذبا وكذلك رد كثير منهم على من خالف عن قول جماعتهم: بأن تأليف القرآن ونظمه معجز، وأنه علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كالجاحظ الذى رد على النظام رأيه في الصرفة، في كتاب: " نظم القرآن ".
ألف الجاحظ كتابه في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه، وبديع تركيبه، على حد قوله في مقدمة كتاب الحيوان.
وهو من كتبه الضائعة.
وقد أشار إليه الباقلانى في إعجاز القرآن، إذ يقول ص 7: " وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى " وأخشى أن يكون الباقلانى قد حاف في حكمه على نظم القرآن، وحملته العصبية المذهبية على تنقصه.
فقد وصف الجاحظ نظم القرآن في كتابه " حجج النبوة "
حيث يقول في صفحة 147 مخاطبا من كتب له الكتاب: " وفهمت - حفظك الله - كتابك الاول، وما حثثت عليه من تبادل العلم، والتعاون على البحث والتحاب في الدين، والنصيحة لجميع المسلمين.
وقلت اكتب إلى كتابا تقصد فيه إلى حاجات النفوس، وإلى صلاح القلوب، وإلى معتلجات الشكوك وخواطر الشبهات، دون الذى عليه أكثر المتكلمين من التطويل،.
ومن التعمق والتعقيد، ومن تكلف ما لا يجب، وإضاعة ما يجب.
وقلت: كن كالمعلم اللوحة رقم: 1 عنوان نسخة المتحف البريطاني المرموز لها بحرف: م اللوحتان: 2، 3 الصفحتان الاولى والاخيرة من نسخة المتحف البريطاني المرموز لها بحرف: م اللوحة: 4 عنوان نسخة كوبريللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 5 الصفحة الاولى من نسخة كوبر يللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 6 آخر صفحة من نسخة كوبر يللى المرموز لها بحرف: ك اللوحة: 7
الصفحة الاخيرة من نسخة الاسكوريال المرموز لها بحرف: 1
الرفيق، والمعالج الشفيق الذى يعرف الداء وسببه، والدواء وموقعه، ويصبر على طول العلاج، ولا يسأم كثرة التردد. (1/9)
وقلت: اجعل تجارتك التى إياها تؤمل، وصناعتك التى إياها تعتمد - إصلاح الفاسد، ورد الشارد.
وقلت: ولابد من استجماع الاصول، ومن استيفاء الفروع، ومن حسم كل خاطر، وقمع كل ناجم، وصرف كل هاجس، ودفع كل شاغل، حتى تتمكن من الحجة، وتتهنأ بالنعمة، وتجد رائحة الكفاية، وتثلج ببرد اليقين، وتفضي إلى حقيقة الامر.
وقلت: ابدأ بالاخف فالاخف، وبكل ما كان آنق في السمع وأحلى في الصدور، وبالباب الذى يؤتى منه الريض المتكلف، والجسور المتعجرف، وبكل ما كان أكثر علما، وأنفذ كيدا..فكتبت لك كتابا أجهدت فيه نفسي، وبلغت منه أقصى ما يمكن مثلى في الاحتجاج للقرآن، والرد على كل طعان، فلم أدع فيه مسألة لرافضي ولا لحديثي، ولا لحشوى، ولا لكافر مباد، ولا لمنافق مقموع، ولا لاصحاب " النظام " ولمن نجم بعد " النظام " ممن يزعم: أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة، فلما طننت أنى قد بلغت أقصى محبتك، وأتيت على معنى صفتك - أتانى كتابك تذكر أنك لم ترد الاحتجاج لنظم القرآن، وإنما أردت الاحتجاج لخلق القرآن وكانت مسألتك مبهمة فكتبت لك أشق الكتابين وأثقلهما، وأغمضهما معنى، وأطولهما طولا.." ولست أعرف نقلا عن كتاب: " نظم القرآن " ولا حديثا عنه، ولا وصفا له غير وصف الجاحظ هذا، وأحسبه فيه من الصادقين وقد قلد الجاحظ في هذه التسمية أبو بكر: عبد الله بن أبى داود السجستاني،
المتوفى سنة 316 في كتابه: " نظم القرآن ".
وأبو زيد البلخى: أحمد بن سليمان، المتوفى سنة 322 ه قال أبو حيان في كتاب " البصائر والذخائر ": قال أبو حامد القاضى: لم أر كتابا في القرآن مثل كتاب لابي زيد البلخى، وكان فاضلا يذهب في رأى الفلاسفة، لكنه تكلم في القرآن بكلام لطيف دقيق في مواضع، وأخرج سرائره وسماه: " نظم القرآن " ولم يأت على جميع المعاني فيه.
وكذلك أبو بكر: أحمد بن على، المعروف بابن الاخشيد، المعتزلي، المتوفى سنة 36 ه، فإنه قد ألف كتابا أسماه: " نظم القرآن ". (1/10)
وأول كتاب علمناه، يشتمل عنوانه على كلمة الاعجاز هو كتاب: " إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه " لابي عبد الله: محمد بن يزيد الواسطي، المعتزلي، المتوفى سنة 306 ه.
وهو من الكتب التى لا نعرف عنها غير أسمائها المجردة.
وقد بقى من الكتب المؤلفة في القرن الرابع عن إعجاز القرآن، ثلاثة كتب.
أولها: كتاب الرماني، وثانيها: كتاب الخطابى، وثالثها: كتاب الباقلانى.
وهى التى نعرض لها بالبيان والتحليل، فيما يلى: إعجاز القرآن للرماني: ولد أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي في سنة 276، ومات سنة 384 وكان يعرف أيضا بالاخشيدى، نسبة إلى أستاذه ابن الاخشيد، وبالوراق، لانه كان يحترف الوراقة.
وقال عنه ياقوت في معجم الادباء 24 / 74: " كان إماما في علم العربية، علامة في الادب، في طبقة أبى على الفارسى، وأبى سعيد السيرافى وله تصانيف في جميع العلوم: من النحو واللغة والنجوم والفقه والكلام، على رأى المعتزلة.
وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق، حتى قال أبو على الفارسى: إن
كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شئ، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شئ ".
وقال عنه أبو حيان التوحيدي في الامتاع والمؤانسة 1 / 133: " وأما على بن عيسى فعالى الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق، وعيب به، لانه لم يسلك طريق واضح المنطق، بل أفرد صناعة، وأظهر براعة وقد عمل في القرآن كتابا نفيسا.
هذا مع الدين الثخين، والعقل الرصين " وقال عنه في تقريظ الجاحظ، كما قال ياقوت، في معجم الادباء 14 / 76 -: " لم ير مثله قط..علما بالنحو، وغرازة في الكلام، وبصرا بالمقالات، واستخراجا للعويص، وإيضاحا للمشكل، مع تأله وتنزه ودين ويقين، وفصاحة وفقاهة وعفافة ونظافة "
والكتاب النفيس الذى أشار التوحيدي إليه، هو كتاب: " الجامع لعلم القرآن " وقد ذكره الرماني في إعجاز القرآن. (1/11)
بدأ الرماني كتابه ببيان وجوه إعجاز القرآن، فقال: إنها تظهر من سبع جهات وهى: ترك المعارضة مع توفر الدواعى وشدة الحاجة، والتحدى للكافة والصرفة، والبلاغة، والاخبار الصادقة عن الامور المستقبلة، ونقض العادة وقياسه بكل معجزة.
ثم قسم البلاغة إلى ثلاث طبقات، وقال: إن ما كان في أعلاها معجز، وهو بلاغة القرآن.
ثم عرف البلاغة بأنها إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن.
ثم قسم البلاغة إلى عشرة أقسام، وهى: الايجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل والتجانس والتصريف، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.
ثم فسرها بابا بابا، على ترتيبها تفسيرا وافيا شافيا.
فهو - مثلا - عند ما عرض
لباب الاستعارة عرفها، وفرق بينها وبين التشبيه.
ثم بين أركانها، وقال: إن كل استعارة حسنة توجب بلاغة بيان لا تنوب منابة الحقيقة، وذلك أنه لو كان يقوم مقامه كانت الحقيقة أولى به، ولم تجز الاستعارة.
ثم ذكر ما جاء في القرآن من الاستعارة على جهة البلاغة، وبدأ بقول الله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)، فقال: " حقيقة،، قدمنا،، هنا: عمدنا و " قدمنا " أبلغ منه لانه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لانه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم، ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم.
وفى هذا تحذير من الاغترار بالامهال.
والمعنى الذى يجمعهما العدل، لان العمد إلى إبطال الفاسد عدل، والقدوم أبلغ لما بينا " وجملة الآيات التى ذكرها في هذا الباب على ذلك النحو العظيم - أربع وأربعون آية.
وبعد أن فرغ الرماني من تفسير أبواب البلاغة العشر، عاد إلى البيان عن الوجوه السبعة التى ذكرها في أول الكتاب، وقال: إنها مظاهر إعجاز القرآن.
فأبان عن أوجه دلالتها على الاعجاز. (1/12)
ويعنينا أن نذكر هنا ما قاله عن توفر الدواعى، و " الصرفة " لما للاولى من دلالة خاصة، ولاهمية الثانية.
قال: " وأما توفر الدواعى فتوجب الفعل مع الامكان لا محالة، في واحد كان أو جماعة.
والدليل على ذلك أن إنسانا لو توفرت دواعيه إلى شرب الماء بحضرته، من جهة عطشه واستحسانه لشربه، وكل داع يدعو إلى مثله، وهو مع ذلك ممكن له، فلا يجوز أن لا يقع شربه منه حتى يموت عطشا لتوفر الدواعى على ما بينا.
فإن لم يشربه مع توفر الدواعى له دل ذلك على عجزه عنه، فكذلك توفر الدواعى إلى المعارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها "
وقال عن الصرفة: " وأما الصرفة فهى صرف الهمم عن المعارضة.
وعلى ذلك يعتمد بعض أهل العلم في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن معارضته وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة.
وهذا عندنا أحد وجوه الاعجاز التى تظهر منها للعقول " وختم كتابه بالاجابة عن سؤال أورده، فقال: " فإن قيل: فلم اعتمدتم على الاحتجاج بعجز العرب دون المولدين، وهو عندكم معجز للجميع، مع أنه يوجد للمولدين من الكلام البليغ شئ كثير ؟ قيل له: لان العرب كانت تقيم الاوزان والاعراب بالطباع، وليس في المولدين من يقيم الاعراب بالطباع كما يقيم الاوزان بالطباع، والعرب على البلاغة أقدر لما بينا من فطنتهم لما لم يفطن له المولدون من إقامة الاعراب بالطباع.
فإذا عجزوا عن ذلك فالمولدون عنه أعجز " وقد ذهب الرماني إلى نفى السجع من القرآن، وتسمية ما فيه من ذلك فواصل لان الاسجاع عيب، والفواصل بلاغة، لان الفواصل تابعة للمعانى، وأما الاسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة.
أعجاز القرآن للخطابي: ولد أبو سليمان: حمد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب البستى سنة 319 وتوفى سنة 388 ه وهو من أعلام الفكر الاسلامي في القرن الرابع الذين امتازت كتبهم
بغزارة المادة، وعمق الفكرة، ودقة الاستنباط وروعة البيان، وظهرت فيها شخصيتهم واضحة المعالم، بينة القسمات. (1/13)
ومن كتب الخطابى الجليلة: كتاب " غريب الحديث " و " معالم السنن في شرح سنن أبى داود " و " أعلام السنن في شرح البخاري " وإعجاز القرآن " وهو أصغرها حجما.
بدأ الخطابى كتابه بقوله: " قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما
وحديثا، وذهبوا فيه كل مذهب من القول، وما وجدناهم - بعد - صدروا عن رى، وذلك لتعذر معرفة وجه الاعجاز في القرآن، ومعرفة الامر في الوقوف على كيفيته " ثم عرض للاقوال التى قيلت قبله في وجوه الاعجاز، وبدأ برأى القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم، قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا عنه، وانقطعوا دونه.
وعقب عليه بقوله: " وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينها دلالة، وأيسرها مؤونة، وهو مقنع لمن لم تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الاعجاز فيه.
ثم ثنى برأى القائلين بأن العلة في إعجازه " الصرفة " أي صرف الهمم عن المعارضة، وإن كانت مقدورا عليها، غير معجوز عنها، إلا أن العائق من حيث كان أمرا خارجا عن مجارى العادات - صار كسائر المعجزات.
وعلق عليه بقوله: " وهذا أيضا وجه قريب، إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه، وهى قوله سبحانه: (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).
فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، والمعنى في الصرفة التى وصفوها لا يلائم هذه الصفة فدل على أن المراد غيرها " ثم ذكر رأى الطائفة التى زعمت أن إعجازه إنما هو فيما تضمنه من الاخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، وصدقت أقوالها مواقع أكوانها.
ثم نقده بقوله: " ولا يشك في أن هذا وما أشبهه من أخباره، نوع من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالامر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن.
وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها،
فقال: (فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) من غير تعيين. (1/14)
فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه " ثم ذكر الرأى الرابع الذى ذهب إليه الاكثرون من علماء أهل النظر، وهو أن إعجازه من جهة " البلاغة " وقال: " ووجدت عامة أهل هذه المقالة، قد جروا في تسليم هذه الصفة للقرآن على نوع من التقليد، وضرب من غلبة الظن، دون التحقيق له، وإحاطة العلم به.
ولذلك صاروا إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة التى اختص بها القرآن، وعن المعنى الذى يتميز به عن سائر أنواع الكلام الموصوف بالبلاغة - قالوا: لا يمكننا تصويره، ولا تحديده بأمر ظاهر نعلم به مباينة القرآن غيره من الكلام: وإنما يعرفه العالمون به عند سماعه ضربا من المعرفة، لا يمكن تحديده.
وأحالوا على سائر أجناس الكلام الذى يقع فيه التفاضل، فتقع في نفوس العلماء به - عند سماعه - معرفة ذلك، ويتميز في أفهامهم قبيل الفاضل من المفضول منه.
وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس، حتى لا يلتبس على ذوى العلم والمعرفة به.
وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا يوجد مثلها لغيره، والكلامان معا فصيحان، ثم لا يوقف لشئ من ذلك على علة " ثم عقب الخطابى على ذلك بقوله: " وهذا لا يقنع في مثل هذا العلم، ولا يشفى من داء الجهل به، وإنما هو إشكال أحيل به على إبهام " ثم ذكر أن دقيق النظر، وشاهد العبر، قد دلاه على ما يباين به القرآن سائر الكلام، وأن العلة في ذلك: " أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في نسبة التبيان متفاوتة، ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية.
فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز المطلق الرسل.
وهذه أقسام الكلام الفاضل.
فالقسم الاول أعلى طبقات الكلام وأرفعه، والقسم الثاني أوسطه وأقصده،
والقسم الثالث أدناه وأقربه.
فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الاقسام حصة، وأخذت من كل نوع من أنواعها شعبة، فانتظم لها بامتزاج هذه الاوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة.
وهما على الانفراد في نعوتهما
كالمتضادين، لان العذوبة نتاج السهولة، والجزالة والمتانة في الكلام تعالجان نوعا من الوعورة. (1/15)
فكان اجتماع الامرين في نظمه - مع نبو كل واحد منهما عن الآخر - فضيلة خص بها القرآن " ثم قال: " وإنما تعذر على البشر الاتيان بمثله، لامور: منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبأوضاعها التى هي ظروف المعاني، والحوامل لها.
ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الاشياء المحمولة على تلك الالفاظ، ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التى بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الافضل عن الاحسن من وجوهها، إلى أن يأتوا بكلام مثله.
وإنما يقوم الكلام بهذه الاشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى قائم به، ورباط لهما ناظم.
وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الامور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئا من الالفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه.
وأما المعاني فلا خفاء على ذى عقل أنها هي التى تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقى إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.
وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه، فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذى أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا.
فتفهم الآن، واعلم أن القرآن أنما صار معجزا لانه جاء بأفصح الالفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني: من توحيد له - عزت قدرته -
وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته: من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الاخلاق، وزجر عن مساويها.
واضعا كل شئ منها موضعه الذى لا يرى شئ أولى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية، وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الاعصار الباقية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب
ما أمر به ونهى عنه. (1/16)
ومعلوم أن الاتيان بمثل هذه الامور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق - أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرهم: فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله " وأنى لهم ذلك وأمر معاناة المعاني التى تحملها الالفاظ، شديد بالغ الشدة لانها نتائج العقول، وولائد الافهام، وبنات الافكار.
وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لانها لجام الالفاظ وزمام المعاني، وبه يتصل أخذ الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان " ثم ذكر أقوال المعاندين للقرآن، لما عجزوا عن معارضته، وقال: " إن عمود هذه البلاغة التى تجتمع لها هذه الصفات، هو وضع كل نوع من الالفاظ التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الاخص الاشكل به.
الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه: إما تبدل المعنى الذى يكون منه فساد الكلام، وإما ذهاب الرونق الذى يكون معه سقوط البلاغة.
ذلك أن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة والحمد
والشكر.
والامر فيها وفى ترتيبها عند علماء اللغة بخلاف ذلك، لان لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا قد يشتركان في بعضها ".
ثم مضى يبين الفروق بين معاني الكلمات التى ذكرها، وأتبعها بطائفة الاعتراضات التى وجهت إلى القرآن، أو التى يمكن أن توجه إليه، كتأليف معظم كلامه من ألفاظ مبتذلة في مخاطبات العرب، مستعملة في محاوراتهم، وقلة حظه من الغريب المشكل، بالاضافة إلى واضحه الكثير، وقلة عدد الفقر والغرور من ألفاظه، بالقياس إلى مباذله ومراسيله.
والقول بأن كثيرا من العبارات الواقعة في القرآن، لم تقع في أفصح وجوه البيان وأحسنها، وأنه قد عرض فيه سوء التأليف من نسق الكلام على ما ينبو عنه ولا يليق به، وإدخاله بين الكلامين ما ليس من جنسهما، مع ما فيه من الحذف والاختصار، ومضاعفة التكرار، وغير ذلك مما يشكل معه الكلام ويستغلق معناه، ويخرج به عن الفصاحة العالية والبلاغة السامية.
ثم كر على تلك الاعتراضات فنقضها، وفصل القول في تأويل الآيات الكثيرة التى أوردها. (1/17)
وبين أسرار بلاغتها تبيينا ترتاح إليه القلوب، وتطمئن له العقول.
ثم قال: " وفى إعجاز القرآن وجه آخر، ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم.
وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى - ما يخلص منه إليه.
تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها من الوجيب والقلق، وتغشاها من الخوف والفرق ما تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب.
يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها.
فكم من عدو للرسول، صلى الله عليه وسلم، من رجال العرب وفتاكها،
أقبلوا يريدون إغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الاول، وأن يركنوا إلى مسالمته ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة وكفرهم إيمانا " ثم أورد من المثل التاريخية، والآيات القرآنية ما هو مصداق لما وصفه من أمر القرآن.
وكان ذلك خاتمة الكتاب.
ثم ألف بعد الرماني والخطابى معاصرهم أبو بكر الباقلانى، كتابه " إعجاز القرآن " * * * الباقلانى وإعجاز القرآن: هو أبو بكر: محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلانى، أو ابن الباقلانى.
ولد بالبصرة، ولم يعين أحد من المؤرخين عام ولادته، وقد تلقى العلم على أعلامها، ثم رحل إلى بغداد فأخذ من علمائها، ثم اتخذها دارا لاقامته، حتى قضى نحبه فيها ولم يذكر أحد كذلك متى رحل إليها أول ما رحل، ولا متى اتخذها مستقرا ؟ وقد أتيح للباقلاني أن يتتلمذ لطائفة من العلماء الذين جمعوا بين العلم والعمل،
وشهروا بالورع والتقوى. (1/18)
ونحن نشير إلى م اوقفنا عليه منهم، فيما يلى: (1) فمنهم أبو بكر الابهري: محمد بن عبد الله (289 - 375 ه) شيخ المالكية في عصره، وقد أخذ عنه الباقلانى الفقه، وصحبه فأطال صحبته.
ومما يؤثر عن الابهري أنه أخرج في آخر حياته ثلاثة آلاف مثقال، وفرقها على تلامذته، وكانوا جماعة وافرة، وآثر الباقلانى فأعطاه منها مائة مثقال.
(2) أبو بكر: أحمد بن جعفر بن مالك القطيعى راوي مسند الامام أحمد (274 - 368) وقد أخذ عنه الحديث.
(3) أبو محمد: عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسى (274 - 369) (4) أبو عبد الله: محمد بن خفيف الشيرازي المتوفى سنة 371.
وقد أخذ عنه الباقلانى علم الاصول.
(5) ابن بهته: محمد بن عمر، البزاز، المتوفى سنة 374 (6) أبو أحمد: الحسين بن على النيسابوري (293 - 375) (7) أبو أحمد: الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري (293 - 382) (8) أبو محمد: عبد الله بن أبى زيد القيرواني المتوفى سنة 386 عن ست وسبعين سنة.
(9) أبو عبد الله الطائى: محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد.
البصري، صاحب أبى الحسن الاشعري.
وقد درس عليه الباقلانى الاصول والكلام وكان من أخص تلاميذه.
(10) أبو الحسن الباهلى البصري صاحب أبى الحسن الاشعري، قال الباقلانى: " كنت أنا وأبو إسحاق الاسفرايينى، وابن فورك معا في درس الشيخ الباهلى، وكان يدرس لنا في كل يوم جمعة مرة واحدة، وكان منا في حجاب، يرخى الستر بيننا وبينه كى لا نراه.
وكان من شدة اشتغاله بالله مثل واله أو مجنون، لم يكن يعرف مبلغ درسنا حتى نذكره ذلك ".
ولم يكن الباهلى يحتجب عن هؤلاء الثلاثة فقط، بل كان يحتجب عن كل الناس، حتى عن الجارية التى كانت تخدمه.
وقد سأله تلاميذه في أول عهدهم به عن سبب إرساله الحجاب بينه وبينهم
فقال: " إنكم ترون السوقة، وهم أهل الغفلة، فترونى بالعين التى ترون أولئك بها " ! وذكر ابن شاكر في " عيون التواريخ " أن الباهلى مات سنة 370. (1/19)
وكان الباهلى وابن مجاهد، أعرف العلماء بمذهب الاشعري، وأشدهم فقها له.
وأقواهم حجة في الدفاع عنه، لانهما كانا من أقرب تلاميذه إليه.
وقد سجل المؤرخون للاشعري: أن أخص تلاميذه به أربعة: أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسن الباهلى، وأبو الحسن الطبري، وخادمه بندار بن الحسين الشيرازي المتوفى سنة 353 ه.
وقد تلقى الباقلانى عليهما أصول المذهب، فتعشقه واندفع في نصرته، بما عرف عنه من قوة الحجة، وبراعة المحاورة، وسرعة البديهة، وطلاقة اللسان، وغزارة البيان.
فطار صيته في الآفاق، وهو ما زال بعد في ريعان الصبا وفتاء الشباب، حتى وصل إلى أعلام المعتزلة بشيراز.
وكانت شيراز في ذلك الوقت حاضرة ملك أبى شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة البويهى.
الذى آل إليه ملك فارس بعد وفاة عمه عماد الدولة في سنة 338، فتلقب بعضد الدولة.
وكان عضد الدولة أميرا عظيم الهيبة، غزير العقل، شديد التيقظ، كثير الفضل، واسع الثقافة، مشاركا في العلوم، وقد تعلم على أحسن المعلمين.
فكان يقدر العلم والعلماء، ويحب الادب والادباء، ويؤثر مجالستهم عن مجالسة الامراء، ويجرى الجرايات على الفقهاء والمحدثين، والنحاة والمفسرين، والشعراء والمتكلمين، والاطباء والمهندسين.
وكانت له خزانة كتب عظيمة، عنى بها عناية فائقة، يدل عليها وصف المقدسي لها بأنها " حجرة على حدة، عليها وكيل وخازن ومشرف.
ولم يبق كتاب صنف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصله فيها.
وهى أزج طويل في صفة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الازج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوق، عليها أبواب تنحدر من فوق ! والدفاتر منضدة على الرفوف، لكل نوع بيوت وفهرستات فيها أسامي الكتب، ولا يدخلها إلا كل وجبة ".
وكان يقرض الشعر ويتمثل به، ويحكم على معانيه بعد التقرير له، فقصده العلماء من كل فج، وصنفوا له الكتب، كأبى على الفارسى الذى ألف له كتاب " الايضاح " وكتاب " التكملة " في النحو. (1/20)
وارتحل إليه الشعراء كأبى الطيب المتنبي الذى ورد عليه بشيراز في جمادى الاولى سنة 354، وأنشده قصيدته الهائية التى يقول فيها: وقد رأيت الملوك قاطبة * وسررت حتى رأيت مولاها ومن مناياهم براحته * يأمرها فيهم وينهاها أبا شجاع بفارس عضد الد * دولة فنا خسرو شهنشاها أساميا لم تزده معرفة * وإنما لذة ذكرناها وقد أفرد عضد الدولة في داره لاهل الخصوص والحكماء والفلاسفة، موضعا يقترب من مجلسه، فكانوا يجتمعون فيه للمفاوضة والمذاكرة، آمنين من السفهاء ورعاع العامة.
وكان مجلسه هذا يحتوى على شياطين المعتزلة، كأبى سعد: بشر بن الحسين قاضى قضاة شيراز، المتوفى سنة 380، والاحدب رئيس المعتزلة ببغداد وأبى إسحق النصيبينى رئيسهم بالبصرة، وأبى الحسن: محمد بن شجاع.
وقد لا حظ عضد الدولة خلو مجلسه من أهل السنة، فقال: هذا ليس مجلس عامر بالعلماء، إلا إنى لا أرى فيه واحدا من أهل الاثبات والحديث، أما لهؤلاء المثبتة من ناصر ؟ فقال القاضى بشر بن الحسين: ليس لهم ناصر، وإنما هم عامة، أصحاب وتقليد ورواية، يروون الخبر وضده ويعتقدونهما جميعا، لا يعرفون النظر والمعتزلة هم فرسان الجدل والمناظرة.
فقال عضد الدولة: محال أن يخلو مذهب طبق الارض من ناصر ! فانظر إلى موضع فيه مناظر يكتب فيه فيجلب.
فلما تبين القاضى العزم في حديثه، قال: سمعت أن بالبصرة شيخا وشابا، الشيخ يعرف
بأبى الحسن الباهلى، والشباب يعرف بابن الباقلانى.
فكبت عضد الدولة يومئذ إلى عامله بالبصرة ليبعثهما إليه، وأرسل إليهما خمسة آلاف درهم من الفضة، فلما وصل الكتاب إليهما قال الشيخ: هؤلاء الديلم قوم كفرة فسقة روافض، لا يحل
لنا أن نطأ بساطهم، وليس غرض الملك من هذا إلا أن يقال: إن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم، ولو كان ذلك خالصا لله لنهضت. (1/21)
وشايعه على ذلك بعض أصحابه.
ولكن الباقلانى لم يعجبه رأى شيخه فقال له: كذا قال ابن كلاب والحارث ابن أسد المحاسبى ومن في عصرهم: إن المأمون فاسق ظالم لا نحضر مجلسه، حتى ساق أحمد بن حنبل، وجرى عليه بعد مما عرف، ولو ناظروه لكفوه عن هذا الامر، وتبين له ما هم عليه بالحجة.
وأنت أيضا - أيها الشيخ - تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على أحمد، ويقولوا: بخلق القرآن ونفى الرؤية وها أنا خارج إن لم تخرج.
فقال الشيخ: أما إذا شرح الله صدرك لذلك فافعل.
قال الباقلانى: فخرجت إلى شيراز، فلما دخلت المدينة استقبلني ابن خفيف في جماعة من الصوفية وأهل السنة، فلما جلسنا في موضع كان ابن خفيف يدارس فيه أصحابه " اللمع " للشيخ أبى الحسن الاشعري، فقلت له: تماد على التدريس كما كنت، فقال لى: أصلحك الله، إنما أنا بمنزلة المتيمم عند عدم الماء، فإذا وجد الماء فلا حاجة إلى التيمم.
فقلت له: جزاك الله خيرا، وما أنت بمتيمم، بل لك حظ وافر من هذا العلم، وأنت على الحق، والله ينصرك.
ثم قلت: متى الدخول إلى فنا خسرو ؟ فقالوا لى: يوم الجمعة لا يحجب عنه صاحب طيلسان.
فدخلت والناس قد اجتمعوا، والملك قاعد على سرير ملكه، والناس صفوف على يسار الملك، وفوق الكل قاضى القضاة: بشر بن الحسين، وكان يدخل مع الوزراء في وزارتهم، ويصغى الملك إلى رأيه في أمر
الدولة، فلما رأيت ذلك كرهت أن أتقدم على الناس وأتخطى رقابهم، من غير أن أرفع، ولم تدعني نفسي أن أقعد في أخريات الناس.
وكان عن يمين الملك المجلس خاليا، ولا يقعد هناك إلا وزير وملك عظيم.
فمضيت وقعدت عن يمينه، بحذاء قاضى القضاة، فوجدوا من ذلك، وفزعوا واضطربوا، لانه كان عندهم من الجنايات العظام، ونظر الملك لقاضي القضاة نظرا منكرا، وما في المجلس من يعرفني إلا رجل واحد.
فقال للقاضى: هذا هو الرجل الذى طلبه الملك من البصرة، فأعلم الملك بذلك، فقال قاضى القضاة: أطال الله بقاء مولانا، هذا هو الرجل
الذى كتبت فيه، وهو لسان المثبتة. (1/22)
فنظر الملك إلى الغلمان والحجاب فطاروا من بين يديه، ثم قال: اذكروا له مسألة، وكان في المجلس رئيس البغداديين من المعتزلة، وهو الاحدب.
وكان أفصح من عندهم وأعلمهم، وعدد كثير من معتزلة البصرة، أقدمهم أبو إسحاق النصيبينى، فقال الاحدب لبعض تلاميذه: سله، هل لله أن يكلف الخلق ما لا يطيقون، أو ليس له ذلك ؟ - وكان غرضه تقبيح صورتنا عند الملك - فقلت له: إن أردتم بالتكليف القول المجرد فقد وجد ذلك، لان الله تعالى قال: (قل: كونوا حجارة أو حديدا) ونحن لا نقدر أن نكون حجارة ولا حديدا.
وقال تعالى: (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم) فطالبهم بما لا يعلمون.
وقال تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون).
وهذا كله أمر بما لا يقدر عليه الخلق.
وإن أردتم بالتكليف الذى نعرفه، وهو ما يصح فعله وتركه، فالكلام متناقض، وسؤالك فاسد، فلا تستحق جوابا، لانك قلت: تكليف، والتكليف: اقتضاء فعل ما فيه مشقة على المكلف، وما لا يطاق لا يفعل لا بمشقة ولا بغير مشقة.
فسكت السائل، وأخذ الكلام الاحدب فقال: أيها الرجل، أنت سئلت عن كلام مفهوم فطرحته
في الاحتمالات، وليس ذلك بجواب، وجوابه إذا سئلت أن تقول: نعم أو لا.
فأحفظنى كلامه لما لم يوقرني توقير الشيوخ ولم يخاطبني بما يليق.
وقلت له: يا هذا أنت نائم ورجلاك في الماء: إنما طرحت السؤال في الاحتمالات، وقد بينت لك الوجوه المحتملة، فإن كان معك في المسألة كلام فهاته، وإلا تكلم في غيرها.
فقال الملك للاحدب: أيها الشيخ، قد بين الاحتمال، وليس لك أن تعيد عليه، ولا أن تغالطه، ثم إنى ما جمعتكم إلا للفائدة لا للمهاترة، ولما لا يليق بالعلماء.
ثم التفت إلى وقال لى: تكلم على المسألة.
فقلت: ما لا يطاق على ضربين: أحدهما لا يطاق للعجز عنه، والآخر لا يطاق للاشتغال عنه بضده، كما يقال: فلان لا يطيق التصرف لاشتغاله بالكتابة وما أشبه ذلك، وهذا سبيل الكافر: أنه لا يطيق الايمان، لا لانه عاجز عن الايمان، لكنه لا يطيقه لاشتغاله بضده الذى
هو الكفر، فهذا يجوز تكليفه بما لا يطاق. (1/23)
وأما العاجز فما ورد في الشريعة تكليفه، ولو ورد لكان جائزا وصوابا، وقد أثنى الله تعالى على من سأله أن يكلفه ما لا يطيق، فقال عز وجل: (ولا تحملنا مالا طاقة لنا به)، لان الله تعالى له أن يفعل في ملكه ما يريد.
ثم تجاوز الاحدب الكلام إلى غيره، ومال الملك إلى قولى.
ثم سألني النصيبينى عن مسألة الرؤية: هل يرى الباري سبحانه بالعين ؟ وهل تجوز الرؤية عليه أو تستحيل ؟ وقال: كل شئ يرى بالعين، فيجب أن يكون في مقابلة العين.
فالتفت الملك إلى وقال: تكلم أيها الشيخ في المسألة.
فقلت: لو كان الشئ يرى بالعين لوجب أن يكون في مقابلة العين على ما قال: ولكن لا يرى الله بالعين.
فتعجب الملك من قولى، والتفت إلى قاضى القضاة، فقال: إذا لم ير الشئ بالعين، فبأى شئ يرى ؟ فقال: يسأله الملك.
فقال أيها الشيخ
فبأى شئ يرى إذا لم ير بالعين ؟ فقلت: يرى بالادراك الذى في العين، ولو كان الشئ يرى بالعين لكان يجب أن ترى كل عين قائمة، وقد علمنا أن الاجهر عينه قائمة ولا يرى شيئا.
فزاد الملك تعجبا، وقال للنصيبينى: تكلم.
فقال: إنى لم أعلم أنه يقول هذا، ولا بنيت إلا على ما نعرف، وظننت أنه يسلم أن الشئ يرى بالعين ! فغضب الملك وقال: ما أنت مثل الرجل، لانك بنيت المسألة على الظن.
ثم التفت إلى وقال لى: تكلم أنت.
فقلت: العين لا ترى، وإنما ترى الاشياء بالادراك الذى يحدثه الله تعالى فيها، وهو البصر، ألا ترى أن المحتضر يرى الملائكة ونحن لا نراهم ؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يرى جبريل عليه السلام ولا يراه من يحضره ؟ والملائكة يرى بعضهم بعضا ولا نراهم نحن ؟ والدليل على جواز رؤية الباري تعالى أنه ليس فيها قلب للحقائق، ولا إفساد للادلة، ولا إلحاق صفة نقص بالقديم تعالى، فوجب أن يكون كسائر الموجودات، لانه تعالى موجود، والشئ إنما يرى لانه موجود، لان المرئى لم يكن مرئيا لانه جنس، لانا نرى سائر الاجناس المختلفة، ولا لقيام معنى بالمرئى، لانا نرى الاعراض التى لا تحمل المعاني، وقد ثبت بالنص وجوب رؤية الحق سبحانه في الدار الآخرة.
ثم جرى
في المجلس كلام كثير، وقال الملك على إثره لقاضي القضاة: ألم أقل لك: إن مذهبا طبق الارض لابد له من ناصر. (1/24)
ولما انقضى المجلس صحبني بعض الحجاب إلى منزل هيئ لى فيه جميع ما أحتاج إليه، فسكنته.
ولما خرج الباقلانى قال الملك لقاضيه: فكرت بأى قتلة أقتله لجلوسه حيث جلس بغير أمرى، وأما الآن فقد علمت أنه أحق بمكانى منى.
ثم دفع ابنه صمصام الدولة، ليعلمه مذهب أهل السنة، فعلمه وألف له كتاب " التمهيد " ولم يزل الباقلانى مع عضد الدولة، إلى أن أقدم بغداد.
وكان دخوله أياها في
سنة 367، وظل الباقلانى أثيرا لديه، حتى إنه جعله رئيس البعثة التى أوفدها في سنة 371 إلى ملك الروم.
وقد قال الاستاذ " محمود محمد الخضيرى " والدكتور " محمد عبد الهادى أبو ريدة " في مقدمتهما لكتاب التمهيد: " إن هذه المناظرة جرت في مجلس الامبراطور باسيليوس الثاني، الذى حكم من سنة 365 إلى سنة 416 ه ".
ثم قالا: " ومهما يكن أمر سفارة الباقلانى بين عضد الدولة وبين ملك الروم، فنحن لا نعرف ظروفها التاريخية، وربما كان ملك الروم قد أراد من يبين له أمر الاسلام، أو يجيب عن أسئلة النصارى بشأن ما يعتقده المسلمون.
ويتبين من تفصيل المناقشات أن مهمة الباقلانى كانت مدنية علمية، هي أشبة ببعثة تبادل الآراء ومعرفة وجهات النظر الدينية، ولا سيما أنه ليس عندنا في التاريخ ما يدل على اتصال وثيق بين عضد الدولة وبين الروم من شأنه أن يكون داعيا لبعثات سياسية أو حربية أو أشبه ذلك، وأن المؤرخين يشيرون إلى هذه السفارة باختصار، أو هم يذكرون ما يدل على صبغتها الفكرية الدينية الخالصة.
على أنه من الجائز أن يكون ظهور شأن السلطان الفاتح عضد الدولة، بعد حروب دامت طويلا بين البيزنطيين والمسلمين وبعد تمرد أحد قواد الروم على الامبراطور في الشرق، كان مما دعا الامبراطور البيزنطى إلى عقد صلات التعارف مع عضد الدولة " ثم قالا: " إن الغرض الذى رمى إليه عضد الدولة من بعثة الباقلانى إلى بيزنطة هو إرضاء شعور
المسلمين بالسعي في تحرير أسراهم المعذبين لدى الروم " وكان خليقا بالاستاذين الفاضلين ألا يكتبا هذا الكلام البيزنطى بعد نقلهما لقول ابن الاثير: إن عضد الدولة أرسل الباقلانى إلى ملك الروم في جواب رسالة وردت منه. (1/25)
وكان حسبهما أن يسجلا على أنفسهما عدم " معرفة ظروفها التاريخية "
فإن ذلك كان أسلم لهما، وكان يمنعهما من أن يتورطا فيما تورطا فيه، فليس صحيحا ما قالاه من أنه " ليس في التاريخ ما يدل على اتصال وثيق بين عضد الدولة وبين الروم من شأنه أن يكون داعيا لبعثات سياسية أو حربية ".
وليس صحيحا كذلك أن المؤرخين أشاروا إلى هذه السفارة باختصار، ودلوا على صبغتها الدينية الخالصة.
وليس صحيحا مرة ثالثة أن عضد الدولة قد قصد من بعثة الباقلانى إرضاء شعور المسلمين بالسعي في تحرير أسراهم.
أجل إن هذه الاقوال كلها ليست من الصحة والصواب في شئ، فقد بين المؤرخون لتلك الفترة من الزمان الاتصال الوثيق بين عضد الدولة وملك الروم، وأن البعثات السياسية قد تبو دلت بينهما عدة مرات منذ سنة 369 حتى وفاة عضد الدولة في شوال سنة 372، وأن وفد الروم الثالث أدرك وفاة عضد الدولة وحضر مجلس صمصام الدولة وتسلم منه الهدايا وتمم عقد المعاهدة.
ومجمل ما فصله المؤرخون في ذلك: أنه لما توفى أرمانوس ملك الروم وقام بعده ابناه باسيل وقسطنطين، افترقت كلمة الروم، وطمع كبار القواد في الاستئثار بالملك.
وكان ممن طمع في ذلك السقلاروس المعروف بورد الرومي، فجمع الجموع واستجاش بالمسلمين من الثغور وكاتب أبا تغلب بن حمدان وواصله وصاهره، وأخرج إليه الملكان عسكرا بعد عسكر فكسرهم، وجرت بين الفريقين معارك طاحنة، انتهت في يوم الاحد لثمان بقين من شعبان سنة 368 ه بانهزام السقلاروس، وقد توجه بعد هزيمته إلى ديار بكر، ونزل بظاهر ميافارقين، وأنفذ أخاه قسطنطين إلى عضد الدولة يستنصره على ملكى الروم، ويعده ببذل الطاعة وحمل الخراج إذا انتصر، فأحسن عضد الدولة استقباله، ووثق إليه بخطه ووعده بجميل إنجاده، وتطاول مقام قسطنطين لدى عضد الدولة، وانتهى خبره إلى الملكين الاخوين بقسطنطينية، فأنفذا إلى عضد
الدولة كاتبا لهما وجيها أريبا، يسمى نقفور ويعرف بالاورانوس، ليفسد ما شرع (1/26)
فيه مع السقلاروس، واجتمع الرسولان على بساط عضد الدولة يتنافسان في التقرب إليه، ويستبقان إلى التماس الذمام منه، ولم ينصرفا إلى أن انسلخت سنة تسع وستين وثلثمائة.
وذلك أمر لم يكن مثله قط، ويعده المؤرخون من مآثر عضد الدولة.
وكان طلب الاورانوس ينحصر في تسليم السقلاروس ولو بابتياعه، والوعد بتأمينه ومن معه، وإخراج كل أسير للمسلمين في بلاد الروم.
فمال عضد الدولة إلى ذلك، واحتال حتى حمل إليه عامله على ديار بكر السقلاروس مقبوضا عليه، فأكرمه بعد أن احتاط عليه، ووعده بإطلاقه وتجريد عساكر معه لنصرته، ثم وعد الاورانوس خيرا، وأخرج معه الباقلانى بجواب الرسالة، وعاد الباقلانى بمشروع معاهدة، ومعه رسول يعرف بابن قونس ليأخذ إمضاء عضد الدولة عليها، ولكن عضد الدولة بدا له أن يظفر في المعاهدة باسترجاع بعض الحصون، فأعاد ابن قونس وأرسل معه أبا إسحاق بن شهرام، ورجع ابن شهرام بمشروع المعاهدة الاخير، ومعه رسول يعرف بنقفور الكانكلى، ولكن وصولهما صادف اشتداد العلة على عضد الدولة وموته في الثامن من شوال.
ووقع المعاهدة صمصام الدولة على شرطين: أولهما عقد الهدنة لمدة عشر سنوات، وتسليم الحصون التى اشترط ابن شهرام استرجاعها، وثانيهما إطلاق نقفور بعد أخذ خط ملك الروم بتأمينه، وإرجاعه إلى مرتبته.
ذلك مجمل ما كان من أمر الصلة بين عضد الدولة وبين ملك الروم، والبعثات العديدة التى وكانت بينهما، والتى قال الاستاذ الخضيرى والدكتور أبو ريدة: إنه إنه ليس في التاريخ ما يدل عليها.
ورتبا على ذلك ما رتبا من شتى الفروض والاحتمالات، ولو قد فطنا لقول ابن الاثير في حوادث سنة 70: (إن عضد الدولة أرسل الباقلانى إلى ملك الروم في جواب رسالة) وقدرا قوله هذا حق قدره، ورجعا إلى كلامه في حوادث سنة 69 - لالفياه يفصل القول في السبب الذى دعا ملك الروم إلى
مراسلة عضد الدولة ومفاوضتة، وطلب عقد الهدنة 8، 255 - 256.
وعند ما تهيأ الباقلانى للخروج إلى القسطنطينية، قال له أبو القاسم: المطهر بن عبد الله، وزير عضد الدولة: الطالع خروجك. (1/27)
فسأله عن معنى هذا الكلام، فلما فسر له مراده، قال الباقلانى: لا أقول بهذا، لان السعد والنحس كله والشر والخير بيد الله عزوجل، وليس للكواكب ههنا مثقال ذرة من القدرة، وإنما وضعت كتب المنجمين ليتعيش بها الجاهلون من العامة، ولا حقيقة لها.
فقال الوزير: أحضروا إلى أبا سليمان المنطقي، فليست المناظرة من شأني، ولا أنا قائم بها، وأنما أنا أحفظ علم النجوم وأقول: إذا كان من النجوم كذا كان كذا، وأما تعليله فهو من علم المنطق.
فأحضر وأمر بمكالمة الباقلانى، فقال أبو سليمان للوزير: هذا القاضى يقول: إن الباري - سبحانه - قادر على أن يركب عشرة أنفس في ذلك المركب الذى في دجلة، فإذا وصلوا الجانب الآخر يكون الله قد زاد فيهم آخر فيكونون أحد عشر، ويكون الحادى عشر قد خلقه الله في ذلك الوقت.
ولو قلت أنا: لا يقدر على ذلك، أو هو محال - قطعوا لساني وقتلوني، وإن أحسنوا إلى كتفوني ورموني في الدجلة.
وإذا كان الامر كما ذكرت لم يكن لمناظرتي معه معنى ! فالتفت الوزير إلى الباقلانى وقال: ما تقول أيها القاضى ؟ فقال: ليس كلامنا ههنا في قدرة الباري تعالى: والبارى قادر على كل شئ، وإن جحده هذا الجاهل، وإنما كلامنا في تأثيرات هذه الكواكب، فاتتقل إلى ما ذكر لعجزه وقلة معرفته، وإلا فأى تعلق للكلام في قدرة الباري عز وجل في مسألتنا ؟ وأنا وإن قلت: إن القديم، تعالى، قادر على ذلك، ما أقول: إنه يخرق العادة ويفعل هذا، لانه لا يجوز عندنا أن يخلق اليوم إنسانا من غير أبوين، فإذا كان كذلك، فقد علم الوزير أن هذا فرار من الزحف.
فقال الوزير:
هو كما ذكرت.
وقال أبو سليمان المنطقي: المناظرات دربة وتجربة، وأنا لا أعرف مناظرات هؤلاء القوم، وهم لا يعرفون مواضعاتنا وعباراتنا، ولا تجمل المناظرة بين قوم هذا حالهم.
فقال له الوزير: قبلنا إعتذارك، والحق أبلج.
ثم مال إلى الباقلانى بوجهه، وقال له: سر في رعاية الله.
قال الباقلانى: " فخرجت فدخلنا بلاد الروم حتى وصلنا إلى ملك الروم بالقسطنطينية، وأخبر الملك بمقدمنا
فأرسل. (1/28)
إلينا من يلقانا، وقال: لا تدخلوا على الملك بعمائمكم حتى تنزعوها، إلا أن تكون مناديل لطافا، وحتى تنزعوا أخفافكم.
فقلت: لا أفعل، ولا أدخل إلا بما أنا عليه من الزى واللباس، فإن رضيتم، وإلا فخذوا الكتب تقرءونها، وأرسلوا بجوابها، وأعود بها.
فأخبر بذلك الملك، فقال: أريد معرفة سبب هذا، وامتناعه عما مضى عليه رسمى من الرسل ؟ فسئلت عن ذلك، فقلت: أنا رجل من علماء المسلمين، وما تحبونه منا ذل وصغار، والله تعالى قد رفعنا بالاسلام، وأعزنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأيضا فإن من شأن الملوك إذا بعثوا رسلهم إلى ملك آخر رفع أقدارهم، لا إذلالهم، سيما إذا كان الرسول من أهل العلم، ووضع قدره إنهدام جانبه عند الله تعالى، وعند المسلمين.
فعرف الترجمان الملك بذلك، فقال دعوه يدخل ومن معه كما يشاءون.
فدخل الباقلانى ومن معه كما أرادوا، وسأله الملك عن السبب في امتناعه عن اتباع ما جرى به رسمه مع الرسل من قبل، فشرح وجهة نظره، وذكره: أن رسوله قد دخل بملابسه على أمير المؤمنين الطائع، وأدخل بها على السلطان عضد الدولة، ثم قال: " فما تنكرون على هذا، وأنا رجل من علماء المسلمين ؟ فإن دخلت بغير هيئتي، ورجعت إلى حكمك أهنت العلم ونفسي، وذهب عند المسلمين جاهى " فقال الملك لترجمانه: قل له: قد قبلنا عذرك، ورفعنا منزلتك، وليس محلك عندنا كسائر الرسل، وإنما محلك عندنا محل الابرار الاخيار، وقد أخبرنا صاحبكم في كتابه أنك لسان المسلمين، والمناظر عنهم، وأنا أشتهى أن أعرف ذلك منك، كما ذكروه عنك.
فقلت: إذا أذن
الملك.
فقال: انزلوا حيث أعددت لكم، ويكون بعد هذا الاجتماع.
فنهضنا إلى موضع أعد لنا فلما كان يوم الاحد بعث الملك في طلبى، وقال لى من بعثه: من شأن الرسول حضور مائدة الملك، فيجب أن تجيب إلى طعامنا، ولا تنقض كل رسومنا.
فقلت له: أنا من علماء المسلمين، ولست كالرسل من الجند وغيرهم الذى يعرفون ما يجرى في هذا الموطن عليهم، والملك يعلم أن العلماء لا يقدرون أن يدخلوا في هذه الاشياء وهم يعلمون، وأخشى أن يكون على مائدته من لحوم الخنازير، وما حرمه الله تعالى، على رسوله وعلى المؤمنين.
فذهب الترجمان وعاد
على، وقال: يقول لك الملك: ليس على مائدتي، ولا في شئ من طعامي شئ تكرهه، وقد استحسنت ما أتيت به، وما أنت عندنا كسائر الرسل، بل أعظم وما كرهت من لحوم الخنازير إنما هو خارج من حضرتي، بينى وبينه حجاب. (1/29)
فنهضت على كل حال، وجلست وقدم الطعام، ومددت يدى وأوهمت الاكل ولم آكل منه شيئا، مع أنى لم أر على مائدته ما يكره.
فلما فرغ من الطعام بخر المجلس وعطره، ثم قال: هذا الذى تدعونه في معجزات نبيكم: من انشقاق القمر، كيف هو عندكم ؟ فقلت: هو صحيح عندنا، انشق القمر على عهد رسول الله حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره إليه في تلك الحال.
فقال الملك: وكيف: ولم يره جميع الناس ؟ ! قلت لان الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره فقال: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة قرابة ؟ لاى شئ لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما رأيتموه أنتم خاصة ؟ ! قلت: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة ؟ وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس
والبراهمة وأهل الالحاد، وخاصة يونان جيرانكم، فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن، وأنتم رأيتموها دون غيركم ؟ فتحير الملك، وقال بكلامه: سبحان الله.
وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه، لان صاحبه قال: ما في مملكتي مثله، ولا للمسلمين في عصره مثله.
فلم أشعر إذ جاء برجل كالذئب، أشقر الشعر، فقعد، وحكيت عليه المسألة، فقال: الذى قاله المسلم لازم، وهو الحق، لا أعرف له جوابا إلا ما ذكره فقلت له: أتقول: إن الخسوف إذا كان يراه جميع أهل الارض ؟ أم يراه أهل الاقليم الذى بمحاذاته ؟ قال: لا يراه إلا من كان في محاذاته.
فقلت: فما أنكرت من إنشقاق القمر إذا كان في ناحية أن لا يراه أهل تلك
الناحية ومن تأهب للنظر له، فأما من أعرض عنه، أو كان في الامكنة التى لا يرى القمر منها فلا يراه. (1/30)
فقال: كما قلت لا يدفعك عنه دافع، وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه، فأما الطعن في غير هذا الوجه فليس بصحيح.
فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة ؟ فقال القسيس: شبه هذا من الآيات - إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير حتى يتصل بنا العلم الضرورى به، ولما لم نعلم ذلك بالضرورة، دل على أن الخبر مفتعل باطل.
فالتفت الملك إلى، وقال: الجواب ؟ قلت: يلزمه في نزول المائدة، ما يلزمنى في إنشقاق القمر، ويقال: لو كان
نزول المائدة صحيحا لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودى ولا نصراني ولا وثنى إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة دل أن الخبر مكذوب فبهت القسيس والملك ومن ضمه المجلس، وانفصل المجلس على هذا * * * قال الباقلانى: ثم سألني الملك في مجلس ثان، فقال: ما تقولون في المسيح عيسى بن مريم ؟ قلت: روح الله وكلمته وعبده، ونبيه ورسوله، كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن.
فيكون، وتلوت عليه النص.
فقال: يا مسلم، تقولون: المسيح عبد ؟ فقلت: نعم، كذا نقول، وبه ندين.
قال: ولا تقولون إنه ابن الله ؟ قلت: معاذ الله، (ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله)، إنكم لتقولون قولا عظيما، فإذا جعلتم المسيح ابن الله فمن أبوه وأخوه وجده وعمه وخاله ؟ وعددت عليه الاقارب - فتحير وقال:
يا مسلم: العبد يخلق ويحيى ويميت، ويبرئ الاكمه والابرص ؟ فقلت: لا يقدر العبد على ذلك، وإنما ذلك كله من فعل الباري عز وجل قال: وكيف يكون المسيح عبد الله وخلقا من خلقه، وقد أتى بهذه الآيات، وفعل ذلك كله ؟ قلت: معاذ الله، ما أحيا المسيح الموتى، ولا أبرأ الاكمه والابرص. (1/31)
فتحير وقل صبره، وقال: يا مسلم.
تنكر هذا مع اشتهاره في الخلق، وأخذ الناس له بالقبول ؟
فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة: إن الانبياء - عليهم السلام - يفعلون المعجزات من ذاتهم، وإنما هو شئ يفعله الله تعالى على أيديهم، تصديقا لهم يجرى مجرى الشهادة.
فقال: قد حضر عندي جماعة من أولاد نبيكم، وأهل دينكم، المشهورين فيكم، وقالوا: إن ذلك في كتابكم.
فقلت: أيها الملك، في كتابنا أن ذلك كله بإذن الله تعالى.
وتلوت عليه قوله تعالى (إذ قال الله: يا عيسى بن مريم، اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك، إذ أيدتك بروح القدس، تكلم الناس في المهد وكهلا،.
وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل، وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى، فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذنى، وتبرئ الاكمه والابرص بإذنى وإذا تخرج الموتى بإذنى).
وقلت: إنما فعل ذلك كله بالله وحده لا شريك له، لا من ذات المسيح ولو كان المسيح يحيى الموتى، ويبرئ الاكمه والابرص من ذاته، لجار أن يقال: إن موسى فلق البحر، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته، وليس معجزات الانبياء، عليهم السلام، من ذاتهم وأفعالهم دون إرادة الخالق، فلما لم يجز هذا: لم يجز أن تسند المعجزات التى ظهرت على يد المسيح إليه.
فقال الملك: وسائر الانبياء كلهم من آدم إلى من بعده - كانوا يتضرعون للمسيح حتى يفعل ما يطلبون ! قلت: أو في لسان اليهود عظم، لا يقدرون أن يقولوا: إن المسيح كان
يتضرع إلى موسى ؟ وكل صاحب نبى يقول: إن المسيح كان يتضرع إلى نبيه ؟ ! فلا فرق بين الموضعين في الدعوى. (1/32)
وانفصل المجلس على هذا.
قال الباقلانى: وفى تكلمنا في مجلس ثالث، قلت: لم أتحد اللاهوت
بالناسوت ؟ فقال: أراد أن ينجى الناس من الهلاك، فقلت: وهل درى بأنه يقتل ويصلب ويفعل به كذا، ولم يأمن من اليهود ؟ فإن قلت: إنه لم يدر ما أراد اليهود، بطل أن يكون إلها: وإذا بطل أن يكون إلها: وإذا بطل أن يكون إلها بطل أن يكون إبنا.
وإن قلت: قد درى ودخل في الامر على بصيرة، فليس بحكيم، لان الحكمة تمنع التعرض للبلاء.
فبهت، وكان آخر مجلس لى معه.
* * * ومما جرى في تلك المجالس: أن الباقلانى قال لبعض المطارنة: كيف أنت ؟ وكيف الاهل والاولاد ؟ فقال له الملك وقد عجب من قوله: ذكر من أرسلك في كتاب الرسالة أنك لسان الامة، ومتقدم على علماء الملة ! أما علمت أننا ننزه هؤلاء عن الاهل والولد ؟ فقال الباقلانى: أنتم لا تنزهون الله، سبحانه وتعالى.
عن الاهل والاولاد، وتنزهونهم ؟ ! فكأن هؤلاء عندكم أقدس وأجل أعلى من الله، سبحانه وتعالى ! فسقط في أيديهم ولم يردوا جوابا.
ثم قال له الملك: أخبرني عن قصة عائشة زوج نبيكم، وما قيل فيها ؟ فقال: هما اثنتان، قيل فيهما ما قيل: زوج نبينا ومريم ابنة عمران، فأما زوج نبينا فلم تلد، وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها، وكل قد برأها الله مما رميت به.
فانقطع الملك ولم يحر جوابا.
ويروى القاضى عياض: أن الملك قال للبطرك: ما ترى في أمر هذا الشيطان ؟ فقال: تقضى حاجته، وتلاطف صاحبه، وتبعث بالهدايا إليه، وتخرج هذا عن
بلدك من يومك إن قدرت، وإلا لم آمن الفتنة به على النصرانية. (1/33)
ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل تسريحه، ومعه عدة من أسارى
المسلمين والمصاحف، ووكل الباقلانى من جنده من يحفظه حتى يصل إلى مأمنه.
ويروى الخطيب البغدادي بسنده: أن الباقلانى لما ورد على ملك الروم مدينته، وعرف خبره، وبين له محله من العلم -: " أفكر في أمره، وعلم أنه لا يكفر له إذا دخل عليه، كما جرى رسم الرعية، أن تقبل الارض بين يدى الملوك.
ثم نتجت له الفكرة أن يضع سريره الذى يجلس عليه، وراء باب لطيف لا يمكن أحد أن يدخل منه إلا راكعا، ليدخل القاضى منه على تلك الحال، فيكون عوضا عن تكفيره بين يديه.
فلما وضع سريره في ذلك الموضع أمر بإدخال القاضى من الباب، فسار حتى وصل إلى المكان،، فلما رآه تفكر فيه، ثم فطن بالقصة، فأدار ظهره، وحنا رأسه راكعا، ودخل من الباب وهو يمشى إلى خلفه قد استقبل الملك بدبره، حتى صار بين يديه، ثم رفع رأسه، ونصب ظهره، وأدار وجهه حينئذ إلى الملك.
فعجب من فطنته، ووقعت له الهيبة في نفسه " ولست أشك في أن هذه الرواية أسطورة من الاساطير التى نسجت خيوطها حول رحلة الباقلانى إلى القسطنطينية.
وفيما قصه الباقلانى، من امتناعه من خلع عمامته ونزع خفه، وتهديده بعدم الدخول على الملك، ونزول الملك على رأيه وقوله: دعوه يدخل ومن معه كما يشاءون -: ما يجعل هذه الفكرة الساذجة، بعيدة الوقوع.
ولو قد وقعت لتحدث بها الباقلانى، فيما حدث به من أخبار رحلته * * * وعاد الباقلانى إلى بغداد، وظل مع عضد الدولة حتى مات في شوال سنة 372، وتولى بعده ابنه صمصام الدولة ولسنا نعرف متى تولى الباقلانى وظيفة القضاء بالثغر ؟ ولامن الذى ولاه ؟ وقد جاء في ترجمة أبى حامد: أحمد بن أحمد الاستوائي (358 - 434) الشافعي الاشعري: أنه " ولى القضاء بعكبرا من قبل أبى بكر بن الطيب الباقلانى "
وقد وقف الباقلانى حياته على أمرين، ملكا عليه أقطار نفسه، وشغفاه حبا وهما: التدريس، والتأليف. (1/34)
أما " التدريس " فقد اجتمعت له كل أدواته، ولم يصرفه عنه صارف، حتى إنه في أثناء مقامه مع عضد الدولة بشيراز، وتدريسه لابنه الامير أبى كاليجار المرزبان، لم يمتنع عنه، بل عقد دروسا عامة لاهل السنة.
ومن الكتب التى درسها لهم كتاب " اللمع " لابي الحسن الاشعري.
وقد " تتلمذ " عليه كثيرون في البصرة وبغداد وغيرهما، ونحن نشير إلى بعضهم فيما يلى: (1) القاضى أبو محمد: عبد الوهاب بن نصر، البغدادي المالكى (362 - 422).
قيل له: مع من تفقهت ؟ قال: صحبت الابهري، وتفقهت مع أبى الحسن بن القصار، وأبى القاسم بن الجلاب، والذى فتح أفواهنا، وجعلنا نتكلم: أبو بكر بن الطيب (2) أبو عمران: موسى بن عيسى بن أبى حجاج العفجومى، وقد أثبت سماعه من الباقلانى إملاء في رمضان سنة 402، وقال: رحلت إلى بغداد، وكنت قد تفقهت بالمغرب والاندلس عند أبى الحسن القابسى، وأبى محمد الاصيلى، وكانا عالمين بالاصول.
فلما حضرت مجلس القاضى أبى بكر، ورأيت كلامه في الاصول والفقه مع المؤالف والمخالف، حقرت نفسي، وقلت: لا أعلم من العلم شيئا ورجعت عنه كالمبتدئ ".
وقال عنه أبو حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أحفظ الناس وأعلمهم، لم ألق أحدا أوسع منه علما، ولا أكثر رواية.
وذكر أن الباقلانى كان يعجبه حفظه، ويقول له: لو اجتمعت في " مدرستي " أنت وعبد الوهاب - وكان إذ ذاك بالموصل - لاجتمع علم مالك، أنت تحفظه، وهو ينظره.
وتوفى أبو عمران سنة 430 عن خمس وستين سنة.
وكانت رحلته.
إلى بغداد في سنة 399.
(3) أبو ذر الهروي عبد بن أحمد (355 - 434) المالكى الاشعري
قال له بعض الشيوخ: أنت من هراة، فمن أين تمذهبت لمالك والاشعرى ؟ فقال:
سبب ذلك أنى قدمت بغداد لطلب الحديث، فلزمت الدارقطني (306 - 385) وكنت مرة ماشيا معه، فمر بنا شاب، فأقبل الشيخ عليه وعظمه، وأكرمه ودعا له، فلما فارقه قلت: أيها الشيخ الامام، من هذا الذى أظهرت من إكرامه ما رأيت ؟ فقال: أو ما تعرفه ؟ قلت: لا. (1/35)
فقال: هذا أبو بكر بن الطيب الاشعري، ناصر السنة، وقامع المعتزلة.
ثم أفاض في الثناء عليه.
فكان ذلك سبب اختلافي إليه، وأخذى عنه.
(4) أبو الحسن على بن عيسى السكرى الفارسى (347 - 413) الشاعر الذى استفرغ شعره في مدح الصحابة، والرد على الرافضة، والنقض على شعرائهم وقد صحب الباقلانى، ودرس عليه الكلام، ومدحه بقصيدة طويلة، أوردها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5 / 381 - 382، وابن عساكر في تبيين كذب المفترى ص 224 - 226.
وهى من أشعار العلماء، وفيها يقول: اليعربى فصاحة وبلاغة * والاشعرى إذا اعتزى للمذهب قاض إذا التبس القضاء على الحجى * كشفت له الآراء كل مغيب وإذا الكلام تطاردت فرسانه * وتحامت الاقران كل مجرب ألفيته من لبه وجنانه * ولسانه وبيانه في مقنب (5) أبو الحسن الحربى: على بن أحمد المالكى، 365 - 437) (6) القاضى أبو جعفر: محمد بن أحمد السمنانى، الحنفي (361 - 444).
(7) أبو الحسن البغدادي: رافع بن نصر المتوفى سنة 447.
(8) أبو طاهر الواعظ محمد بن على، المعروف بابن الانباري (375 - 448)
(9) أبو عبد الله: الحسين بن حاتم الازدي، المتوفى غريبا بالقيروان.
وهو أحد الذين رووا عن الباقلانى وصفه لمناظراته في مجلس ملك الروم.
وقد جاء في تبيين كذب المفترى ص 216: أن أبا الحسن بن داود الاشعري، المتوفى سنة 402 " لما كان يصلى في جامع دمشق، تلكم فيه بعض الحشوية، فكتب إلى القاضى أبى بكر: محمد بن الطيب بن الباقلانى يعرفه ذلك، ويسأله أن يرسل إلى
دمشق من أصحابه من يوضح لهم الحق بالحجة. (1/36)
فبعث القاضى تلميذه أبا عبد الله: الحسين بن حاتم الازدي، فعقد مجلس التذكير في جامع دمشق، في حلقة أبى الحسن بن داود، وذكر التوحيد، ونزه المعبود، ونفى عنه التشبيه والتحديد.
فخرج أهل دمشق من مجلسه يقولون: أحد أحد.
وأقام أبو عبد الله الازدي بدمشق مدة، ثم توجه إلى المغرب، فنشر العلم بتلك الناحية، واستوطن القيروان إلى أن مات بها رحمه الله " وإليه وإلى أبى طاهر الواعظ: يرجع الفضل في انتشار مذهب الباقلانى في المغرب.
(10) أبو عبد الرحمن السلمى: محمد بن الحسين الصوفى (330 - 412).
وقد أخذ عن الباقلانى في أثناء إقامته مع عضد الدولة بشيراز، وقرأ عليه كتاب " اللمع " لابي الحسن الاشعري.
(11) أبو محمد بن أبى نصر.
قال القاضى عياض: " وتفقه عنه القاضى: أبو محمد بن [ أبى ] نصر، وعلق عنه، وحكى في كتبه ما شاهد من مناظرته في الفقه - بين يدى ولى العهد ببغداد - للمخالفين " (12) أبو حاتم: محمود بن الحسن الطبري، المعروف بالقزوينى، المتوفى سنة 414 بمدينة " آمل " التى ولد فيها، وكان قد قدم بغداد، ودرس على الباقلانى
أصول الفقه.
(13) القاضى أبو محمد: عبد الله بن محمد الاصبهاني، المعروف بابن اللبان الشافعي المتوفى بأصبهان سنة 446، وقد صحب الباقلانى ودرس عليه كتاب: " المقدمات في أصول الديانات " وكتاب: " أصول الفقه ".
(14) أبو بكر بن الحسين الاسكافي.
وهو الذى روى عن الباقلانى، خبر رحلة ابن خفيف الصوفى من شيراز إلى البصرة، لسماع أبى الحسن الاشعري كما في تبيين كذب المفترى ص 95 (15) أبو على: الحسن بن شاذان (339 - 426) (16) أبو القاسم: عبيد الله بن أحمد الصيرفى (355 - 435)
(17) أبو الفضل: عبيد الله بن أحمد المقرى (370 - 451) وقد تتلمذ له جماعة كثيرة غير هؤلاء، وكان أكثرهم من العراق وخراسان * * * أما " التأليف " فقد أسهم فيه الباقلانى بنصيب موفور. (1/37)
وكان من عادته أنه إذا صلى العشاء.
وقضى ورده، وضع دواته بين يديه، وكبت خمسا وثلاثين ورقة، فإذا صلى الفجر دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه ليلته، وأمره بقراءته عليه، وأملى عليه من الزيادات ما يلوح له فيه.
وقد تسنى له أن يؤلف نيفا وخمسين كتابا، لم يصل إلينا منها إلا عدد يسير.
ونحن نشير إلى ما عرفناه منها، وما علمناه من حديثها، فيما يلى: (1) كتاب: " إعجاز القرآن " ويأتى الحديث عنه فيما بعد.
(2) كتاب " التمهيد " وقد ألفه - في أثناء مقامه بشيراز - للامير أبى كاليجار المرزبان، ابن عضد الدولة، وولى عهده.
وهو من أهم الكتب الكلامية، التى تعلق بها أهل السنة تعلقا شديدا، لانه أجمع كتاب يبصرهم بمسائل الخلاف بينهم وبين مخالفيهم في الرأى والعقيدة، ويرشدهم إلى أقوى الادلة الجدلية، وأحكم
البراهين العقلية، التى تعضد مذهبهم، وتظهر مناعته ورجاحته على المذاهب الاخرى، إسلامية كانت أو غير إسلامية.
وخير ما يعرف بهذا الكتاب ويدل على قيمته، قول مؤلفه في مقدمته: " أما بعد، فقد عرفت إيثار سيدنا الامير..لعمل كتاب جامع مختصر، مشتمل على ما يحتاج إليه في الكشف عن معنى العلم وأقسامه، وطرقه ومراتبه، وضروب المعلومات، وحقائق الموجودات، وذكر الادلة على حدث العالم، وإثبات محدثه، وأنه مخالف لخلقه، وعلى ما يجب كونه عليه، من وحدانيته، وكونه حيا عالما قادرا في أزله، وما جرى مجرى ذلك من صفات ذاته، وأنه عادل حكيم فيما أنشأه من مخترعاته، من غير حاجة منه إليها، ولا محرك وداع وخاطر وعلل دعته إلى إيجادها، تعالى عن ذلك.
وجواز إرساله رسلا إلى خلقه، وسفراء بينه وبين عباده، وأنه قد فعل ذلك، وقطع العذر في إيجاب تصديقهم بما أبانهم
به من الآيات، ودل به صدقهم من المعجزات. (1/38)
وجمل من الكلام على سائر أهل الملل المخالفين لملة الاسلام، من اليهود والنصارى، والمجوس، وأهل التثنية، وأصحاب الطبائع، والمنجمين.
ونعقب ذلك بذكر أبواب الخلاف بين أهل الحق، وأهل التجسيم والتشبيه، وأهل القدر والاعتزال، والرافضة، والخوارج، وذكر جمل من مناقب الصحابة، وفضائل الائمة الاربعة، وأثبات إمامتهم، ووجه التأويل فيما شجر بينهم، ووجوب موالاتهم.
ولن آلو جهدا فيما يميل إليه سيدنا الامير - حرس الله مهجته، وأعلى كعبه - من الاختصار، وتحرير المعاني والادلة والالفاظ، وسلوك طريق العون على تأمل ما أودعه هذا الكتاب وإزالة الشكوك فيه والارتياب.
وأنا - بحول الله وقوته - أسارع إلى امتثال ما رسمه، وأقف عنده، وإلى الله - جل ذكره - أرغب في حسن التوفيق، والامداد بالتأييد
والتسديد " وقد أشار الباقلانى إلى " التمهيد "، في كتاب " هداية المسترشدين " حيث يقول " وقد تكلمنا في " التمهيد " بجمل على اليهود والنصارى والمجوس، تغنى الناظر فيها ".
كما أشار إليه أبو المظفر الاسفرايينى في " التبصير " ص 119، وابن قيم الجوزية في كتاب " اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو المعطلة والجهمية " ص 119، 120.
وقد طبع كتاب " التمهيد " في سنة 1366 ه بتحقيق الاستاذين محمود محمد الخضيرى، ومحمد عبد الهادى أبو ريدة.
وقد تسرعا في نشره عن نسخة واحدة في مكتبة باريس، وهى نسخة تنقص فصولا كثيرة من الكتاب، يزيد عددها على عشرين بابا، كبابى " التعديل والتجوير "، و " القول في الامامة " اللذين نص الباقلانى على أنه قد عقدهما في كتابه ! فهو يقول في ص 97: " وسنتكلم على هذا الباب وما يتصل به، في باب التعديل والتجوير من كتابنا هذا، إن شاء الله " ويقول في ص 140: " وسنقول في تفصيل الاخبار.
وغير ذلك من أحكام الاخبار، في باب القول في الامامة، إن شاء الله ".
(3) كتاب: " هداية المسترشدين، والمقنع في معرفة أصول الدين ".
يقول
القاضى عياض عنه: إنه كتاب كبير. (1/39)
ويشير إليه أبو المظفر الاسفرايينى، في " التبصير " ص 119، وابن تيمية في " رسالة الفرقان بين الحق والباطل " ص 130، وفى الرسالة التسعينية من فتاويه 5 / 241.
وقد بقى من هذا الكتاب مجلد، في مكتبة الازهر، يحتوى على 248 ورقة، كتبه محمد بن عبد الله العدوى بمدينة صور في سنة 459.
ولكن يد البلى قد عاثت فيه، وأتلفت كثيرا من أوراقه، وقد تركز إفسادها في أوراق متتالية (86 -
105) فخرقت أوساطها، وجعلتها في حكم الاوراق المفقودة.
ويشتمل هذا المجلد على أحد عشر جزءا من تجزئة المؤلف، تبتدئ بأول الجزء السادس، وتنتهى بانتهاء الجزء السابع عشر.
وهذه الاجزاء كلها مقصورة على القول في النبوات.
وأهم ما فيها وأورعه، تلك الابحاث الجليلة الطويلة، التى أدار الباقلانى الكلام فيها على " إعجاز القرآن " وملا بها ستا وخمسين ومائة ورقة (61 - 217) وهى أكبر حجما من كتاب " إعجاز القرآن " وأغزر مادة، وأكثر تفصيلا، وأعمق بحثا، وأدق بيانا.
وكنت على نية إفرادها ونشرها مستقلة، لولا أن بعض أصدقائى المغاربة أشار على بالتريث حتى يحضر لى صورة من نسخة ناقصة، قال: إنه رآها في بعض المكاتب هناك.
فامتثلت لاشارته، رجاء أن يكون في تلك النسخة ما يصلح مواطن الفساد في نسخة الازهر.
(4) كتاب: " الانتصار لصحة نقل القرآن، والرد على من نحله الفساد بزيادة أو نقصان ".
وقد قال في مقدمته: " أما بعد فقد وقفت - تولى الله عصمتكم، وأحسن هدايتكم وتوفيقكم - على ما ذكرتموه من شدة حاجتكم إلى الكلام في نقل القرآن، وإقامة البرهان على استفاضة أمره، وإحاطة السلف بعلمه، وانقطاع العذر في نقله، وقيام الحجة على الخلق به، وإبطال ما يدعيه أهل الضلال من تحريفه وتغييره، ودخول الخلل فيه، وذهاب شئ كثير منه وزيادة أمور فيه.
وما يدعيه أهل الالحاد وشيعتهم من منتحلى الاسلام - من تناقض كثير منه، وخلو بعضه من الفائدة، وكونه غير متناسب.
وما ذكروه
من فساد النظم، ودخول اللحن فيه، وركاكة التكرار، وقلة البيان، وتأخير المقدم وتقديم المؤخر، إلى غير ذلك من وجوه مطاعنهم. (1/40)
وذكر جمل مما روى من الحروف
الزائدة، والقراءات المخالفة لمصحف الجماعة، والابانة عن وهاء نقل ذلك وضعفه وأن الحجة لم تقم بشئ منه.
وعرفت ما وصفتموه من كثرة استضرار الضعفاء بتمويههم، وعظم موقع الاستبصار والانتفاع بنقض شبههم.
ونحن بحول الله وعونه نأتى في ذلك بجمل تزيل الريب والشبهة، وتوقف على الواضحة.
ونبدأ بالكلام في نقل القراءات، وقيام الحجة به، ووصف توفر همم الامة على نقله وحياطته، ثم نذكر ابتداء أبى بكر، رضى الله عنه، لجمعه على ما أنزل عليه، بعد تفرقه في المواضع التى كتب فيها، وفى صدور خلق حفظوا جميعه، وخلق لم يحيطوا بحفظ جميعه، واتباع عمر رضى الله عنه والجماعة له على ذلك وصوابه فيما صنعه، وسبقه إلى الفضيلة به، والسبب الموجب لذلك.
ثم نذكر جمع عثمان رضى الله عنه - الناس على مصحف واحد، وحرف زيد بن ثابت، ونبين أنه لم يقصد في ذلك قصد أبى بكر في جمع القرآن في صحيفة واحدة على ترتيب ما أوحى به، إذ كان ذلك أمرا قد استقر وفرغ منه قبل أيامه.
ونبين صواب عثمان رضى الله عنه في جمع الناس على حرف، وحظره ومنعه لما عداه من القراءات، وأن الواجب على كافة الناس اتباعه، وحرام عليهم - بعد - قراءة القرآن بالاحرف والقراءات التى حظرها عثمان ومنع منها، وأن له أخذ المصاحف المخالفة لمصحفه، ومطالبة الناس بها، ومنعهم من نشرها والنظر فيها.
ونذكر ما يتعلق به من ادعاء نقصان القرآن، وتغيير نظمه وتحريفه - من الروايات الشاذة الباطلة، عن عمر وعثمان وعلى وأبى عبد الله بن مسعود، وما يرويه قوم من الرافضة في ذلك عن أهل البيت خاصة.
ونكشف عن تكذب هذه الروايات، ونبين أيضا ما خالف فيه عبد الله بن مسعود عثمان والجماعة، وهل كان ذلك على جهة الحيطة، ونسبته إياهم إلى زيادة فيه أو نقصان منه، أو تغيير لنطمه وما أنزل عليه ؟ أو التصويب لما فعلوه، وإن استجاز مع ذلك قراءته والتمسك بحرفه.
ونذكر
ما شجر بينه وبين عثمان رضى الله عنه، ونصف رجوعه إلى مذهب الجماعة
وخنوعه لعثمان، وقدر ما نقمه من أمر زيد بن ثابت، وعيب عليه وعلى الجماعة لاجله. (1/41)
ثم نبين أن القرآن معجزة للرسول، صلى الله عليه وسلم، ودلالة على صدقه، وشاهد لنبوته.
ثم نبين أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف، ونوضح ما هذه السبعة أحرف، والروايات الواردة فيها، وجنس اختلافها، ونذكر خلاف الناس في تأويلها، ونفسد من ذلك ما ليس بصواب، وندل على صحة ما نرغب فيه ونجتبيه، ونذكر حال قراءة القراء: وهل قراءتهم هي السبعة الاحرف التى أنزل القرآن بها، أو بعضها ؟ وهل هم بأسرهم متبعون لمصحف عثمان وحرف زيد، أو مختلفون في ذلك وقارئون أو بعضهم بغير قراءة الجماعة ؟ ونصف جملا من مطاعن الملحدين وأتباعهم من الرافضة في كتاب الله عز وجل.
ونكشف عن تمويه الفريقين بما يوضح الحق.
ونذكر في كل فصل من هذه الفصول بمشيئة الله وتوفيقه - ما فيه بلاغ للمهتدين، وشفاء وتبصرة للمسترشدين توخيا لطاعة الله عز وجل، ورغبة في جزيل ثوابه.
وما توفيقنا إلا بالله، وهو المستعان " وقد ذكره في " هداية المسترشدين "، حيث يقول (ورقة 141 - ا): " وقد ذكرنا في كتاب " الانتصار لصحة نقل القرآن " جميع مطاعن الملحدة وكل من خالف عن الملة - على القرآن، وكشفنا عن فساد توهمهم وتمويههم ودعواهم لتناقض آيات منه واختلافها، وما طعنوا به من كثرة التكرار، وما قالوه: من أنه قد ذكر فيه أشياء لا يعرفها أهل اللغة، من نحو قوله: (وفاكهة وأبا) وقولهم: إن فيه ما ليس من لغة العرب.
وقولهم: إن فيه كلمات ملحونة لا تجوز في الاعراب.
وأبطلنا أيضا قدحهم فيه بكونه مثبتا على غير تاريخ نزوله، وأنه
قد قدم منه ما يجب تأخيره، وأخر ما يجب تقديمه.
وأفسدنا أيضا قدحهم فيه بإنزال بعضه متشابها، مع الاخبار بإلحاد قوم فيه واتباع المتشابه منه.
وأبطلنا أيضا قول من قال: إن فيه تحريفا وتغييرا وتبديلا، وزيادة ونقصانا وإنه إنما أثبته السلف بأخبار الآحاد، وشهادة الاثنين، ومن جرى مجراهما، وإن الداجن والغنم آكلا كثيرا منه فضاع ودثر.
وأبطلنا أيضا قول من قال: إنه ليس فيه
ما يدل على شئ بظاهره، وإن علم ذلك يجب أخذه عن الرسول والامام ولا يسوغ أن يفسره سواهما، وما تقوله الباطنية وتهذى به وتموه في هذا الباب. (1/42)
واعترضنا أيضا على قول من زعم أن القرآن يجب الايمان به، والتسليم بصحته، دون معرفة معناه وتأويله.
وأبطلنا أيضا طعنهم على القرآن باختلاف خطوط المصاحف واختلاف القراءات، وذكر الشواذ، وبينا ما ثبت من ذلك، وما يجب إبطاله.
وذكرنا قدحهم فيه بما روى من قوله عليه السلام: " تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجي " إلى غير ذلك من وجوه اعتراضاتهم على صحة القرآن.
وأوردناه في ذلك الكتاب، وطرفا منه في " أصول الفقه " بما يغنى يسيره الناظر فيه، إن شاء الله ".
وتوجد نسخة من الجزء الاول من هذا الكتاب في مكتبة " قرا مصطفى باشا " بإستنبول.
وقد نقل منه ابن حزم في الفصل 4 / 218، 220، 221، 222 نقولا رماه من أجلها بالكفر، والكيد للدين، وتكذيب الله، وغير ذلك مما رماه به ! كما نقل منه السيوطي في الاتقان 1 / 48، 103، 106، 107، 122، 134، 2 / 42.
(5) كتاب " الفرق بين معجزات النبيين، وكرامات الصالحين " ذكره
في " هداية المسترشدين " مرتين، قال في أولاهما: " وقد بينا في كتاب: الفرق بين معجزات النبيين وكرامات الصالحين، معنى وصف النبي أنه نبى، وأن من الناس من قال: إنه مشتق ومأخوذ من الانباء عن الاشياء، والاخبار عن الله عز وجل ".
ومن هذا الكتاب قسم في مكتبة " تينجن " بألمانيا.
(6) كتاب: " مناقب الائمة، ونقض المطاعن على سلف الامة " أشار إليه في " التمهيد " ص 229، وفى الخزانة الظاهرية بدمشق، نسخة من الجزء الثاني، كتب تحت عنوانها: " تأليف القاضى أبى بكر بن الطيب ".
وقد علق على هذه العبارة الدكتور يوسف العش - في فهرس مخطوطات الظاهرية ص 84 - بقوله: " ولا شك أن أحمد بن على الباقلانى المتوفى سنة 403 ه " وقد أحطأ
الدكتور في اسم الباقلانى واسم أبيه، فهو: " محمد بن الطيب، لا " أحمد ابن على ". (1/43)
(7) كتاب: " إكفار المتأولين ".
أشار إليه في كتاب التمهيد في باب ذكر ما يوجب خلع الامام وسقوط فرض طاعته ص 186 حيث يقول: " وقد ذكرنا ما في هذا الباب، في كتاب إكفار المتأولين، وذكرنا ما روى في معارضتها، وقلنا في تأويلها بما يغنى الناظر فيه ".
(8) كتاب: " الامامة الكبير " وقد أشار إليه في " هداية المسترشدين " في آخر حديثه عن آية انشقاق القمر، إذ يقول: " وقد تقصينا القول في ذلك في كتاب الامامة - بما يغنى عن متأمله ".
وقد ذكره ابن حزم في الفصل 4 / 225، ونقل منه في ص 166.
(9) كتاب: " الاصول الكبير في الفقه " أشار إليه أبو المظفر الاسفرايينى في كتاب التبصير ص 119، وقال: إنه يشتمل على عشرة آلاف ورقة.
وذكره
الباقلانى في كتابي: " التمهيد " و " هداية المسترشدين ".
(10) كتاب " كيفية الاستشهاد "، " في الرد على أهل الجحد والعناد " أشار إليه في كتاب " التمهيد " ص 40 (11) كتاب: " نقض النقض ".
ذكره أبو المظفر الاسفرايينى في التبصير ص 119.
(12) كتاب: " كشف الاسرار، وهتك الاستار، في الرد على الباطنية ".
ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 11 / 346 فقال: " وقد صنف القاضى الباقلانى كتابا في الرد على هؤلاء، وسماه كشف الاسرار، وهتك الاستار، بين فيه فضائحهم وقبائحهم، ووضح أمرهم لكل أحد..وقد كان الباقلانى يقول في عبارته عنهم: هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض ".
وقد نقل منه ابن تغرى بردى في النجوم الزاهرة 4 / 75 في كلامه عن نسب المعز وآبائه، فقال: " وقال القاضى أبو بكر بن الباقلانى: القداح، جد عبيد الله، كان مجوسيا، ودخل عبيد الله المغرب، وادعى أنه علوى، ولم يعرفه
أحد من علماء النسب، وكان باطنيا خبيثا، حريصا على إزالة ملة الاسلام أعدم الفقه والعلم، ليتمكن من إغراء الخلق، وجاء أولاده أسلوبه، وأباحوا الخمر والفروج، وأشاعوا الرفض، وبثوا دعاة فأفسدوا عقائد جبال الشام، كالنصيرية والدروزية. (1/44)
وكان القداح كاذبا محترفا، وهو أصل دعاة القرامطة " وقد أشار إلى هذا الكتاب السيوطي، في حسن المحاضرة 2 / 28، والسبكي في طبقات الشافعية 4 / 192، أثناء في ترجمته لنجم الدين الخبوشانى، المتوفى سنة 587 والذى كان على يده خراب بيت العبيديين الرافضة، الذين يزعمون أنهم فاطميون.
وأشار إليه ابن البطليوسى في الانتصار 47 وابن تيمية في الرد على
المنطقيين ص 142 (13) كتاب: " الايجاز ".
ذكره أبو عذبة في كتاب " الروضة البهية، فيما بين الاشاعرة والماتريدية "، ثلاث مرات، قال في أولاها ص 18: إن القاضى أبا بكر ذكر في كتاب الايجاز أن المحبة والارادة، والمشيئة والاشاءة، والرضى والاختيار، كلها بمعنى واحد، كما أن العلم والمعرفة شئ واحد.
وقال في الثانية ص 35: إنه يقول في هذا الكتاب: إن أحكام الدين على ثلاثة أضرب: ضرب لا يعلم إلا بالدليل العقلي: كحدوث العالم وإثبات محدثه، وما هو عليه من صفاته المتوقف عليها بالفعل، كقدرته تعالى وإرادته، وعلمه وحياته، ونبوة رسله.
وضرب لا يعلم إلا من جهة الشرع، وهو الاحكام المشروعة، من الواجب والحرام والمباح.
وضرب يصح أن يعلم تارة بدليل العقل، وتارة بالسمع، نحو الصفات التى لا تتوقف على العقل، كالسمع له تعالى والبصر والكلام، والعلم بجواز رؤيته تعالى، وجواز الغفران للمذنبين، وما أشبه ذلك.
وقال في الثالثة ص 58: إن القاضى أبا بكر ذكر في كتاب الايجاز أن نبينا صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يؤديه عن الله تعالى: وكذا سائر الانبياء، وأن الصغيرة تجوز على الانبياء بعد الوحى مطلقا، لا على سبيل السهو وحده.
(14) كتاب: " الابانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة ".
وقد نقل منه ابن تيمية: في " رسالة الفتوى الحموية الكبرى " ص 76، 77 وابن قيم الجوزية في كتاب " اجتماع الجيوش الاسلامية، على غزو المعطلة والجمهية " ص 120
(15) كتاب: " دقائق الكلام والرد على من خالف الحق من الاوائل ومنتحلي الاسلام ". (1/45)
ذكره في " هداية المسترشدين " وأشار إليه ابن تيمية، في كتاب " بيان موافقة صريح المعقول، لصحيح المنقول " 1 / 88 في أثناء كلامه
على كثرة الاختلاف بين طوائف الفلاسفة، إذ يقول: " واعتبر هذا بما ذكره أرباب المقالات عنهم في العلوم الرياضية والطبيعية، كما نقله الاشعري في كتابه: في مقالات غير الاسلاميين وما ذكره القاضى أبو بكر عنهم، في كتابه في الدقائق.
فإن في ذلك من الخلاف عنهم - أضعاف أضعاف ما ذكره الشهرستاني وأمثاله ممن يحكى مقالاتهم ".
وذكره أيضا في كتاب الرد على المنطقيين ص 334 حيث يقول: " وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد.
وقد ذكر أبو الحسن الاشعري في كتاب المقالات: مقالات غير الاسلاميين " عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابى وابن سينا، وأمثالهما.
وكذلك القاضى أبو بكر بن الطيب في كتاب " الدقائق " الذى رد فيه على الفلاسفة والمنجمين، ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان " وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية 11 / 350 أن للباقلاني كتابا اسمه: " دقائق الحقائق " ولا أدرى أهو اسم لهذا الكتاب أم اسم لكتاب آخر ؟ (16) كتاب: " رسالة الحرة ".
ومبلغ علم الباحثين عنه أنه من كتب الباقلانى المفقودة، التي لا يعرفون موضوعها، ولا يفقهون معنى تسميتها.
ومن أعجب العجب أن الكتاب موجود بين أيديهم، مطبوع يقرءون فيه ! لكنه يحمل اسما آخر لم يضعه له الباقلانى، وهو: " الانصاف " الذى طبع بالقاهرة في سنة 1369 بتحقيق المرحوم الشيخ محمد زاهد الكوثري.
وإنى لا قطع بأن كتاب " الانصاف " هذا إنما في حقيقة الامر كتاب " رسالة الحرة " وأن ذلك الاسم الذى طبع به، اسم دخيل عليه، قد وضع على نسخته المخطوطة المحفوظة بدار الكتب المصرية.
والذى دفعني إلى ذلك القطع، قول الباقلانى في أول مقدمته: " أما بعد، فقد وفقت على ما التمسته " الحرة " الفاضلة الدينة - أحسن الله توفيقها - لما تتوخاه
من طلب الحق ونصرته، وتنكب الباطل وتجنبه، واعتماد القربة باعتقاد المفروض في أحكام الدين، واتباع السلف الصالح من المؤمنين، من ذكر جمل ما يجب على المكلفين اعتقاده، ولا يسع الجهل به، وما إذا تدين به المرء صار إلى التزام الحق المفروض، والسلامة من البدع والباطل المرفوض. (1/46)
وإنى - بحول الله تعالى وعونه، ومشيئته وطوله - أذكر " لها " جملا مختصرة، تأتى على البغية من ذلك، ويستغنى بالوقوف عليها من الطلب، واشتغال الهمة بما سواه.
فنقول وبالله التوفيق: إن الواجب على المكلف.." وقول الباقلانى هذا، يدل دلالة قاطعة على أنه يقدم لرسالة الحرة، لا لكتاب الانصاف.
ولست أدرى كيف مر محقق الكتاب على هذا الكلام، دون أن ينتبه لدلالته الناطقة باسمه، مع علمه بأن القاضى عياضا قد ذكر " رسالة الحرة " ضمن مؤلفات الباقلانى، ولم يذكر " الانصاف " ! ولست أدرى كيف فاته مع ذلك أن يتنبه إلى النصين الدخيلين على كلام الباقلانى في هذا الكتاب - في ص 58، 64 - والمصدرين بقول كاتبهما: " قال الشيخ لاجل الامام جمال الاسلام: ووقع لى أنا دليل..".
و " قال الشريف الاجل جمال الاسلام: ووقع لى جواب أخصر من هذا وأجود..؟ ! " ولا مراء في أن هذين النصين من تعليق بعض قراء النسخة على هامشها، فأدخلهما ناسخها أو طابعها في صلب الكتاب.
وقد نقل ابن حزم - في الفصل 4 / 216 - قولا زعم أن الاشاعرة قالوه في كتبهم وهو: " أن الروح تنتقل عند خروجها من الجسم إلى جسم آخر "، وعقب عليه بقوله: " هكذا نص الباقلانى في أحد كتبه وأظنه الرسالة، المعروفة بالحرة.
وهذا مذهب التناسخ بلا كلفة ".
ولقد كذب على ابن حزم ظنه، فليس في رسالة الحرة ما يشير إلى هذا القول المزعوم من قريب أو بعيد، ولم يرد في رسالة الحرة - من حديث الروح - إلا قوله ص 45: " ويجب أن يعلم
أن كل ما ورد به الشرع من عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، ورد الروح إلى الميت عند السؤال، ونصب الصراط والميزان، والحوض، والشفاعة للعصاة
من المؤمنين - كل ذلك حق وصدق، يجب الايمان والقطع به، لان جميع ذلك غير مستحيل في العقل ". (1/47)
ولقد نقل ابن قيم الجوزية في كتاب " اجتماع الجيوش الاسلامية، على غزو المعطلة والجهمية " أقوالا من كتب الباقلانى في صفات الله، ختمها بقوله ص 120: " ذكر قوله في رسالة الحرة.
قال في كلام ذكره في الصفات: إن له وجها ويدين، وإنه ينزل إلى سماء الدنيا.
ثم قال، وإنه استوى على عرشه، فاستولى على خلقه.
ففرق بين الاستواء الخاص، والاستيلاء العام ".
وما أشار إليه ابن قيم الجوزية من قول الباقلانى في الوجه واليدين، والاستواء على العرش مذكور في رسالة الحرة المسماة بالانصاف ص 21، 22 ونص عبارته في ذلك: "..وأخبر الله أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضى الماضيات.
واليدين اللتين نطق بإثباتهما القرآن.
وأنهما ليستا جارحتين، ولا ذوى صورة وهيئة.
وأن الله جل ثناؤه مستو على العرش، ومستول على جميع خلقه، كما قال تعالى: " الرحمن على العرش استوى ".
بغير مماسة وكيفية، ولا مجاورة، وأنه في السماء إله وفى الارض إله، كما أخبر بذلك " وقد نقل منها ابن قيم الجوزية في كتاب تهذيب سنن أبى داود 7 / 103 وذلك قوله: " وقال أبو بكر بن الطيب المالكى الاشعري في رسالته المشهورة التى سماها " رسالة الحرة " وأن الله سبحانه مريد، كما قال: (فعال لما يريد) وقال: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقال: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له: كن فيكون) وأن الله مستو على عرشه ومستول على جميع خلقه،
كما قال: (الرحمن على العرش استوى) بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة " وما نقله ابن قيم الجوزية موجود بنصه في رسالة الحرة المطبوعة باسم الانصاف ص 22.
وهذا دليل آخر يؤيد ما ذهبت إليه من أن كتاب " الانصاف " إنما هو " رسالة الحرة " (17) كتاب: " التقريب والارشاد " في أصول الفقه.
قال القاضى عياض: إنه كتاب كبير.
وذكره أبو المظفر الاسفرايينى في كتاب التبصير ص 119،
وأشار إليه السيوطي في الاتقان 1 / 48 (18) كتاب " التبصرة ". (1/48)
ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 11 / 350.
(19) كتاب: " البيان عن فرائض الدين وشرائع الاسلام، ووصف ما يلزم من جرت عليه الاقلام، من معرفة الاحكام ".
(20) كتاب " الحدود " في الرد على أبى طاهر: محمد بن عبد الله بن القاسم (21) كتاب: " تصرف العباد، والفرق بين الخلق والاكتساب ".
(22) كتاب: " الرد على المعتزلة، فيما اشتبه عليهم من تأويل القرآن ".
(23) كتاب: " الدماء التى جرت بين الصحابة " (24) كتاب: " المقدمات في أصول الديانات " (25) كتاب: " المقنع في أصول الفقه ".
(26) كتاب: " الاصول الصغير ".
(27) كتاب: " مسائل الاصول ".
(28) كتاب: " مختصر التقريب والارشاد الصغير ".
(29) كتاب: " مختصر التقريب والارشاد الاوسط ".
(30) كتاب: " المسائل التى سأل عنها ابن عبد المؤمن ".
(31) كتاب: " رسالة الامير ".
(32) كتاب: " المسائل القسطنطينية ".
(33) جواب أهل فلسطين.
(34) البغداديات.
(35) الاصبهانيات.
(36) النيسابوريات.
(37) الجرجانيات.
(38) كتاب: " الكرامات ".
(39) كتاب الاحكام والعلل ".
(40) كتاب: " إمامة بنى العباس ".
ذكره القاضى عياض.
(41) كتاب: " نقض النقض على الهمداني ". (1/49)
ذكره في " هداية المسترشدين " (42) كتاب: " الامامة الصغير ".
(43) كتاب: " التعديل والتجوير ".
(44) شرح اللمع لابي الحسن الاشعري.
ذكره في " الانتصار ".
(45) كتاب: " شرح أدب الجدل ".
(46) كتاب: " أمالى إجماع أهل المدينة ".
(47) كتاب: " في أن المعدوم ليس بشئ ".
(48) كتاب: " فضل الجهاد ".
(49) كتاب: " المسائل والمجالسات المنثورة ".
(50) كتاب: " الرد على المتناسخين ".
(51) نقض الفنون للجاحظ.
(52) كتاب: " الكسب ".
ذكره أبو المظفر الاسفرايينى في التبصير ص 119.
(53) كتاب: " في الايمان " أشار إليه ابن تيمية في رسالته " الفرقان بين الحق والباطل " في أثناء حديثه عن الايمان، حيث يقول ص 43: " وكلام الناس في هذا الاسم ومسماه كثير، وقد رأيت لابن الهيضم فيه مصنفا في: أنه قول اللسان فقط.
ورأيت لابن الباقلانى فيه مصنفا: أنه تصديق القلب فقط.
وكلاهما في عصر واحد، وكلاهما يرد على المعتزلة والرافضة ".
(54) كتاب: " النقض الكبير " ومنه هذا النص الذى أورده إمام الحرمين في الشامل: " قال أبو بكر الباقلانى في النقض الكبير: من زعم أن السين من بسم الله بعد الباء، والميم بعد السين الواقعة بعد الباء، لا أول له - فقد خرج عن المعقول.
وجحد الضرورة، وأنكر البديهة.
فإن اعترف بوقوع شئ بعد شئ، فقد اعترف بأوليته، فإن ادعى أنه لا أول له، فقد سقطت محاجته، وتعين لحوقه بالسفسطة.
وكيف يرجى أن يرشد بالدليل من يتواقح في جحد الضرورى ؟ ! " (55) كتاب: " الرد على الرافضة والمعتزلة، والخوارج والجهمية " ذكره الصلاح الصفدى في " الوافى بالوفيات " 3 / 177.
آراء العلماء في الباقلانى: (1) روى ابن عساكر في تبيين كذب المفترى - عن أبى علقمة، عن أبى هريرة -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها ": ثم قال ص 53: " وسمعت الشيخ الامام أبا الحسن على بن مسلم - على كرسيه بجامع دمشق - يقول وذكر حديث أبى علقمة هذا: " كان على رأس المائة الاولى: عمر بن عبد العزيز، وكان على (1/50)
رأس المائة الثانية: محمد بن إدريس الشافعي، وكان على رأس المائة الثالثة: الاشعري، وكان على رأس المائة الرابعة: ابن الباقلانى ".
(2) قال الصاحب ابن عباد في وصفه ووصف زميليه -: أبى بكر بن فورك المتوفى سنة 406، وأبى إسحاق الاسفرايينى، المتوفى سنة 418 -: وابن الباقلانى بحر مغرق، وابن فورك صل مطرق، والاسفرايينى نار تحرق ".
وقد علق ابن عساكر على هذا القول في تبيين كذب المفترى ص 244 - فقال: " وكأن روح القدس نفث في روعه، حيث أخبر عن حال هؤلاء الثلاثة، بما هو حقيقة الحال فيهم ".
(3) قال الخطيب البغدادي 5 / 379: " كان الباقلانى ثقة.
وأما الكلام فكان أعرف الناس به، وأحسنهم خاطرا، وأجودهم لسانا، وأوضحهم بيانا، وأصحهم عبارة ".
(4) قال القاضى عياض في " ترتيب المدارك، وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام مذهب الامام مالك ": " ومن أهل العراق والمشرق: أبو بكر: محمد بن الطيب بن محمد، القاضى، المعروف بابن الباقلانى، الملقب بشيخ السنة، ولسان الامة، المتكلم على مذهب المثبتة وأهل الحديث، وطريقة أبى الحسن الاشعري.
قال الخطيب.
وقال أبو الحسن بن جهضم الهمداني: كان شيخ المالكيين في وقته، وعالم عصره المرجوع.
إليه فيما أشكل على غيره.
قال غيره: وإليه انتهت رياسة المالكيين في وقته، وكان حسن الفقه، عظيم الجدل، وكانت له ببغداد حلقة عظيمة، وكان ينزل الكرخ.
ذكر أبو عبد الله بن سعدون الفقيه: أن
سائر الفرق رضيت بالقاضي أبى بكر في الحكم بين المتناظرين " (5) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: " ابن الباقلانى الامام العلامة. (1/51)
أوحد المتكلمين، مقدم الاصوليين، صاحب التصانيف، كان يضرب المثل
بفهمه.
وكان بحق إماما بارعا، صنف في الرد على المعتزلة والرافضة، والخوارج والجهمية والكرامية.
وانتصر لطريقة أبى الحسن الاشعري، وقد يخالفه في مضايق، فإنه من نظرائه، وقد أخذ علم النظر عن أصحابه..".
(6) قال ابن العماد في شذرات الذهب 3 / 168: " القاضى أبو بكر ابن الباقلانى محمد بن الطيب بن محمد بن محمد بن جعفر، البصري، المالكى الاصولي المتكلم، صاحب المصنفات، وأوحد وقته في فنه..وكانت له بجامع المنصور حلقة عظيمة..وقال ابن الاهدل: سيف السنة: القاضى أبو بكر بن الباقلانى الاصولي الاشعري المالكى، مجدد الدين على رأس المائة الرابعة.
".
(7) قال ابن تيمية في رسالة الفتوى الحموية الكبرى ص 76: " وقال القاضى أبو بكر: محمد بن الطيب الباقلانى المتكلم - وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الاشعري، ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده - قال في كتاب الابانة..".
(8) قال ابن خلكان 3 / 400: " القاضى أبو بكر: محمد بن الطيب ابن محمد بن جعفر بن القاسم، المعروف بالباقلانى، البصري، المتلكم المشهور، كان على مذهب الشيخ أبى الحسن الاشعري، ومؤيدا اعتقاده، وناصرا طريقته،.
وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام وغيره، وكان أوحد زمانه، وانتهت إليه الرياسة في مذهبه: وكان موصوفا بجودة الاستنباط، وسرعة الجواب وسمع الحديث.
وكان كثير التطويل في المناظرة، مشهورا بذلك عند الجماعة " (9) قال الصفدى في الوافى بالوفيات 3 / 177: " أبو بكر الباقلانى البصري، صاحب التصانيف في علم الكلام.
وكان ثقة عارفا بالكلام، صنف الرد على الرافضة والمعتزلة، والخوارج والجهمية.
جرى بينه وبين أبى سعيد الهاروني مناظرة، فأكثر الباقلانى الكلام فيها، ووسع العبارة، وزاد في الاسهاب، ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: اشهدوا على أنه إن أعاد ما قلت لم أطالبه بالجواب،
فقال الهاروني: اشهدوا على أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال " وذكره الصفدى أيضا في ترجمة أبى الحسن المتكلم، محمد بن شجاع المعتزلي، حيث يقول 3 / 147: " حضر مجلس عضد الدولة، وكلم أبا بكر الباقلانى الاشعري في مسألة كلامية، فطول في بعض نوبه، فلما أخذ أبو الحسن الكلام في نوبته، قال له القاضى أبو بكر: قد أخللت بالجواب عن فصل يا شيخ. (1/52)
وأخذ الباقلانى الكلام على نوبته فزاد في الطول، فقال له أبو الحسن: علاوتك أثقل من حملك.
فضحك عضد الدولة من ذلك ".
(10) قال ابن عمار الميورقى: " كان ابن الطيب مالكيا فاضلا متورعا ممن لم تحفظ عليه زلة قط، ولا نسبت إليه نقيصة.
وكان يلقب بشيخ السنة، ولسان الامة، وكان فارس هذا العلم، مباركا على هذه الامة.
وكان حصنا من حصون المسلمين، وما سر أهل البدع بشئ كسرورهم بموته ".
(11) قال أبو القاسم: عبد الواحد بن على بن برهان النحوي، المتوفى سنة 456: " من سمع مناظرة القاضى أبى بكر، لم يستلذ بعدها بسماع كلام أحد من المتكلمين والفقهاء والخطباء والمسترسلين، ولا الاغانى أيضا، من طيب كلامه وفصاحته، وحسن نظامه وإشارته " (12) قال أبو عمران الفارسى (368 - 430): " القاضى أبو بكر: سيف أهل السنة في زمانه، وإمام متكلمي أهل الحق في وقتنا ".
(13) قال أبو عبد الله الصيرفى: " كان صلاح القاضى أكثر من علمه، وما نفع الله هذه الامة بكتبه، وبثها فيهم إلا بحسن نيته، واحتسابه بذلك.
وكان يدرس نهاره وأكثر ليله ".
(14) قال أبو حاتم الطبري: محمود بن الحسن القزويني: " إن ما كان يضمره القاضى الامام أبو بكر الاشعري رضى الله عنه، من الورع والديانة،
والزهد والصيانة، أضعاف ما كان يظهره، فقيل له في ذلك ؟ فقال: إنما أظهر ما أظهره غيظا لليهود والنصارى، والمعتزلة والرافضة والمخالفين، لئلا يستحقروا علماء الحق والدين، فأضمر ما أضمره، فإنى رأيت آدم - مع جلالته - نودى عليه
بذوقة، وداود بنظرة، ويوسف بهمة، ومحمدا بخطرة، عليهم السلام ". (1/53)
(15) قال أبو الفرج: محمد بن عمران الخلال: " وكان ورد القاضى أبى بكر محمد بن الطيب، في كل ليلة، عشرين ترويحة، ما يتركها في حضر ولا سفر ".
(16) قال أبو بكر الخوارزمي، محمد بن العباس، المتوفى سنة 383 -: " كل مصنف ببغداد إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه، سوى القاضى أبى بكر، فإن صدره يحوى علمه وعلم الناس ".
(17) قال أبو محمد: عبد الله بن محمد الخوارزمي البافى: المتوفى سنة 398: " لو أوصى رجل بثلث ماله أن يدفع إلى أفصح الناس، لوجب أن يدفع لابي بكر الاشعري ".
(18) قال على بن محمد بن الحسن الحربى، المالكى: " كان القاضى أبو بكر الاشعري، يهم أن يختصر ما يصنفه، فلا يقدر على ذلك، لسعة علمه، وكثرة حفظه.
وما صنف أحد خلافا إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين، غير القاضى أبى بكر، فإن جميع ما كان يذكر خلاف الناس فيه، صنفه من حفظه ".
(19) روى الامام أبو عبد الله: الحسن ابن أحمد الدامغاني: قال: " لما قدم القاضى الامام أبو بكر الاشعري بغداد، دعاه الشيخ أبو الحسن التميمي الحنبلى (371) إمام عصره في مذهبه، وشيخ مصره في رهطه، وحضر الشيخ أبو عبد الله ابن مجاهد (370) والشيخ أبو الحسين محمد بن أحمد بن سمعون (387)، وأبو الحسن الفقيه، فجرت مسألة الاجتهاد - بين القاضى أبى بكر، وبين
أبى عبد الله بن مجاهد، وتعلق الكلام بينهما إلى أن انفجر عمود الصبح، وظهر كلام القاضى عليه.
وكان أبو الحسن التميمي الحنبلى يقول لاصحابه: تمسكوا بهذا الرجل فليس للسنة عنه غنى أبدا ".
(20) أما أبو حامد الاسفرايينى (344 - 406) فقد كان شديد الانكار على أصحاب الكلام عامة، وعلى الاشاعرة والباقلاني خاصة، حتى إنهم رووا أن الباقلانى كان يخرج إلى الحمام متبرقعا خوفا منه.
وقد نقل ابن تيمية في فتاويه 5 / 239: أن أبا الحسن الكرخي قال في كتابه " الفصول في الاصول ":
" وسمعت شيخي الامام أبا منصور، الفقيه الاصبهاني، يقول: سمعت شيخنا الامام أبا بكر الزاذاقانى يقول: كنت في درس الشيخ أبى حامد الاسفرايينى وكان ينهى أصحابه عن الكلام، وعن الدخول على الباقلانى. (1/54)
فبلغه أن نفرا من أصحابه يدخلون عليه خفية لقراءة الكلام، فظن أنى معهم ومنهم، وذكر قصة قال في آخرها: إن الشيخ أبا حامد قال لى: يا بنى، بلغني أنك تدخل على هذا الرجل - يعنى الباقلانى - فإياك وإياه، فإنه مبتدع يدعوا الناس إلى الضلالة وإلا فلا تحضر مجلسي، فقلت: أنا عائذ بالله مما قيل ! وتائب إليه ! واشهدوا على أنى لا أدخل عليه ! " وأعجب مما سبق قوله أيضا: " كان الشيخ أبو حامد: أحمد بن أبى طاهر الاسفرايينى - إمام الائمة الذى طبق الارض علما وأصحابا - إذا سعى إلى الجمعة من قطيعة الكرخ إلى جامع المنصور، يدخل الرباط المعروف بالروزى المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله أحمد بن حنبل، لا كما يقوله الباقلانى، وتكرر ذلك منه في جمعات، فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس وفى أهل الصلاح،
ويشيع الخبر في البلاد: أنى برئ مما هم عليه - يعنى الاشاعرة - وبرئ من مذهب أبى بكر الباقلانى، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء، يدخلون على الباقلانى خفية فيقرءون عليه، فيفتون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة، فيظن ظان أنهم منى تعلموه وأنا قلته، وأنا برئ من مذهب الباقلانى وعقيدته ".
هذا قول الاسفرايينى في معاصره الباقلانى، وهو قول سداه الاسراف والتجنى، ولحمته الهوى والعصبية، وما كان الباقلانى مبتدعا يدعوا الناس إلى الضلالة، وما كان مذهبه فاسدا، ولا عقيدته مدخولة، بحيث يتبرأ منهما مسلم، ولكن العصبية قاهرة غلابة، والتعاصر مع التماثل في الصناعة مدرجة العداوة والبغضاء.
(21) ذكر أبو حيان التوحيدي في كتاب: " الامتاع والمؤانسة " 1 / 143
أن الوزير أبا عبد الله العارض، سأله في الليلة الثامنة، وقال له: " فما تقول في ابن الباقلانى ؟ قلت: فما شر الثلاثة أم عمرو * * بصاحبك الذى لا تصحبينا يزعم أنه ينصر السنة، ويفحم المعتزلة، وينشر الرواية، وهو في أضعاف ذلك على مذهب الخرمية، وطرائق الملحدة ! قال: والله إن هذا لمن المصائب الكبار، والمحن الغلاظ، والامراض التى ليس لها علاج ". (1/55)
ولست أرتاب في أن أبا حيان قد جاء بالافك، حين رمى الباقلانى بأنه كان على مذهب الخرمية وطريق الملحدة، ولو كان لذلك الاتهام نصيب من الصحة لجرد له قلمه الجبار، وذهب يبين عن مظاهره ومصادره، ويفيض في الطعن عليه، ولبادر إلى ثلبه والتشهير به أعداؤه من شتى المذاهب والنحل التى نقض أقوالها، وأتى على معتقداتها من القواعد، ولتسابقوا إلى تأليب الناس عليه وتحريض
السلطان على إهدار دمه وصلبه، كما صلب بابك الخرمى.
فإن الخرمية فرقة مبتدعة، لا يعدها أحد في زمرة المسلمين، لانها تستحل كل محرم، وتذهب إلى شركة الناس جميعا في الاموال والنساء، ويجتمع رجالها ونساؤها في ليال مخصوصة، يفنونها في احتساء الخمر والرقص، ثم يطفئون كل سراج منير، وكل نار موقدة، ويعكف كل واحد منهم على المرأة التى اتفق جلوسها بجانبه " وهم يدينون بألوهية بابك الخرمى، ويدعون أنه كان لهم ملك في الجاهلية اسمه " شيروين " ينوحون على موتاهم باسمه، ويفضلونه على الانبياء جميعا.
ولست أدرى كيف يكون الباقلانى على مذهب هؤلاء الخرمية، ويخفى أمره على أعدائه المتربصين به، وعلى أوليائه الملتفين حوله، ولا يظهر إلا لابي حيان وحده ! فيتفرد بتسجيله عليه ! ثم لا ينقله عنه ناقل، ولا ينبزه به نابز " إن في ذلك لآية على إفكه، ودليلا على اختلافه عليه، وعداوته له.
ولعل من أسباب عداوة أبى حيان للباقلاني، بغضه للكلام والمتكلمين، الذى أفصح عنه بقوله: " ولم أر متكلما في مدة عمره بكى خشية، أو دمعت عينه خوفا أو أقلع عن كبيرة رغبة، يتناظرون مستهزئين، ويتحاسدون متعصبين،
ويتلاقون متخادعين، ويصنفون متحاملين، جذ الله عروقهم، واستأصل شأفتهم، وأراح البلاد والعباد منهم، فقد عظمت البلوى بهم، وعظمت آفاتهم على صغار الناس وكبارهم، ودب داؤهم، وعسر دواؤهم، وأرجو ألا أخرج من الدنيا حتى أرى بنيانهم متضعضعا، وساكنه متجعجعا ". (1/56)
وقد يكون أبو حيان مدفوعا إلى تلك العداوة بتأثير العداوة بين الباقلانى وبين أستاذه أبى سليمان المنطقي من جهة، وبينه وبين أبى أحمد الاسفرايينى من جهة أخرى، وكلاهما له في نفس أبى حيان منزلة سامية، وإجلال بالغ.
ومهما يكن من أمر عداوة أبى حيان للباقلاني، وأيا كان مبعثها ومأتاها، فلا مراء في أنه قد ظلمه ظلما مبينا، إذ نسبه إلى طائفة الخرمية، وهو منها برئ براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
(22) وثالثه الاثافي التى رمى بها الباقلانى، تلك الاقوال المنكرة التى قالها عنه ابن حزم الظاهرى (384 - 456) في كتاب: " الفصل في الملل والاهواء والنحل " فهو عنده: " كافر أصلع الكفر ! مشرك يقدح في النبوات ! ملحد خبيث المذهب ملعون، يلحد في أسماء الله، ويخالف القرآن ويكذب الله ! نذل يوجب الشك في الله وفى صحة النبوة ! مظلم الجهالة، من أهل الضلالة، ممرور فاسق أحمق، يكيد للاسلام ويسخف به ! قد صدق فيه قول القائل: شهدت بأن ابن المعلم هازل * بأصحابه والباقلاني أهزل وما الجعل الملعون في ذاك دونه * وكلهم في الافك والكفر منزل " هذه بعض أقوال ابن حزم في الباقلانى، نقلتها بألفاظها كما أثبتها في مواضع مختلفة من كتابه.
ولو صدق بعض هذه الاقوال عليه لوجب على المسلمين البراءة منه، ونبذ كتبه، وعده في طليعة أعداء الاسلام، فكيف إذا صدقت كلها ؟ ! ويجدر بنا - قبل أن نعرض للحكم عليها - أن نتبين: هل كان ابن حزم نزيها في حكمه، منصفا في قوله، أمينا في نقله، سليم الصدر من دواعى الهوى والعصبية ؟ أم كان غير ذلك ؟
ومما يدعوا إلى الدهشة والعجب حقا، ويملا النفس بالاسف الممض، أن يكون ابن حزم عريا عن ذلك كله، متنكبا سبيل العلم والاخلاق والدين في حديثه عن الباقلانى لانه أشعرى، وهو ظاهري يبغض الاشاعرة جميعا، ويصفهم بخبث (1/57)
المقالة وفساد الدين واستسهال الكذب على الله جهارا، وعلى رسوله بلا رهبة، ويقول عنهم: " والحمد لله الذى لم يجعلنا من أهل هذه الصفة المرذولة، ولا من هذه العصابة المخذولة " ويحمد الله على ضعفهم في عصره، فيقول: " وأما الاشاعرة فكانوا ببغداد والبصرة، ثم قامت لهم سوق بصلقية والقيروان والاندلس، ثم رق أمرهم، والحمد لله رب العالمين ! " وهو ينسب إليهم أقوالا لم يقولوها، ومذاهب لم يذهبوا إليها، ثم يندفع في تكفيرهم، وكيل الشتائم لهم، كما صنع في باب الرد على من زعم أن الانبياء والرسل ليسوا اليوم أنبياء ولا رسلا، حيث يقول 1 / 88: " حديث فرقة مبتدعة، تزعم أن محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، ليس هو الآن رسول الله، ولكنه كان رسول الله.
وهذا قول ذهب إليه الاشعرية.
وهذه مقالة خبيثة، مخالفة لله تعالى ولرسوله، ولما أجمع عليه جميع أهل الاسلام منذ كان الاسلام إلى يوم القيامة.
ونعوذ بالله من هذا القول، فإنه كفر صراح لا ترداد فيه " ثم اندفع في إبطال هذا القول في شدة وعنف، ونسى أو تناسى أن هذا القول لم يقل به أحد من الاشاعرة، وإنما نسبه إليهم بعض الكرامية، واشتد نكيرهم على من نسبه إليهم، وبينوا إنه مختلق على إمامهم الاجل أبى الحسن الاشعري.
وفى ذلك يقول أبو القاسم القشيرى (376 - 475) في كتابه: " شكاية أهل السنة " -: " فأما ما حكى عنه وعن أصحابه أنهم يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم، ليس بنبى في قبره، ولا رسول بعد موته، فبهتان عظيم، وكذب محض، لم ينطق به أحد منهم، ولا سمع في مجلس مناظرة ذلك عنهم، ولا وجد ذلك في كتاب لهم.
" وليس أدل على كذب هذا القول على الاشاعرة من قول الباقلانى عنه - في كتاب رسالة الحرة المسمى بالانصاف ص 55: " ويجب أن يعلم أن نبوات
الانبياء، صلوات الله عليهم، لا تبطل ولا تنخرم بخروجهم عن الدنيا وانتقالهم. (1/58)
إلى دار الآخرة، بل حكمهم في حال خروجهم من الدنيا كحكمهم في حالة نومهم، وحالة اشتغالهم إما بأكل أو شرب، أو قضاء وطر.
والدليل عليه: أن حقيقة النبوة لو كانت ثابتة لهم في حالة اشتغالهم بأداء الرسالة، دون غيرها من الحالات - لكانوا في غيرها من الاحوال غير موصوفين بذلك.
وقد غلط من نسب إلى المحققين من الموحدين - إبطال نبوة الانبياء عليهم السلام بخروجهم من دار الدنيا.
وليس ذلك بصحيح، لان مذهب المحققين، أن الرسول ما استحق شرف الرسالة بتأدية الرسالة، وإنما صار رسولا، واستحق شرف الرسالة والنبوة، بقول مرسله - وهو الله تعالى -: أنت رسولي ونبيى، وقول الله تعالى قديم لا يزول ولا يتغير.
والدليل على صحة هذا أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم، سئل فقيل له: متى كنت نبيا ؟ فقال: " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " فحاصل الجواب في هذا: أن شرف النبوة وكمال المنصب ثابت للانبياء، صلوات الله عليهم أجمعين الآن حسب ما كان ثابتا لهم في حال الحياة، لم ينثلم ولم ينتقض، سواء نسخت شرائعهم أو لم تنسخ.
ومن راجع نفسه، ولم يغالط حسه، عرف وتحقق أن النبي، صلى الله عليه وسلم، الآن لم يخاطب شفاها، ولا يأمرهم، ولا يكلمهم من غير واسطة، لكن حكم شريعته وصحة نبوته، ثابت لم ينتقض لاجل خروجه من الدنيا، ولم تزل مرتبته، ولا انخرمت رسالته، ولا بطلت معجزته.
فاعلم ذلك وتحققه ".
ولست أدرى: كيف يقرأ ابن حزم كلام الباقلانى هذا في كتابه هذا، ثم يستسيغ ضميره أن يزعم بعد ذلك أن الاشاعرة قالوا هذه المقالة الخبيثة، مع قوله: إن الباقلانى كبيرهم ؟ حقا إن هذا لشئ عجاب !
وما أكثر التهم التى ألصقها ابن حزم بالاشاعرة إلصاقا، وما أوفر عبارات القذف والسباب التى قذفهم بها وسبهم، والتى بلغت أقصى حدود الافحاش والاقذاع، وقد اختص الباقلانى منها بأعظم قسط، وأجزل نصيب.
ولعل مرد ذلك إلى أن الباقلانى قد نقد داود الظاهرى (200 - 270)، كما يشعر بذلك قول
ابن حزم في الفصل 4 / 225: " ومن العجب أن هذا النذل الباقلانى قطع بأن دواد خالف الاجماع في قوله بإبطال القياس، أفلا يستحى هذا الجاهل من أن يصف العلماء بصفته، مع عظيم جهله ؟ ولكن من يضلل الله فلا هادى له " ومما أحفظه عليه أيضا، وأرث نار عداوته في صدره، أنه كان لا يعبأ بالظاهرية، ولا يعدهم من العلماء، وقد نقل شيخ الازهر الشيخ حسن العطار، (المتوفى سنة 1250) في حاشيته على شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع 2 / 221 - أن أبا إسحاق الاسفرايينى قال: " كل مسلك يختص به أصحاب الظاهر عن القياسيين، فالحكم بحسبه منقوض، وبحق قال حبر الاصول القاضى أبو بكر: إنى لا أعدهم من علماء الامة، ولا أبالى بخلافهم ولا وفاقهم ". (1/59)
ولست أربد أن أقبس هنا سائر ما أورده من قول، وما نحله من رأى، ثم أبين ما صنعه فيه من تحريف كلمه عن مواضعها، ولى عباراته عن معانيها، وقطع مقدماته عن نتائجها، وأخذه من ظاهر لفظه ما يتفق وهوى نفسه، ويتسق وما يريد أن يلزمه من إلزامات شائنة، تذهب بسمعته ومكانته.
لست أريد ذلك لان بيانه يحتاج إلى بسط وإطناب لا سبيل إليهما في هذا المقام.
ولكني أذكر من ذلك ما لا مناص من ذكره، وهو ما يتعلق بقوله في القرآن.
قال ابن حزم في معرض حديثه عن الاشاعرة 4 / 221: " ومن شنعهم قول هذا الباقلانى في كتابه المعروف بالانتصار في القرآن، إن تقسيم آيات القرآن،
وترتيب مواضع سوره، شئ فعله الناس وليس هو من عند الله، ولا من أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
فقد كذب هذا الجاهل وأفك، أتراه ما سمع قول الله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في آية الكرسي: وآية الكلالة، والخبر: أنه عليه السلام كان يأمر إذا نزلت آية كذا، أن تجعل في سورة كذا، وموضع كذا.
ولو أن الناس رتبوا سوره، لما تعدوا أحد وجوه ثلاثة:.
إما أن يرتبوها على الاول فالاول نزولا، أو الاطول فما دونه، أو الاقصر فما فوقه.
فإذا ليس ذلك كذلك، فقد صح أنه أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذى لا يعارض، عن الله عز وجل، لا يجوز غير ذلك أصلا ".
وما كذب الباقلانى ولا أفك في مسألتي ترتيب الآيات، وترتيب مواضع السور في القرآن، وما خرج بقوله فيهما عما قاله أعلام الائمة وأجمعوا عليه. (1/60)
فقد أجمعوا جميعا على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة فيه، وأيد إجماعهم ما تاردف في ذلك من النصوص.
ولم تجتمع كلمتهم على أن ترتيب السور توقيفي، فمنهم من قال به، ومنهم من قال: إنه باجتهاد من الصحابة، كمالك بن أنس.
وأنصع دليل على صدق الباقلانى وبراءته مما رماه به ابن حزم، قوله في كتاب: " الانتصار لنقل القرآن ": " ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا موضع كذا ".
وقوله أيضا في ذلك الكتاب (ورقة 4 - ب): " والذى نذهب إليه في ذلك أن جميع القرآن الذى أنزله الله، وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ويرفع تلاوته بعد نزوله - هو هذا الذى بين الدفتين، الذى حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شئ، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله، من آى
السور، لم يقدم من ذلك مؤخرا، ولا أخر منه مقدما، وأن الامة ضبطت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ترتيب آى كل سورة ومواضعها، وعرفت مواقعها: كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم، قد رتب سوره على ما انطوى عليه مصحف عثمان، ويمكن أن يكون قد وكل ذلك إلى الامة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه.
وأن هذا القول الثاني أقرب وأشبه أن يكون حقا ".
ولن يمترى إنسان - بعد قراءة هذا الكلام - في تكذيب ابن حزم في قوله، إن الباقلانى يقول: " إن ترتيب الآيات والسور شئ فعله الناس، وليس هو من عند الله ولا من أمر رسول الله.
فقد كذب هذا الجاهل وأفك ! " ولن يمترى كذلك في أنه نص صريح في تكذيب ابن حزم في قوله عن الاشاعرة: " وقالوا كلهم: إن القرآن لم ينزل به قط جبريل على قلب محمد، عليه الصلاة والسلام، وإنما نزل عليه بشئ آخر هو العبارة عن كلام الله، وإن القرآن ليس عندنا ألبتة إلا على هذا المجاز، وإن الذى نرى في المصاحف ونسمع
من القراء، ونقرأ في الصلاة، ونحفظ في الصدور - ليس هو القرآن ألبتة، ولا شئ منه كلام الله ألبتة، بل شئ آخر، وإن كلام الله لا يفارق ذاته. (1/61)
وإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله عز وجل، ومخالفة القرآن والنبى، صلى الله عليه وسلم، ومخالفة جميع أهل الاسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة ".
وهذا افتراء قصد به التشنيع والتلبيس على الناس، يدحضه قول الباقلانى في " رسالة الحرة " ص 62: " اعلم أن الله تعالى متكلم له كلام عند أهل السنة والجماعة، وأن كلامه قديم ليس بمخلوق، ولا مجعول، ولا محدث، بل كلامه قديم، صفة من صفات ذاته، كعلمه وقدرته وإرادته، ونحو ذلك من صفات
الذات.
ولا يجوز أن يقال: كلام الله عبارة ولا حكاية، ولا يوصف بشئ من صفات الخلق، ولا يجوز أن يقول أحد: لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق، ولا إنى أتكلم بكلام الله ".
وقوله ص 82: " ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة كما قال: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون)، وهو في مصاحفنا مكتوب على الوجه الذى هو مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ).
لكن نحن نعلم وكل عاقل أن كلام الله الذى هو مكتوب في اللوح المحفوظ، هو والقرآن المكتوب في مصاحفنا شئ واحد، لا يختلف ولا يتغير، وأن اللوح غير أوراق مصاحفنا، وأن الخط الذى فيه غير الخطوط التى في مصاحفنا، وأن القلم الذى كتب في اللوح المحفوظ غير أقلامنا.
وكذلك ما اختلف وغاير غيره، واختص بمكان دون مكان، وزمان دون زمان فهو مخلوق مربوب، وكل ما هو على صفة واحدة لا يختلف ولا يتغير، ولا يجوز عليه شئ من صفات الخلق.
فكذلك هو كلام الله تعالى القديم وجميع صفات ذاته.
وكذلك القرآن محفوظ بالقلوب على الحقيقة، كما قال تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم).
لكن نعلم قطعا أن زيدا الحافظ غير عمرو الحافظ، وأن قلب هذا غير قلب هذا، وأن حفظ هذا غير حفظ هذا، لكن المحفوظ لهذا بحفظه هو المحفوظ للآخر بحفظه، وهو شئ واحد لا يختلف ولا يتغير،
إذ هو صفة لله تعالى، قديم غير مخلوق. (1/62)
وكذلك نقول: إنه مقروء بألسنتنا، نتلو بها على الحقيقة، لكن نعلم أن زيدا القارئ غير عمرو القارئ، وأن لسان زيد غير لسان عمرو، وأن قراءة زيد غير قراءة عمرو، ولكن المقروء لزيد هو المقروء لعمرو، شئ واحد لا يختلف ولا يتغير، بل هو كلام الله القديم الذى
ليس بمخلوق ولا يجوز عليه صفات الخلق.
وهذا كما قال تعالى: (أنما أنزل بعلم الله) يعلمه زيد بعلمه، ويعلمه عمرو بعلمه، ويعبده زيد بعبادته، ويعبده عمرو بعبادته، ويدعوه زيد بدعائه، ويدعوه عمرو بدعائه، ويذكره زيد بذكره، ويذكره عمرو بذكره، ويسبحه زيد بتسبيحه، ويسبحه عمرو بتسبيحه، فزيد غير عمرو، وذكره غير ذكر عمرو، وعبادته غير عبادة عمرو، ولكن المعبود لهذا هو المعبود لهذا، والمذكور لهذا هو المذكور لهذا، والمسبح لهذا هو المسبح لهذا، والله تعالى هو القديم الواحد الذى ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير ".
وقوله ص 83، 85: " ويحب أن يعلم أن كلام الله تعالى مسموع لنا على الحقيقة، لكن بواسطة، وهو القارئ..ويجب أن يعلم أن كلام الله تعالى منزل على قلب النبي صلى بالله عليه وسلم، نزول إعلام وإفهام، لا نزول حركة وانتقال "، و " أن جبريل عليه السلام علم كلام الله وفهمه، وعلمه الله النظم العربي الذى هو قراءته، وعلم هو القراءة نبينا، صلى الله عليه وسلم، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ولم يزل ينقل الخلف عن السلف ذلك، إلى أن اتصل بنا فصرنا نقرأ بعد أن لم نكن نقرأ ".
ويستبين من سائر هذه النصوص أن ابن حزم لم يكن أمينا في نقله، ولا صادقا في قوله، وإنما خان أمانة العلم، وكذب فيما ادعاه على الباقلانى والاشاعرة، ليتسنى له تكفيرهم، وسبهم بما يرضى نفسه الظامئة إلى الطعن والسباب.
وقد عرف ذلك عنه، حتى قال فيه ابن العريف: " كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين " وسجل عليه ذلك المؤرخون له، كابن خلكان، الذى يقول في وفيات الاعيان: " وكان كثير الوقوع في العلماء المتقدمين، لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستهدف لفقهاء وقته، فتماثلوا على بغضه، وردوا