صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
[ أحكام القرآن - الشافعي ] |
أحكام القرآن للشافعي (1/1)
بسم الله الرحمن الرحيم وبه العون (1/18)
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين الذي خلق الإنسان من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من ورحه وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة وبعث فيهم الرسل والأئمة مبشرين بالجنة من أطاع الله ومنذرين بالنار من عصى الله وخصنا بالنبي المصطفى والرسول المجتبى أبي القاسم محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الذين هداهم الله واصطفاهم من بني هاشم والمطلب أرسله بالحق إلى من جعله من أهل التكليف من كافة الخلق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأنزل معه كتابا عزيزا ونورا مبينا وتبصرة وبيانا وحكمة وبرهانا ورحمة وشفا وموعظة وذكرا فنقل به من أنعم عليه بتوفيقه من الكفر والضلالة إلى الرشد والهداية وبين فيه ما أحل وما حرم وما حمد وما ذم وما يكون عبادة وما يكون معصية نصا أو دلالة ووعد وأوعد وبشر وأنذر ووضع رسوله من دينه موضع الإبانة عنه وحين قبضه الله قيض في أمته جماعة اجتهدوا في معرفة كتابه وسنة نبيه حتى رسخوا في العلم وصاروا أئمة يهدون بأمره ويبينون ما يشكل على غيرهم من أحكام القرآن وتفسيره
وقد صنف غير واحد من المتقدمين والمتأخرين في تفسير القرآن ومعانيه
وإعرابه ومبانيه وذكر كل واحد منهم في أحكامه ما بلغه علمه وربما يوافق قوله قولنا وربما يخالفه فرأيت من دلت الدلالة على صحة قوله أبا عبدالله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ابن عم محمد رسول الله وعلى آله قد أتى على بيان ما يجب علينا معرفته من أحكام القرآن وكان ذلك مفرقا في كتبه المصنفة في الأصول والأحكام فميزته وجمعته في هذه الأجزاء على ترتيب المختصر ليكون طلب ذلك منه على من أراد أيسر واقتصرت في حكاية كلامه على ما يتبين منه المراد دون الإطناب ونقلت من كلامه في أصول الفقه واستشهاده بالآيات التي احتاج إليها من الكتاب على غاية الاختصار ما يليق بهذا الكتاب وأنا أسأل الله البر الرحيم أن ينفعني والناظرين فيه بما أودعته وأن يجزينا جزاء من اقتدينا به فيما نقلته فقد بالغ في الشرح والبيان وأدى النصيحة في التقدير والبيان ونبه على جهة الصواب والبرهان حتى أصبح من اقتدى به على ثقة من دين ربه ويقين من صحة مذهبه والحمد لله الذي شرح صدرنا للرشاد ووفقنا لصحة هذا الاعتقاد وإليه الرغبة عزت قدرته في أن يجري على أيدينا موجب هذا الاعتقاد ومقتضاه ويعيننا على ما فيه إذنه ورضاه وإليه التضرع في أن يتغمدنا برحمته وينجينا من عقوبته إنه الغفور الودود والفعال لما يريد وهو حسبنا ونعم الوكيل (1/19)
أنا أبو عبدالله محمد بن عبدالحافظ أنا أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبيدة قال كنا نسمع من يونس بن عبد الأعلى تفسير زيد بن أسلم عن ابن وهب فقال لنا يونس كنت أولا أجالس
أصحاب التفسير وأناظر عليه وكان الشافعي إذا أخذ في التفسير كأنه شهد التنزيل (1/20)
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو الوليد الفقيه أنا أبو بكر حمدون قال سمعت الربيع يقول قلما كنت أدخل على الشافعي رحمه الله إلا والمصحف بين يديه يتتبع أحكام القرآن
فصل فيما ذكره الشافعي رحمه الله في التحريض على تعلم أحكام القرآن
أخبرنا أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ رحمه الله أنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي رحمه الله في ذكر نعمة الله علينا برسوله بما أنزل عليه من كتابه فقال وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فنقلهم به من الكفر والعمى إلى الضياء والهدى وبين فيه ما أحل لنا بالتوسعة على خلقه وما حرم لما هو أعلم به من حظهم على الكف عنه في الآخرة والأولى وابتلى طاعتهم بأن تعبدهم بقول وعمل وإمساك عن محارم وحما هموها وأثابهم على طاعته من الخلود في جنته والنجاة من نقمته ما عظمت به نعمته جل ثناؤه وأعلمهم ما أوجب على أهل معصيته من خلاف ما أوجب لأهل طاعته ووعظهم بالإخبار عمن كان قبلهم ممن كان أكثر منهم أموالا وأولادا وأطول أعمارا وأحمد آثارا فاستمتعوا بخلاقهم في حياة دنياهم فأذاقهم عند نزول قضائه مناياهم دون آمالهم ونزلت بهم عقوبته عند انقضاء آجالهم ليعتبروا في آنف الأوان
ويتفهموا بجلية التبيان وينتبهوا قبل رين الغفلة ويعملوا قبل انقطاع المدة حين لا يعتب مذنب ولا تؤخذ فدية وتجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا (1/21)
وكان مما أنزل في كتابه جل ثناؤه رحمة وحجة علمه من علمه وجهله من جهله
قال والناس في العلم طبقات موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه والصبر على كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصا واستنباطا والرغبة إلى الله في العون عليه فإنه لا يدرك خير إلا بعونه فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا ووفقه الله للقول والعمل لما علم منه فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الريب ونورت في قلبه الحكمة واستوجب في الدين موضع الإمامة فنسأل الله المبتدئ لنا بنعمه قبل استحقاقها المديم بها علينا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب من شكره لها الجاعلنا في خير أمة أخرجت للناس أن يرزقنا فهما في كتابه ثم سنة نبيه وقولا وعملا يؤدي به عنا حقه ويوجب لنا نافلة مزيده فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبل الهدى فيها قال الله عز و جل آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وقال تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وقال تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون
قال الشافعي رحمه الله ومن جماع كتاب الله عز و جل العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب والمعرفة بناسخ كتاب الله ومنسوخه والفرض في تنزيله والأدب والإرشاد والإباحة والمعرفة بالوضع الذي وضع الله نبيه وما أراد بجميع فرائضه أأراد كل خلقه أم بعضهم دون بعض وما افترض على الناس من طاعته والانتهاء إلى أمره ثم معرفة ما ضرب فيها من الأمثال الدوال على طاعته المبينة لاجتناب معصيته وترك الغفلة عن الحظ والازدياد من نوافل الفضل فالواجب على العالمين ألا يقولوا إلا من حيث علموا (1/22)
ثم ساق الكلام إلى أن قال والقرآن يدل على أن ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان العرب قال الله عز و جل وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين وقال الله عز و جل وكذلك أنزلناه حكما عربيا وقال تعالى وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها فأقام حجته بأن كتابه عربي ثم أكد ذلك بأن نفى عنه كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه فقال تبارك وتعالى ولقد تعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين وقال تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته إعجمي وعربي
وقال ولعل من قال إن في القرآن غير لسان العرب ذهب إلى أن شيئا من القرآن خاصا يجهله بعض العرب ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا ولا يحيظ بجميع علمه إنسان غير نبي ولكنه لا يذهب منه شيء على عامة أهل العلم كالعلم بالسنة عند أهل الفقه لا نعلم رجلا جمعها فلم يذهب منها شيء عليه فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن والذي ينطق العجم بالشيء من لسان العرب فلا ينكر إذا كان اللفظ قيل تعلما أو نطق به موضوعا أن يوافق لسان العجم أو بعضه قليل من لسان العرب فبسط الكلام فيه (1/23)
فصل في معرفة العموم والخصوص
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله قال الله تبارك وتعالى خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل وقال تعالى خلق السموات والأرض وقال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فهذا عام لا خاص فيه فكل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه وكل دابة فعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها وقال عز و جل إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
أتقاكم وقال تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقال تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (1/24)
قال الشافعي فبين في كتاب الله أن في هاتين الآيتين العموم والخصوص فأما العموم منها ففي قوله عز و جل إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا فكل نفس خوطب بهذا في زمان رسول الله وقبله وبعده مخلوقة من ذكر وأنثى وكلها شعوب وقبائل
والخاص منها في قوله عز و جل إن أكرمكم عند الله أتقاكم لأن التقوى إنما تكون على من عقلها وكان من أهلها من البالغين من بني آدم دون المخلوقين من الدواب سواهم ودون المغلوب على عقولهم منهم والأطفال الذين لم يبلغوا عقل التقوى منهم فلا يجوز أن يوصف بالتقوى وخلافها إلا من عقلها وكان من أهلها أو خالفها فكان من غير أهلها
وفي السنة دلالة عليه قال رسول الله (1/25)
رفع القلم عن ثلاثة النائم حتى يستيقظ والصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق
قال الشافعي رحمه الله وهكذا التنزيل في الصوم والصلاة على البالغين العاقلين دون من لم يبلغ ممن غلب على عقله ودون الحيض في أيام حيضهن
قال الشافعي رحمه الله قال الله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قال الشافعي رحمه الله فإذا كان مع رسول الله ناس غير من جمع لهم من الناس وكان المخبرون لهم ناس غير من جمع لهم وغير من معه ممن جمع عليه معه وكان الجامعون لهم ناسا فالدلالة بينة لما وصفت من أنه إنما جمع لهم بعض الناس دون بعض والعلم يحيط أن لم يجمع لهم الناس كلهم ولم يخبرهم الناس كلهم ولم يكونوا هم الناس كلهم ولكنه لما كان اسم الناس يقع على ثلاثة نفر وعلى جميع الناس وعلى من بين جميعهم وثلاثة منهم كان صحيحا في لسان العرب أن يقال قال لهم الناس قال وإنما كان الذين قالوا لهم ذلك أربعة نفر إن الناس قد جمعوا لكم يعنون المنصرفين من أحد وإنما هم جماعة غير كثيرين من الناس جامعون منهم غير المجموع لهم والمخبرون للمجموع لهم غير الطائفتين والأكثرون من الناس في بلدانهم غير الجامعين والمجموع لهم ولا المخب
وقال الله عز و جل وقودها الناس والحجارة فدل كتاب الله عز و جل على أنه إنما وقودها بعض الناس لقوله عز و جل إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون
قال الشافعي رحمه الله قال الله عز و جل ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد وذكر سائر الآيات ثم قال فأبان أن للوالدين والأزواج مما سمى في الحالات وكان عام المخرج فدلت سنة رسول الله على أنه إنما أريد بها بعض الوالدين والأزواج دون بعض وذلك أن يكون دين الوالدين والمولود والزوجين واحدا ولا يكون الوارث منهما قاتلا ولا مملوكا وقال تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين فأبان رسول الله أن الوصايا يقتصر بها على الثلث ولأهل الميراث الثلثان وأبان أن الدين قبل الوصايا والميراث وأن لا وصية ولا ميراث حتى يستوفي أهل الدين دينهم ولولا دلالة السنة (1/26)
ثم إجماع الناس لم يكن ميراث إلا بعد وصية أو دين ولم تعدو الوصية أن تكون مقدمة على الدين أو تكون والدين سواء (1/27)
وذكر الشافعي رحمه الله في أمثال هذه الآية آية الوضوء وورود السنة بالمسح على الخفين وآية السرقة وورود السنة بأن لا قطع في ثمر ولا كثر لكونهما غير محرزين وأن لا يقطع إلا من بلغت سرقته ربع دينار وآية الجلد في الزاني والزانية وبيان السنة بأن المراد بها البكران دون الثيبين وآية سهم ذي القربى وبيان السنة بأنه لبني هاشم وبني عبدالمطلب دون سائر القربى وآية الغنيمة وبيان السنة بأن السلب منها للقاتل وكل ذلك تخصيص للكتاب بالسنة ولولا الاستدلال بالسنة كان الطهر في القدمين وإن كان لابسا للخفين وقطعنا كل من لزمه اسم سارق وضربنا مائة كل من زنى وإن كان ثيبا وأعطينا سهم ذي القربى من بينه وبين النبي قرابة وخمسنا السلب لأنه من الغنيمة
فصل في فرض الله عز و جل في كتابه واتباع سنة نبيه
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله تعالى وضع الله جل ثناؤه رسوله من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه أنه جعله علما لدينه بما افترض من طاعته وحرم من معصيته وأبان فضيلته بما قرر من الإيمان برسوله مع الإيمان به فقال تبارك وتعالى آمنوا بالله ورسوله وقال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع
لم يذهبوا حتى يستأذنوه فجعل دليل ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ثم برسوله فلو آمن به عبد ولم يؤمن برسوله لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبدا حتى يؤمن برسوله عليه السلام معه (1/28)
قال الشافعي رحمه الله وفرض الله تعالى على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله فقال في كتابه ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم وقال تعالى لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وقال تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وذكر غيرها من الآيات التي وردت في معناها قال فذكر الله تعالى الكتاب وهو القرآن وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول الحكمة سنة رسول الله وهذا يشبه ما قال والله أعلم بأن القرآن ذكر وأتبعته الحكمة وذكر الله عز و جل منته على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة فلم يجز والله أعلم أن تعد الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله وأن الله افترض طاعة رسول الله وحتم على الناس اتباع أمره فلا يجوز أن يقال لقول فرض إلا لكتاب الله ثم سنة رسول الله
مبينة عن الله ما أراد دليلا على خاصه وعامه ثم قرن الحكمة بكتابه فأتبعها إياه ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسول الله ثم ذكر الشافعي رحمه الله الآيات التي وردت في فرض الله عز و جل طاعة رسوله منها قوله عز و جل يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فقال بعض أهل العلم أولو الأمر أمراء سرايا رسول الله وهكذا أخبرنا والله أعلم وهو يشبه ما قال والله أعلم أن من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة وكانت تأنف أن تعطى بعضها بعضا طاعة الإمارة فلما دانت لرسول الله بالطاعة لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر الذين أمرهم رسول الله لا طاعة مطلقة بل طاعة يستثنى فيها لهم وعليهم قال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله يعني إن اختلفتم في شيء وهذا إن شاء الله كما قال في أولي الأمر لأنه يقول فإن تنازعتم في شيء يعني والله أعلم هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم فردوه إلى الله والرسول يعني والله أعلم إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه وإن لم تعرفوه سألتم رسول الله عنه إذا وصلتم إليه أو من وصل إليه لأن ذلك الفرض الذي لا منازعة لكم فيه لقول الله عز و جل وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن (1/29)
يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن تنازع ممن بعد عن رسول الله رد الأمر إلى قضاء الله ثم إلى قضاء رسول الله فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسا على أحدهما (1/30)
وقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم قال الشافعي نزلت هذه الآية فيما بلغنا والله أعلم في رجل خاصم الزبير رضي الله عنه في أرض فقضى النبي بها للزبير رضي الله عنه وهذا القضاء سنة من رسول الله لا حكم منصوص في القرآن وقال عز و جل وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون والآيات بعدها فأعلم الله الناس أن دعاءهم إلى رسول الله ليحكم بينهم دعاء إلى حكم الله وإذا سلموا لحكم النبي فإنما سلموا لفرض الله وبسط الكلام فيه
قال الشافعي رضي الله عنه وشهد له جل ثناؤه باستمساكه بأمره به والهدى في نفسه وهداية من اتبعه فقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط
الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور وذكر معها غيرها ثم قال في شهادته له إنه يهدي إلى صراط مستقيم صراط الله وفيما وصفت من فرض طاعته ما أقام الله به الحجة على خلقة بالتسليم لحكم رسوله واتباع أمره فما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم فحكم الله سنته ثم ذكر الشافعي رحمه الله الاستدلال بسنته على الناسخ والمنسوخ من كتاب الله ثم ذكر الفرائض المنصوصة التي بين رسول الله معها ثم ذكر الفرائض الجمل التي أبان رسول الله عن الله سبحانه كيف هي ومواقيتها ثم ذكر العام من أمر الله الذي أراد به العام والعام الذي أراد به الخاص ثم ذكر سنته فيما ليس فيه نص كتاب وإيراد جميع ذلك هاهنا مما يطول به الكتاب وفيما ذكرناه إشارة إلى مالم نذكره (1/31)
فصل في تثبيت خبر الواحد من الكتاب
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي رحمه الله وفي كتاب الله عز و جل دلالة على ما وصفت قال الله عز و جل إنا أرسلنا نوحا إلى قومه وقال تعالى ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه وقال عز و جل وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وقال تعالى وإلى عاد أخاهم هودا وقال تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا وقال تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا وقال جل وعز
كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وقال تعالى لنبيه إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وقال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل (1/32)
قال الشافعي فأقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه بالأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم وكانت الحجة على من شاهد أمور الأنبياء دلائلهم التي باينوا بها غيرهم وعلى من بعدهم وكان الواحد في ذلك وأكثر منه سواء تقوم الحجة بالواحد منهم قيامها بالأكثر قال تعالى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قال فظاهر الحجة عليهم باثنين ثم ثالث وكذا أقام الحجة على الأمم بواحد وليس الزيادة في التأكيد مانعة من أن تقوم الحجة بالواحد إذا أعطاه الله ما يباين به الخلق غير النبيين واحتج الشافعي بالآيات التي وردت في ا لقرآن في فرض الله طاعة رسوله ومن بعده إلى يوم القيامة واحدا واحدا في أن على كل واحد طاعته ولم يكن أحد غاب عن رؤية رسول الله يعلم أمر رسول الله وشرف وكرم إلا بالخبر عنه وبسط الكلام فيه
فصل في النسخ (1/33)
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس أنا ا لربيع قال قال الشافعي رحمه الله إن الله خلق الناس لما سبق في علمه مما أراد بخلقهم وبهم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب وأنزل الكتاب عليهم تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وفرض فيه فرائض أثبتها وأخرى نسخها رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من نعمه وأثابهم على الانتهاء إلى ما أثبت عليهم جنته والنجاة من عذابه فعمتهم رحمته فيما أثبت ونسخ فله الحمد على نعمه وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب وأن السنة لا ناسخة للكتاب وإنما هي تبع للكتاب بمثل ما نزل نصا ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جملا قال الله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم فأخبر الله عز و جل أنه فرض على نبيه اتباع ما يوحى إليه ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه وفي قوله ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي بيان ما وصفت من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه كما كان المبتدئ لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه لذلك قال يمحو الله ما يشاء ويثبت قيل يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء وهذا يشبه ما قيل والله أعلم وفي كتاب الله دلالة عليه قال
الله عز و جل ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فأخبر الله عز و جل أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله وقال وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر وهكذا سنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة لرسول الله وبسط الكلام فيه (1/34)
قال الشافعي وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي والله أعلم دلالة على أن الله تعالى جعل لرسول الله أن يقول من تلقاء نفسه بتوفيقه فيما لم ينزل به كتابا والله أعلم
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو العباس هو الأصم أنا الربيع أن الشافعي رحمه الله قال قال الله تبارك وتعالى في الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا فبين رسول الله عن الله عز و جل تلك المواقيت وصلى الصلوات لوقتها فحوصر يوم الأحزاب فلم يقدر على الصلاة في وقتها فأخرها للعذر حتى صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء في مقام واحد
قال الشافعي رحمه الله أنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبدالرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل حتى كفينا وذلك قول الله عز و جل وكفى الله المؤمنين القتال قال فدعا رسول الله بلالا فأمره فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان
يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها هكذا ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضا وذلك قبل أن يقول الله في صلاة الخوف فرجالا أو ركبانا قال الشافعي رحمه الله فبين أبو سعيد أن ذلك قبل أن ينزل الله على النبي الآية التي ذكرت فيها صلاة الخوف وهي قول الله عز و جل وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقال تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وذكر الشافعي رحمه الله حديث صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلاة الخوف يوم ذات الرقاع ثم قال وفي هذا دلالة على ما وصفت من أن رسول الله إذا سن سنة فأحدث الله في تلك السنة نسخها أو مخرجا إلى سعة منها سنن رسول الله سنة تقوم الحجة على الناس بها حتى يكونوا إنما صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها قال فنسخ الله تأخير الصلاة عن وقتها في الخوف إلى أن يصلوها كما أمر الله في وقتها ونسخ رسول الله سنته في تأخيرها بفرض الله في كتابه ثم بسنته فصلاها في وقتها كما وصفنا (1/35)
قال الشافعي رحمه الله أنا مالك عن نافع عن ابن عمر أراه عن النبي فذكر صلاة الخوف فقال إن كان خوفا أشد من ذلك صلوا رجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال فدلت سنة رسول الله على ما وصفت من أن القبلة في المكتوبة على فرضها أبدا إلا في الموضع الذي لا يمكن فيه الصلاة إليها وذلك عند المسايفة والهرب وما كان في المعنى الذي لا يمكن فيه الصلاة إليها وبينت السنة في هذا أن لا تترك الصلاة في وقتها كيف ما أمكنت المصلي (1/36)
فصل ذكره الشافعي رحمه الله في إبطال الاستحسان واستشهد فيه بآيات من القرآن
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي رحمه الله قال حكم الله ثم حكم رسول الله ثم حكم المسلمين دليل على أن لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكما أو مفتيا أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم وذلك الكتاب ثم السنة أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه أو قياس على بعض هذا ولا يجوز له أن يحكم ولا يفتي بالاستحسان إذ لم يكن الاستحسان واجبا ولا في واحد من هذه المعاني وذكر فيما احتج به قول الله عز و جل أيحسب الإنسان أن يترك سدى قال فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمت أن السدى الذي لا يؤمر ولا ينهى ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به قد اختار لنفسه أن يكون في معاني السدى وقد أعلمه عز و جل أنه لم يترك
سدى ورأى أن قال أقول ما شئت وادعى ما نزل القرآن بخلافه قال الله جل ثناؤه لنبيه اتبع ما أوحي إليك من ربك وقال تعالى وأن احكم بينهما بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ثم جاءه قوم فسألوه عن أصحاب الكهف وغيرهم فقال أعلمكم غدا يعني أسأل جبريل عليه السلام ثم أعلمكم فأنزل الله عز و جل ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وجاءته امرأة أوس بن الصامت تشكو إليه أوسا فلم يجبها حتى نزل عليه قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وجاءه العجلاني يقذف امرأته فقال لم ينزل فيكما وانتظر الوحي فلما أنزل الله عز و جل عليه دعاهما ولاعن بينهما كما أمر الله عز و جل وبسط الكلام في الاستدلال بالكتاب والسنة والمعقول في رد الحكم بما استحسنه الإنسان دون القياس على الكتاب والسنة والإجماع (1/37)
فصل فيما يؤثر عنه من التفسير والمعاني في آيات متفرقة
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا ا لربيع أنا الشافعي قال قال الله تعالى لنبيه قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ثم أنزل الله عز و جل على نبيه أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يعني والله أعلم ما تقدم
من ذنبه قبل الوحي وما تأخر أن يعصمه فلا يذنب يعلم الله ما يفعل به من رضاه عنه وأنه أول شافع وأول مشفع يوم القيامة وسيد الخلائق (1/38)
وسمعت أبا عبدالله محمد بن إبراهيم بن عبدان الكرماني يقول سمعت أبا الحسن محمد بن أبي إسماعيل العلوي ببخاراء يقول سمعت أحمد بن محمد بن حسان المصري بمكة يقول سمعت المزني يقول سئل الشافعي عن قول الله عز و جل إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال معناه ما تقدم من ذنب أبيك آدم وهبته لك وما تأخر من ذنوب أمتك أدخلهم الجنة بشفاعتك
قال الشيخ رحمه الله وهذا قول مستظرف والذي وضعه الشافعي في تصنيفه أصح الروايتين وأشبه بظاهر الرواية والله أعلم
أنا أبو عبدالله الحافظ قال سمعت أبا بكر أحمد بن محمد المتكلم يقول سمعت جعفر بن أحمد الساماقي يقول سمعت عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالحكم يقول سألت الشافعي أي آية أرجي قال قوله تعالى يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة
أنا محمد بن عبدالله الحافظ أخبرني أبوبكر أحمد بن محمد بن يحيى المتكلم أنا إسحاق بن إبراهيم البستي حدثني إبراهيم بن حرب البغدادي أن الشافعي رحمه الله سئل بمكة في الطواف عن قول الله عز و جل إن تعذبهم فإنهم عبادك قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم وتؤخر في آجالهم فتمن عليهم بالتوبة والمغفرة
أنا أبو عبدالرحمن محمد بن الحسين السلمي قال سمعت محمد بن عبدالله بن شاذان يقول سمعت جعفر بن أحمد الخلاطي يقول سمعت الربيع بن سليمان يقول سئل الشافعي عن قول الله عز و جل ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين قال الخوف خوف العدو والجوع جوع شهر رمضان ونقص من الأموال الزكوات والأنفس الأمراض والثمرات الصدقات وبشر الصابرين على أدائها (1/39)
أنا أبو عبدالله الحافظ أخبرني أبو عبدالله الزبير بن عبدالواحد الحافظ الأستراباد قال سمعت أبا سعيد محمد بن عقيل الفاريابي يقول قال المزني والربيع كنا يوما عند الشافعي إذ جاء شيخ فقال له أسأل قال الشافعي سل قال إيش الحجة في دين الله فقال الشافعي كتاب الله قال وماذا قال سنة رسول الله قال وماذا قال اتفاق الأمة قال ومن أين قلت اتفاق الأمة من كتاب الله فتدبر الشافعي رحمه الله ساعة فقال الشيخ أجلتك ثلاثة أيام فتغير لون الشافعي ثم إنه ذهب فلم يخرج أياما قال فخرج من البيت في اليوم الثالث فلم يكن بأسرع أن جاء الشيخ فسلم فجلس فقال حاجتي فقال الشافعي رحمه الله نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز و جل ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا لا يصليه جهنم على
خلاف سبيل المؤمنين إلا وهو فرض قال فقال صدقت وقام وذهب قال الشافعي قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه وهذه الحكاية أبسط من هذه نقلتها في كتاب المدخل (1/40)
أن انا محمد بن عبدالله الحافظ قال سمعت أبا محمد جعفر بن محمد بن الحارث يقول سمعت أبا عبدالله الحسين بن محمد بن الضحاك المعروف بابن بحر يقول سمعت إسماعيل بن يحيى المزني يقول سمعت ابن هرم القرشي يقول سمعت الشافعي يقول في قول الله عز و جل كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قال فلما حجبهم في السخط كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا
أنا أبو عبدالله محمد بن حيان القاضي أنا محمد بن عبدالرحمن بن زياد قال أخبرني أبو يحيى الساجي أو فيما أجاز لي مشافهة قال ثنا الربيع قال سمعت الشافعي يقول في كتاب الله عز و جل المشيئة له دون خلقه والمشيئة إرادة الله يقول الله عز و جل وما تشاؤن إلا أن يشاء الله فأعلم خلقه أن المشيئة له
أنا أبو عبدالله الحافظ أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن أنا عبدالرحمن بن محمد الحنظلي أنا أبو عبدالملك بن عبدالحميد الميموني حدثني أبو عثمان محمد بن محمد بن إدريس الشافعي قال سمعت أبي يقول ليلة للحميدي ما يحج عليهم يعني على أهل الإرجاء بآية أحج من قوله عز و جل وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة قرأت في كتاب أبي الحسن محمد بن الحسن القاضي فيما أخبره أبو عبدالله
محمد بن يوسف بن النضر أنا ابن الحكم قال سمعت الشافعي يقول في قول الله عز و جل وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه قال معناه هو أهون عليه في العبرة عندكم لما كان يقول للشيء كن فيخرج مفصلا بعينيه وأذنيه وسمعه ومفاصله وما خلق الله فيه من العروق فهذا في العبرة أشد من أن يقول لشي ءقد كان عد إلى ما كنت قال فهو إنما هو أهون عليه في العبرة عندكم ليس أن شيئا يعظم على الله عز و جل (1/41)
أنا أبوعبدالله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عامر بن سعد عن أبيه أن النبي قال
أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن محرما فحرم من أجل مسئلته
قال الشافعي وقال الله عز و جل لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم إلى قوله عز و جل بها كافرين قال كانت المسائل فيما لم ينزل إذا كان الوحي ينزل مكروهة لما ذكرنا من قول الله عز و جل ثم قول رسول الله وغيره مما في معناه ومعنى كراهة ذلك أن يسئلوا عما لم يحرم فإن حرمه الله في كتابه أو على لسان نبيه حرم أبدا إلا أن ينسخ الله تحريمه في كتابه أو ينسخ على لسان رسوله سنة بسنة
أنا أبو عبدالله الحسين بن محمد بن فنجويه بالدامغان نا الفضل
ابن الفضل الكندي ثنا زكريا بن يحيى الساجي قال سمعت أبا عبدالله ابن أخي ابن وهب يقول سمعت الشافعي يقول الأمة على ثلاثة وجوه قوله تعالى إنا وجدنا آباءنا على أمة قال على دين وقوله تعالى وادكر بعد أمة قال بعد زمان وقوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله قال معلما (1/42)
أنا أبو عبدالله الحافظ حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن أيوب الفارسي المفسر أنا أبو بكر محمد بن صالح بن الحسن البستاني بشيراز أنا الربيع بن سليمان المرادي نا محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن مرجانة قال عكرمة لابن عباس إن ابن عمر تلا هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فبكى ثم قال والله لئن أخذنا الله بها لنهلكن فقال ابن عباس يرحم الله أبا عبدالرحمن قد وجد المسلمون منها حين نزلت ما وجد فذكروا ذلك لرسول الله فنزلت لا يكلف الله نفسا إلا وسعها من القول والعمل وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد ولا يقدر عليه أحد
فصل فيما يؤثر عنه من التفسير والمعاني في الطهارات والصلوات (1/43)
أنا محمد بن موسى بن الفضل أنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي رحمه الله قال قال الله جل ثناؤه إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى قوله عز و جل فلم تجدوا ماء فتيمموا قال وكان بينا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما يكون بالماء ثم أبان الله في هذه الاية أن الغسل بالماء وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن الماء ما خلق الله تبارك وتعالى مما لاصنعة فيه للآدميين وذكر الماء عاما فكان ماء السماء وماء الأنهار والآبار والقلات والبحار العذب من جميعه والأجاج سواء في أنه يطهر من توضأ واغتسل به
وقال في قوله عز و جل فاغسلوا وجوهكم لم أعلم مخالفا في أن الوجه المفروض غسله في الوضوء ما ظهر دون ما بطن وقال وكان معقولا أن الوجه ما دون منابت شعر الرأس إلى الأذنين واللحيين والذقن وفي قوله تعالى وايديكم إلى المرافق قال فلم أعلم مخالفا في أن المرافق فيما يغسل كأنهم ذهبوا إلى أن معناها فاغسلوا أيديكم إلى أن تغسل المرافق
وفي قوله تعالى وامسحوا برؤسكم قال وكان معقولا في الآية أن من مسح من رأسه شيئا فقد مسح برأسه ولم تحتمل الاية إلا هذا وهو أظهر معانيها أو مسح الرأس كله قال فدلت السنة على أن ليس على المرء مسح رأسه كله وإذا دلت السنة على ذلك فمعنى الآية أن من مسح شيئا من رأسه أجزأه (1/44)
وفي قوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين قال الشافعي نحن نقرؤها وأرجلكم على معنى اغسلوا وجوهكم وأيديكم ومأرجلكم وامسحوا برؤسكم قال ولم أسمع مخالفا في أن الكعبين اللذين ذكر الله عز و جل في الوضوء الكعبان الناتئان وهما مجمع مفصل الساق والقدم وأن عليهما الغسل كأنه يذهب فيهما إلى اغسلوا أرجلكم حتى تغسلوا الكعبين وقال في غير هذه الرواية والكعب إنما سمي كعبا لنتوئه في موضعه عما تحته وما فوقه ويقال للشيء المجتمع من السمن كعب سمن وللوجه فيه نتوء وجه كعب والثدي إذا تناهدا كعب
قال الشافعي رحمه الله في روايتنا عن أبي سعيد وأصل مذهبنا أنه يأتي بالغسل كيف شاء ولو قطعه لأن الله تبارك وتعالى قال حتى تغتسلوا فهذا مغتسل وإن قطع الغسل فلا أحسبه يجوز إذا قطع الوضوء إلا مثل هذا
قال الشافعي رحمه الله وتوضأ رسول الله كما أمر الله وبدأ بما بدأ الله به فأشبه والله أعلم أن يكون على المتوضئ في الوضوء شيئان أن يبدأ بما بدأ الله ثم رسوله به منه ويأتي على إكمال
ما أمر به وشبهه بقول الله عز و جل إن الصفا والمروة من شعائر الله فبدأ رسول الله بالصفا وقال نبدأ بما بدأ الله به قال الشافعي رحمه الله وذكر الله اليدين معا والرجلين معا فأحب أن نبدأ باليمنى وإن بدأ باليسرى فقد أساء ولا إعادة عليه (1/45)
وفي قول الله عز و جل إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم قال الشافعي رحمه الله فكان ظاهر الآية أن من قام إلى الصلاة فعليه أن يتوضأ وكانت محتملة أن تكون نزلت في خاص فسمعت بعض من أرضى علمه بالقرآن يزعم أنها نزلت في القائمين من النوم وأحسب ما قال كما قال لأن في السنة دليلا على أن يتوضأ من قام من نومه قال الشافعي رحمه الله فكان الوضوء الذي ذكره الله بدلالة السنة على من لم يحدث غائطا ولا بولا دون من أحدث غائطا أو بولا لأنهما نجسان يماسان بعض البدن يعني فيكون عليه الاستنجاء فيستنجي بالحجارة أو الماء قال ولو جمعه رجل ثم غسل بالماء كان أحب إلي ويقال إن قوما من الأنصار استنجوا بالماء فنزلت فيهم فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين قال الشافعي رحمه الله ومعقول إذ ذكر الله تعالى الغائط في آية الوضوء أن الغائط التخلي فمن تخلى وجب عليه الوضوء ثم ذكر الحجة من غير الكتاب في إيجاب الوضوء بالريح والبول والمذي والودي وغير ذلك مما يخرج من سبيل الحدث
في قوله تعالى أو لامستم النساء قال الشافعي ذكر الله عز و جل الوضوء على من قام إلى ا لصلاة فأشبه أن يكون من قام من مضجع النوم وذكر طهارة الجنب ثم قال بعد ذلك وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة وإنما ذكرها موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد والقبل غير الجنابة ثم استدل عليه بآثار ذكرها قال الربيع اللمس بالكف ألا ترى أن رسول الله نهى عن الملامسة والملامسة أن يلمس الرجل الثوب فلا يقلبه وقال الشاعر ... فألمست كفي كفه أطلب الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي ... فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت واعداني فبددت ما عندي ... (1/46)
هكذا وجدته في كتابي وقد رواه غيره عن الربيع عن الشافعي أنا أبو عبدالرحمن السلمي أنا الحسين بن رشيق المصري إجازة أنا أحمد بن محمد بن حرير النحوي قال سمعت الربيع بن سليمان يقول فذكر معناه عن الشافعي
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فأوجب الله
جل ثناؤه الغسل من الجنابة وكان معروفا في لسان العرب أن الجنابة الجماع وإن لم يكن مع الجماع ماء دافق وكذلك ذلك في حد الزنا وإيجاب المهر وغيره وكل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة عقل أنه أصابها وإن لم يكن مقترفا يعني أنه لم ينزل (1/47)
وبهذا الإسناد قال الشافعي وكان فرض الله الغسل مطلقا لم يذكر فيه شيئا يبدأ فيه قبل شيء فإذا جاء المغتسل بالغسل أجزأه والله أعلم كيفما جاء به وكذلك لا وقت في الماء في الغسل إلا أن يأتي بغسل جميع بدنه
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه قال الشافعي نزلت آية التيمم في غزوة بني المصطلق أنحل عقد لعائشة رضي الله عنها فأقام الناس على التماسه مع رسول الله وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأنزل الله عز و جل آية التيمم أخبرنا بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم ثم روي فيه حديث مالك وهو مذكور في كتاب المعرفة
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله قال الله تبارك وتعالى فتيمموا صعيدا طيبا قال وكل ما وقع عليه اسم صعيد لم يخالطه نجاسة فهو صعيد طيب يتيمم به ولا يقع اسم صعيد إلا على تراب ذي غبار فأما البطحاء
الغليظة والرقيقة والكثيب الغليظ فلا يقع عليه اسم صعيد (1/48)
وبهذا الإسناد قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى إذا قمتم إلى الصلاة الآية وقال في سياقها وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامحسوا بوجوهكم وأيديكم منه فدل حكم الله عزوجل على أنه أباح التيمم في حالين أحدهما السفر والإعواز من الماء والآخر المرض في حضر كان أو سفر ودل ذلك على أن على المسافر طلب الماء لقوله فلم تجدوا ماء فتيمموا وكان كل من خرج مجتازا من بلد إلى غيره يقع عليه اسم السفر قصر السفر أو طال ولم أعلم من السنة دليلا على أن لبعض المسافرين أن يتيمم دون بعض فكان ظاهر القرآن أن كل من سافر سفرا قريبا أو بعيدا يتيمم
قال وإذا كان مريضا بعض المرض تيمم حاضرا أو مسافرا أو واجدا للماء أو غير واجد له والمرض اسم جامع لمعان لأمراض مختلفة فالذي سمعت أن المرض الذي للمرء أن يتيمم فيه الجراح والقرح دون الغور كله مثل الجراح لأنه يخاف في كله إذا ما مسه الماء أن ينطف فيكون من النطف التلف والمرض المخوف
وقال في القديم رواية الزعفراني عنه يتيمم إن خاف إن مسه الماء التلف أو شدة الضنى وقال في كتاب البويطي فخاف إن أصابه الماء أن يموت أو يتراقى عليه إلى ما هو أكثر منها تيمم وصلى ولا إعادة عليه لأن الله تعالى أباح للمريض التيمم وقيل ذلك المرض الجراح والجدري وما كان في معناهما من المرض عندي مثلهما وليس الحمى وما أشبهها من الرمد وغيره عندي مثل ذلك قال الشافعي في روايتنا جعل الله المواقيت للصلاة فلم يكن لأحد أن يصليها قبلها وإنما أمر بالقيام إليها إذا دخل وقتها وكذلك أمر بالتيمم عند القيام إليها والإعواز من الماء فمن تيمم لصلاة قبل دخول وقتها وطلب الماء لها لم يكن له أن يصليها بذلك التيمم (1/49)
أخبرنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله وإنما قلت لا يتوضأ رجل بماء قد توضأ به غيره لأن الله جل ثناؤه يقول فاغسلوا وجوهكم وأيديكم فكان معقولا أن الوجه لا يكون مغسولا إلا بأن يبتدأ له بماء فيغسل به ثم عليه في اليدين عندي مثل ما عليه في الوجه من أن يبتدئ لهما ماء فيغسلهما به فلو أعاد عليهما الماء
الذي غسل به الوجه كان كأنه لم يسو بين يديه ووجهه ولا يكون مسويا بينهما حتى يبتدئ لهما الماء كما ابتدأ للوجه وأن رسول الله أخذ لكل عضو ماء جديدا (1/50)
وبهذا الإسناد قال الشافعي رحمه الله قال الله عز و جل فاغسلوا وجوهكم إلى وأرجلكم إلى الكعبين فاحتمل أمر الله تبارك وتعالى بغسل القدمين أن يكون على كل متوضئ واحتمل أن يكون علىبعض المتوضئين دون بعض فدل مسح رسول الله على الخفين أنها على من لاخفين عليه إذا هو لبسهما على كمال طهارة كما دل صلاة رسول الله صلاتين بوضوء واحد وصلوات بوضوء واحد على أن فرض الوضوء ممن قام إلى الصلاة على بعض القائمين دون بعض لا أن المسح خلاف لكتاب الله ولا الوضوء على القدمين زاد في روايتي عن أبي عبدالله عن أبي العباس عن الربيع عنه إنما يقال الغسل كمال والمسح رخصة كمال وأيهما شاء فعل
أنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية ودلت السنة على أن الوضوء من الحدث وقال الله عز و جل لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا الآية فكان الوضوء عاما في كتاب الله عز و جل من الأحداث وكان أمر الله الجنب بالغسل من الجنابة دليلا والله أعلم على أن لا يجب غسل إلا من جنابة إلا أن تدل على غسل واجب فنوجبه بالسنة بطاعة الله في الأخذ بها ودلت السنة على وجوب الغسل من الجنابة ولم أعلم دليلا بينا على أن يجب غسل غير الجنابة الوجوب الذي لا يجزئ غيره وقد روي في غسل يوم الجمعة شيء فذهب ذاهب إلى غير ما قلنا ولسان العرب واسع (1/51)
ثم ذكر ما روي فيه وذكر تأويله وذكر السنة التي دلت على وجوبه في الاختيار وفي النظافة ونفي تغير الريح عند اجتماع الناس وهو مذكور في كتاب المعرفة (1/52)
وفيما أنبأني أبو عبدالله إجازة عن الربيع قال قال الشافعي رحمه الله تعالى قال الله تبارك وتعالى ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض الآية فأبان أنها حائض غير طاهر وأمرنا أن لا نقرب حائضا حتى تطهر ولا إذا طهرت حتى تتطهر بالماء وتكون ممن تحل لها الصلاة
وفي قوله عز و جل فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله قال الشافعي قال بعض أهل العلم بالقرآن فأتوهن من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن يعني في مواضع الحيض وكانت الآية محتملة لما قال ومحتملة أن اعتزالهن اعتزال جميع أبدانهن ودلت سنة رسول الله على اعتزال ما تحت الإزار منها وإباحة ما فوقها
قال الشافعي وكان مبينا في قول الله عز و جل حتى يطهرن أنهن حيض في غير حال الطهارة وقضى الله على الجنب أن لا يقرب الصلاة حتى يغتسل فكان مبينا أن لا مدة لطهارة الجنب إلا الغسل ولا مدة لطهارة الحائض إلا ذهاب الحيض ثم الغسل لقول الله عز و جل حتى يطهرن وذلك انقضاء الحيض فأذا تطهرن يعني بالغسل لأن السنة دلت على أن طهارة الحائض الغسل ودلت على بيان ما دل عليه كتاب الله من أن لا تصلي الحائض فذكر حديث عائشة رضي الله عنها ثم قال وأمر النبي عائشة رضي الله عنها أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري يدل على أن لا تصلي حائضا لأنها غير طاهر ما كان الحيض قائما ولذلك قال الله عز و جل حتى يطهرن (1/53)
قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى الآيتين فلما لم يرخص الله في أن تؤخر الصلاة
في الخوف وأرخص أن يصليها المصلي كما أمكنته رجالا وركبانا وقال إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وكان من عقل الصلاة من البالغين عاصيا بتركها إذا جاء وقتها وذكرها وكان غير ناس لها وكانت الحائض بالغة عاقلة ذاكرة للصلاة مطيقة لها وكان حكم الله أن لا يقربها زوجها حائضا ودل حكم رسول الله على أنه إذ احرم على زوجها أن يقربها للحيض حرم عليها أن تصلي كان في هذا دليل على أن فرض الصلاة في أيام الحيض زائل عنها فإذا زال عنها وهي ذاكرة عاقلة مطيقة لم يكن عليها قضاء الصلاة وكيف تقضي ما ليس بفرض عليها بزوال فرضه عنها وهذا مالم أعلم فيه مخالفا (1/54)
أخبرنا أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ رحمه الله نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي ومما نقل بعض من سمعت منه من أهل العلم أن الله عز و جل أنزل فرضا في الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس فقال يا أيها المزمل قم الليل
إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ثم نسخ هذا في السورة معه فقال إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك قرأ إلى وآتوا الزكاة قال الشافعي ولما ذكر الله عز و جل بعد أمره بقيام الليل نصفه إلا قليلا أو الزيادة عليه فقال أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك فخفف فقال علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه كان بينا في كتاب الله عز و جل نسخ قيام الليل ونصفه والنقصان من النصف والزيادة عليه بقوله عز و جل فاقرؤوا ما تيسر منه ثم احتمل قول الله عز و جل فاقرؤوا ما تيسر منه معنيين أحدهما أن يكون فرضا ثابتا لأنه أزيل به فرض غيره والآخر أن يكون فرضا منسوخا أزيل بغيره كما أزيل به غيره وذلك لقول الله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك الآية (1/55)
واحتمل قوله ومن الليل فتهجد به نافلة لك أن يتهجد بغير الذي فرض عليه مما تيسر منه فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين فوجدنا سنة رسول الله تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس فصرنا إلى أن الواجب الخمس وأن ما سواها من واجب من صلاة قبلها منسوخ بها استدلالا بقول الله عز و جل ومن الليل فتهجد به نافلة لك فإنها ناسخة لقيام الليل ونصفه وثلثه وما تيسر ولسنا نحب لأحد ترك أن يتهجد بما يسره الله عليه من كتابه مصليا به وكيفما أكثر فهو أحب إلينا ثم ذكر حديث طلحة بن عبيدالله وعبادة بن الصامت في الصلوات الخمس (1/56)
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس أنا الربيع قال قال لنا الشافعي رحمه الله فذكر معنى هذا بلفظ آخر ثم قال ويقال نسخ ما وصفت المزمل بقول الله عز و جل أقم الصلاة لدلوك الشمس ودلوك الشمس زوالها إلى غسق الليل العتمة وقرآن الفجر الصبح إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به
نافلة لك فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة وأن الفرائض فيما ذكر من ليل أو نهار قال الشافعي ويقال في قول الله عز و جل فسبحان الله حين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الصبح وله الحمد في السموات والأرض وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر قال الشافعي وما أشبه ما قيل في هذا بما قيل والله أعلم (1/57)
وبه قال قال الشافعي أحكم الله عز و جل لكتابه أن ما فرض من الصلوات موقوت والموقوت والله أعلم الوقت الذي نصلي فيه وعددها فقال جل ثناؤه إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا
وبهذا الإسناد قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قال يقال نزلت قبل تحريم الخمر وأيما كان نزولها قبل تحريم الخمر
أو بعده فمن صلى سكران لم تجز صلاته لنهي الله عز و جل إياه عن الصلاة حتى يعلم ما يقول وإن معقولا أن الصلاة قول وعمل وإمساك في مواضع مختلفة ولا يؤدي هذا كما أمر به إلا من عقله (1/58)
وبهذا الإسناد قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا وقال إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله فذكر الله الأذان للصلاة وذكر يوم الجمعة فكان بينا والله أعلم أنه أراد المكتوبة بالآيتين معا وسن رسول الله الأذان للمكتوبات ولم يحفظ عنه أحد علمته أنه أمر بالأذان لغير صلاة مكتوبة
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي ثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ورفعنا لك ذكرك قال لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله قال الشافعي يعني
والله أعلم ذكره عند الإيمان بالله والأذان ويحتمل ذكره عند تلاوة القرآن وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية (1/59)
واحتج في فضل التعجيل بالصلوات بقول الله عز و جل أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ودلوكها ميلها وبقوله أقم الصلاة لذكري وبقوله حافظوا على الصلوات والمحافظة على الشيء تعجيله
وقال في موضع آخر ومن قدم الصلاة في أول وقتها كان أولى بالمحافظة عليها ممن أخرها عن أول وقتها
وقال في قوله والصلاة الوسطى فذهبنا إلى أنها الصبح وكان أقل ما في الصبح إن لم تكن هي أن تكون مما أمرنا بالمحافظة عليه
وذكر في رواية المزني وحرملة حديث أبي يونس مولى عائشة رضي الله عنها أنها أملت عليه حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ثم قالت سمعتها من رسول الله قال الشافعي فحديث عائشة يدل على أن الصلاة الوسطى ليست صلاة
العصر قال واختلف بعض اصحاب رسول الله فروي عن علي وروي عن ابن عباس أنها الصبح وإلى هذا نذهب وروي عن زيد بن ثابت الظهر وعن غيره العصر وروي فيه حديثا عن النبي (1/60)
قال الشيخ الذي رواه الشافعي في ذلك عن علي وابن عباس فيما رواه مالك في الموطأ عنهما فيما بلغه ورويناه موصولا عن ابن عباس وابن عمر وهو قول عطاء وطاووس ومجاهد وعكرمة وروينا عن عاصم عن زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه قال كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله يوم الأحزاب يقول
شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر حتى غابت الشمس ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا
وروايته في ذلك عن النبي صحيحة عن عبيدة السلماني وغيره عنه وعن مرة عن ابن مسعود وبه قال أبي بن كعب وأبو أيوب وأبو هريرة وعبدالله
ابن عمرو وهو في إحدى الروايتين عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنهم (1/61)
وقرأت في كتاب حرملة عن الشافعي في قول الله عز و جل إن قرآن الفجر كان مشهودا فلم يذكر في هذه الآية مشهودا غيره والصلوات مشهودات فأشبه أن يكون قوله مشهودا بأكثر مما تشهد به الصلوات أو أفضل أو مشهودا بنزول الملائكة يريد صلاة الصبح
أنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله فرض الله تبارك وتعالى الصلوات وأبان رسول الله عدد كل واحدة منهن ووقتها وما يعمل فيهن وفي كل واحدة منهن وأبان الله عز و جل أن منهن نافلة وفرضا فقال لنبيه ومن اليل فتهجد به نافلة لك الآية ثم أبان ذلك رسول الله
فكان بينا والله أعلم إذا كان من الصلاة نافلة وفرض وكان الفرض منها مؤقتا أن لا تجزي عنه صلاة إلا بأن ينويها مصليا (1/62)
وبهذا الإسناد قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم قال الشافعي وأحب أن يقول حين يفتتح قبل أم القرآن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأي كلام استعاذ به أجزأه
وقال في الإملاء بهذا الإسناد ثم يبتدئ فيتعوذ ويقول أعوذ بالسميع العليم أو يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم أو أعوذ بالله أن يحضرون لقول الله عز و جل فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم
قال الشافعي في كتاب البويطي قال الله جل ثناؤه ولقد
آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم وهي أم القرآن أولها بسم الله الرحمن الرحيم (1/63)
أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق في آخرين قالوا أنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبدالمجيد عن ابن جريج قال أخبرني أبي عن سعيد بن جبير في قوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم قال هي أم القرآن قال أبي وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة قال سعيد وقرأها علي ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة قال ابن عباس فذخرها الله لكم فما أخرجها لأحد قبلكم
قال الشافعي في رواية حرملة عنه وكان ابن عباس يفعله يعني يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ويقول انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن وكان يقول كان النبي لا يعرف ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى لنبيه ورتل القرآن ترتيلا فأقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة وكلما زاد على أقل الإبانة في القرآن كان أحب إلي ما لم يبلغ أن تكون الزيادة فيه تمطيطا (1/64)
قرأت في كتاب المختصر الكبير فيما رواه أبو إبراهيم المزني عن الشافعي رحمه الله أنه قال أنزل الله عز و جل على رسوله فرض القبلة بمكة فكان يصلي في ناحية يستقبل منها البيت الحرام وبيت المقدس فلما هاجر إلى المدينة استقبل بيت المقدس موليا عن البيت الحرام ستة عشر شهرا وهو يحب لو قضى الله إليه باستقبال البيت الحرام لأن فيه مقام أبيه إبراهيم وإسماعيل وهو المثابة للناس والأمن وإليه الحج وهو المأمور به أن يطهر للطائفين والعاكفين والركع السجود مع كراهية رسول الله لما وافق اليهود فقال لجبريل عليه السلام لوددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فانزل الله عز و جل ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله يعني والله أعلم فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه فقال جبريل عليه السلام للنبي يا محمد أنا عبد مأمور
مثلك لا أملك شيئا فسل الله فسأل النبي ربه أن يوجهه إلى البيت الحرام وصعد جبريل عليه السلام إلى السماء فجعل النبي يديم طرفه إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل عليه السلام بما سأل فانزل الله عز و جل قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام إلى قوله فلا تخشوهم واخشوني (1/65)
في قوله وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم يقال يجدون فيما نزل عليهم أن النبي الأمي من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام يخرج من الحرم وتعو قبلته وصلاته مخرجه يعني الحرم
وفي قوله تعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر
المسجد الحرام وحيث ا كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة قيل في ذلك والله أعلم لا تستقبلوا المسجد الحرام من المدينة إلا وأنتم مستدبرون بيت المقدس وإن جئتم من جهة نجد اليمن فكنتم تستقبلون البيت الحرام وبيت المقدس إستقبلتم المسجد الحرام لا أن إرادتكم بيت المقدس وإن استقبلتموه باستقبال المسجد الحرام ولأنتم كذلك تستقبلون ما دونه ووراءه لا إرادة أن يكون قبلة ولكنه جهة قبلة (1/66)
وقيل لئلا يكون للناس عليكم حجة في استقبال قبلة غيركم
وقيل في تحويلكم عن قبلتكم التي كنتم عليها إلى غيرها وهذا أشبه ما قيل فيها والله أعلم لقول الله عز و جل سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها إلى قوله تعالى مستقيم فأعلم الله نبيه أن لا حجة عليهم في التحويل يعني لا يتكلم في ذلك أحد بشيء يريد الحجة إلا الذين ظلموا منهم لا أن لهم حجة لأن عليهم أن ينصرفوا عن قبلتهم إلى القبلة التي أمروا بها
وفي قوله تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول لقوله إلا لنعلم أن قد علمهم من يتبع الرسول وعلم الله كان قبل اتباعهم وبعده سواء (1/67)
وقد قال المسلمون فكيف بما مضى من صلاتنا ومن مضى منا فأعلمهم الله عز و جل أن صلاتهم إيمان فقال وما كان الله ليضيع إيمانكم الآية
ويقال إن اليهود قالت البر في استقبال المغرب وقالت النصارى البر في استقبال المشرق بكل حال فأنزل الله عز و جل فيهم ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب يعني والله أعلم وأنتم مشركون لأن البر لا يكتب لمشرك
فلما حول الله رسوله إلى المسجد الحرام
صلى رسول الله أكثر صلاته مما يلي الباب من وجه الكعبة وقد صلى من ورائها والناس معه مطيفين بالكعبة مستقبليها كلها مستدبرين ما وراءها من المسجد الحرام (1/68)
قال وقوله عز و جل فول وجهك شطر المسجد الحرام فشطره وتلقاؤه وجهته واحد في كلام العرب واستدل عليه ببعض ما في كتاب الرسالة
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي رحمه الله قال قال الله تبارك وتعالى ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ففرض عليهم حيث ما كانوا أن يولوا وجوههم شطره وشطره جهته في كلام ا لعرب إذا قلت أقصد شطر كذا معروف أنك تقول أقصد قصد عين كذا يعني قصد نفس كذا وكذلك تلقاءه وجهته أي أستقبل
تلقاءه وجهته وكلها بمعنى واحد وإن كانت بألفاظ مختلفة (1/69)
قال خفاف بن ندبة ... ألا من مبلغ عمرا رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو ...
وقال ساعدة بن جؤية ... أقول لأم زنباع أقيمي ... صدور العيس شطر بني تميم ...
وقال لقيط الإيادي ... وقد أظلكم من شطر ثغركم ... هول له ظلم تغشاكم قطعا ...
وقال الشاعر ... إن العسيب بهاداء مخامرها ... فشطرها بصر العينين مسحور ...
قال الشافعي رحمه الله يريد تلقاءها بصر العينين ونحوها تلقاء جهتها وهذا كله مع غيره من أشقارهم يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء إذا كان معاينا فبالصواب وإن كان
مغيبا فبالاجتهاد والتوجه إليه وذلك أكثر ما يمكنه فيه (1/70)
وقال الله تعالى وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر وقال تعالى وعلامات وبالنجم هم يهتدون
فخلق الله لهم العلامات ونصب لهم المسجد الحرام وأمرهم أن يتوجهوا إليه وإنما توجههم إليه بالعلامات التي خلق لهم والعقول التي ركبها فيهم التي استدلوا بها على معرفة العلامات وكل هذا بيان ونعمة منه جل ثناؤه
قال الشافعي ووجه الله رسوله إلى القبلة في الصلاة إلى بيت المقدس فكانت القبلة التي لا يحل قبل نسخها استقبال غيرها ثم نسخ الله قبلة بيت المقدس ووجهه إلى البيت فلا يحل لأحد استقبال بيت المقدس أبدا لمكتوبة ولا يحل أن يستقبل غير البيت الحرام وكل كان حقا في وقته وأطال الكلام فيه
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عيينة عن أبي نجيح عن مجاهد قال أقرب ما يكون
العبد من الله إذا كان ساجدا ألم تر إلى قوله واسجد واقترب يعني افعل واقرب قال الشافعي ويشبه ما قال مجاهد والله أعلم ما قال (1/71)
في رواية حرملة عنه في قوله تعالى يخرون للأذقان سجدا قال الشافعي واحتمل السجود أن يخر وذقنه إذا خر تلى الأرض ثم يكون سجوده على غير الذقن
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي فرض الله جل ثناؤه الصلاة على رسوله فقال إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة ووجدنا الدلالة عن رسول الله
بما وصفت من أن الصلاة على رسوله فرض في الصلاة والله أعلم فذكر حديثين ذكرناهما في كتاب المعرفة (1/72)
وأنا أبو محمد عبدالله بن يوسف الأصبهاني رحمه الله أنا أبو سعيد بن الأعرابي أنا الحسن بن محمد الزعفراني نا محمد بن إدريس الشافعي قال أنا مالك عن نعيم بن عبدالله المجمر أن محمد بن عبدالله بن زيد الأنصاري وعبدالله بن زيد هو الذي كان أري النداء بالصلاة أخبره عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال أتانا رسول الله في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عليك يا نبي الله فكيف نصلي عليك فسكت النبي حتى تمنينا أنه لم يسأله فقال رسول الله قولوا
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد
ورواه المزني وحرملة عن الشافعي وزاد فيه والسلام كما قد علمتم وفي هذا إشارة إلى السلام الذي في التشهد على النبي وذلك في الصلاة فيشبه أن تكون الصلاة التي أمر بها عليه السلام أيضا في الصلاة والله أعلم (1/73)
قال الشافعي رحمه الله في رواية حرملة والذي أذهب إليه من هذا حديث أبي مسعود عن النبي وإنما ذهبت إليه لأني رأيت الله عز و جل ذكر ابتداء صلاته على نبيه وأمر المؤمنين بها فقال إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وذكر صفوته من خلقه فأعلم أنهم أنبياؤه ثم ذكر صفوته من آلهم فذكر أنهم أولياء أنبيائه فقال إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين وكان حديث أبي مسعود أن ذكر الصلاة على محمد وآل محمد يشبه عندنا لمعنى الكتاب والله أعلم
قال الشافعي وإني لأحب أن يدخل مع آل محمد
أزواجه وذريته حتى يكون قد أتى ما ورى عن النبي (1/74)
قال الشافعي رحمه الله واختلف الناس في آل محمد فقال منهم قائل آل محمد أهل دين محمد ومن ذهب هذا المذهب أشبه أن يقول قال الله تعالى لنوح احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك وحكى فال إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح الآيةفأخرجه بالشرك عن أن يكون من أهل نوح
قال الشافعي والذي نذهب إليه في معنى هذه الآية أن قول الله عز و جل إنه ليس من أهلك يعني الذين أمرناك بحملهم معك فإن قال قائل وما دل على ما وصفت قيل قال الله عز و جل وأهلك إلا من سبق عليه القول فأعلمه أنه أمره بأن يحمل من أهله من لم يسبق عليه القول أنه أهل معصية
ثم بين له فقال إنه عمل غير صالح (1/75)
قال الشافعي وقال قائل آل محمد أزواج النبي محمد فكأنه ذهب إلى أن الرجل يقال له ألك أهل فيقول لا وإنما يعني ليست لي زوجة
قال الشافعي وهذا معنى يحتمله اللسان ولكنه معنى كلام لا يعرف إلا أن يكون له سبب كلام يدل عليه وذلك أن يقال للرجل تزوجت فيقول ما تأهلت فيعرف بأول الكلام أنه أراد تزوجت أو يقول الرجل أجنبت من أهلي فيعرف أن الجنابة إنما تكون من الزوجة فأما أن يبدأ الرجل فيقول أهلي ببلد كذا أو أنا أزور أهلي وأنا عزيز الأهل وأنا كريم الأهل فإنما يذهب الناس في هذا إلى أهل البيت
وذهب ذاهبون إلى أن آل محمد قرابة محمد التي ينفرد بها دون غيرها من قرابته
قال الشافعي رحمه الله وإذا عد من آل الرجل ولده
الذين إليه نسبهم ومن يأويه بيته من زوجه أو مملوكه أو مولى أو أحد ضمه عياله وكان هذا في بعض قرابته من قبل أبيه دون قرابته من قبل أمه وكان يجمعه قرابة في بعض قرابته من قبل أبيه دون بعض فلم يجز أن يستعمل على ما أراد الله عز و جل من هذا ثم رسول الله إلا بسنة رسول الله إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وإن الله حرم علينا الصدقة وعوضنا منها الخمس دل هذا على أن آل محمد الذين حرم الله عليهم الصدقة وعوضهم منها الخمس وقال الله عز و جل واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فكانت هذه الآية في معنى قول النبي إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وكان الدليل عليه أن لا يوجد أمر يقطع العنت ويلزم أهل العلم والله أعلم إلا الخبر عن رسول الله فلما فرض الله على نبيه أن يؤتي ذا القربى حقه وأعلمه أن لله خمسه وللرسول ولذي القربى فأعطى سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب دل ذلك على أن الذين أعطاهم رسول الله الخمس هم (1/76)
آل محمد الذين أمر رسول الله بالصلاة عليهم معه والذين اصطفاهم من خلقه بعد نبيه فإنه يقول إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين فاعلم أنه اصطفى الأنبياء صلوات الله عليهم وآلهم (1/77)
قال الشيخ رحمه الله قرأت في كتاب القديم رواية الزعفراني عن الشافعي في قوله عز و جل وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا فهذا عندنا على القراءة التي تسمع خاصة فكيف ينصت لما لا يسمع
وهذا قول كان يذهب إليه ثم رجع عنه في آخر عمره وقال يقرأ بفاتحة الكتاب في نفسه في سكتة الإمام قال أصحابنا ليكون جامعا بين الاستماع وبين قراءة الفاتحة بالسنة وإن قرأ مع الإمام ولم يرفع بها صوته لم تمنعه قراءته في نفسه من الاستماع لقراءة إمامه فإنما أمرنا بالإنصات عن الكلام ومالا يجوز في الصلاة وهو مذكور بدلائله في غير هذا الموضع
وقرأت في كتاب السنن رواية حرملة عن الشافعي رحمه الله قال قال الله تبارك وتعالى وقوموا لله قانتين قال الشافعي من خوطب بالقنوت مطلقا ذهب إلى أنه قيام في الصلاة وذلك أن القنوت قيام لمعنى طاعة الله عز و جل وإذا كان هكذا فهو موضع كف عن قراءة وإذا كان هكذا أشبه أن يكون قياما في صلاة لدعاء لا قراءة فهذا أظهر معانيه وعليه دلالة السنة وهو أولى المعاني أن يقال به عندي والله أعلم (1/78)
قال الشافعي رحمه الله وقد يحتمل القنوت القيام كله في الصلاة وروي عن عبدالله بن عمر قيل أي الصلاة قال طول القنوت وقال طاوس القنوت طاعة الله عز و جل
وقال الشافعي رحمه الله وما وصفت من المعنى الأول أولى المعاني به والله أعلم
قال فلما كان القنوت بعض القيام دون بعض لم يجز والله أعلم أن يكون إلا ما دلت عليه السنة من القنوت للدعاء دون القراءة
قال واحتمل قول الله عز و جل وقوموا لله قانتين قانتين
في الصلاة كلها وفي بعضها دون بعض فلما قنت رسول الله في الصلاة ثم ترك القنوت في بعضها وحفظ عنه القنوت في الصبح بخاصة دل هذا على أنه إن كان الله أراد بالقنوت القنوت في الصلاة فإنما أراد به خاصا (1/79)
واحتمل أن يكون في الصلوات في النازلة واحتمل طول القنوت طول القيام واحتمل القنوت طاعة الله واحتمل السكات
قال الشافعي ولا أرخص في ترك القنوت في الصبح قال لأنه إن كان اختيارا من الله ومن رسوله لم أرخص في ترك الاختيار وإن كان فرضا كان مما لا يتبين تركه ولو تركه تارك كان عليه أن يسجد للسهو كما يكون ذلك عليه لو ترك ا لجلوس في شيء
قال الشيخ في قوله احتمل السكات أراد السكوت عن كلام الآدميين وقد روينا عن زيد بن أرقم أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية قال فنهينا عن الكلام وأمرنا بالسكوت
وروينا عن أبي رجاء العطاردي أنه قال صلى بنا ابن عباس صلاة الصبح وهو أمير على البصرة فقنت ورفع يديه حتى لو أن رجلا بين يديه لرأى بياض إبطيه فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال هذه الصلاة التي ذكرها الله عز و جل في كتابه حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وقوموا لله قانتين (1/80)
أنا أبو علي الروذباري أنا إسماعيل الصفار نا الحسن بن الفضل بن السمح ثنا سهل بن تمام نا أبو الأشهب ومسلم بن زيد عن أبي رجاء فذكره وقال قبل الركوع
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى وقوموا لله قانتين فقيل والله أعلم قانتين مطيعين وأمر رسول الله بالصلاة قائما وإنما خوطب بالفرائض من أطاقها فإذا لم يطق القيام صلى قاعدا
وبهذا الإسناد قال الشافعي قال الله عز و جل وثيابك
فطهر قيل صل في ثياب طاهرة وقيل غير ذلك والأول أشبه لأن رسول الله أمر أن يغسل دم الحيض من الثوب يعني للصلاة (1/81)
قال الشيخ وقد روينا عن أبي عمر صاحب ثعلب قال قال ثعلب في قوله عز و جل وثيابك فطهر اختلف الناس فيه فقالت طائفة الثياب ههنا الساتر وقالت طائفة الثياب ههنا القلب
أخبرنا علي بن محمد بن عبدالله بن بشران عن أبي عمر فذكره
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى ثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله بدأ الله جل ثناؤه خلق آدم عليه السلام من ماء وطين وجعلهما معا طهارة وبدأ خلق ولده من ماء دافق فكان في ابتداء خلق آدم من الطاهرين اللذين هما الطهارة دلالة لابتداء خلق غيره أنه من ماء طاهر
لا نجس (1/82)
وقال في الإملاء بهذا الإسناد المني ليس بنجس لأن الله جل ثناؤه أكرم من أن يبتدئ الخلق من كرمهم وجعل منهم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأهل جنته من نجس فإنه يقول ولقد كرمنا بني آدم وقال جل ثناؤه وخلق الإنسان من نطفة ألم نخلقكم من ماء مهين
ولو لم يكن في هذا خبر عن النبي لكان ينبغي أن تكون العقول تعلم أن الله لا يبتدئ خلق من كرمه وأسكنه جنته من نجس فكيف مع ما فيه من الخبر عن النبي أنه كان يصلي في الثوب قد أصابه المني فلا يغسله إنما يمسح رطبا أو يحت يابسا على معنى التنظيف
مع ان هذا قول سعد بن أبي وقاص وابن عباس وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم (1/83)
أخبرنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا قال الشافعي فقال بعض أهل العلم بالقرآن في قول الله عز و جل ولا جنبا إلا عابري سبيل لا تقربوا موضع الصلاة قال وما أشبه ما قال بما قال لأنه لا يكون في الصلاة عبور سبيل إنما عبور السبيل في موضعها وهو المسجد فلا بأس أن يمر الجنب في المسجد مارا ولا يقيم فيه لقول الله عز و جل ولا جنبا إلا عابري سبيل
وبهذا الإسناد قال الشافعي لا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام فإن الله عز و جل يقول إنما المشركون
نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فلا ينبغي لمشرك أن يدخل المسجد الحرام بحال (1/84)
أخبرنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله ذكر الله تعالى الأذان بالصلاة فقال وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا وقال تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فأوجب الله عز و جل والله أعلم إتيان الجمعة وسن رسول الله الأذان للصلوات المكتوبات فاحتمل أن يكون أوجب إتيان صلاة الجماعة في غير الجمعة كما أمرنا بإتيان الجمعة وترك ا لبيع واحتمل أن يكون أذن بها لتصلى لوقتها
وقد جمع رسول الله مسافرا ومقيما خائفا وغير خائف وقال جل ثناؤه لنبيه وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك الآية والتي بعدها وأمر رسول الله من
جاء الصلاة أن يأتيها وعليه السكينة ورخص في ترك إتيان صلاة الجماعة في العذر بما سأذكره في موضعه (1/85)
فأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة أن لا يحل ترك أن تصلى كل مكتوبة في جماعة حتى لا تخلو جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن تصلى فيهم صلاة الجماعة
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال الشافعي رحمه الله ذكر الله تعالى الاستئذان فقال في سياق الآية وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم وقال وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فلم يذكر
الرشد الذي يستوجبون به أن ندفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ النكاح (1/86)
قال وفرض الله الجهاد فأبان رسول الله أنه على من استكمل خمس عشرة سنة بأن أجاز ابن عمر عام الخندق ابن خمس عشرة سنة ورده عام أحد ابن أربع عشرة سنة
قال فإذا بلغ الغلام الحلم والجارية المحيض غير مغلوبين على عقولهما وجبت عليهما الصلاة والفرائض كلها وإن كانا ابني أقل من خمس عشرة سنة وأمر كل واحد منهما بالصلاة إذا عقلها وإذا لم يفعلا لم يكونا كمن تركها بعد البلوغ وأدبا على تركها أدبا خفيفا
قال ومن غلب على عقله بعارض أو مرض أي مرض كان ارتفع عنه الفرض لقول الله تعالى واتقون يا أولي الألبا ب وقوله إنما يتذكر أولو الألباب وإن كان معقولا أن لا يخاطب بالأمر والنهي إلا من عقلهما (1/87)
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله وإذا صلت المرأة برجال ونساء وصبيان ذكور فصلاة النساء مجزئة وصلاة الرجال والصبيان الذكور غير مجزئة لأن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء وقصرهن عن أن يكن أولياء وغير ذلك فلا يجوز أن تكون امرأة إمام رجل في الصلاة بحال أبدا وبسط الكلام في هاهنا وفي كتاب القديم
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي
رحمه الله التقصير لمن خرج غازيا خائفا في كتاب الله عز و جل قال الله جل ثناؤه وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (1/88)
قال والقصر لمن خرج في غير معصية في السنة
قال الشافعي فأما من خرج باغيا على مسلم أو معاهد أو يقطع طريقا أو يفسد في الأرض أو العبد يخرج آبقا من سيده أو الرجل هاربا ليمنع دمه لزمه أوما في مثل هذا المعنى أو غيره من المعصية فليس له أن يقصر فإن قصر أعاد كل صلاة صلاها لأن القصر رخصة وإنما جعلت الرخصة لمن لم يكن عاصيا ألا ترى إلى
قول الله عز و جل فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه (1/89)
قال وهكذا لا يمسح على الخفين ولا يجمع الصلاة مسافر في معصية وهكذا لا يصلي لغير القبلة نافلة ولا تخفيف عمن كان سفره في معصية الله عز و جل
قال الشافعي رحمه الله وأكره ترك القصر وأنهى عنه إذا كان رغبة عن السنة فيه يعني لمن خرج في غير معصية
أنا أبو عبدالله الحافظ قال وقال الحسين بن محمد فيما أخبرت عنه أنا محمد بن سفيان نا يونس بن عبدالأعلى قال قال الشافعي رحمه الله في قوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة قال نزل بعسفان موضع بخيبر فلما ثبت أن
رسول الله لم يزل يقصر مخرجه من المدينة إلى مكة كانت السنة في التقصير فلو أتم رجل متعمد من غير أن يخطئ من قصر لم يكن عليه شيء فأما إن أتم متعمدا منكرا للتقصير فعليه إعادة الصلاة (1/90)
وقرأت في رواية حرملة عن الشافعي يستحب للمسافر أن يقبل صدقة الله ويقصر فإن أتم الصلاة عن غير رغبة عن قبول رخصة الله عز و جل فلا إعادة عليه كما يكون إذا صام في السفر لا إعادة عليه وقد قال عز و جل فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وكما تكون الرخصة في فدية الأذى فقد قال الله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية الآية فلو ترك الحلق والفدية لم يكن عليه بأس إذا لم يدعه رغبة عن رخصة
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا الربيع
ابن سليمان أنا الشافعي رحمه الله قال قال الله عز و جل وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية قال فكان بينا في كتاب الله أن قصر الصلاة في الضرب في الأرض والخوف تخفيف من الله عز و جل عن خلقه لا أن فرضا عليهم أن يقصروا كما كان قوله لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة رخصة لا أن حتما عليهم أن يطلقوهن في هذه الحالة وكما كان قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم يريد والله أعلم أن تتجروا في الحج لا أن حتما أن تتجروا وكما كان قوله ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت (1/91)
آبائكم لا أن حتما عليهم أن يأكلوا من بيوتهم ولا بيوت غيرهم وكما كان قوله والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة فلو لبسن ثيابهن ولم يضعنها ما أثمن وقول الله عز و جل ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج يقال نزلت ليس عليهم حرج بترك الغزو ولو غزوا ما حرجوا (1/92)
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى وشاهد ومشهود قال الشافعي أنا إبراهيم بن محمد حدثني صفوان بن سليم عن نافع بن جبير وعطاء بن يسار أن النبي قال شاهد يوم الجمعة ومشهود يوم عرفة
وبهذا الإسناد قال الشافعي قال الله عز و جل إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع والأذان الذي يجب على من عليه فرض الجمعة أن يذر عنده البيع الأذان الذي كان على عهد رسول الله وذلك الأذان الثاني بعد الزوال وجلوس الإمام على المنبر (1/93)
وبهذا الإسناد قال الشافعي ومعقول أن السعي في هذا الموضع العمل لا السعي على الأقدام قال الله عز و جل إن سعيكم لشتى وقال عز و جل ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن وقال وكان سعيكم مشكورا وقال تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقال وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها وقال زهير
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا ... وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل ... وهل يحمل الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل ... (1/94)
وبهذا الإسناد قال الشافعي قال الله عز و جل وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قال ولم أعلم مخالفا أنها نزلت في خطبة النبي يوم الجمعة
قال الشيخ في رواية حرملة وغيره عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر أن النبي كان يخطب يوم الجمعة
قائما فانفتل الناس إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا فأنزلت هذه الآية (1/95)
وفي حديث كعب بن عجرة دلالة على أن نزولها كان في خطيته قائما قال وفي حديث حصين بينما نحن نصلي الجمعة فإنه عبر بالصلاة عن الخطبة
وبهذا الإسناد قال قال الشافعي قال الله عز و جل وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك قال الشافعي فأمرهم خائفين محروسين بالصلاة فدل ذلك على أنه أمرهم بالصلاة للجهة التي وجوههم لها من القبلة
وقال تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فدل إرخاصه في أن يصلوا رجالا أو ركبانا على أن الحال التي أجاز لهم فيها أن يصلوا رجالا وركبانا من الخوف غير الحال الأولى التي
أمرهم فيها بأن يحرس بعضهم بعضا فعلمنا أن الخوفين مختلفان وأن الخوف الآخر الذي أذن لهم فيه أن يصلوا رجالا وركبانا لا يكون إلا أشد من الخوف الأول ودل على أن لهم أن يصلوا حيث توجهوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها في هذه الحال وقعودا على الدواب وقياما عل الأقدام ودلت على ذلك السنة فذكر حديث ابن عمر في ذلك (1/96)
أنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي في قوله عز و جل فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم قال فاحتمل أن يكونوا إذا سجدوا ما عليهم من السجود كله كانوا من ورائهم ودلت السنة على ما احتمل القرآن من هذا فكان أولى معانيه والله أعلم
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال قال ا لله تبارك وتعالى في شهر رمضان ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم قال فسمعت من
أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول لتكملوا العدة عدة صوم شهر رمضان ولتكبروا الله عند إكماله على ما هداكم وإكماله مغيب الشمس من آخر يوم من شهر رمضان وما أشبه ما قال بما قال والله أعلم (1/97)
أنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل أنا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن الآية وقال إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر الآية مع ما ذكر الله من الآيات في كتابه
قال الشافعي فذكر الله الآيات ولم يذكر معها سجودا إلا مع الشمس والقمر وأمر بأن لا يسجد لهما وأمر بأن يسجد له فاحتمل أمره أن يسجد له عند ذكر الشمس والقمر أن
أمر بالصلاة عند حادث في الشمس والقمر واحتمل أن يكون إنما نهى عن السجود لهما كما نهى عن عبادة ما سواه فدلت سنة رسول الله على أن يصلى لله عند كسوف الشمس والقمر فأشبه ذلك معنيين أحدهما أن يصلى عند كسوفهما لا يختلفان في ذلك وثانيهما أن لا يؤمر عند آية كانت في غيرهما بالصلاة كما أمر بها عندهما لأن الله لم يذكر في شيء من الآيات صلاة والصلاة في كل حال طاعة لله تبارك وتعالى وغبطة لمن صلاها فيصلى عند كسوف الشمس والقمر صلاة جماعة ولا يفعل ذلك في شيء من الآيات غيرهما (1/98)
وبهذا الإسناد قال الشافعي أنا الثقة أن مجاهدا كان يقول
الرعد ملك والبرق أجنحة الملك يسقن السحاب قال الشافعي ما أشبه ما قال مجاهد بظاهر القرآن (1/99)
وبهذا الإسناد أنا الشافعي أنا الثقة عن مجاهد أنه قال ما سمعت بأحد ذهب البرق ببصره كأنه ذهب إلى قوله تعالى يكاد البرق يخطف أبصارهم
قال وبلغني عن مجاهد أنه قال وقد سمعت من تصيبه الصواعق وكأنه ذهب إلى قول الله عز و جل ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وسمعت من يقول الصواعق ربما قتلت وأحرقت
وبهذا الإسناد قال أنا الشافعي أنا من لا أتهم نا العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن العباس قال ما هبت ريح قط إلا جثا النبي على ركبتيه وقال اللهم اجعلها رحمة ولا
تجعلها عذابا اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا قال ابن عباس في كتاب الله عز و جل إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا وأرسلنا عليهم الريح العقيم وقال وارسلنا الرياح لواقح وأرسلنا الرياح مبشرات (1/100)
ما يؤثر عنه في الزكاة (1/101)
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله في قوله عز و جل فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يرآءون ويمنعون الماعون قال الشافعي وقال بعض أهل العلم هي الزكاة المفروضة
أنا ابو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله عز و جل والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم فابان أن في الذهب والفضة زكاة وقول الله عز و جل ولا ينفقونها في سبيل الله يعني والله تعالى أعلم في سبيله التي فرض من الزكاة وغيرها
فأما دفن المال فضرب من إحرازه وإذا حل إحرازه بشيء حل بالدفن وغيره واحتج فيه بابن عمر وغيره (1/102)
أنا أبو سعيد نا أبو العباس نا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله الناس عبيد الله جل ثناؤه فملكهم ما شاء أن يملكهم وفرض عليهم فيما ملكهم ما شاء لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فكان فيما آتاهم أكثر مما جعل عليهم فيه وكل أنعم به عليهم جل ثناؤه وكان فيما فرض عليهم فيما ملكهم زكاة أبان أن في أموالهم حقا لغيرهم في وقت على لسان رسوله
فكان حلالا لهم ملك الأموال وحراما عليهم حبس الزكاة لأنه ملكها غيرهم في وقت كما ملكهم أموالهم دون غيرهم (1/103)
فكان بينا فيما وصفت وفي قول الله عز و جل خذ من أموالهم صدقة تطهرهم أن كل مالك تام الملك من حر له مال فيه زكاة وبسط الكلام فيه
وبهذا الإسناد قال الشافعي في أثناء كلامه في باب زكاة التجارة في قول الله عز و جل وآتوا حقه يوم حصاده وهذا دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزرع وإنما قصد إسقاط الزكاة عن حنطة حصلت في يده من غير زراعة
وبهذا الإسناد قال قال الشافعي قال الله عز و جل لنبيه خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم قال الشافعي والصلاة عليهم الدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم (1/104)
فحق على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ أن يدعو له وأحب أن يقول آجرك الله فيما أعطيت وجعلها لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت
أنا أبو عبدالله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا أنا أبو العباس أنا الربيع بن سليمان قال قال الشافعي قال الله عز و جل ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه يعني والله أعلم لستم بآخذيه لأنفسكم ممن لكم عليه حق فلا تنفقوا مما لم تأخذوا لأنفسكم يعني لا تعطوا ما خبث عليكم والله أعلم وعندكم الطيب
ما يؤثر عنه في الصيام (1/105)
قرأت في رواية المزني عن الشافعي أنه قال قال الله جل ثناؤه كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ثم أبان أن هذه الأيام شهر رمضان بقوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه
وكان بينا في كتاب الله عز و جل أنه لا يجب صوم إلا صوم شهر رمضان وكان علم شهر رمضان عند من خوطب باللسان أنه الذي بين شعبان وشوال
وذكره في رواية حرملة عنه بمعناه وزاد قال فلما علم الله الناس أن فرض الصوم عليهم شهر رمضان وكانت الأعاجم تعد الشهور بالأيام لا بالأهلة وتذهب إلى أن الحساب إذا عدت الشهور بالأهلة يختلف فأبان الله تعالى أن الأهلة هي المواقيت للناس
والحج وذكر الشهور فقال إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله فدل على أن الشهور للأهلة إذ جعلها المواقيت لا ما ذهبت إليه الأعاجم من العدد بغير الأهلة (1/106)
ثم بين رسول الله ذلك على ما أنزل الله عز و جل وبين أن الشهر تسع وعشرون يعني أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين وذلك أنهم قد يكونون يعلمون أن الشهر يكون ثلاثين فأعلمهم أنه قد يكون تسعا وعشرين وأعلمهم أن ذلك للأهلة
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أنا العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله تعالى في فرض الصوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر
فبين في الآية أنه فرض الصيام عليهم عدة وجعل لهم أن يفطروا فيها مرضى ومسافرين ويحصوا حتى يكملوا العدة
وأخبر أنه أراد بهم اليسر (1/107)
وكان قول الله عز و جل ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يحتمل معنيين
أحدهما أن لا يجعل عليهم صوم شهر رمضان مرضى ولا مسافرين ويجعل عليهم عددا إذا مضى السفر والمرض من أيام أخر
ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالفطر في هاتين الحالتين على الرخصة إن شاءوا لئلا يحرجوا إن فعلوا
وكان فرض الصوم والأمر بالفطر في المرض والسفر في آية واحدة ولم أعلم مخالفا أن كل آية إنما أنزلت متتابعة لا مفرقة وقد تنزل الآيتان في السورة مفرقتين فأما آية فلا لأن معنى الآية أنها كلام واحد غير منقطع يستأنف بعده غيره
وقال في موضع آخر من هذه المسألة لأن معنى الآية معنى قطع الكلام
فإذ صام رسول الله في شهر رمضان وفرض شهر رمضان إنما أنزل في الآية علمنا أن الآية بفطر المريض والمسافر رخصة (1/108)
قال الشافعي رحمه الله فمن أفطر أياما من رمضان من عذر قضاهن متفرقات أو مجتمعات وذلك أن الله عز و جل قال فعدة من أيام أخر ولم يذكرهن متتابعات
وبهذا الإسناد قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى وعلى الذين يطيقونه فدية فقيل يطيقونه كانوا يطيقونه ثم عجزوا فعليهم في كل يوم طعام مسكين
في كتاب الصيام وذلك بالإجازة قال والحال التي يترك بها الكبير الصوم أن يجهده الجهد غير المحتمل وكذلك المريض والحامل إن زاد مرض المريض زيادة بينة أفطر وإن كانت زيادته محتملة لم يفطر والحامل إذا خافت على ولدها أفطرت وكذلك المرضع إذا أضر بلبنها الإضرار البين وبسط الكلام في شرحه (1/109)
وقال في القديم رواية الزعفراني عنه سمعت من أصحابنا من نقلوا إذا سئل عن تأويل قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فكأنه يتأول إذا لم يطق الصوم الفدية
وقرأت في كتاب حرملة فيما روي عن الشافعي رحمه الله أنه قال جماع العكوف ما لزمه المرء فحبس عليه نفسه من شيء برا كان أو مأثما فهو عاكف (1/110)
واحتج بقوله عز و جل فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم وبقوله تعالى حكاية عمن رضي قوله ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون
قيل فهل للاعتكاف المتبرر أصل في كتاب الله عز و جل قال نعم قال الله عز و جل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد والعكوف في المساجد صبر الأنفس فيها وحبسها على عبادة الله تعالى وطاعته
ما يؤثر عنه في الحج (1/111)
وفيما أنبأنا أبو عبدالله الحافظ إجازة أنبأنا أبو العباس حدثهم قال أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله الآية التي فيها بيان فرض الحج على من فرض عليه هي قول الله تبارك وتعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وقال تعالى وأتموا الحج والعمرة لله
قال الشافعي أنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عكرمة قال لما نزلت ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه الآية قالت اليهود فنحن مسلمون فقال الله لنبيه فحجهم فقال لهم النبي حجوا فقالوا لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا فقال الله تعالى ومن كفر فإن الله غني عن
العالمين قال عكرمة ومن كفر من أهل الملل فإن الله غني عن العالمين (1/112)
قال الشافعي وما أشبه ما قال عكرمة بما قال والله أعلم لأن هذا كفر بفرض الحج وقد أنزله الله والكفر بآية من كتاب الله كفر
قال الشافعي أنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم عن ابن جريج قال قال مجاهد في قول الله ومن كفر قال هو فيما إن حج لم يره برا وإن جلس لم يره إثما
كان سعيد بن سالم يذهب إلى أنه كفر بفرض الحج قال ومن كفر بآية من كتاب الله عز و جل كان كافرا
وهذا إن شاء الله كما قال مجاهد وما قال عكرمة فيه أوضح وإن كان هذا واضحا
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى ولله على الناس حج البيت
من استطاع إليه سبيلا والاستطاعة في دلالة السنة والإجماع أن يكون الرجل يقدر على مركب وزاد يبلغه ذاهبا وجائيا وهو يقوى على المركب أو أن يكون له مال فيستأجر به من يحج عنه أو يكون له من إذا أمره أن يحج عنه أطاعه وأطال الكلام في شرحه (1/113)
وإنما أراد به الاستطاعة التي هي سبب وجوب الحج فأما الاستطاعة التي هي خلق الله تعالى مع كسب العبد فقد قال الشافعي في أول كتاب الرسالة
والحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكره بها
وقال بعد ذلك وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه
وقال في هذا الكتاب الناس متعبدون بأن يقولوا أو يفعلوا
ما أمروا أ ن ينتهوا إليه لا يجاوزونه لأنهم لم يعطوا أنفسهم شيئا إنما هو عطاء الله جل ثناؤه فنسأل الله عطاء مؤديا لحقه موجبا لمزيده (1/114)
وكل هذا فيما أنبأنا أبو عبدالله عن أبي العباس عن الربيع عن الشافعي
وله في هذا الجنس كلام كثير يدل على صحة اعتقاده في التعري من حوله وقوته وأنه لا يستطيع العبد أن يعمل بطاعة الله عز و جل إلا بتوفيقه وتوفيقه نعمته الحادثة التي بها يؤدى شكر نعمته الماضية وعطاؤه الذي به يؤدى حقه وهداه الذي به لا يضل من أنعم به عليه
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس أنا الربيع نا الشافعي في قوله تعالى الحج أشهر معلومات قال أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة ولا يفرض الحج إلا في
شوال كله وذي القعدة كله وتسع من ذي الحجة ولا يفرض إذا خلت عشر ذي الحجة فهو من شهور الحج والحج بعضه دون بعض (1/115)
وقال في قوله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فحاضره من قرب منه وهو كل من كان أهله من دون أقرب المواقيت دون ليلتين
وأنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله فيما بلغه عن وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبدالله بن سلمة عن علي في هذه الآية وأتموا الحج والعمرة لله قال أن يحرم الرجل من دويرة أهله
وأنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع نا الشافعي قال ولا يجب دم المتعة على المتمتع حتى يهل بالحج لأن الله جل ثناؤه يقول فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وكان بينا في كتاب الله عز و جل أن التمتع هو التمتع بالإهلال من العمرة إلى أن يدخل في الإحرام بالحج وأنه إذا دخل في الإحرام بالحج فقد أكمل التمتع ومضى التمتع وإذا مضى بكماله فقد وجب عليه دمه وهوقول عمرو بن دينار (1/116)
قال الشافعي ونحن نقول ما استيسر من الهدي شاة ويروى عن ابن عباس فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فيما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فإذا لم يصم صام بعد منى بمكة أو في سفره وسبعة أيام بعد ذلك
وقال في موضع آخر وسبعة في المرجع وقال في موضع آخر إذا رجع إلى أهله
أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي أنا ابن عيينة نا هشام عن طاووس فيما أحسب أنه قال الحجر من البيت وقال الله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق وقد طاف رسول الله من وراء الحجر (1/117)
قال الشافعي في غير هذه الرواية سمعت عددا من أهل العلم من قريش يذكرون أنه ترك من الكعبة في الحجر نحو من ستة أذرع
وقال في قوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه
أما الظاهر فإنه مأذون بحلاق الشعر للمرض والأذى في الرأس وإن لم يمرض (1/118)
أنبأني أبو عبدالله إجازة أن أبا العباس حدثهم أنا الربيع قال قال الشافعي رحمه الله في الحج في أن للصبي حجا ولم يكتب عليه فرضه إن الله جل ثناؤه بفضل نعمته أثاب الناس على الأعمال أضعافها ومن على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم ووفر عليهم أعمالهم فقال ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتنا من عملهم من شيء
فكما من على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن من عليهم بأن يكتب عليهم عمل البر في الحج وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى ثم استدل على ذلك بالسنة
أنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو العباس أن الربيع قال قال الشافعي رحمه الله قال الله تبارك وتعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا إلى قوله والركع السجود (1/119)
قال الشافعي المثابة في كلام العرب الموضع يثوب الناس إليه ويؤوبون يعودون إليه بعد الذهاب عنه وقد يقال ثاب إليه اجتمع إليه فالمثابة تجمع الاجتماع ويؤوبون يجتمعون إليه راجعين بعد ذهابهم عنه ومبتدئين قال ورقة بن نوفل يذكر البيت ... مثابا لأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الذوابل ... وقال خداش بن زهير النصري ... فما برحت بكر تثوب وتدعي ... ويلحق منهم أولون فآخر
قال الشافعي وقال الله تبارك وتعالى أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم يعني والله أعلم آمنا من صار إليه لا يتخطف اختطاف من حولهم (1/120)
وقال عز و جل لإبراهيم خليله عليه السلام وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق
قال الشافعي سمعت بعض من أرضى من أهل العلم يذكر أن الله عز و جل لما أمر بهذا إبراهيم عليه السلام وقف على المقام وصاح صيحة عباد الله أجيبوا داعي الله فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فمن حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته ووافاه من وافاه يقول لبيك داعي ربنا لبيك
وهذا من قوله وقال لإبراهيم خليله إجازة وما قبله قراءة
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس الأصم أنا الربيع قال سألت الشافعي عمن قتل من الصيد شيئا وهو محرم فقال من قتل من
دواب الصيد شيئا جزاه بمثله من النعم لأن الله تعالى يقول فجزاء مثل ما قتل من النعم والمثل لا يكون إلا لدواب الصيد (1/121)
فأما الطائر فلا مثل له ومثله قيمته إلا أنا نقول في حمام مكة اتباعا للآثار شاة
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع قال قال الشافعي في قوله عز و جل ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم والمثل واحد لا أمثال فكيف زعمت أن عشرة لو قتلوا صيدا جزوه بعشر أمثال
وجرى في كلام الشافعي في الفرق بين المثل وكفارة القتل أن الكفارة موقتة والمثل غير موقت فهو بالدية والقيمة أشبه (1/122)
واحتج في إيجاب المثل في جزاء دواب الصيد دون اعتبار القيمة بظاهر الآية فقال
قال الله عز و جل فجزاء مثل ما قتل من النعم وقد حكم عمر وعبدالرحمن وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل من النعم فحكم حاكمهم في النعامة ببدنة والنعامة لا
تساوي بدنة وفي حمار الوحش ببقرة وهو لا يساوي بقرة وفي الضبع بكبش وهو لا يساوي كبشا وفي الغزال بعنز وقد يكون أكثر ثمنا منها أضعافا ومثلها ودونها وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة وهما لا يساويان عناقا ولا جفرة (1/123)
فهذا يدلك على أنهم إنما نظروا إلى أقرب ما قتل من الصيد شبها بالبدن من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة
لاختلفت أحكامهم لاختلاف أسعار ما يقتل في الأزمان والبلدان (1/124)
أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق نا أبو ا لعباس أنا الربيع أنا الشافعي أنا سعيد بن سالم عن ابن جريج قال قلت لعطاء في قول الله عز و جل لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا قلت له من قتله خطأ أيغرم قال نعم يعظم بذلك حرمات الله ومضت به السنن
قال وأنا مسلم وسعيد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال رأيت الناس يغرمون في الخطأ
وروى الشافعي في ذلك حديث عمر وعبدالرحمن بن عوف
رضي الله عنهما في رجلين أجريا فرسيهما فأصابا ظبيا وهما محرمان فحكما عليه بعنز وقرأ عمر رضي الله عنه يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة (1/125)
وقاس الشافعي ذلك في الخطأ على قتل المؤمن خطأ قال الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة والمنع عن قتلها عام والمسلمون لم يفرقوا بين الغرم في الممنوع من الناس والأموال في العمد والخطأ
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال أصل الصيد الذي يؤكل لحمه وإن كان غيره يسمى صيدا ألا ترى إلى قول الله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم لأنه معقول عندهم أنه إنما يرسلونها على ما يؤكل أو لا ترى إلى قول الله عز و جل
ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم وقوله أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فدل جل ثناؤه على أنه إنما حرم عليهم في الإحرام من صيد البر ما كان حلالا لهم قبل الإحرام أن يأكلوه (1/126)
زاد في موضع آخر لأنه والله أعلم لا يشبه أن يكون حرم في الإحرام خاصة إلا ما كان مباحا قبله فأما ما كان محرما على الحلال فالتحريم الأول كاف منه
قال ولولا أن هذا معناه ما أمر رسول الله بقتل الكلب العقور والعقرب والغراب والحدأة والفأرة في الحل
والحرم ولكنه إنما أباح لهم قتل ما أضر مما لا يؤكل لحمه وبسط الكلام فيه (1/127)
أنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي أنا مسلم عن ابن جريج عن عطاء قال لا يفدي المحرم من الصيد إلا ما يؤكل لحمه
وفيما أنبأ أبو عبدالله إجازة أن العباس حدثهم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سعيد بن سالم عن ابن جريج قال قلت لعطاء في قول الله عفا الله عما سلف قال عفا الله عما كان في الجاهلية قلت وقوله ومن عاد فينتقم الله منه قال ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه وعليه في ذلك الكفارة
وشبه الشافعي رحمه الله في ذلك بقتل الآدمي والزنا وما فيهما وفي الكفر من الوعيد في قوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر
إلى قوله ويخلد فيه مهانا وما في كل واحد منهما من الحدود في الدنيا (1/128)
قال فلما أوجب الله عليهم الحدود دل هذا على أن النقمة في الآخرة لا تسقط حكما غيرها في الدنيا
أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق نا أبو العباس الأصم نا الربيع أنا الشافعي أنا سعيد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال كل شيء في القرآن فيه أو له أية شاء قال ابن جريج إلا قول الله عز و جل إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا فليس بمخير فيها
قال الشافعي كما قال ابن جريج وغيره في المحارب وغيره في هذه المسألة أقول
ورواه أيضا سعيد عن ابن جريج عن عطاء كل شيء في القرآن فيه أو أ و يختار منه صاحبه ما شاء (1/129)
واحتج الشافعي في الفدية بحديث كعب بن عجرة
وأنا أبو زكريا نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي أنا سعيد عن ابن جريج قال قلت لعطاء فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما قال من أجل انه أصابه في حرم يريد البيت كفارة ذلك عند البيت
فأما الصوم فأخبرنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي فإن جزاه بالصوم صام حيث شاء لأنه لا منفعة لمساكين الحرم في صيامه
واحتج في الصوم فيما أنبأني أبو عبدالله الحافظ إجازة عن أبي العباس عن ا لربيع عن الشافعي فقال أذن الله للمتمتع أن يكون صومه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولم يكن في الصوم منفعة لمساكين الحرم وكان على بدن الرجل فكان عملا بغير وقت فيعمله حيث شاء (1/130)
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال الإحصار الذي ذكره الله تبارك وتعالى في القرآن فقال فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي نزل يوم الحديبية وأحصر النبي بعدو
فمن حال بينه وبين البيت مرض حابس فليس بداخل في معنى الآية لأن الآية نزلت في الحائل من العدو والله أعلم
وعن ابن عباس لا حصر إلا حصر العدو وعن ابن عمر وعائشة معناه (1/131)
قال الشافعي ونحر رسول الله في الحل وقد قيل نحر في الحرم
وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم لأن الله تعالى يقول وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله والحرم كله محله عند أهل العلم
فحيث ما أحصر الرجل قريبا كان أو بعيدا بعدو حائل مسلم أو كافر وقد أحرم ذبح شاة وحل ولا قضاء عليه إلا
أن يكون حجه حجة الإسلام فيحجها من قبل قول الله عز و جل فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولم يذكر قضاء (1/132)
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله جل ثناؤه أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وقال وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا
قال الشافعي فكل ما كان فيه صيد في بئر كان أو في
ماء مستنقع أو عين وعذب ومالح فهو بحر في حل كان أو حرم من حوت أو ضربه مما يعيش في الماء أكثر عيشه فللمحرم والحلال أن يصيبه ويأكله (1/133)
فأما طائره فإنه يأوي إلى أرض فيه فهو من صيد البر إذا أصيب جزي
أنا أبو عبدالله الحافظ قال وقال الحسين بن محمد الماسرجسي فيما أخبرني عنه أبو محمد بن سفيان أنا يونس بن عبدالأعلى قال قال الشافعي رحمه الله تعالى في قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض
الناس قال كانت قريش وقبائل لا يقفون بعرفات وكانوا يقولون نحن الحمس لم نسب قط ولا دخل علينا في الجاهلية وليس نفارق الحرم وكان سائر الناس يقفون بعرفات فأمرهم الله عز و جل أن يقفوا بعرفة مع الناس (1/134)
قال وقال لي محمد بن إدريس الأيام المعلومات أيام الشعر كلها والمعدودات أيام منى فقط زاد في كتاب البويطي ويظن أنه كذلك روي عن ابن عباس
ما يؤثر عنه في البيوع والمعاملات والفرائض والوصايا (1/135)
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى وأحل الله البيع وحرم الربا فاحتمل إحلال الله البيع معنيين
أحدهما أن يكون الرجل أحل كل بيع تبايعه المتبايعان جائزي الأمر فيما تبايعاه عن تراض منهما وهذا أظهر معانيه
والثاني أن يكون الله أحل البيع إذا كان مما لم ينه عنه رسول الله المبين عن الله عز و جل معنى ما أراد
فيكون هذا من الجملة التي أحكم الله فرضها بكتابه وبين كيف هي على لسان نبيه أو من العام الذي أراد به الخاص فبين رسول الله ما أريد بإحلاله منه وما حرم أو يكون داخلا فيهما أو من العام الذي أباحه إلا ما حرم على لسان نبيه منه وما في معناه كما كان الوضوء فرضا على كل متوضئ
لا خفين عليه لبسهما على كمال الطهارة (1/136)
وأي هذه المعاني كان فقد الزمه الله خلقه بما فرض من طاعة رسول الله
فلما نهى رسول الله عن بيوع تراضى بها المتبايعان استدللنا على أن الله أراد بما أحل من البيوع ما لم يدل على تحريمه على لسان نبيه دون ما حرم على لسانه
أنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس أنا الربيع أنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل وقال جل ثناؤه وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته
قال وكان بينا في الآية الأمر بالكتاب في الحضر والسفر وذكر الله عز و جل الرهن إذا كانوا مسافرين فلم يجدوا كاتبا (1/137)
وكان معقولا والله أعلم فيها أنهم أمروا بالكتاب والرهن احتياطا لمالك الحق بالوثيقة والمملوك عليه بأن لا ينسى ويذكر لا أنه فرض عليهم أن يكتبوا أو يأخذوا رهنا لقول الله عز و جل فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته
قال الشافعي وقول الله عز و جل إذا تداينتم بدين إلى أجل يحتمل كل دين ويحتمل السلف خاصة وقد ذهب فيه ابن عباس إلى أنه في السلف وقلنا به في كل دين قياسا عليه
لأنه في معناه (1/138)
أنا أبو سعيد أنا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله تبارك وتعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم
قال فدلت الآية على أن الحجر ثابت على اليتامى حتى يجمعوا خصلتين البلوغ والرشد
فالبلوغ استكمال خمس عشرة سنة الذكر والأنثى في ذلك سواء إلا أن يحتلم الرجل أو تحيض المرأة قبل خمس عشرة سنة فيكون ذلك البلوغ
قال والرشد والله أعلم الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال وإنما يعرف إصلاح المال بأن يختبر اليتيم
وبهذا الإسناد قال قال الشافعي أمر الله بدفع أموالهما إليهما وسوى فيها بين الرجل والمرأة (1/139)
وقال وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون
فدلت هذه الآية على أن على الرجل أن يسلم إلى المرأة نصف مهرها كما كان عليه أن يسلم إلى الأجنبيين من الرجال ما وجب لهم وأنها مسلطة على أن تعفو عن مالها وندب الله عز و جل إلى العفو وذكر أنه أقرب للتقوى وسوى بين الرجل والمرأة فيما يجوز من عفو كل واحد منهما ما وجب له
وقال تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا
فجعل عليهن إيتاءهن ما فرض لهن وأحل للرجال كل ما طاب نساؤهم عنه نفسا (1/140)
واحتج أيضا بآية الفدية في الخلع وبآية الوصية والدين ثم قال وإذا كان هذا هكذا كان لها أن تعطي من مالها ما شاءت بغير إذن زوجها وبسط الكلام فيه
أنا أبو سعيد نا أبو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي أثبت الله عز و جل الولاية على السفيه والضعيف والذي
لا يستطيع أن يمل هو وأمر وليه بالإملاء عنه لأنه أقامه فيما لا غناء له عنه من ماله مقامه (1/141)
قال وقد قيل الذي لا يستطيع أن يمل يحتمل أن يكون المغلوب على عقله وهو أشبه معانيه والله أعلم
وبهذا الإسناد قال الشافعي رحمه الله ولا يؤجر الحر في دين عليه إذا لم يوجد له شيء قال الله جل ثناؤه وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة
أنا أبو سعيد أنا ابو العباس أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله عز و جل ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام (1/142)
فهذه الحبس التي كان أهل الجاهلية يحبسونها فأبطل الله عز و جل شروطهم فيها وأبطل رسول الله بإبطال الله عز و جل إياها
وهي أن الرجل كان يقول إذا نتج فحل إبلي ثم ألقح فأنتج منه فهو حام أي قد حمى ظهره فيحرم ركوبه ويجعل ذلك شبيها بالعتق له
ويقول في البحيرة والوصيلة على معنى يوافق بعض هذا
ويقول لعبده أنت حر سائبة لا يكون لي ولاؤك ولا علي عقلك (1/143)
وقيل إنه أيضا في البهائم قد سيبتك
فلما كان العتق لا يقع على البهائم رد رسول الله ملك البحيرة والوصيلة والحام إلى مالكه وأثبت العتق وجعل الولاء لمن اعتق السائبة وحكم له بمثل حكم النسب
وذكر في كتاب البحيرة في تفسير البحيرة أنها الناقة تنتج بطونا فيشق مالكها أذنها ويخلى سبيلها ويحلب لبنها في البطحاء ولا يستجيزون الانتفاع بلبنها
قال وقال بعضهم إذا كانت تلك خمسة بطون وقال بعضهم إذا كانت تلك البطون كلها إناثا (1/144)
قال والوصيلة الشاة تنتج الأبطن فإذا ولدت آخر بعد الأبطن التي وقتوا لها قيل وصلت أخاها
وقال بعضهم تنتج الأبطن الخمسة عناقين عناقين في كل بطن فيقال هذا وصيلة يصل كل ذي بطن بأخ له معه
وزاد بعضهم فقال وقد يوصلونها في ثلاثة أبطن وفي خمسة وفي سبعة
قال والحام الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين فيخلى ويقال قد حمى هذا ظهره فلا ينتفعون من ظهره بشيء
قال وزاد بعضهم فقال يكون لهم من صلبه أو ما أنتج مما خرج من صلبه عشر من الإبل فيقال قد حمى هذا ظهره (1/145)
وقال في السائبة ما قدمنا ذكره ثم قال وكانوا يرجون بأدائه البركة في أموالهم وينالون به عندهم مكرمة في الأخلاق مع التبرر بما صنعوا فيه وأطال الكلام في شرحه وهو منقول في كتاب الولاة من المبسوط
أنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو العباس أنا الربيع قال قال
الشافعي قال الله تبارك وتعالى وألوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله (1/146)
نزلت بأن الناس توارثوا بالحلف والنصرة ثم توارثوا بالإسلام والهجرة وكان المهاجر يرث المهاجر ولا يرثه من ورثته من لم يكن مهاجرا وهو أقرب إليه من ورثته فنزلت وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله على ما فرض لهم لا مطلقا
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ قال قال الحسين بن محمد فيما أخبرت أنا محمد بن سفيان نا يونس بن عبدالأعلى قال قال الشافعي في قوله عز و جل للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء
نصيب مما ترك الوالدان والأقربون نسخ بما جعل الله للذكر والأنثى من الفرائض (1/147)
وقال لي في قوله عز و جل وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين قسمة المواريث فليتق الله من حضر وليحضر بخير وليخف أن يحضر حين يخلف هو أيضا بما حضر غيره
وأنا أبو سعيد بن أبي عمرو نا أبو العباس الأصم أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله تعالى وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا
فأمر الله عز و جل أن يرزق من القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين الحاضرون القسمة ولم يكن في الأمر في الآية أن يرزق
من القسمة من مثلهم في القرابة واليتم والمسكنة ممن لم يحضر (1/148)
ولهذا أشباه وهي أن تضيف من جاءك ولا تضيف من لا يقصد قصدك ولو كان محتاجا إلا أن تطوع
وجعل نظير ذلك تخصيص النبي بالإجلاس معه أو ترويغه لقمة من ولي الطعام من مماليكه
قال الشافعي وقال لي بعض أصحابنا يعنى في الآية قسمة المواريث وقال بعضهم قسمة الميراث وغيره من الغنائم فهذا أوسع
وأحب إلي أن يعطوا ما طابت به نفس المعطي ولا يوقت ولا يحرمون
أنا أبو سعيد محمد بن موسى نا أبو العباس الأصم أنا الربيع قال قال الشافعي قال الله عز و جل كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين (1/149)
قال فكان فرضا في كتاب الله عز و جل على من ترك خيرا والخير المال أن يوصي لوالديه وأقربيه
وزعم بعض أهل العلم بالقرآن أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخة
واختلفوا في الأقربين غير الوارثين فأكثر من لقيت من أهل العلم وممن حفظت عنه قال الوصايا منسوخة لأنه إنما أمر بها إذا كانت إنما يورث بها فلما قسم الله الميراث كانت تطوعا
وهذا إن شاء الله كله كما قالوا (1/150)
واحتج الشافعي رحمه الله في عدم جواز الوصية للوارث بآية الميراث وبما روي عن النبي من قوله
لا وصية لوارث
واحتج في جواز الوصية لغير ذي الرحم بحديث عمران ابن الحصين أن رجلا أعتق ستة مملوكين له ليس له مال غيرهم فجزأهم النبي ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة
ثم قال والمعتق عربي وإنما كانت العرب تملك من