صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ البرهان في علوم القرآن - الزركشي ]
الكتاب : البرهان في علوم القرآن
المؤلف : محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي أبو عبد الله
الناشر : دار المعرفة - بيروت ، 1391
تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم
عدد الأجزاء : 4

والفرق أن المنصوب على المدح ان يكون المتصب لفظا يتضمن نفسه مدحا نحو هذا زيد عاقل قومه وفي الاختصاص لايقتضي اللفظ ذلك كقوله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فيمن نصب أهل العاشرة في وصف الجمع بالمفرد
يوصف الجمع بالمفرد قال تعالى ممن خلق الارض والسموات العلى فوصف الجمع بالمفرد
وقال تعالى ولله الأسماء الحسنى فوصف الآسماء وهي جمع اسم بالحسنى وهو مفرد تأنيث الأحسن
وكذلك قوله تعالى فما بال القرون الأولى فإن الأولى تأنيث الأول وهو صفة لمفرد
وإنما وصف الجمع بالمفرد لآن اللفظ المؤنث يجوز إطلاقه على جماعة المؤنث بخلاف لفظ المذكر وأما قوله تعالى وكنتم قوما بورا والبور الفاسد فقال الرماني هو بمعنى الجمع إلا أنه ترك جمعه في اللفظ لآنه مصدر وصف
وقد يوصف الجمع بالجمع ولا يوصف مفرد كل منهما بالمفرد ومنه فوجد فيها

(2/451)


رجلين يقتتلان فثنى الضمير ولا يقال في الواحد يقتتل
ومنه وأخر متشابهات و لا يقال وأخرى متشابهة الحادية عشر قد تدخل الواو على الجملة الواقعة صفة تأكيدا
ذكره الزمخشري وجعل منه قوله تعالى وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم قال الجملة صفة لقرية والقياس عدم دخول الواو فيها كما في قوله تعالى وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف
وقد أنكره عليه ابن مالك والشيخ أبو حيان وغيرهما والقياس مع الزمخشري لأن الصفة كالحال في المعنى
وزعم بعضهم أنه لايؤتى بالواو في الصفات إلا إذا تكررت النعوت وليس كذلك ومنه قوله تعالى ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وقوله تعالى آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين وتقول جاءني زيد والعالم

(2/452)


الثانية عشرة الصفة لاتقوم مقام الموصوف إلا على استكراه
لأنها إنما يؤتى بها للبيان والتخصيص أو المدح والذم وهذا في موضع الإطاله لا الاختصار فصار من باب نقص الغرض
وقال ابن عمرون عندي أن البيان حصل بالصفة والموصوف معا فحذف الموصوف بنقص الغرض ولأنه ربما أوقع لبسا ألا ترى أن قولك مررت بطويل يحتمل أنه رجل أو قوس أو غير ذلك إلا إذا ظهر أمره ظهورا يستغنى به عن ذكره كقوله تعالى وعندهم قاصرات الطرف عين
قال السخاوي ولا فرق في صفة النكرة بين أن يذكر معها أولا
قال ابن عمرون وليس قوله بشيء القسم الثالث البدل
والقصد به الإيضاح بعد الإبهام وهو يفيد البيان والتأكيد أما البيان فإنك إذا قلت رأيت زيدا أخاك بينت أنك تريد بزيد الآخ لاغير وأما التأكيد فلأنه

(2/453)


على نية تكرار العامل ألا ترى أنك إذا قلت ضربت زيدا جاز أن تكون ضربت رأسه أو يده أو جميع بدنه فإذا قلت يده فقد رفعت ذلك الإبهام فالبدل جار مجرى التأكيد الدلالة الأولى عليه أو المطابقة كما بدل الكل أو التضمن كما في بدل البعض أو الألتزام كما في بدل الاشمال فإذا قلت ضربت زيدا رأسه فكأنك قد ذكرت الرأس مرتين مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة وإذا قلت شربت ماء البحر بعضه فإنه مفهوم من قولك شربت ماء البحر أنك لم تشربه كله فجئت بالبعض تأكيدا
وهذا معنى قول سيبويه ولكنه بني الاسم تأكيدا وجرى مجرى الصفة في الإيضاح لأنك إذا قلت رأيت أبا عمرو زيدا ورأيت غلامك زيدا ومررت برجل صالح زيد فمن الناس من يعرفه بأنه غلامك أو بأنه رجل صالح ولا يعرف أنه زيد وعلى العكس فلما ذكرتهما أثبت باجتماعهما المقصود
وهذا معنى قول الزمخشري وإنما يذكر الآولى لتجوز التوطئة وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد
وقال ابن السيد ليس كل بدل يقصد به رفع الإشكال الذي يعرض في المبدل منه بل من البدل ما يراد به التأكيد وإن كان ما قبله غنيا عنه كقوله تعالى وإنك لتهدي إني صراط مستقيم صراط الله ألا ترى أنه لو لم يذكر الصراط الثاني لم يشك أجد أن الصراط المستقيم هو صراط الله وقد نص سيبويه على أن من البدل ما الغرض منه التأكيد ولهذا جوزوا بدل المضمر من المضمر كلقيته أباه انتهى

(2/454)


والفرق بينه وبين الصفة أن البدل في تقدير تكرار العامل وكأنه في التقدير من جملتين بدليل تكرر حرف الجر في قوله قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم وبدليل بدل النكرة من المعرفة والمظهر من المضمر وهذا مما يمتنع في الصفة فكما أعيدت اللام الجارة في الإسم فكذلك تكرار العامل الرافع او الناصب في تقدير التكرار وهو إن كان كذلك فلا يخرج عن أن يكون فيه تبيين للأول كالصفة
وقيل لأبي علي كيف يكون البدل إيضاحا للمبدل منه وهو من غير جملته فقال لما لم يظهر العامل في البدل وإنما دل عليه العامل في المبدل منه وارسل البدل بالمبدل منه في اللفظ جاز أن يوضحه
ومن فوائد البدل التبيين على وجه المدح فقولك هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان أبلغ من قولك فلان الآكرم والأفضل بذكره مجملا ثم مفصلا
وقال الأخفش والواحدي في بدل البعض من الكل نحو والله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا يسمى هذا بدل البيان لأن الأول يدل على العموم ثم يؤتى بالبدل إن اريد البعض
واعلم أن في كلام البدلين أعني بدل البعض وبدل الاشتمال بيانا وتخصيصا للمبدل منه وفائدة البدل أن ذلك الشيء يصير مذكورا مرتين إحداهما بالعموم والثانية بالخصوص ومن أمثلته قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين

(2/455)


آمنا برب العالمين رب موسى وهارون وقوله لصفعن بالناصية ناصية كاذبة وفائدة الجمع بينهما أن الاولى ذكرت للتخيص على ناصية والثانية على علة السفع ليشمل بذلك ظاهر كل ناصية هذه صفتها
ويجوز بدل المعرفة من المعرفة نحو الصراط المستقيم صراط الذين
وبدل النكرة من المعرفة نحو بالناصية ناصية كاذبة قال ابن يعيش ولا يحسن بدل النكرة من المعرفة حتى توصف كالآية لآن البيان مرتبط بهما جميعا والنكرة من النكرة كقوله تعالى إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا ز وكأسا دهاقا فحدائق وما بعدها بدل من مفازا
ومنه قوله تعالى وغرابيب سود فان سود بدل من غرابيب لآن الآصل سود غرابيب فغرابيب في الآصل صفة لسود ونزع الضمير منها وأقيمت مقام الموصوف ثم ابدل منها الذي كا موصوفا بها كقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا وقوله وشروه بثمن بخس دراهم معدودة فهذا بدل نكرة موصوفة من أخرى موصوفة فيها بيان الاولى
ومثل أبدال النكرة المجردة من مثلها مجردة وبدل المعرفة من النكرة وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله لآن صراط الله مبين إلى الصراط

(2/456)


المستقيم فإن مجيء الخاص والاخص بعد العام والآعم كثير ولهذا المعنى قال الحذاق في قوله تعالى وما يلفظ من قول إنه لو عكس فقيل ما يقول من لفظ لم يجز لآن القول اخص من اللفظ لاختصاصه بالمستعمل واللفظ يشمل المهمل الذي لا معنى له
وقد بجيء للاشتمال والفرق بينه وبين بدل البعص أن البدل في البعض جر في الاشتمال وصفا كقوله وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره فإن أذكره بمعنى ذكره وهو بدل من الهاء في أنسانيه العائدة إلى الحوت وتقديره وماأنساني ذكره إلا الشيطان
وقوله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ف قتال بدل من الشهر بدل الاشتمال لان الشهر يشتمل على القتال وعلى غيره كما كان زيد يشتمل على العقل وغيره وهو مؤكد لانهم لم يسالوا عن الشهر الحرام فانهم يعلمونه وإنما سألوا عن القتال فيه فجاء به تأكيدا
وقوله قتل أصحاب الاخدود النار فالنار بدل من الاخدود بدل اشتمال لآنه يشتمل على النار وغيرها والعائد محذوف تقديره الموقدة فيه
ومن بدل البعض قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا فالمستطيعون بعض الناس لاكلهم
وقال ابن برهان بل هذه بدل كل من كل واحتج بأن الله لم يكلف الحج من لايستطيعه فيكون المراد بالناس بعضهم على حد قوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا

(2/457)


لكم في انه لفظ عام اريد به خاص لان الناس في اللفظ الاول لو كان المراد به الاستغراق لما انتظم قوله بعده إن الناس فعلى هذا هو عنده مطابق لعدة المستطيعين في كميتهم وهم بعض الناس لاجميعهم
والصحيح ما صار عليه الجمهور لان باب البدل ان يكون في الثاني بيان ليس في الآول بأن يذكر الخاص بعد العام مبينا وموضحا
ولا بد في ابدال البعض من ضمير كقوله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ويجعل الخبيث بعضه على بعض
وقد يحذف لدليل كقوله ولله على الناس حج البيت من استطاع منهم وهو مراد بدليل ظهوره في الآية الأخرى وهي قوله وارزق اهله من الثمرات من آمن منهم ف من آمن بدل من أهله وهم بعضهم
وقد يأتي البدل لنقل الحكم عن مبدله نحو جاء القوم أكثرهم واعجبني زيد ثوبه وقال ابن عصفور ولا يصح غلمانه
وعدل عن البدل في قوله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لايعقلون لانه اريد الإخبار عنهم كلهم في الحال الثاني وهو ولو انهم صبروا فلو أبدل لأوهم بخلاف انك ان تقوم خير لك البدل ارجح
والبدل في تقدير تكرير العامل وليس كالصفة ولكنه في تقدير جملتين بدليل تكرير حرف الجر

(2/458)


قد يكرر عامله إذا كان حرف جر كقوله ومن النخل من طلعها قنوان دانية ف طلعها بدل اشتمال من النخل وكرر العامل فيه وهو من
وقوله تعالى قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم لمن آمن بدل بعض من كل من الذين استضعفوا لآن المؤمنين بعض المستضعفين وقد كرر اللام
وقوله ولولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة فقوله لبيوتهم بدل اشتمال من قوله لمن يكفر بالرحمن وجعل ابن عطية اللام الاولى للملك والثانية للاختصاص فعلى هذا يمتنع البدل لاختلاف معنى الحرفين
وقوله تعالى تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا لأولنا وآخرنا بدل من الضمير في لنا وقد اعيد معه العامل مقصودا به التفصيل ز
ومنه قراءة يعقوب وترى كل امة جاثية كل امة تدعى الى كتابها قال ابو الفتح جاز ابدال الثانية من الاولى لان في الثانية ذكر سبب الجثو
قيل ولم يظهر عامل البدل اذا كان حرف جر ايذانا فافتقار الثاني إلى الأول فان حروف الجر مفتقرة ولم يظهر الفعل اذا لو اظهروه لانقطع الثاني عن الآول بالكلية لأن الكلام مع الفعل قائم بنفسه

(2/459)


واعلم انه لاخلاف في جواز اطهار العامل في البدل اذا كان حرف جر كالايات السابقة فان كان رافعا او ناصبا ففيه خلاف والمجوزون احتجوا بقوله تعالى فاتقوا الله واطيعون واتقوا الذي امدكم بما تعلمون امدكم فيجوز ان يكون امدكم الثاني بدلا من امدكم الأول وقد يكون من ابدال الجملة من الجملة وتكون الثانية صلة الذي كالاولى ويجوز ان تكون الثانية شارحة للأولى كقولك ضربت راس زيد قذفته بالحجر ثم قوله تعالى ياقوم اتبعوا المرسلين اتبعو من لايسألكم ابدل قوله اتبعوا من لايسألكم من قوله اتبعوا المرسلين لانه اكثر تلطفا في اقتضاء اتباعهم وقوله تعالى ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب ف يلق مجزوم بحذل الالف لانه جواب الشرط ثم أبدل منه يضاعف له العذاب فبين بها الاثام ماهو
تقسيم البدل باعتبار آخر
ينقسم البدل باعتبار آخر الى بدل مفرد من مفرد وجملة من جملة وقد سبقا وجملة من مفرد كقوله تعالى كمثل آدم خلقه من تراب وقوله ما يقال لك الا ما قد قيل للرسل إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم وجاز اسناد يقال إلى ما علمت فيه كما جاز إسناد قيل في وإذا قيل إن وعد الله حق
ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا

(2/460)


إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وانتم تبصرون قال الزمخشري هذا الكلام كله في محل نصب بدلا من النجوى
ويبدل الفعل من الفعل الموافق له في المعنى مع زيادة بيان كقوله تعالى ومن يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب الآية
والرابع بدل المفرد من الجملة كقوله الم يروا كم اهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ف انهم بدل لان الإهلاك وعدم الرجوع بمعنى واحد
فإن قلت لو كان بدلا لكان معه الاستفهام
قيل هو بدل معنوي تنبيه في تكرار البدل
وقد يكرر البدل كقوله إلا تنصروه فقد نصره الله اذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه فقوله إذهما بدل من قوله إذ اخرجه الذين كفروا وقوله إذيقول لصاحبه بدل من لإذهما في الغار

(2/461)


تنبيه في إعراب كلمة آزر في سورة الانعام
أعربوا أزر من قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر بدلا قال ابن عبد السلام والبدل لا يكون إلا للبيان والأب لايلتبس بغيزة فكيف حسن البدل
والجواب أن الأب يطلق على الجد بدليل قوله أباني إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال آزر لدفع توهم المجاز
هذا كله إذا قلنا إن آزر اسم أبيه لكن في المعرب للجواليقي عن الزجاج لاخلاف ان اسم أبي إبراهيم تارح والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر وقيل آزر ذم في لغتهم وكأنه يامخطيء وهو من العجمي الذي وافق لفظه لفظ العربي نحو الإزار والإزرة قال تعالى أخرج شطأه فآزره
وعلى هذا فالوجه الرفع في قراءة آزر القسم الرابع عطف البيان
وهو كالنعت في الايضاح وإزالة الإشتراك الكائن فيه
وشرط صاحب الكشاف فيه أن يكون وضوحه زائدا على وضوح متبوعه

(2/462)


ورد ما قاله بان الشرط حصول زيادة الوضوح بسبب انضمام عطف البيان مع متبوعه لا أن الشرط كونه اوضح واشهر من الاول لان من الجائز ان يحصل باجتماع الثاني مع الاول زيادة وضوح لا تحصل حال انفراد كل واحد منهما كما في خالي ابو عبد الله زيد مع أن اللقب اشهر فيكون في كل واجد منهما خفاء بانفراده ويرفع بالانضمام
وقال سيبويه جعل ياهذا الحمد عطف بيان مع ان اسم الاشارة اعرف من المضاف الى ذي اللام
وقيل يشترط ان يكون عطف البيان معرفة والصحيح أنه ليس بشرط كقولك لبست ثوبا جبة
وقد اعرف الفارسي من شجرة مباركة زيتونه وكذا فكفارته إطعام عشرة مساكين وكذلك صاحب المفتاح في لاتتخذوا إلهين اثنين انما هو اله واحد
فان قلت ما الفرق بينه وبين الصفة قلت عطف البيان وضع ليدل على الايضاح باسم يختص به وان استعمل في الايضاح كالمدح في قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام فان البيت الحرام عطف بيان جيء به للمدح لا للايضاح وأما الصفة فوضعت لتدل على معنى حاصل في متبوعه وإن كانت في بعض الصور مفيدة للإيضاح للعلم بمتبوعها من غيرها
وكقوله تعالى إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله وقوله تعالى آيات بينات مقام إبراهيم

(2/463)


وزعم الزمخشري في قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وحدكم أن من وجدكم عطف بيان
وهو مردود فإن العامل إنما يعاد في البدل لا في عطف البيان
فان قلت ما الفرق بينه وبين البدل
قلت قال أبو جعفر النحاس ما علمت أحدا فرق بينهما إلا ابن كيسان فإن الفرق بينهما أن البدل يقرر الثاني في موضع الأول وكأنك لم تذكر الأول وعطف البيان أن تقدر أنك أن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني وإن ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول فجئت بالثاني مبينا للآول قائما له مقام النعت والتوكيد
قال وتظهر فائدة هذا في النداء تقول يا اخانا زيد اقبل على البدل كأنك رفعت الأول وقلت يازيد اقبل فإن اردت عطف البيان قلت يا أخانا زيد أقبل القسم الخامس ذكر الخاص بعدم العام
فيؤتى به معطوفا عليه بالواو وللتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من حنس العام تنززيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات وعلى هذا بني المتنبي قوله ... فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال

(2/464)


وابن الرومي أيضا حيث قال ... كم من أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علت برسول الله عدنان ...
وحكى الشيخ أثير الدين عن شيخه ابي جعفر بن الزبير أنه كان يقول إن هذا العطف يسمى بالتجريد كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفصيلا
وله شرطان ذكرهما ابن مالك أحدهما كون العف بالواو والثاني كون المعطوف ذا مزية وحكي قولين في العام المذكور هل يتناول الخاص المعطوف عليه أولا يتناوله فعلى القول الأول يكون هذا نظير مسألة نعم الرجل زيد على المشهور فيه وهو الظاهر من لفظ العام وعلى الثاني يكون عطف الخاص قرينه دالة على إرادة التخصيص في العام وأنه لم يتناوله وهو نظير بحث الاستثناء في نحو قولك قام القوم إلا زيدا من أن زيدا لم يدخل في القوم وقد يتقوى هذا بقوله ... ياحب ليلى لاتغير وازدد ... وانم كما ينمو الخضاب في اليد ...
وإن كان هذا ليس من العطف العام
وقد اشار الزمخشري الى القولين في سورة الشعراء في قوله في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم

(2/465)


وقد يقال آية الشعراء إنما جاز فيها الاحتمالان من جهة أن لفظ جنات وقع بلفظ التنكير ولم يعم الجنس وأما الآية السابقة فالاضافة تعم ولاينبغي أن يجعل من هذا قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان اما على قول ابي حنيفة ومحمد فواضح لأنهما يقولان إن النخل والرمان ليسا بفاكهة وأما على قول أبي يوسف فقوله فاكهة مطلق وليس بعام
ومن أمثلته قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى على القول بانها احدى الصلوات الخمس
قلنا إن المراد غيرها كالوتر والضحى والعيد فليس من هذا الباب
وقوله تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشمل كل عبادة ومنها الصلاة لكن خصها بالذكر إظهارا لمرتبتها لكونها عماد الدين
وقوله تعالى قل من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان عداوة الله راجعه الى عداوة حزبه فيكون جبريل كالمذكور اربع مرات فإنه اندرج تحت عموم ملائكته وتحت عموم رسله ثم عموم حزبه ثم خصوصه بالتنصيص عليه
ويجوز ان يكون عومل معاملة العدد فيكون الذكر ثلاثا وذكرهما بعد الملائكة مع كونهما من الجنس دليل على قصد التنويه بشرفهما على ان التفصيل

(2/466)


إن كان بسبب الإفراد فقد عدل للملائكة مثله بسبب الإضافة وقد يلحظ شرفهما على غيرهما
وأيضا فالخلاف السابق في أن ذكر بعض افراد العام بعد العام هل يدل على انه لم يدخل في العام فرارا من التكرار أو يدخل
وفائدته التوكيد وحكاه الروياني في البحر من كتاب الوصية وخرد عليه ما إذا اوصى رجل لزيد بدينار وبثلث ماله للفقراء وزيد فقير فهل يجمع له بين ما أوصى لديه وبين شيء من الثلث على ما أراد الوصي وجهان والأصح انه لايعطى غير الدينار لأنه بالتقدير قطع اجتهاد الوصي ز
قلت والقول بعدم دخوله تحت اللفظ هو قول ابي علي الفارسي وتلميذه ابن جني وعلى هذا القول فلا يحسن عد هذه الآية من هذا النوع
وأيضا فإذا اجتمع في الكلام معطوفان هل يجعل الآخر معطوفا على الأول او على ما يليه وقع في كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف تجويز اللأمرين
فذكر في قوله تعالى إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي أن مخرجا معطوف على فالق لا على يخرج فرارا من عطف الاسم على الفعل واخالفه ابن مالك وأوله
وذكر ايضا في قوله تعالى إلا ان يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة

(2/467)


وقضى الأمر على هذه القراءة انه معطوف على الله لأن قضاءه قديم
وذكر ايضا في قوله تعالى الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء حاصله أن قوله يأيها الناس إذا اريد به العموم كان قوله وخلق منها زوجها عطفا على مقدر أي انشأها واوجدها وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا يعني خلقكم من نفس هذه صفتها وإن اريد به المخاطبون بمكة كان قوله خلق عطفا على خلقكم وموجب ذلك الفرار من التكرار
وعلى هذا فيجوز ان يكون جبريل معطوفا على لفظ الجلالة فلا تكون الآية من هذا النوع ولو سلمنا بعطفه على رسله فكذلك لكن الظاهر أن المراد بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة فليسوا منه
وفي الآية سؤالان
أحدهما لم خص جبريل وميكائيل بالذكر الثاني لم قدم جبريل عليه والجواب عن الاول انه سبحانه وتعالى خصهما بالحياة فجبريل بالوحي الذي هو حياة القلوب وميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان ولانهما كانا سبب النزول في تصريح اليهود بعداوتهما
وعن الثاني أن حياة القلوب أعظم من حياة الأبدان ومن ثم قيل

(2/468)


عليك بالنفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان ...
ومنه قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان وغلط بعضهم من عد هذه الآية من هذا النوع من جهة أن فاكهة نكرة في سياق الاثبات فلا عموم لها
وهو غلط لأمرين أحدهما انها في سياق الإثبات وهو مقتضى العموم كما ذكره القاضي أبو الطيب الطبري
والثاني أنه ليس المراد بالخاص والعام هاهنا المصطلح عليه في الأصول بل كل ما كان الأول فيه شاملا للثاني
وهذا الجواب أحسن من الاول لعمومه بالنسبة الى كل مجموع يشتمل على متعدد
ولما لمح ابو حنيفة معنى العطف وهو المغايرة لم يحنث الحالف على أكل الفاكهة بأكل الرمان
ومنه قوله تعالى ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إذ الأمر والنهي من جملة الدعاء الى الخير
وقوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد والقصد تفضيل النبي صلى الله عليه و سلم وما نزل عليه إذ لايتم الإيمان إلا به
وقوله ولهم فيها منافع ومشارب

(2/469)


وقوله ولتجدنهم احرص الناس على حياة ومن الذين اشركوا ففائدة قوله ومن الذين اشركوا مع دخولهم في عموم الناس أن حرصهم على الحياة اشد لانهم كانوا لا يؤمنون بالبعث
وقوله الذين يؤمنون بالغيب فهذا عام وبلآخرة هم يوقنون وإن كان الإيمان بالغيب يشملها ولكن خصها لانكار المشركين لها في قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم
وقوله اقرأ بسم ربك الذي خلق فعم بقوله خلق جميع مخلوقاته ثم خص فقال خلق الإنسان من علق
وقوله تعالى إلا أن يكون ميته أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه عطف اللحم على الميته مع دخوله في عموم الميته لأن الميته كل ما ليس له ذكاة شرعية والقصد به التنبيه على شدة التحريم فيه تنبيه
ظاهر كلام الكثيرين تخصيص هذا العطف بالواو وقد سبق عن ابن مالك وآخرين مجيئه في أو في قوله ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه مع أن ظلم النفس

(2/470)


من عمل السوء فقيل هو بمعنى الواو والمعنى يظلم نفسه بذلك السوء حيث دساها بالمعصية وقوله تعالى ومن أطلم ممن افترى على الله كذبا او قال أوحي إلي فإن الوحي مخصوص بمزيد قبح من بين أنواع الأفتراء خص بالذكر تنبيها على مزيد العقاب فيه والإثم
وقوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا انفسهم مع أن فعل الفاحشة داخل فيه قيل أريد به نوع من انواع ظلم النفس وهو الربا أو كل كبيرة فخص بهذا الاسم تنبيها على زيادة قبحه وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب القسم السادس ذكر العام بعد الخاص
وهذا أنكر بعص الناس وجوده وليس بصحيح
والفائدة في هذا القسم واضحه والاحتمالان المذكوران في العام قبله ثابتان هنا أيضا ومنه قوله إن صلاتي ونسكي والنسك العبادة فهو أعم من الصلاة
وقوله ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب
وقوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم
وقوله إخبار عن نوع رب اغفرلي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات

(2/471)


وقوله فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير
وجعل الزمخشري منه قوله تعالى ومن يدبر الأمر بعد قوله قل من يرزقكم
واعلم أن هذين النوعين يقعان في الأفعال والأسماء لكن وقوعهما في الأفعال لا يأتي إلا في النفي وأما في الإثبات فليس من هذا الباب بل من عطف المطلق على المقيد أو المقيد على المطلق القسم السابع عطف أحد المترادفين على الآخر أو ما هو قريب منه في المعنى والقصد منه التأكيد
وهذا إنما يجيء عند اختلاف اللفظ وإنما يحسن بالواو ويكون في الجمل كقوله أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى
ويكثر في المفردات كقوله فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا
وقوله فلا يخاف ظلما ولا هضما لاتخاف دركا ولا تخشى

(2/472)


وقوله ثم عبس وبسر
وقوله إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله
وقوله لاتبقي ولا تذكر
وقوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه
وقوله لاترى فيها عوجا ولا أمتا قال الخليل العوج والأمت بمعنى واحد وقيل الآمت أن يغلظ مكان ويرق مكان قاله ابن فارس في المقاييس وهو راجع لما قاله الخليل
وقوله أنا لانسمع سرهم ونجواهم
وقوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا
وقوله إلا دعاء ونداء
وفرق الراغب بين النداء والدعاء بأن النداء قد يقال إذا قيل يا أو أيا ونحوه من غير أن يضم إليه الاسم والدعاء لايكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم نحو يافلان
وقوله إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا
وقوله وإذا يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض

(2/473)


وقوله لايمسنا فيها نصب ولايمسنا فيا لغوب فإن نصب مثل لغب وزنا ومعنى ومصدرا
وقوله أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة على قول من فسر الصلاة بالرحمة والآحسن خلافه وأن الصلاة للاعتناء وإظهار الشرف كما قاله الغزالي وغيره وهو قدر مشترك بين الرحمة والدعاء والاستغفار وعلى هذا فهو من عطف المتغايرين
وقال الزمخشري في قوله تعالى والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك إنهم هم المذكورون أولا وهو من عطف الصفة على الصفة
واعترض عليه بأن شرط عطف الصفة على الصفة تغاير الصفتين في المعنى تقول جاء زيد العالم والجواد والشجاع أي الجامع لهذه المعاني الثلاثة المتغايره ولا تقول زيد العالم والعالم فإنه تكرار والآية من ذلك لأن المعطوف عليه قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب والمعطوف قوله تعالى والذين يؤمنون بما انزل إليك والمنزل هو الغيب بعينه
ويحتمل أن يقال المعطوف عليه مطلق الغيب والمعطوف غيب خاص فيكون من عطف الخاص على العام
وجعل منه بعضهم قوله تعالى وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير فإن المراد بالكتاب المنير

(2/474)


هو الزبور ونقله على إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت كما تعطف النعوت بعضها على بعض وهذا يرده تكرار الباء فانه يشعر بالفصل لآن فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الاول والثاني وعدم التجوز في العطف الشيء على نفسه
والذي يظهر أنه للتأسيس وبيانه وجوه
أحدها أن قوله تعالى جاءتهم يعود الضمير فيه على المكذبين للنبي صلى الله عليه و سلم وعلى الذين من قبلهم فيكون النبي صلى الله عليه و سلم داخلا في المرسلين المذكورين والكتاب المنير هو القرآن وقوله تعالى ثم أخذت الذين كفروا معطوف على قوله تعالى فقد كذب الذين من قبلهم أي كذبوا ثم اخذتهم بقيام الحجة عليهم بالبينات وبالزبر والكتاب المنير وجاء تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف اعتراضا للاهتمام به وهو من ادق وجوه البلاغة ومثله في آية آل عمران قوله تعالى فقد كذب رسل من قبلك وقوله جاءوا انصراف من الخطاب إلى الغيبة كأنه قال جاء هؤلاء المذكورون فيكون النبي صلى الله عليه و سلم داخلا في الضمير وهو في موضع جئتم بالبينات فأقام الإخبار عن الغائب مقام المخاطب كقوله تعالى جرين بهم وفيه وجه من التعجب كأن المخاطب إذا استعظم الامر رجع الى الغيبة ليعم الإخبار به جميع الناس وهذا موجود في الآيتين
والثاني أن يكون على حذف مضاف كأنه قيل الكتاب المنير يعني القرآن

(2/475)


فيكون مثل قوله ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وهذا وجه حسن تنبيهات
الأول انكر المبرد هذا النوع ومنع عطف الشيء على مثله إذا لا فائدة فيه وأول ما سبق باختلاف المعنيين ولعله ممن ينكر أصل الترادف في اللغة كالعسكري وغيره
ما ذكرناه من تخصيص هذا النوع بالواو هو المشهور وقال ابن مالك وقد انيبت أو عنها كما في قوله تعالى نشوزا أو إعراضا ومن يكسب خطيئة او إثما
قال شيخنا وفيه نظر لامكان أن يراد بالخطيئة ما وقع خطأ وبالإثم ما وقع عمدا قلت ويدل له قوله تعالى قبل ذلك ومن يكسب إنما فإنما يكسبه على نفسه
وجعل منه بعضهم قوله صلى الله عليه و سلم اللهم إني أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك او انزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك او أستأثرت به في علم الغيب عندك
قلت ماذكره ابن مالك قد سبقه به ثعلب فيما حكاه ابن سيده في المحكم فقال ثعلب في قوله تعالى عذرا او نذرا العذر والنذر واحد

(2/476)


قال اللحياني وبعضهم يثقل
وعن الفراء أنه يجري في العطف بثم وجعل منه قوله ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه قال معناه وتوبوا إليه لان التوبة الاستغفار وذكر بعضهم أنه قد تجرد عن العطف وجعل منه قوله تعالى وغرابيب سود والغرابيب هي السود سبلا فجاجا الرحمن الرحيم وغير ذلك
الثالث مما يدفع وهم التكرار في مثل هذا النوع أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لايوجد عند انفراد أحدهما فإن التركيب يحدث معنى زائدا وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ القسم الثامن الإيضاح بعد الإبهام
ليرى المعنى في صورتين أو ليكون بيانه بعد التشوف إليه لانه يكون الذ للنفس وأشرف عندها وأقوى لحفظها وذكرها كقوله تعالى وقضينا إليه ذلك الآمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين

(2/477)


وقوله تعالى قل هو الله احد فإن وضع الضمير موضع الظاهر معناه البيان أو الحديث أو الأمر لله أحد مكفوا بها ثم فسر وكان أو قع في النفس من الإتيان به مفسرا من أول الأمر ولذلك وجب تقديمه وتفيد به الجملة المراد تعظيما له
وسيأتي عكسه في وضع الظاهر موضع المضمر
ومثله التفصيل بعد الإجمال كقوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم
وعكسه كقوله تعالى ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة
وقوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشرة فتم ميقات ربه اربعين ليلة وأعاد قوله أربعين وإن كان معلوما من الثلاثين والعشر أنها أربعون لنفي اللبس لأن العشر لما أتت بعد الثلاثين التي هي نص في المواعدة دخلها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة فأعاد ذكر الأربعين نفيا لهذا الاحتمال وليعلم أن جميع العدد للمواعدة
وهكذا قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة اعاد ذكر العشرة لما كانت الواو تجيء في بعض المواضع للإباحة وقوله كاملة تحقيق لذلك وتأكيد له
فإن قلت فإذا كان زمن المواعدة أربعين فلم كانت ثلاثين ثم عشرا

(2/478)


أجاب ابن عساكر في التكميل والإفهام بأن العشر إنما فصل من أولئك ليتحدد قرب انقضاء المواعدة ويكون فيه متأهبا مجتمع الرأي حاضر الذهن لآنه لو ذكر الآربعين أولا لكانت متساوية فإذا جعل العشر فيها إتماما لها استشعرت النفس قرب التمام وتجدد بذلك عزم لم يتقدم
قال وهذا شبيه بالتلوم الذي جعله الفقهاء في الآجال المضروبه في الاحكام ويفصلونه من أيام الأجل ولا يجعلونها شيئا واحدا ولعلهم استنبطوه من هذا
فإن قلت فلم ذكر في هذه السورة أعني الأعراف الثلاثين ثم العشر وقال في البقرة وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة ولم يفصل العشر منها
والجواب والله أعلم أنه قصد في الآعراف ذكر صفة المواعدة والإخبار عن كيفية وقوعها فذكر على صفتها وفي البقرة إنما ذكر الامتنان على بني إسرائيل بما أنعم به عليهم فذكر نعمة عليهم مجملة فقال وإذ فرقنا بكم البحر وإذا انجيناكم من آل فرعون
وأعلم أنه يخرج لنا مما سبق جوابان في ذكر العشرة بعد الثلاثة والسبعة إما الإجمال بعد التفصيل وإما رفع الالتباس ويضاف إلى ذلك أجوبه

(2/479)


ثالثها أنه قصد رفع ماقد يهجس في النفوس من أن المتمتع إنما عليه صوم سبعة أيام لا أكثر ثلاثة منها في الحج ويكمل سبعا إذا رجع
رابعها أن قاعدة الشريعة أن الجنسين في الكفارة لايجب على المكفر الجمع بينهما فلا يلزم الحالف أن يطعم المساكين ويكسوهم ولا المظاهر العتق والصوم فلما اختلف محل هذين الصومين فكانت ثلاثة في الحج وسبعة اذا رجع صارا باختلاف المحلين كالجنسين والجنسان لايجمع بينهما وأفادت هذه الزيادة وهي قوله تلك عشرة كاملة رفع ما قد يهجس في النفوس من أنه إنما عليه أحد النوعين إما الثلاثة وإما السبع
الخامس أن المقصود ذكر كمال لا ذكر العشرة فليست العشرة مقصودة بالذات لآنها لم تذكر إلا للإعلام بأن التفصيل المتقدم عشرة لأن ذلك من المعلوم بالضرورة وإنما ذكر لتوصف بالكامل الذي هو مطلوب في القصه
السادس أن في الكلام تقديما وتأخيرا والتقدير فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم وهذا وإن كان خلاف الآصل لكن الإشكال ألجأنا إليه
السابع أن الكفارات في الغالب إنما تجب متتابعة ككفارات الجنايات ولما فصل هاهنا بين صوم هذه الكفارة بالإفطار قبل صومها بذكر الفدية ليعلم أنها وإنما كانت منفصله فهي كالمتصله
فإن قلت فكفارة اليمين لاتجب متتابعة ومن جنس هذه الكفارة ما يجب على

(2/480)


المحرم إذا حلق ثلاث شعرات ومن عجز عن الفدية فإنه يصوم ثلاثة أيام ولا يشترط التتابع
قلت هي في حكم المتتابعة بالنسبة إلى الثواب إلا أن الشرع خفف بالتفريق
ثامنها أن السبع قد تذكر والمراد به الكثرة لا العدد والذي فوق الستة ودون الثمانية وروى أبو عمرو بن العلاء وابن الآعرابي عن العرب سبع الله لك الأجر أي أكثر ذلك يريدون التضعيف
وقال الآزهري في قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة هو جمع السبع الذي يستعمل للكثرة وإذا كان كذلك فاحتمل أن يتوهم ان المراد بالسبع ما هو أكثر من السبع ولفظها معطوف على الثلاثة بآلة الجمع فيفضي إلى الزيادة في الكفارة على العدد المشروع فيجب حينئذ رفع هذا الاحتمال بذكر الفذلكة وللعرب مستند قوي في إطلاق السبع والسبعة وهي تريد الكثرة ليس هذا موضع ذكره
تاسعها أن الثلاثة لما عطف عليها السبعة احتمل أن يأتي بعدها ثلاثة أو غيرها من الآعداد فقيد بالعشرة ليعلم أن المراد كمل وقطع الزيادة المفضية للتسلسل
عاشرها أن السبعة المذكورة عقب الثلاثة يحتمل أن تكون الثلاثة داخله فيها كما في قوله وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام أي مع اليومين اللذين خلق الأرض

(2/481)


فيها فلا بد من أعتقاد هنا التأويل ليندفع ظاهر التناقض فجاء التقييد بالعشرة لرفع توهم التداخل
وهذا الجواب أشار إليه الزمخشري ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ترجيحه وردده ابن أبي الإصبع بأن احتمال التداخل لايظن إلا بعددين منفصلين لم يأت بهما جملة فلو اقتصر على التفصيل احتمل ذلك فالتقييد مانع من هذا الاحتمال
وهذا أعجب منه فإن مجيء الجملة رافع لذلك الاحتمال
الحادي عشر أن حروف السبعة والتسعة مشتبهة فأزيل الآشكال بقوله تلك عشرة كاملة لئلا يقرءوها تسعة فيصير العدد اثني عشر ونظير هذا قوله صلى الله عليه و سلم إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا
فائدة في التأكيد بمائة إلا واحدا
التأكيد بمائة إلا واحدا لإزالة إلباس التسعة والتسعين بالسبعة والسبعين لكن مثل هذا مأمون في القرآن لآن الله حفظه القسم التاسع وضع الظاهر موضع المضمر
لزيادة التقرير والعجب أن البيانيين لم يذكروه في أقسام الإطناب

(2/482)


ومنه بيت الكتاب ... إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها ... سواقط من حر وقد كان أظهرا ...
ولو أتى على وجهة لقال إذا الوحش ضمها
وإنما يسأل عن حكمته إذا وقع في الجملة الواحدة فإن كان في جملتين مستقلتين كالبيت سهل الأمر لكن الجملتين فيه كالجملة الواحدة لأن الرافع للوحش الأول فعل محذوف كما يقول البصريون والفعل المذكور ساد مسد الفعل المحذوف حتى كأنه هو ولهذا لايجتمعان وإن قدر رفع الوحش بالابتداء فالكلام جملة واحدة
ويسهل عند اختلاف اللفظين كقوله ... إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت ... حبال الهو ينى بالفتى أن تقطعا ...
فاختلاف لفظين ظاهرين أشبها لفظي الظاهر والمضمر في اختلاف اللفظ وعليه قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ثم قال والذين يؤذون رسول الله ولم يقل يؤذونه مع ما في ذلك من التعظيم فالجمع بين الوصفين كقوله في الحديث نبيك الذي أرسلت وقوله ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير الاية فإنه قد تكرر اسم الله ظاهرا في هذه الجمل الثلاث ولم يضمر لدلالته على استقلال كل جملة منها وأنها لم تحصل مرتبطة ببعضها ارتباط ما يحتاج فيه إلى إضمار
وقوله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان

(2/483)


وفيه دلالة على أن الطاغوت هو الشيطان وحسن ذلك هنا تنبيها على تفسيره
وقال ابن السيد إن كان في جملتين حسن الإظهار والاضمار لان كل جملة تقوم بنفسها كقولك جاء زيد وزيد رجل فاضل وإن شئت قلت وهو رجل فاضل
وقوله مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته
وإن كان في جملة واحدة قبح الإظهار ولم يكد يوجد إلا في الشعر كقوله ... لاأرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا ...
قال وإذا اقترن بالاسم الثاني حرف الاستفهام بمعنى التعظيم والتعجب كان المناسب الإظهار كقوله تعالى الحاقة ماالحاقة و القارعة ما القارعة والإضمار جائز كقوله تعالى فأمه هاوية وما أدراك ماهية
الخروج على خلاف الأصل وأسبابه
واعلم أن الأصل في الأسماء أن تكون ظاهرة وأصل المحدث عنه كذلك والاصل أنه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق كما أن الأصل في الأسماء الإعراب وفي الأفعال البناء وإذا جرى المضارع مجرى الاسم أعرب كقوله تعالى فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون

(2/484)


وقوله تعالى فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لايحب الظالمين
وقوله تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا وللخروج على خلاف الآصل أسباب أحدها قصد التعظيم
كقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم
وقوله تعالى اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون
وقوله تعالى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون
وقوله تعالى لكنا هو الله ربي ولاأشرك بربي أحدا فأعاد ذكر لرب لما فيه من التعظيم ولهضم للخضم
وقوله تعالى الله أحد الله الصمد
وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد
هو الله ربي ولا أشرك بربي
كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا
بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا

(2/485)


وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا
وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب
وقوله تعالى الحاقة ما الحاقة القارعة ما القارعة كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم الحاقة ماهي
ومثله فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصاحب المشأمة ما أصاحب المشأمة تفخيما لما ينال الفريقين من جزيل الثواب ورأيم العقاب الثاني قصد الإهانة والتحقير
كقوله تعالى يأيها الذين آمنوا لاتتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان
وقوله تعالى أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان
وقوله إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا
وقوله تعالى وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون

(2/486)


وقول الشاعر ... فما للنوى لا بارك الله في النوى ... وعهد النوى عند الفراق ذميم ...
وسمع الأصمعي من ينشد ... فما للنوى جد النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطاعه للقرائن ... فقال لو قيض لهذا البيت شاة لآتت عليه الثالث الاستلذاذ بذكره
كقوله تعالى وبالحق أنزلناه وبالحق نزل إن كان الحق الثاني هو الاول
وقوله من كان يريد العزة فلله العزة جميعا
وقوله تعالى وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ولم يقل منها ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة وإن كان المراد بالآرض الجنة ولله در القائل ... كرر على السمع منى أيها الحادي ... ذكر المنازل والأطلال والنادي ...
وقوله ... يا مطربي بحديث من سكن الغضى ... هجت الهوى وقدحت في حراق ... كررت حديثك يا مهيج لوعتي ... إن الحديث عن الحبيب تلاق

(2/487)


الرابع زيادة التقدير
كقوله تعالى وبالحق انزلناه وبالحق نزل
وقوله الله الصمد بعد قوله الله أحد ويدل على إرادة التقدير سبب نزولها وهو ما نقل عن ابن عباس ان قريشا قالت يا محمد صف لنا ربك الذي تدعوننا إليه فنزل الله أحد معناه أن الذي سألمتموني وصفه هو الله ثم لما أريد تقدير كونه الله أعيد بلفظ الظاهر دون ضميره
وقوله إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون وقوله تعالى ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله
ويلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب الخامس
إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنه غير المراد
كقوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء لو قال تؤتيه لأوهم أنه الآول قاله ابن الخشاب
وقوله تعالى يظنون بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء كرر السوء

(2/488)


لانه لو قال عليهم دائرة لالتبس بأن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى قال الوزير المغربي في تفسيره
ونظيره الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وتبيينه الآول النطفه أو التراب والثاني الوجود في الجنين أو الطفل والثالث الذي بعد الشيخوخه وهو أرذل العمر والقوة الآولى التي تجعل للطفل التحرك والاهتداء للثدي والثانية بعد البلوغ قاله ابن الحاجب ويؤيد الغيرية التنكير
ونحو قوله تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا الآية لو قال إنه لآوهم عود الضمير إلى الفجر
وقوله تعالى يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها فلم يقل عنها لئلا يتحد الضميران فاعلا ومفعولا مع إن المظهر السابق لفظ النفس فهذا أبلغ من ضرب زيد نفسه
وكقوله تعالى ثم استخرجها من وعاء أخيه وإنما حسن إظهار الوعاء مع أن الاصل فاستخرجها منه لتقدم ذكره لانه لو قيل ذلك لآوهم عود الضمير على الأخ فيصير كأن الآخ مباشر لطلب خروج الوعاء وليس كذلك لما في المباشر من الآذى الذي تأباه النفوس الأبية فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا

(2/489)


لم يضمر الآخ فيقال ثم استخرجها من وعائه لأمرين
احدهما أن ضمير الفاعل في استخرجها ليوسف عليه السلام فلو قال من وعائه لتوهم أنه يوسف لأنه أقرب مذكور فأظهر لذلك
والثاني أن لأخ مذكور مضاف إليه ولم يذكر فيما تقدم مقصودا بالنسبة الإخبارية فلما احتيج إلى إعادة ما وأضيف إليه أظهره ايضا
وقوله تعالى يوم ترجف الارض والجبال وكانت الجبال
ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا اوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله السادس
أن يكون القصد تربية المهابة وإدخال الروعة في ضمير السامع بذكر الاسم المقتضى لذلك كما يقول الخليفة لمن يأمره بأمر أمير المؤمنين يأمرك بكذا مكان أنا أمرك بكذا
ومنه قوله تعالى الحاقة ما الحاقة
وقوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها إن الله يأمر بالعدل والإحسان
وقوله وقال الذين في النار لخزنة جهنم ولم يقل لخزنتها

(2/490)


السابع قصد تقوية داعية المأمور
كقوله تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ولم يقل على وحين قال على الله لم يقل إنه يحب أو إني أحب تقوية لداعية المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل عليه
وقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم الثامن تعظيم الأمر
كقوله تعالى أولم يرو كيف يبديء الله الحلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الحلق
وقوله هل أتى على الناس حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان ولم يقل خلقناه للتنبيه على عظم خلقه للإنسان
وقوله يوم ترجف الآرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا فإنما أعيد لفظ الجبال والقياس الإضمار لتقدم ذكرها مثل ما ذكرنا في آلم السجدة في أحد القولين

(2/491)


وهو قوله كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار وهو أن الآيتين سيقتا للتخويف والتنبيه على عظم الأمر فإعادة الظاهر أبلغ وايضا فلو لم يذكر الجبال لاحتمل عود الضمير إلى الأرض التاسع أن يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف
كقوله تعالى فآمنوا بالله ورسوله النبي الآمي الذي يؤمن بالله وكلماته بعد قوله في صدر الآية إني رسول الله إليكم جميعا فآمنوا بالله ورسوله دون فأمنوا بالله وبي ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها من النبي الأمي الذي يؤمن بالله فإنه لو قال وبي لم يتمكن من ذلك لأن الضمير لا يوصف ليعلم أن الذي وجب الإيمان به والإتباع له هو من وصف بهذه الصفات كائنا من كان أنا أو غيري إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه العاشر التنبيه على علة الحكم
كقوله تعالى فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم
وقوله فإن الله عدو للكافرين أعلما أنه من كان عدوا لهؤلاء فهو كافر هذا إن خيف الإلباس لعودة للمذكورين
وكذا قوله فإن الله دون فإنه

(2/492)


وكقوله تعالى فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء ولم يقل عليهم لآنه ليس في الضمير ما في قوله الذين ظلموا من ذكر الظلم المستحق به العذاب وجعل منه الزمخشري قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من احسن عملا
وقوله تعالى فلعنة الله علىالكافرين والآصل عليهم لدلالة على ان اللعنه لحقتهم لكفرهم
ولبس من ذلك قوله تعالى إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين فإن العلة قد تقدمت في الشرط وإنما فائدة ذلك إثاب صفة اخرى زائدة وقال الزمخشري فائدته اشتماله على المتقين والصابرين
ومنه قوله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله فاستغفر لهم الرسول لأنه شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان عظيم
وقوله ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا او كذب بآياته أنه لايفلح الظالمون والقياس أنهم لايفلحون ولو ذكر الظاهر لقال لايفلح المفترون او الكاذبون لكن صرح بالظلم تنبيها على أن علة عدم الفلاح الظلم
وقوله والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ولم يقل أجرهم تنبيها على أن صلاحهم علة لنجاتهم
وقوله أنا اعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ولم يقل لنا لينبه

(2/493)


على انه اهل لآن يصلى له لآنه ربه الذي خلقه وأبدعه ورباه بنعمته
وكقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين قال الزمخشري اراد عدوا لهم فجاء بالظاهر ليدل على ان الله انما عاداهم لكفرهم وان عداوة الملائكة كفر واذا كانت عداوة الانبياء كفرا فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى ومن عاداهم عاداه الله وعاقبه اشد العقاب المهين
وقد ادمج في هذا الكلام مذهبة في تفضيل الملك على النبي وان لم يكن مقصودا فهو كما قيل ... وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى ... إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرجل ... ومثله قول مطيع ... امي الضريح الذي اسمى ... ثم استهل على الضريح ...
الا ترى انه لم يقل عليه لانه باك بذكر الضريح الذي من عادته ان يبكي عليه ويحزن لذكراه الحادي عشر قصد العموم
كقوله تعالى حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما اهلها ولم يقل استطعمهم الإشعار بتأكيد العموم وأنهما لم يتركا أحدا من أهلها إلا استطعماه وأبى ومع ذلك قابلهم

(2/494)


بأحسن الجزاء وفيه التنبيه على محاسن الآخلاق ودفع السيئة الحسنة
وقوله تعالى وما ابرئ نفسي إن النفس لآمارة بالسوء فأنه لو قيل إنها لأمارة لاقتضى تخصيص ذلك فاتى بالظاهر ليدل على أن المراد التعميم مع انه بريء من ذلك بقوله بعده إلا ما رحم ربي وقوله إن ربي غفور رحيم ولم يقل إنه إما للتعظيم وإما للاستلذاذ
وقوله تعالى إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وقوله تعالى وإنا إذا اذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ثم قال فإن الانسان كفور ولم يقل فانه مبالغة في اثبات أن هذا الجنس شأنه كفران النعم الثاني عشر قصد الخصوص
كقوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ولم يقل لك لانه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره كما في قوله تعالى وبنات عمك فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية وأنه ليس لغيره ذلك

(2/495)


الثالث عشر مراعاة التجنيس
ومنه قل أعوذ برب الناس السورة ذكره الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله الرابع عشر أن يتحمل ضميرا الابد منه
كقوله أتيا أهل قرية استطعما أهلها الخامس عشر
كونه أهم من الضمير
كقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى وقال بعضهم إنما أعيد إحداهما لتعادل الكلم وتوازن الآلفاظ في التركيب وهو المعنى في الترصيع البديعي بل هذا ابلغ من الترصيع فإن الترصيع توازن الألفاظ من حيث صيغها وهذا من حيث تركيبها فكأنه ترصيع معنوي وقلما يوجد إلا في نادر من الكلام وقد استغرب أبو الفتح ما حكى عن المتنبي في قوله ... وقد جادت الأجفان قرحى من البكا ... وعادت بهارا في الخدود الشقائق

(2/496)


قال سألته هل هو قرحى أو قرحا منون فقال لي قرحا منون ألا ترى أن بعدها وعادت بهارا قال يعني أن بهارا جمع بهار وقرحى جمع قرحة ثم اطنب في الثناء على المتنبي واستغرب فطنته لآجل هذا
وبيان ما ذكرت في الاية أنها متضمنه لقسمين قسم الظلال وقسم التذكير فأسند الفعل الثاني إلى ظاهر حيث أسند الآول ولم يوصل بضمير مفصول لكون الاول لازما فأتى بالثاني على صورته من التجرد عن المفعول ثم اتى به خبرا بعد أعتدال الكلام وحصول التماثل في تركيبه
ولو قيل إن المرفوع حرف لكان أبلغ في المعنى المذكور ويكون الآخير بدلا او نعتا على وجه البيان كأنه قال إن كان ضلال من إحداهما كان تذكير من الآخرى وقدم على الاخرى لفظ إحداهما ليسند الفعل الثاني إلى مثل ما أسند إليه الآول لفظا ومعنى والله أعلم السادس عشر كون ما يصلح للعود ولم يسق الكلام له
كقوله رسل الله الله أعلم وكقول الشاعر ... تبكي على زيد ولا زيد مثله ... برئ من الحمى سليم الجوانح

(2/497)


السابع عشر الاشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الآولى
كقوله تعالى فإن يشاء الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل في سورة الشورى فإن يمح استئناف وليس على الجواب لآن المعلق على الشرط عدم قمل وجوده وهذا صحيح في يختم على قلبك وليس صحيحا في يمح الله الباطل لان محو الباطل ثابت فلذلك أعيد الظاهر وأما حذف الواو من الخط فاللفظ وأما حذفها في الوقف كقوله تعالى يدع الداعي و سندع الزبانية فللوقف ويؤكد ذلك وقوف يعقوب عليها بالواو
وهذا ملخص كلام عبد العزيز في كلامه على البزدوي وفيما ذكره نزاع وهذا أنا لانسلم أن المعلق ها هنا بالشرط هو موجود قبل الشرط لآن الشرط هنا المشيئة وليس المحو ثابتا قبل المشيئة فإن قيل إن الشرط هنا مشيئة خاصة وهي مشيئة الختم وهذا وإن كان محذوفا فهو مذكور بالقوة شائع في كثير من الاماكن كقوله تعالى ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولو شاء الله ما اشركوا ولو شاء الله ما اقتتلوا المعنى ولو شاء الله جمعهم لجمعهم ولو شاء الله عدم ايمانهم ما أشركوا ولو شاء الله عدم قتالهم ما اقتتلوا

(2/498)


قيل لايكاد يثبت مفعول المشيئة إلا نادرا كما سياتي في الحذف إن شاء الله تعالى وإذا ثبت هذا صح ما ادعيناه فان محو الله ثابت قبل مشئة الله الختم
فإن قلت سلمنا أن الشرط مشيئة خاصة لكنها إنما تختص بقرينة الجواب
والجواب هنا شيئان فالمعنى إن يشأ الله الختم ومحو الباطل يختم على قلبك ويمح الباطل وحينئذ لايتم ما ادعاه
وجوابه أن الشرط لا بد أن يكون غير ثابت وغيرممتنع ويمحو الباطل كان ثابتا فلا يصح دخوله في جواب الشرط وهذا أحسن جدا
بقي أن يقال إن الجواب ليس كلا من الجملتين بل مجموع المجموع الجملتين ومعدوم قبل وجود الشرط وإن كان أحدهما ثابتا الاول
قد سبق أنه لايشترط في وضع الظاهر موضع المضمر أن يكون بلفظ الاول ليشمل مثل قوله تعالى إنا لانضيع أجد من أحسن عملا
وقوله تعالى ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء لآن إنزال الخير هنا سبب للربوبية وأعادة بلفظ الله لان تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية لآن دائرة الربوبية أوسع
ومثله وأورثنا الآرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء كما سبق

(2/499)


500 - 500 ومن فوائده التلذذ بذكره وتعظيم المنة بالنعمة
ومن فوائده قصد الذم وجعل الزمخشري قوله تعالى يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر فقال المراء هو الكافر وهو ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم
وقال ابن عبد السلام في قوله تعالى سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يفقد الله لهم إن الله لايهدي القوم الفاسقين إن الفاسقين يراد بهم المنافقون ويكون قد أقام الظاهر مقام المضمر والتصريح بصفة الفسق سبب لهم ويجوز ان يكون المراد العموم لكل فاسق ويدخل فيه المنافقون دخولا اوليا وكذا سائر هذه النظائر
وليس من هذا الباب قوله تعالى إن تكونوا صالحين أي في معاملة الابوين فانه كان للاوابين غفورا
وقوله تعالى من كان عدوا لجبريل إلى قوله فان الله عدو للكافرين
وكذلك كل ما فيه شرط فإن الشرط أسباب ولا يكون الإحسان للوالدين سببا لغفران الله لكل تائب لانه يلزم أن يثاب غير الفاعل بفعل غيره وهو خلاف الواقع
وكذلك معاداة بعض الكفرة لايكون سببا لمعاداة كل كافر فتعين في هذه المواضع ان يكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ليس إلا

(2/500)


الثاني
قد مر أن سؤال وضع الظاهر موضع المضمر حقه ان يكون في الجملة الواحدة نحو الحاقة ما الحاقة فأما إذا وقع في جملتين فأمره سهل وهو افصح من وقوعه في الجملة الواحده لان الكلام جملتان فحسن فيها ما مالا يحسن في الجملة الواحده ألا ترى الى قوله ... لا ارى الموت يسبق الموت شئ ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا ...
فتكرار الموت في عجز البيت أوسع من تكراره في صدره لآنا اذا عللنا هذا إنما نقول أعاد الظاهر موضع المضمر لما اراد من تعظيم الموت وتهويل امره فإذا عللها مكرره في عجزه عللناه بهذا وبان الكلام جملتان
إذا علمت هذا فمثاله في الجملتين كقوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله وقوله إنا مهلكو أهل هذه القرية إن اهلها كانوا ظالمين
وقد اشكل الإظهار هاهنا والإضمار في المثل قوله إلى فرعون وملئه إنهم كانو قوما فاسقين
وأجيب بأنه لما كان المراد في المدائن لوط إهلاك القرى صرح في الموضعين بذكر القرية التي يحل بها الهلاك كأنها اكتسبت الظلم معهم واستحقت الهلاك معهم إذ للبقاع تأثير في الطباع ولما كان المراد في قوم فرعون إهلاكهم بصفاتهم حيث كانوا ولم يهلك بلدهم اتى بالضمير العائد على ذواتهم من حيث هي من غير تعرض للمكان

(2/501)


واعلم أنه متى طال الكلام حسن إيقاع الظاهر موضع المضمر كيلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه اللفظ فيفوته ما شرع فيه كما إذا كان ذلك في ابتداء آية اخرى كقوله تعالى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم الآية
وقوله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس
وقوله يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس
وقوله رجال لاتلهيهم تجارة
القسم العاشر
تجيء اللفظة الدالة على التكثير والمبالغة بصيغ من صيغ المبالغة
كفعال وفعيل وفعلان فإنه أبلغ من فاعل ويجوز أن يعد هذا من أنواع الاختصار فإن أصله وضع لذلك فإن ضروبا ناب عن قولك ضارب وضارب وضارب ما جاء على فعلان
أما فعلان فهو أبلغ من فعيل ومن ثم قيل الرحمن أبلغ من الرحيم وإن كانت صيغة فعيل من جهة أن فعلان من ابنية المبالغة كغضبان للممتلئ غضبا ولهذا لايحوز التسمية به وحكاه الزجاج في تأليفه المفرد على البسملة

(2/502)


وأما قول الشاعر اليمامة وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا فهو من كفرهم وتعنتهم كذا أجاب به الزمخشري
ورده بعضهم بأن النعت لايدفع وقوع إطلاقهم وغايته أنه ذكر السبب الحامل لهم على الإطلاق وإنما الجواب أنهم لم يستعملوا الرحمن المعرف بالآلف واللام وإنما استعملوه مضافا ومنكرا وكلامنا إنما هو في المعرف باللام
وأجاب ابن مالك بأن الشاعر أراد لازلت ذا رحمة ولم يرد بالاسم المستعمل بالغلبة
ويدل على أن العرب كانت تعرف هذا الاسم قوله تعالى قل أدعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الاسماء الحسنى وأما قوله وما الرحمن فقال ابن العربي إنما جهلوا الصفة دون الموصوف ولذلك لم يقولوا ومن الرحمن
وذكر البرزاباذاني أنهم غلطوا في تفسير الرحمن حيث جعلوه بمعنى المتصف بالرحمة
قال وإنما معناه الملك العظيم العادل لدليل الملك يؤمئذ الحق للرحمن إذا الملك يستدعي العظمة والقدره والرحمة لخلقه لا أنه يتوقف عليها وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن وإنما يصلح السجود لمن له العظمة والقدرة
وإني أعوذ بالرحمن ولا يعاذ إلا بالعظيم القادر على الحفظ والذب

(2/503)


وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا أي وما ينبغي للعظيم القادر على كل شئ المستغني عن معاونة الوالد وغيره أن يتخذ ولدا
الرحمن لا يملكون منه خطابا
وخشعت الأصوات للرحمن
قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن ولا يحتاج الناس إلى حافظ يحفظهم من ذي الرحمة والواسعة
إلا أتى الرحمن عبدا
إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن
وربنا الرحمن المستعان
من خشي الرحمن بالغيب
ولا مناسبة لمعنى الرحمة في شئ من هذه المواضع وأما رحيم فهو من صفات الذات كقولهم كريم
وما ذكرناه من أن الرحمن أبلغ ذهب إليه أبو عبيد والزمخشري وغيرهما وحكاه ابن عساكر في التكميل والإفهام عن الآكثرين

(2/504)


وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق عليه ونصره السهيلي بأنه ورد على لفظ التنبيه والتنبيه تضعيف وكأن البناء تضاعفت فيه الصفة
وقال قطرب المعنى فيهما واجد وإنما جمع بينهما في الاية للتوكيد
وكذلك قال ابن فورك قال وليس قول من زعم أن رحيما أبلغ من رحمن يجيد إذ لافرق بينهما في المبالغة ولو قيل فعلان اشد مبالغة كان أولى ولهذا خص بالله فلا يوصف به غيره ولذلك قال بعض التابعين الرحمن اسم ممنوع وأراد به منع الخلق أن يتسموا به ولا وجه لهذا الكلام إلا التوكيد وإتباع الأول ما هو في معنى الثاني
وقال ابن عباس هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الاخر
وعن الخطابي استشكال هذا وقال لعله ارفق كما جاء في الحديث إن الله رفيق يحب الرفق في الامر كله
وقال ابن الانباري في الزاهر الرحيم أبلغ من الرحمن
ورجحه ابن عساكر بوجوه منها أن الرحمن جاء متقدما على الرحيم ولو كان ابلغ لكان متاخرا عنه لانهم في كلامهم إنما يخرجون من الادنى إلى الاعلى فيقولون فقيه عالم وشجاع باسل وجواد فياض ولا يعكسون هذا لفساد المعنى لانه لو تقدم لأبلغ لكان الثاني داخلا تحته فلم يكن لذكره معنى
وهذا قدر ذكره الزمخشري وأجاب عنه بأنه من باب الإرداف وأنه أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم وأصولها بالرحيم ليكون كالتتمه والرديف ليتناول مارق منها ولطف

(2/505)


وفيه ضعف لاسيما إذا قلنا إن الرحمن علم لاصفة وهو قول الآعلم وابن مالك وأجاب الواحدي في البسيط بأنه لما كان الرحمن كالعلم إذ لايوصف به إلا الله قدم لأن حكم الأعلام وغيرها من المعارف أن يبدأ بها ثم يتبع الأنكر وما كان التعريف انقص
قال وهذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين فجاء هذا على منهاج كلام العرب
وأجاب الجويني بأن الرحمن للخلق والرحيم لهم باالرزق والخلق قبل الزرق
ومنها أن اسماء الله تعالى إنما يقصد بها المبالغة في حقه والنهاية في صفاته وأكثر صفاته سبحانه جارية على فعيل كرحيم وقدير وعليم وحكيم وحليم وكريم ولم يأت على فعلان إلا قليل ولو كان فعلان أبلغ لكان صفات الباري تعالى عليه أكثر
قلت وجواب هذا أن ورود فعلان بصيغة التكثير كان فيعدم تكرار الوصف به بخلاف فعيل فإنه لما لم يرق في الكثرة رقته كثر في مجيء الوصف
ومنها أنه إن كانت المبالغة في فعلان من جهة موافقه لفظ التثنية كما زعم السهيلي ففعيل من أبنية جمع الكثرة كعبيد وكليب ولا شك أن الجمع أكثر من التثنية وهذا أحسنها
قال وقول قطرب إنهما بمعنى واحد فاسد لانه لو كان كذلك لتساويا في التقديم والتأخير وهو ممتنع

(2/506)


تنبيهات الأول
نقل عن الشيخ برهان الدين الرشيدي أن صفات الله التي هي صيغة المبالغة كغفار ورحيم وغفور ومنان كلها مجاز إذ هي موضوعه للمبالغة ولا مبالغة فيها لأن المبالغة هي أن تثبت للشيء أكثر مما له وصفات الله متناهية في الكمال لايمكن المبالغة فيها والمبالغة ايضا تكون في صفات تقبل الزيادة والنقصان وصفات الله تعالى منزهة عن ذلك انتهى
وذكر هذا للشيخ ابن الحسن السبكي فاستحسنه وقال إنه صحيح إذا قلنا إنها صفات
فإن قلنا أعلام زال ذلك
قلت والتحقيق أن صيغ المبالغة على قسمين
احدهما ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل
والثاني بحسب تعدد المفعولات
ولا شك أن تعددها لايوجب للفعل زيادة إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين
وعلى هذا التقسيم يحب تنزيل جميع اسماء الله تعالى التي وردت على صيغة المبالغة كالرحمن والغفور والتواب ونحوها ولايبقى إشكال حينئذ لهذا قال بعض المفسرين في حكم معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع
وقال الزمخشري في سورة الحجرات المبالغة في التواب للدلالة على كثرة من

(2/507)


يتوب إليه من عباده أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوا عنه بالتوبه أولا لآنه بليغ في قبول التوبه نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه
وقد أورد بعض الفضلاء سؤالا في قوله تعالى والله على كل شئ قدير وهو أن قديرا من صيغ المبالغه يستلزم الزيادة على معنى قادر والزيادة على معنى قادر محال إذ الإتحاد من واحد لايمكن فيه التفاضل باعتبار كل فرد فرد
وأجيب عنه بأن المبالغة لما لم يقدر حملها على كل فرد وجب صرفها إلى مجموع الأفراد التي دل السياق عليها والمبالغة إذن بالنسبة إلى تكثير التعلق لا بالنسبة إلى تكثير الوصف
وكذلك قوله تعالى والله بكل شئ عليم يستحيل عود المبالغة إلى نفس الوصف إذ العلم بالشيء لا يصح التفاوت فيه فيجب صرف المبالغة فيه إلى المتعلق إما لعموم كل أفراده وإما لآن يكون المراد الشيء ولواحقه بيكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل الثاني
سئل أبو علي الفارسي هل تدخل المبالغة في صفات الله تعالى فيقال علامة فأجاب بالمنع لأن الله تعالى ذم من نسب إليه الإناث لما فيه من النقص فلا يجوز إطلاق اللفظ المشعر بذلك
حكاه الجرجاني في شرح الإيضاح

(2/508)


أنه لو جرد عن الألف واللام لم يصرف لزيادة الألف والنون في آخره مع العلمية أو الصفة
وأورد الزمخشري بأنه لايمنع فعلان صفة من الصرف إلا إذا كان مؤنثه فعلى كغضبان وغضبي وما لم يكن مؤنثه فعلى ينصرف كندمان وندمانة وتبعه ابن عساكر بأن رحمن وإن لم يكن له مؤنث على فعلى فليس له مؤنث فعلانة لانه اسم مختص بالله تعالى فلا مؤنث له من لفظه فإذا عدم ذلك رجع فيه إلى القياس وكل ألف ونون زائدتان فهما محمولتان على منع الصرف
قال الجويني وهذا فيه ضعف في الظاهر وإن كان حسنا في الحقيقة لآنه إذا لم يشبه غضبان ولم يشبه ندمان من جهة التأنيث فلماذا ترك صرفه مع أن الأصل الصرف بل كان ينبغي أن يقال ليس هو كغضبان فلا يكون غير منصرف ولا يصح ان يقال ليس هو كندمان فلا يكون منصرفا لأن الصرف ليس بالشبه إنما هو بالآصل وعدم الصرف بالشبه ولم يوجد
قلت والتقدير الذي نقلناه عن ابن عساكر يدفع هذا عن الزمخشري نعم أنكر ابن مالك على ابن الحاجب تمثيله ب الرحمن لزيادة الألف والنون في منع الصرف وقال لم يمثل به غيره ولا ينبغي التمثيل به فإنه اسم علم بالغلبة لله مختص به وما كان كذلك لم يجرد من آل ولم يسمع مجردا إلا في النداء قليلا مثل يا رحمن الدنيا ورحيم الاخرة

(2/509)


قال وقد أنكر على الشاطبي
تبارك رحمانا رحيما وموئلا
لآنه اراد الاسم المستعمل بالعلبة
ولم يحضر الزمخشري هذا الجواب فذكر انه من تعنتهم في كفرهم كما سبق ما جاء على فعيل
وأما فعيل فعند النحاة أنه من صيغ المبالغة والتكرار كرحيم وسميع وقدير وخبير وحفيظ وحكيم وحليم وعليم فإنه محول عن فاعل بالنسبة وهو إنما يكون كذلك للفاعل لا للمفغول به بدليل قولهم قتيل وجريح والقتل لايتفاوت
وقد يجيء في معنى الجمع كقوله تعالى وحسن اولائك رفيقا وقوله والملائكة بعد ذلك ظهير وقوله وحسن أولئك رفيقا وقوله والملائكة بعد ذلك ظهير وقوله خلصوا نجيا وغير ذلك ومن المشكل وما كان ربك نسيا فإن النفي متوجه على الخبر وهو صيغة مبالغة ولايلزم من نفي المبالغة نفي اصل الفعل فلا يلزم نفي اصل النسيان وهو كالسؤال الاتي في ظلام للعبيد
ويجاب عنه بما سياتي من الاجوبه ويختص هذا بجواب آخر وهو مناسبة رءوس الآي قبله

(2/510)


وأما فعال فنحو غفار ومنان وتواب ووهاب فعال لما يريد علام الغيوب ونحو لكل صبار شكور ونحو نزاعة للشوى
ومن المشكل قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد وتقريره أنه لايلزم من نفي الظلم بصيغة المبالغة نفي اصل الظلم والواقع نفيه قال الله تعالى إن الله لايظلم الناس شيئا إن الله لايظلم مثقال ذره وقد اجيب عنه باثني عشر جوابا
أحدهما أن ظلاما وإن كان يراد به الكثرة لكنه جاء في مقابله العبيد وهو جمع كثرة إذا قوبل بهم الظلم كان كثيرا
ويرشح هذا الجواب أنه سبحانه وتعالى قال في موضع آخر علام الغيوب فقابل صيغة فعال بالجمع وقال في موضع آخر عالم الغيب فقابل صيغة فاعل الدالة على أصل الفعل بالواحد
وهذا قريب من الجواب عن قوله تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا الله ولا الملائكة المقربون حيث احتج به المعتزله على تفضيل الملائكة على الانبياء

(2/511)


وجوابه أنه قابل عيسى بمفرده بمجموع الملائكة وليس النزاع في تفضيل الجمع على الواحد
الثاني أنه نفي الظلم الكثير فينتفي القليل ضرورة لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة ظلمه في حق من يجوز عليه النفع كان الظلم القليل في المنفعة أكثر
الثالث أنه على النسب واختاره ابن مالك وحكاه في شرح الكافية عن المحققين أي ذا ظلم كقوله وليس بنبال أي بذي نبل أي لاينسب إلى الظلم فيكون من بزاز وعطار
الرابع أن فعالا قد جاء غير مراد به الكثرة كقوله طرفه ... ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد ... لايريد أنه يحل التلاع قليلا لآن ذلك يدفعه قوله يسترفد القوم ارفد هذا بدل على نفي الحال في كل حال لان تمام المدح لايصل بإيراد الكثرة
الخامس أن أقل القليل لو ورد منه سبحانه وقد جل عنه لكان كثيرا لاستغنائه عنه كما يقال زله العالم كبيرة
ذكره الحريري في الدرة قال وإليه أشار المخزومي في قوله ... كفوفه الظفر تخفى من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور

(2/512)


السادس أن نفي المجموع يصدق بنفي واحد ويصدق بنفي كل واحد ويعين الثاني في الآية للدليل الخارجي وهو قوله إن الله لايظلم مثقال ذرة
السابع أنه اراد ليس بظالم ليس بظالم ليس بظالم فجعل في مقابله ذلك وما ربك بظلام
الثامن أنه جواب لمن قال ظلام والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم كما إذا خرج مخرج الغالب
التاسع أنه قال بظلام لآنه قد يظن أن من يعذب غيره عذاب شديدا ظلام قبل الفحص عن جرم الذنب
العاشر أنه لما كان صفات الله تعالى صيغة المبالغة فيها وغير المبالغة سواء في الإثبات جرى النفي على ذلك
الحادي عشر أنه قصد التعريض بأن ثمة ظلاما للعبيد من ولاة الجور
وأما فعال بالتخفيف والتشديد نحو عجاب وكبار قال تعالى إن هذا لشيء عجاب وقال ومكروا مكرا كبارا قال المعري في اللامع العزيزي فعيل إذا اريد به المبالغة نقل به الى فعال وإذا اريد به الزيادة شدوا فقال فعال ذلك من عجيب وعجاب وعجاب وقرأ ابو عبد الرحمن السلمي

(2/513)


إن هذا لشيء عجاب بالتشديد وقالوا طويل وطوال ويقال نسب قريب وقراب وهو ابلغ قال الحارث بن ظالم ... وكنت إذا رأيت بني لؤي ... عرفت الود والنسب القرابا ... ما جاء على فعول
وأما فعول كغفور وشكور وودود فمنه قوله تعالى إن الإنسان لظلوم كفار
وقوله تعالى في نوح إنه كان عبدا شكورا
وقد أطربني قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور فقلت الحمد لله الذي ما قال الشاكر
فإن قيل قوله تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا كيف غاير بين الصفتين وجعل المبالغة من جانب الكفران
قلت هذا سأله الصاحب بن عباد للقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي فأجاب بأن نعم الله على عباده كثيرة وكل شكر يأتي في مقابلتها قليل وكل كفر يأتي في مقابلتها عظيم فجاء شكور بلفظ فاعل وجاء كفور فعول على وجه المبالغة فتهلل وجه الصاحب ما جاء على فعل
وأما فعل فقوله تعالى وإنا لجميع حاذرون

(2/514)


وقوله تعالى كذاب اشر قرن فعلا بفعال ما جاء على فعل
وأما فعل فيكون صفة كقوله تعالى أهلكت مالا لبدا اللبد الكثير وقوله تعالى إنها لإحدى الكبر
ويكون مصدر كهدى وتقى ويكون معدولا عن أفعل من كذا كقوله تعالى وأخر متشابهات وقوله تعالى فعدة من أيام أخر كما قال أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة اخرى ما جاء على فعلى
وأما فعلى فيكون اسما كالشورى والرجعي قال الله تعالى إن إلى ربك الرجعى وقال تعالى وكلمة الله هي العليا
ويكون صفة كالحسنى في تأنيث الاحسن والسوءى في تأنيث الأسوأ قال تعالى ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله
قال الفارسي يحتمل السوءى تأويلين
أحدهما أن يكون تأنيث الآسوأ والمعنى كان عاقبتهم خلة السوءى فتكون

(2/515)


السوءى على هذا خارجة من الصلة فتنصب على الموضع وموضع أن نصب فإنه مفعول له أي كان عاقبتهم الخصلة السوءى لتكذيبهم
الثاني أن يكون السوءى مصدرا مثل الرجعي وعلى هذا فهي داخلة في الصلة ومنتصبه بأساءوا كقوله تعلى وتبتل إليه تبتيلا ويكون أن كذبوا نصبا لآنه خبر كان
ويجوز في إعراب السوءى وجه ثالث وهو أن يكون في موضع رفع صفة العاقبة وتقديرها ثم كان عاقبتهم المذمومة التكذيب
والفعلى في هذا الباب وإن كانت في الاصل صفة بدليل قوله تعالى وهم بالعدوة القصوى وقوله تعالى فأراه الآية الكبرى فجرت صفة على موصوفها فإنها في كثير من الأمور تجري مجرى الأسماء كالأبطح والأجرع والأدهم

(2/516)


البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي

(3/2)


بسم الله الرحمن الرحيم
القسم الحادي عشر
المثنى وإرادة الواحد
كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان 1 وإنما يخرج من أحدهما
ونظيره قوله تعالى ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها 2 وإنما تخرج العلية من الملح3 وقد غلط في هذا المعنى أبو ذؤيب الهذلي حيث قال يذكر الدرة ... فجاء بها ما شئت من لطمية ... يدوم الفرات فوقها ويموج4 ...
والفرات لا يدوم فوقها وانما يدوم الاجاج
وقال أبو علي في قوله تعالى على رجل من القريتين عظيم 5 إن ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون من مكة والطائف جميعا ولما لم يمكن أن يكون منهما دل المعنى على تقدير رجل من إحدى القريتين
وقوله تعالى وجعل القمر فيهن نورا 6 أي في إحداهن

(3/3)


وقوله تعالى نسيا حوتهما 1 والناسى كان يوشع بدليل قوله لموسى فإني نسيت الحوت ولكن أضيف النسيان لهما جميعا لسكوت موسى عنه
وقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه 2 والتعجيل يكون في اليوم الثاني وقوله ومن تأخر فلا إثم عليه قيل إنه من هذا أيضا وإن موضع الاثم والتعجيل يجعل المتأخر الذي لم يقصر مثل ما جعل للمقصر
ويحتمل أن يراد لا يقولن أحدهما لصاحبه أنت مقصر فيكون المعنى لا يؤثم أحدهما صاحبه
وقوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس 3
وقوله تعالى جعلا له شركاء 4 أي أحدهما على أحد القولين
وقوله فإن خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به 5 فالجناح على الزوج لأنه أخذ ما أعطى قال أبو بكر الصيرفي المعنى فإن خيف من ذلك جازت الفدية وليس الشرط أن يجتمعا على عدم الاقامة
وقوله تعالى ألقيا في جهنم 6 قيل هو خطاب للملك وقال المبرد ثناه على ألق والمعنى ألق ألق7 وكذلك القول في قفا8 وخالفه أبو إسحاق وقال بل هو مخاطبة للملكين

(3/4)


وقال الفراء في قوله تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان 1 قال يخاطب الإنسان مخاطبه بالتثنية
وجعل منه قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان 2 وقوله تعالى جنتين فقيل جنة واحدة بدليل قوله تعالى آخر الأية ودخل جنته فأفرد بعد ما ثنى
وقوله كلتا الجنتين آتت أكلها فإنه ما ثنى إلا للإشعار بأن لها وجهين وأنك إذا نظرت عن يمينك ويسارك رأيت في كلتا الناحيتين ما يملآ عينيك قرة وصدرك مسرة
وقوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله 7 وإنما المتخذ إلها عيسى دون مريم فهو من باب والنجوم الطوالع8 قاله أبو الحسن وحكاه عنه ابن جنى في كتاب القد وعليه حمل ابن جنى وغيره قول امرىء القيس ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ...
9

(3/5)


ويؤيده قوله بعده ... أصاح ترى برقا أريك ومضيه ...
1
- وقول الفرزدق ... عشية سال المربدان كلاهما ... سحابة موت بالسيوف الصوارم ... 2
وإنما هو مربد البصرة فقط
وقوله ودار لها بالرقمتين3
وقوله ببطن المكتين 4 وقول جرير ... لما مررت بالديرين ارقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس ...
5
- قالوا أراد دير الوليد6 فثناه باعتبار ما حوله
القسم الثاني عشر
إطلاق الجمع وإرادة الواحد
كقوله يأيها الرسل كلوا من الطيبات 7 إلى قوله فدرهم

(3/6)


في غمرتهم حتى حين 1 قال أبو بكر الصيرفي فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه و سلم وحده إذ لا نبي معه ولا بعده
ومثله نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا 000 2 الآية وهذا مما لا شريك فيه والحكمة في التعبير بصيغة الجمع أنه لما كانت تصاريف أقضيته سبحانه وتعالى تجري على أيدي خلقه نزلت أفعالهم منزلة قبول القول بمورد الجمع
وجعل منه ابن فارس قوله تعالى وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون 3 والرسول كان واحد بدليل قوله تعالى ارجع إليهم 4
وفيه نظر من جهة أنه يحتمل مخاطبة رئيسهم فإن العادة جارية لا سيما من الملوك ألا يرسلوا واحدا
ومنه ففررت منكم لما خفتكم 5 وغير ذلك وقد تقدم في وجوه المخاطبات 06
ومنه ينزل الملائكة بالروح من أمره 7 والمراد جبريل
وقوله أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله 8 والمراد محمد صلى الله عليه و سلم
وقوله الذين قال لهم الناس 9 والمراد بهم ابن مسعود الثقفي10 وإنما

(3/7)


جاز إطلاق لفظ الناس على الواحد لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع يقولون مثل قوله حسن إضافة ذلك الفعل الى الكل قال الله تعالى وإذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها 1 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة 2 والقائل ذلك رءوسهم وقيل المراد بالناس ركب من عبد القيس دسهم أبو سفيان الى المسلمين وضمن لهم عليه جعلا قاله ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما
القسم الثالث عشر
إطلاق لفظ التثنية والمراد الجمع
كقوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين 5 فإنه وإن كان لفظه لفظ التثنية فهو جمع والمعنى كرات لأن البصر لا يحسر إلا بالجمع
وجعل منه بعضهم قوله تعال الطلاق مرتان 6
القسم الرابع عشر
التكرار على وجه التأكيد
وهو مصدر كرر إذا ردد وأعاد هو تفعال بفتح التاء وليس بقياس بخلاف التفعيل

(3/8)


وقال الكوفيون هو مصدر فعل والألف عوض من الياء في التفعيل والأول مذهب سيبويه
وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنا أنه لا فائدة له وليس كذلك بل هو من محاسنها لاسيما إذا تعلق بعضه ببعض وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذ أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيدا وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه او الاجتهاد في الدعاء عليه حيث تقصد الدعاء وإنما نزل القرآن بلسانهم وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة وكلها داعية الى الشهوات ولا يقمع ذلك الا تكرار المواعظ والقوارع قال تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر 1 قال في الكشاف2 أي سهلناه للادكار والاتعاظ بأن نسجناه3 بالمواعظ الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد
ثم تارة يكون التكرار مرتين كقوله فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر 4
وقوله أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى 5
وقوله لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين 6
وقوله كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون 7

(3/9)


وقوله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله 1
وقوله فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلافهم 2
وفائدته العظمى3 التقرير وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر
وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الآقاصيص والأخبار في القرآن4 فقال ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون 5
وقال وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا 6
وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى خشية تناسي الاول لطول العهد به
فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه كقوله تعالى قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فأعبدوا ما شئتم من دونه 7
فأعاد قوله قل الله أعبد مخلصا له ديني 7 بعد قوله قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين لا لتقرير الأول بل لغرض آخر لأن معنى الأول الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها ومعنى الثاني انه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والاخلاص ولذلك قدم8 المفعول على فعل العبادة في الثاني

(3/10)


وآخر في الأول لأن الكلام أولا في الفعل وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل
وأعلم أنه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الاصل أما إذا وافق الاصل فلا ولهذا لا يتجه سؤالهم لم كرر إياك في قوله إياك نعبد وإياك نستعين 1
فقيل إنما كررت للتأكيد كما تقول بين زبد وبين عمرو مال
وقيل إنما كررت لارتفاع أن يتوهم إذا حذفت أن مفعول نستعين ضمير متصل واقع بعد الفعل فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود بتقديم المعمول علىعامله
والتحقيق أن السؤال غير متجه لأن هنا عاملين متغايرين كل منهما يقتضي معمولا فإذا ذكر معمول كل واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله والحذف خلاف الأصل فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره ولا حاجة الى تكلف الجواب عنه وقس بذلك نظائره
فوائد التكرير
وله فوائد
أحدها التأكيد واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد لأنه وقع في تكرار التأسيس وهو أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 2 إن الثانية تأسيس لا تأكيد لأنه جعل الثانية أبلغ في الإنشاء فقال وفي ثم تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول

(3/11)


وكذا قوله وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين 1
وقوله فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر 2 يحتمل أن يكون منه وأن يكون من المتماثلين
والحاصل أنه هل هو إنذار تأكيد3 أو إنذاران فإن قلت سوف تعلم ثم سوف تعلم كان أجود منه بغير عطف لتجريه على غالب استعمال التأكيد ولعدم احتماله لتعدد المخبر به
وأطلق بدر الدين بن مالك في شرح الخلاصة4 أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف ولم تختص بثم وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص وليس كذلك فقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد وأتقوا الله 5 فإن المأمور فيهما واحد كما قاله النحاس والزمخشري والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون التقوى الأولى مصروفة لشيء غير التقوى والثانية مع شأن إرادته
وقولهم إنه تأكيد فمرادهم تأكيد المأمور به بتكرير الإنشاء لا أنه تأكيد لفظي ولو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعطف ولما فصل بينه وبين غيره ولتنظر نفس 5
فإن قلت اتقوا الثانية معطوفة على ولتنظر

(3/12)


أجيب بأنهم قد اتفقوا على أن وقولوا للناس حسنا 1 معطوف على لا تعبدون إلا الله 1 لا على قوله وبالوالدين إحسانا 1 وهو نظير ما نحن فيه
وقوله تعالى يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين 2 وقوله فأذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم 3 ويحتمل أن يكون اصطفاءين و ذكرين وهو الأقرب في الذكر لأنه محل طلب فيه تكرار الذكر
وكقوله تعالى حكاية عن موسى كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا 4
وقوله أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار 5 كرر أولئك
وكذلك قوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون 6
وكذا قوله فلما أن أراد أن يبطش بالذي000 7 الى قوله من المصلحين 7 كررت أن في أربع مواضيع تأكيدا
وقوله قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين 8
الثاني زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ومنه قوله

(3/13)


تعالى وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع 1 فإنه كرر فيه النداء لذلك
الثالث إذا طال الكلام وخشى تناسى الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده كقوله تعالى ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك2 وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 3
وقوله ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا 3 الآية
وقوله ولما جاءهم كتاب من عند الله 4 ثم قال فلما جاءهم ما عرفوا 4 فهذا تكرار للأول ألا ترى أن لما لا تجيء بالفاء
ومثله لا تحسبن الذين يفرحون 5 ثم قال فلا تحسبنهم 5
وقوله ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم 6 ثم قال ولو شاء الله ما اقتتلوا 6
منه قوله إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين 7
وقوله أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون 8 فقوله أنكم الثاني بناء على الأول إذ كارا به خشية تناسيه
وقوله وهم عن الآخرة هم غافلون 9

(3/14)


وكذلك قوله إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم 1 إلى قوله كذلك نجزي المحسنين 1
بغير إنا وفي غيره من مواضع ذكر إنا كذلك لأنه يبنى على ما سبقه في هذه القصة من قوله إنا كذلك فكأنه طرح فيما اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا ولأن التأكيد بالنسبة فاعتبر اللفظ من حيث هو دون توكيده
ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهذا أسلوب غريب وقل في القرآن وجوده وأكثر ما يكون عند تقدم مقتضيات الألفاظ كالمبتدأ وحروف الشرطين الواقعين في الماضي والمضارع ويستغنى عنه عند أمر محذور التناسي
وقد يرد منه شيء يكون بناؤه بطريق الإجمال والتفصيل بأن تتقدم التفاصيل والجزئيات في القرآن فإذا خشى عليها التناسي لطول العهد بها بنى على ما سبق بها بالذكر الجملي كقوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم 2 إلى قوله وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما 2 فقوله فبظلم بيان لذكر الجملي على ما سبق في القول من التفصيل وذلك أن الظلم جملى على ما سبق من التفاصيل من النقض والكفر وقتل الانبياء وقولهم قلوبنا غلف 2 والقول على مريم بالبهتان ودعوى قتل المسيح عليه السلام الى ما تخلل ذلك من أسلوب الاعتراض بها موضعين وهما قوله بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا 3 وقوله وما قلتوه وما صلبوه 2 الى قوله شهيدا 2 وأنه لما ذكر بالبناء جملى الظلم من قوله فبظلم لأنه يعم على كل ما تقدم وينطوى عليه ذكر حينئد متعلق الجملى من قوله فبما نقضهم ميثاقهم 2 عقب الباء لأن العامل في الأصل حقه أن بلى معموله فقال فبظلم من

(3/15)


الذين هادوا حرمنا هو متعلق بقوله فبظلم 2 وقد اشتمل الظلم على كل ما تقدم قبله كما أنه أيضا اشتمل على كل ما تأخر من المحرمات الآخر التي عددت بعد ما اشتملت على ذكر الشيء بالعموم والخصوص فذكرت الجزئيات الأولى بخصوص كل واحد ثم ذكر العام المنطوي عليها فهذا تعميم بعد تخصيص ثم ذكرت جزئيات آخر بخصوصها فتركيب الأساليب من وجوه كثيرة في الآية وهو التعميم بعد التخصيص ثم التخصيص بعد التعميم ثم البناء بعد الاعتراض
ومنه قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات 2 الى قوله عذابا أليما 2 فقوله ولولا رجال مؤمنون 2 إلى قوله بغير علم هو المقتضى الاول المتقدم وقوله لو تزيلوا هو المقتضى الثاني وهو البناء لأنه المذكر بالمقتضى الأول الذي هو لولا خشية تناسيه فهو مبنى على الأول ثم أورد مقتضاها من الجواب بقوله لعذبنا الذين كفروا منهم 2 ورودا واحدا من حيث أخذا معا كأنهما مقتضى منفرد من حيث هما واحد بالنوع وهو الشرط الماضي فقوله لو تزيلوا 2 بناء على قوله ولولا رجال 2 نظر في المضارعة وأما قوله ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 3 فيجوز أن يكون تكريرا ويجوز أن يكون الكلام عند قوله وأصلحوا ويكون الثاني بيانا لمجمل لا تكريرا
وقد جعل ابن المنير من هذا القسم قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه 5 ثم قال من شرح بالكفر صدرا 5

(3/16)


وقوله لولا رجال مؤمنون 000 1 ثم قال لو تزيلوا 1 ونازعه العراق3 لأن المعاد فيهما أخص من الأول وهذا يجيء في كثير مما ذكرنا ولا بد أن يكون وراء التكرير شيء أخص منه كما بينا
الرابع في مقام التعظيم والتهويل كقوله تعالى الحاقة ما الحاقة 3 القارعة ما القارعة 4 إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر 5
وقوله وأصحاب اليمين ما اصحاب اليمين 6
وقوله فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة 7
وقوله ليستيقن الذين أوتوا الكتاب 8
الخامس في مقام الوعيد والتهديد كقوله تعالى كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 9 وذكر ثم في المكرر دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول وفيه تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى وإن تعاقبت عليه الأزمنة لا يتطرق إليه تغيير بل هو مستمر دائما

(3/17)


السادس التعجب كقوله تعالى فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر 1 فأعيد تعجبا من تقديره وإصابته الغرض على حد قاتله الله ما أشجعه
السابع لتعدد المتعلق كما في قوله تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان 2 فإنها وأن تعددت فكل واحد منها متعلق بما قبله وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه وهي أنواع مختلفة وصور شتى
فإن قيل فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها فما معنى قوله يرسل عليكما شواط من نار ونحاس فلا تنتصران 3 وأي نعمة هنا وإنما هو وعيد
قيل إن نعم الله فيما أنذر به وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها فيرتدعوا عنها نظير أنعمه على ما وعده وبشر من ثوابه على طاعته ليرغبوا فيها ويحرصوا عليها وإنما تتحقق معرفة الشيء بأن تعتبره بضده والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذواتهما فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوقيت على ملاك الأمر منها وعليه قول بعض حكماء الشعراء ... والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها ...
وإنما ذكرنا هذا لتعلم الحكمة في كونها زادت على ثلاثة ولو كان عائدا لشيء واحد لما زاد على ثلاثة لأن التأكيد لا يقع به أكثر من ثلاثة
فإن قيل فإذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب بل هي ألفاظ أريد بها غير ما أريد بالآخر

(3/18)


قلت إن قلنا العبرة بعموم اللفظ فكل واحد أريد به غير ما أريد بالآخر
وقد تكلف لتوجيه العدة التي جاءت عليها هذه الآية مكررة قال الكرماني جاءت آية واحدة في هذه السورة كررت نيفا وثلاثين مرة لأن ست عشرة راجعة الى الجنان لأن لها ثمانية أبواب وأربعة عشر منها راجعة الى النعم والنقم فأعظم النقم جهنم ولها سبعة أبواب وجاءت سبعة في مقابلة تلك الأبواب وسبعة عقب كل نعمة ذكرها للثقلين
وقال غيره نبه في سبع منها على ما خلقه الله للعباد من نعم الدنيا المختلفة على عدة أمهات النعم وأفرد سبعا منها للتخويف وإنذارا على عدة أبواب المخوف منه وفصل بين الأول والسبع الثواني بواحدة سوى فيها بين الخلق كلهم فيما كتبه عليهم من الفناء حيث اتصلت بقوله كل من عليها فان 1 فكانت خمس عشرة أتبعت بثمانية في وصف الجنان وأهلها على عدة أبوابها ثم بثمانية أخر في وصف الجنتين اللتين من دون الأوليين لذلك ايضا فاستكملت إحدى وثلاثين
ومن هذا النوع قوله تعالى ويل يؤمئذ للمكذبين 2 في سورة المراسلات عشر مرات لأنه سبحانه ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول فصار كأنه قال عقب كل قصة ويل للمكذبين بهذه القصة وكل قصة مخالفة لصحابتها فأثبت الويل لمن كذب بها
ويحتمل أنه لما كان جزاء الحسنة بعشر أمثالها وجعل للكفار في مقابلة كل مثل من الثواب ويل
ومنها في سورة الشعراء قوله تعالى إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين

(3/19)


وإن ربك لهو العزيز الرحيم 1في ثمانية مواضع لأجل الوعظ فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة
وأما قوله إن في ذلك لآية فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام والعجب من تخلف من لا يتأملها مع ظهورها
وأما مناسبة قوله العزيز الرحيم فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر فدل بالمفهوم على إيمان الأقل فكانت العزة على من لم يؤمن والرحمة لمن آمن وهما مرتبتان كترتيب الفريقين ويحتمل أن يكون من هذا النوع قوله تعالى كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 2 الآية لأن علمهم يقع أولا وثانيا على نوعين مختلفين بحسب المقام وهذا أقرب للحقيقة الوضعية وحال المعبر عنه فإن المعاملات الإلهية للطائع والعاصي متغيرة الأنواع الدنيوية البرزخية ثم الحشرية كما أن أحوال الاستقرار بعد الجميع في الغايقة بل كل مقام من هذه أنواع مختلفة وفي ثم دلالة على الترقي إن لم يجعل الزمان مرتبا في الإنذار على التكرار وفي المنذر به على التنويع
ومنه تكرار فذوقوا عذابي ونذر 3 قال الزمخشري4 كرر ليجدوا عند سماع كل نبإ منها اتعاظا وتنبيها وأن كلا من تلك الانباء مستحق باعتبار يختص به وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة
ومنه قوله تعالى قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون 5 إلى آخرها

(3/20)


يحكى أن بعض الزنادقة سأل الحسن بن علي رضي الله عنه عن هذه الآية فقال إني أجد في القرآن تكرارا وذكر له ذلك فأجابه الحسن بما حاصله إن الكفار قالوا نعبد إلهك شهرا ونعبك آلهتنا شهرا فجاء النفي متوجها إلى ذلك والمقصود أن هذه ليست من التكرار في شيء بل هي بالحذف والاختصار أليق وذلك لأن قوله لا أعبد ما تعبدون 1 أي لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في المستقبل وقوله ولا أنا عابد ما عبدتم أي ولا أنا عابد في الحال ما عبدتم في المستقبل ولا أنتم عابدون في الحال ما أعبد في المستقبل
والحاصل أن القصد نفى عبادته لآلهتهم في الآزمنة الثلاثة الحال والماضي والاستقبال والمذكور في الآية النفي في الحال والاستقبال وحذف الماضي من جهته ومن جهتهم ولا بد من نفيه لكنه حذف لدلالة الأولين عليه
وفيه تقدير آخر وهو أن الجملة الأولى فعلية والثانية أسمية وقولك لا أفعله ولا أنا فاعله قولك أفعله أحسن من قولك لا أفعله ولا أفعله فالجملة الفعلية نفي لإمكانه والاسمية لانصافه كما في قوله تعالى وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم 2 وما أنت بمسمع من في القبور 3 والمعنى أنه تبرأ من فعله ومن الاتصاف به وهو أبلغ في النفي وأما المشركون فلم ينتف عنهم الا بصيغة واحدة وهي قوله ولا أنتم عابدون ما أعبد في الموضعين
وفرق آخر وهو أنه قال في نفيه الجملة الاسمية ولا أنا عابد ما عبدتم وقال في النفي عنهم ولا أنتم عابدون ما أعبد عائد في حقه بين الجملتين وقال لا أعبد ما تعبدون بالمضارع وفي الثاني ولا أنا عابد ما عبدتم بالماضي فإن المضارع يدل على الدوام بخلاف الماضي فأفاد ذلك أن ما عبدتموه ولو مرة ما أنا عابد له البتة ففيه كمال

(3/21)


براءته ودوامها مما عبدوه ولو مرة بخلاف قوله لا أعبد ما تعبدون فإن النفي من جنس الاثبات وكلاهما مضارع يظهران جملة ومنفردا
ومنه تكرير الأمر بالتوجه الى البيت الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة1 لن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل النفاق أشد إنكارا له لأنه كان أول نسخ نزل وكفارة قريش قالوا ندم محمد على فراق ديننا فيرجع إليه كما رجع الى قبلتناوكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبلتهما وآثر عليها قبلة اليهود وقال الله تعالى حين أمره بالصلاة الى الكعبة لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم 2 والاستثناء منقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال سبحانه الحق من ربك فلا تكونن من الممترين 3 أي الذين أشركوا فلا تمتر في ذلك وقال تعالى وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون 4 أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء
ومنه قوله تعالى فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرن 5
وقال صاحب الينبوع6 لم يبلغني عن المفسرين فيه شيء

(3/22)


وقال المفسرون في غريب القرآن هما في المعنى كالآيتين المتقدمتين فكرر للتأكيد وتشديد الوعيد
ويحتمل أن يكون الحين في الأوليين1 يوم بدر و الحين في هاتين2 يوم فتح مكة
ومن فوائد قوله تعال في الأوليين وأبصرهم وفي هاتين فأبصر أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا وهزيمة ورعبا فما تضمنت التشفي بهم قيل له أبصرهم وأما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم والهداية إلى إيمانهم فلم يكن وفقا للتشفي بهم بل كان في استسلامهم وإسلامهم لعينه قرة ولقلبه مسرة فقيل له أبصر
ويحتمل على هذا إن شاء الله أن يكون من فوائد قوله تعالى في هذه فسوف يبصرون أي يبصرون منك عليهم بالأمان ومننا عليهم بالإيمان
ومنه قوله تعالى لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن 3
وللتكرار هنا فائدتان
إحداهما أن التحريم قد يكون في الطرفين ولكن يكون المانع من إحداهما كما لو ارتدت الزوجية قبل الدخول يحرم النكاح من الطرفين والمانع من جهتهما فذكر الله سبحانه الثانية ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما
والثانية أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي ولهذا أتى فيها بالاسم الدال على الثبوت والثانية في المستقبل ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل

(3/23)


ومنه تكرار الإضراب
واعلم أن بل إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب
وهو أما أن يقع في كلام الخلق ومعناه إبطال ما سبق على طريق الغلط من المتكلم أو أن الثاني أولى
وإما أن يقع في كلام الله تعالى وهو ضربان
أحدهما أن يكون ما فيها من الرد راجعا إلى العباد كقوله تعالى قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر 1
والثاني أن يكون إبطالا ولكنه على أنه قد انقضى وقته وأن الذي بعده أولى بالذكر كقوله تعالى بل أدراك علمهم في الآخرة بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب 2
وزعم ابن مالك في شرح الكافية أن بل حيث وقعت في القرآن النرآن فإنها للاستئناف لغرض آخر لإبطال وهو مردود بما سبق وبقوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون 3 فأضرب بها عن قولهم وأبطل 2كذبهم
وقوله بل أنتم قوم عادون 4 أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور وترك الازواج
ومنه قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله 5

(3/24)


فالأول للمطلقين والثاني للشهود نحو وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن 1 أولها للأزواج وآخرها للأولياء0
ومنه تكرار الأمثال كقوله تعالى وما يستوي الآعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات 2
وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة3 ثناه الله تعالى
قال الزمخشري والثاني أبلغ4 من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته قال ولذلك أخر وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون الى الأغلظ
ومنه تكرار القصص في القرآن كقصة إبليس في السجود لآدم وقصة موسى وغيره من الأنبياء قال بعضهم ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه قال ابن العربي5 في القواصم ذكر الله قصة نوح في خمسة وعشرين آية وقصة موسى في سبعين آية انتهى
وإنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر وهي أمور

(3/25)


أحدها أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا ألا ترى أنه ذكر الحية1 في عصا موسى عليه السلام وذكرها في موضع آخر ثعبانا ففائدته أن ليس كل حية ثعبانا2 وهذه عادة البلغاء أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة لصفة زائدة
الثانية أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله ثم يهاجر بعده آخرون يحكمون عنه ما نزل بعد صدور الاولين وكان أكثر من آمن به مهاجريا فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى آخرين وكذلك سائر القصص فأراد الله سبحانه وتعالى اشتراك الجميع فيها فيكون فيه إفادة القوم وزيادة تأكيد وتبصرة3 لاخرين وهم الحاضرون وعبر عن هذا ابن الجوزي وغيره
الثالثة تسليته لقلب النبي صلى الله عليه و سلم مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم4 قال تعالى وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك 5
الرابعة أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة
الخامسة أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الاحكام فلهذا كررت القصص دون الأحكام

(3/26)


السادسة أن الله تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية لصحة نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ثم بين وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا بأي عبارة عبروا قال ابن فارس1 وهذا هو الصحيح
السابعة أنه لما سخر العرب بالقرآن قال فأتوا بسورة من مثله 3 وقال في موضع آخر فأتوا بعشر سور 3 فلو ذكر قصة آدم مثلا في موضع واحد واكتفى بها لقال العربي بما قال الله تعالى فأتوا بسورة من مثله إيتونا أنتم بسورة من مثله فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه
الثامنة أن القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ فأن كل واحدة لا بد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد فيه لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها فكأن الله تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء ثم قسم تلك الاجزاء على تارات4 التكرار لتوجد متفرقة فيها ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة من انفراد كل قصة منها بموضع كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف عليه السلام خاصة فاجتمعت في هذه الخاصية من نظم القرآن عدة معان عجيبة
منها أن التكرار5 فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع في اللفظ هجنة ولا أحدث مللا فباين بذلك كلام المخلوقين
ومنها أنه ألبسها زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا ليخرج بذلك الكلام أن

(3/27)


تكون ألفاظه واحدة بأعيانها فيكون شيئا معادا فنزهه عن ذلك بهذه التغييرات
ومنها أن المعاني التي اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص صارت متفرقة في تارات التكرير فيجد البليغ لما فيها من التغيير ميلا إلى سماعها لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة
ومنها ظهور الأمر العجيب في أخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد وقد كان المشركون في عصر النبي صلى الله عليه و سلم يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير أنواع النظم وبيان وجوه التأليف فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود الى قدرة من لا يلحقه نهاية ولا يقع على كلامه عدد لقوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا 1 وكقوله ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده000 2 الآية
وقال القفال3 في تفسيره ذكر الله في أقاصيص بني اسرئيل وجوها من المقاصد أحدها الدلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه و سلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم وذلك لا يمكن إلا بالوحي
الثاني تعديد النعم على بني إسرائيل وما من الله على أسلافهم من الكرامة والفضل كالنجاة من آل فرعون وفرق البحر لهم وما أنزل عليه في التيه من المن والسلوى وتفجر الحجر وتظليل الغمام

(3/28)


الثالث إخبار الله نبيه بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاوتهم وتعنتهم على الأنبياء فكأنه تعالى يقول إذا كانت هذه معاملتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من العذاب بسببه فغير بدع ما يعامله أخلافهم محمد صلى الله عليه و سلم
الرابع تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه و سلم من نزول العذاب بهم كما نزل بأسلافهم
وهنا سؤالان
أحدهما ما الحكمة في عدم تكرر قصة يوسف عليه السلام وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص
والجواب من وجوه
الأول فيها من تشبيب النسوة به وتضمن الإخبار عن حال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالا وأرفعهم مثالا فناسب عدم تكرارها لما فيها من الإعضاء والستر عن ذلك وقد صحح الحاكم في مستدركه حديثا مرفوعا النهي عن تعليم النساء سورة يوسف
الثاني أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس وقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم فلما اختصت هذه القصة في سائر القصص بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص
الثالث قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلى الله عليه و سلم قال لهم

(3/29)


أن كان من تلقاء نفسي تصديره على الفصاحة فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في قصص سائر الأنبياء
السؤال الثاني أنه سبحانه وتعالى ذكر قصة قوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى في سورة الأعراف وهود والشعراء ولم يذكر معهم قصة إبراهيم وإنما ذكرها في سورة الأنبياء ومريم والعنكبوت والصافات
والسر في ذلك أن تلك السور الأول ذكر الله فيها نصر رسله بإهلاك قومهم ونجاء الرسل وأتباعهم وهذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم بل كان المقصود ذكر الأنبياء وإن لم يذكر قومهم ولهذا سميت سورة الأنبياء فذكر فيها إكرامه للأنبياء وبدأ بقصة إبراهيم إذ كان المقصود ذكر كرامته الأنبياء قبل محمد وإبراهيم أكرمهم على الله وهو خير البرية وهو أب أكثرهم وليس هو أب نوح ولوط لكن لوط من أتباعه وأيوب من ذريته بدليل قوله تعالى في سورةالأنعام ومن ذريته داود وسليمان وأيوب 1
وأما سورة العنكبوت فإنه سبحانه وتعالى ذكر فيها امتحانه للمؤمنين نصره لهم وحاجتهم الى الجهاد وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر وعاقبة من كذب الرسل فذكر قصة إبراهيم لأنها من النمط الأول
وكذلك في سورة الصافات قال فيها ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فأنظركيف كان عاقبة المنذرين 2 وهذا يقتضي أنها عاقبة رديئة إما بكونهم غلبوا وذلوا وإما بكونهم أهلكوا ولهذا ذكر قصة إلياس دون غيرها ولم يذكر إهلاك قومه بل قال فكذبوه فإنهم لمحضرون 3

(3/30)


وقد روى أن الله رفع إلياس وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة فإن إلياس لم يقم بينهم وإلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال وبعد نوح لم يهلك جميع النوع وقد بعث الله في كل أمة نذيرا والله سبحانه لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا كما ذكر ذلك عن غيرهم بل ذكر أنهم ألقوه في النار فجعلها بردا وسلاما وفي هذا ظهور برهانه وآياته حيث أذلهم ونصره وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين 1 وهذا من جنس المجاهد الذي يعرض عدوه والقصص الأول من جنس المجاهد الذي 2 قتل عدوه وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر وتركهم وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين أظهرهم حتى هلكوا ولم يوجد في حق إبراهيم سبب الهلاك وهو إقامته فيهم وانتظار العذاب النازل وهكذا محمد صلى الله عليه و سلم مع قومه لم يقم فيهم بل خرج عنهم حتى أظهره الله عليهم بعد ذلك ومحمد وإبراهيم أفصل الرسل فإنهم إذا علموا حصل المقصود وقد يتوب منهم من تاب كما جرى لقوم يونس فهذا والله أعلم هو السر في أنه سبحانه لم يذكر قصة إبراهيم مع هؤلاء لأنها ليست من جنس واقعتهم
فإن قيل فما وجه الخصوصية بمحمد وإبراهيم بذلك
فالجواب أما حالة إبراهيم فكانت الى الرحمة أميل فلم يسع في هلاك قومه لا بالدعاء ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم وقد قال الله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم 3 وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم فعوقبوا وقوم إبراهيم وإن أوصلوه الى العذاب لكن جعله الله عليه بردا وسلاما

(3/31)


ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب إذ الدنيا ليس دار الجزاء العام وإنما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة والمصلحة كما في العقوبات الشرعية فمن أرادوا عداوة أحد من أتباع الأنبياء ليهلكوه فعصمه الله وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه ولم يهلك أعداءه بل أخزاهم ونصره فهو أشبه بإبراهيم عليه السلام إذ عصمه الله من كيدهم وأظهره حتى صارت الحرب بينهم وبينه سجالا ثم كانت له العاقبة فهو أشبه بحال محمد صلى الله عليه و سلم فإن محمدا سيد الجميع وهو خليل الله كما أن إبراهيم عليه السلام خليله والخليلان هما أفضل الجميع وفي طريقهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريق غيرهما ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم ذنبا غير الشرك وكذلك عن قوم نوح وأما عاد فذكر عنهم التجبر وعمارة الدنيا وقوم صالح ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الأنبياء وأهل مدين الظلم في الاموال مع الشرك وقوم لوط استحلال الفاحشة ولم يذكر أنهم أقروا بالتوحيد بخلاف سائر الامم وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين وإنما كان دينهم استحلال الفاحشة وتوابع ذلك وكانت عقوبتهم أشد
وهذه الأمور تدل على حكمة الرب وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم ولما لم يكن في قوم نوح خير يرجى غرق الجميع والله المستعان
فتأمل هذا الفصل وعظم فوائده وتدبر حكمته فإنه سر عظيم من أسرار القرآن العظيم كقوله تعال أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى 1 فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف وكان يكفي أن يقال فيها أنهار من ماء ومن لبن ومن خمر ومن

(3/32)


عسل لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا1 الماء مجازا للتشبيه فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز
فإن قلت فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة قيل لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة وهو قريب في المنع من الذي قبله فائدة
في صنيعهم عند استثقال تكرار اللفظ
قد يستثقلون تكرار اللفظ فيعدلون لمعناه كقوله تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا 2 فإنه لما أعيد اللفظ غير فعل إلى أفعل فلما ثلث ترك اللفظ أصلا فقال رويدا
وقوله تعالى لقد جئت شيئا نكرا 3 ثم قال إمرا 3
قال الكسائي معناه شيئا منكرا كثير الدهاء من جهة الإنكار من قولهم أمر القوم إذا كثروا
قال الفارسي وأنا أستحسن قوله هذا
وقوله تعالى ارجعوا وراءكم 4 قال الفارسي وراءكم في موضع فعل الأمر أي تأخروا والمعنى ارجعوا تأخروا فهو تأكيد وليست ظرفا لأن الظروف لا يؤكد بها
وإذا تكرر اللفظ بمرادفة جازت الإضافة كقوله تعالى عذاب من رجز

(3/33)


أليم 1 والقصد المبالغة أي عذاب مضاعف وبالعطف كقوله تعالى إنما أشكو بثي وحزني إلى الله 2 وقوله فأعفوا واصفحوا 3
القسم الخامس عشر
الزيادة في بنية الكلمة
واعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل الى وزن آخر أعلى منه فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني فإذا زيدت في الإلفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة
ومنه قوله تعالى فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر 4 فهو أبلغ من قادر لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة لا يرد شيء عن اقتضاء قدرته ويسمى هذا قوة اللفظ لقوة المعنى
وكقوله تعالى واصطبر فإنه أبلغ من الأمر بالصبر من أصبر
وقوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت 5 لأنه لما كانت السيئة ثقيلة وفيها تكلف زيد في لفظ فعلها
وقوله تعالى وهم يصطرخون فيها 6 فإنه أبلغ من يتصارخون
وقوله تعالى فكبكبوا فيها 7 ولم يقل وكبوا قال الزمخشري8 والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى

(3/34)


في جهنم ينكب4 كبة مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها اللهم أجرنا منها خير مستجار
وقريب من هذا قول الخليل في قول العرب صر الجندب وصرصر البازي كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة فقالوا صر صريرا فمدوا وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا صرصر
ومنه الزيادة بالتشديد ايضا فإن ستارا وغفارا أبلغ من ساتر وغافر ولهذا قال تعالى فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا 3 ومن هذا رجح بعضهم معنى الرحمن على معنى الرحيم لما فيه من زيادة البناء وهو الألف والنون وقد سبق في السادس
ويقرب منه التضعيف ويقال التكثير وهو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع الفعل مرة بعد مرة وشرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف وإنما جعله متعديا تضعيفه ولهذا رد علىالزمخشري في قوله تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا 3 حيث جعل نزلنا هنا للتضعيف
وقد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم قليلا نحو موت المال
وجاء حيث لا يمكن فيه التكثير كقوله تعالى لولا أنزل عليه آية من ربه 4 لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا 5
فإن قلت فأمتعه قليلا 6 مشكل على هذه القاعدة لأنه إذا كان فعل للتكثير فكيف جاء قليلا نعتا لمصدر متع وهذا وصف كثير بقليل وإنه ممنوع

(3/35)


قلت وصفت بالقلة من حيث صيرورته إلى نفاد ونقص وفناء
واعلم أن زيادة المعنى في هذا القسم مقيد بنقل صيغة الرباعي غير موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة فقوله تعالى وكلم الله موسى تكليما 1 لا يدل على كثرة صدور الكلام منه لأنه غير منقول عن ثلاث
وكذا قوله ورتل القرآن ترتيلا 2 يدل على كثرة القراءة على هيئة التأني والتدبر
وكذا قوله تعالى وما علمناه الشعر 3 ليس النفي للمبالغة بل نفي أصل الفعل
القسم السادس عشر
التفسير
وتفعله العرب في مواضع التعظيم كقوله تعالى الله لا إله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم 4 قال البيهقي في شرح الأسماء الحسنى قرأت في تفسير الجنيدي أن قوله لا تأخذه سنة 4 تفسير للقيوم
وقوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا 5
وقوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم 6 فإن هذا تفسير للوعد

(3/36)


وقوله تعال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم 1 تفسير للوعد وتبيين له لا مفعول ثان فلم يتعد الفعل منها إلا الى واحد
وقوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب 2 خلقه تفسير للمثل
وقوله تعالى يسومونكم سوء العذاب يذبحون 3 و يذبحون وما بعده تفسير للسوم وهو في القرآن كثير
قال أبو الفتح بن جنى ومتى كانت الجملة تفسيرا لم يحسن الوقف على ما قبلها دونها لأن تفسير الشيء لاحق به ومتمم له وجار مجرى بعض أجزائه كالصلة من الموصول والصفة من الموصوف
وقد يجيء لبيان العلة والسبب كقوله تعالى فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون 4 وليس هذا من قولهم وإلا لما حزن الرسول وإنما يجيء به لبيان السبب في أنه لا يحزنه قولهم
وكذلك قوله ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا 5
ولو جاءت الايتان على حد ما جاء قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم 6 لكانت أن مفتوحة لكنها جاءت على حد قوله 00007

(3/37)


فائدة
قيل الجملة التفسيرية لا موضع لها من الإعراب وقيل يكون لها موضع إذا كان للمفسر موضع ويقرب منها ذكره تفصيلا كما سبق في قوله وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة 1
ومثل فصيام ثلاثة أيام في الحج 2
القسم السابع عشر
خروج اللفظ مخرج الغالب
كقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم 3 فإن الحجر ليس بقيد عند العلماء لكن فائدة التقييد تأكيد الحكم في هذه الصورة مع ثبوته عند عدمها ولهذا قال بعده فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم 3 ولم يقل فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولم يكن في حجوركم فدل على أن الحجر خرج مخرج العادة
واعترض بأن الحرمة إذا كانت بالمجموع فالحل يثبت بانتفاء المجموع والمجموع ينتفي بانتفاء جزئه كما ينتفي بانتفاء كل فرد من المجموع
وأجيب بأنه إذا نفي أحد شطري العلة كان جزء العلة ثابتا فيعمل عملها
فإن قيل لما قال من نسائكم اللاتي دخلتم بهن 3 قال في الآية بعدها

(3/38)


وأحل لكم ما وراء ذلكم 1 علم من مجموع ذلك أن الربيبة لا تحرم إذا لم يدخل بأمها فما فائدة قوله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم 2
قيل فائدته ألا يتوهم أن قيد الدخول خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط كما في الحجر المفهوم إذا خرج مخرج الغالب فلا تقييد فيه عند الجمهور خلافا لإمام الحرمين والشيخ عز الدين بن عبد السلام والعراقي حيث قالوا إنه ينبغي أن يكون حجة بلا خلاف إذا لم تغلب لأن الصفة إذا كانت غالبة دلت العادة عليها فاستغنى المتكلم بالعادة عن ذكرها فلما ذكرها مع استغنائه عنها دل ذلك على أنه لم يرد الإخبار بوقوعها للحقيقة بل ليترتب عليها نفي الحكم من المسكوت أما إذا لم تكن غالبة أمكن أن يقال إنما ذكرها ليعرف السامع أن هذه الصفة تعرض لهذه الحقيقة
ومنه قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق 3
وقوله تعالى وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة 4 وجوزوا أن الرهن لا يختص بالسفر لكن ذكر لأن فقد الكاتب يكون فيه غالبا فلما كان السفر مظنة إعواز الكاتب والشاهد الموثوق بهما أمر على سبيل الإرشاد بحفظ مال المسافرين بأخذ الوثيقة الأخرى وهي الرهن
وقوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم 5 والقصر جائز مع أمن السفر لأن ذلك خرج مخرج الغالب لا الشرط وغالب أسفار رسول الله صلى الله عليه و سلم وأصحابه لم تخل من خوف العدو
ومنهم من جعل الخوف هنا شرطا إن حمل القصر على ترك الركوع والسجود والنزول

(3/39)