صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الإتقان في علوم القرآن - السيوطي ]
الكتاب : الإتقان في علوم القرآن
المؤلف : عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي
عدد الأجزاء : 2

4614 - حذف الصفة نحو يأخذ كل سفينة أي صالحة بدليل أنه قرئ كذلك و أن تعييبها لا يخرجها عن كونها سفينة
الآن جئت بالحق أي الواضح وإلا لكفروا بمفهوم ذلك
فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا أي نافعا
4615 - حذف المعطوف عليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق أي فضرب فانفلق
وحيث دخلت واو العطف على لام التعليل ففي تخريجه وجهان
أحدهما أن يكون تعليلا معلله محذوف كقوله وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك
والثاني أنه معطوف على علة أخرى مضمرة ليظهر صحة العطف أي فعل ذلك ليذيق الكافرين بأسه وليبلي
4616 - حذف المعطوف مع العاطف لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أي ومن أنفق بعده
بيدك الخير أي والشر
4617 - حذف المبدل منه خرج عليه ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب أي لما تصفه والكذب بدل من الهاء
4618 - حذف الفاعل لا يجوز إلا في فاعل المصدر نحو لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي دعائه الخير
وجوزه الكسائي مطلقا لدليل وخرج عليه إذا بلغت التراقي أي الروح حتى توارت بالحجاب أي الشمس
4619 - حذف المفعول تقدم أنه كثير في مفعول المشيئة والإرادة
ويرد في غيرهما نحو إن الذين اتخذوا العجل
أي إلها
كلا سوف تعلمون أي عاقبة أمركم
4620 - حذف الحال يكثر إذا كان قولا نحو والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام أي قائلين

(2/167)


4621 - حذف المنادى ألا يا اسجدوا أي يا هؤلاء
يا ليت أي يا قوم
4622 - حذف العائد يقع في أربعة أبواب
الصلة نحو أهذا الذي بعث الله رسولا أي بعثه
والصفة نحو واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس أي فيه
والخبر نحو وكل وعد الله الحسنى أي وعده
والحال
4623 - حذف مخصوص نعم إنا وجدناه صابرا نعم العبد أي أيوب
فقدرنا فنعم القادرون أي نحن
ولنعم دار المتقين أي الجنة
4624 - حذف الموصول نحو آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم أي والذي أنزل إليكم لأن الذي أنزل إلينا ليس هو الذي أنزل إلى من قبلنا ولهذا أعيدت ما في قوله آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم
4625 - أمثلة حذف الفعل
يطرد إذا كان مفسرا نحو وإن أحد من المشركين استجارك إذا السماء انشقت
قل لو أنتم تملكون
4626 - ويكثر في جواب الاستفهام نحو وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا أي أنزل
4627 - وأكثر منه حذف القول نحو وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا أي يقولان ربنا
4628 - ويأتي في غير ذلك نحو انتهوا خيرا لكم أي وأتوا والذين تبوءوا الدار والإيمان أي وألفوا الإيمان أو اعتقدوا اسكن أنت وزوجك الجنة

(2/168)


أي وليسكن زوجك وامرأته حمالة الحطب أي أذم
والمقيمين الصلاة أي أمدح ولكن رسول الله أي كان
وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم أي يوفوا أعمالهم
4629 - أمثلة حذف الحرف
قال ابن جني في المحتسب أخبرنا أبو علي قال قال أبو بكر حذف الحرف ليس بقياس لأن الحروف إنما دخلت الكلام الكلام لضرب من الاختصار فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصرا لها هي أيضا واختصار المختصر إجحاف به
4630 - حذف همزة الاستفهام
قرأ ابن محيصن سواء عليهم أنذرتهم وخرج عليه هذا ربي في المواضع الثلاثة
وتلك نعمة تمنها أي أو تلك
4631 - حذف الموصوف الحرفي
قال ابن مالك لا يجوز إلا في أن نحو ومن آياته يريكم البرق
4632 - وحذف الجار يطرد مع أن وأن نحو يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم أطمع أن يغفر لي أيعدكم أنكم أي بأنكم
وجاء مع غيرهما نحو قدرناه منازل أي قدرنا له ويبغونها عوجا أي لها يخوف أولياءه أي يخوفكم بأوليائه
واختار موسى قومه أي من قومه
ولا تعزموا عقدة النكاح أي على عقدة النكاح
4633 - حذف العاطف خرج عليه الفارسي ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا أي وقلت وجوه يومئذ ناعمة أي ووجوه عطفا على وجوه يومئذ خاشعة

(2/169)


4634 - حذف فاء الجواب وخرج عليه الأخفش إن ترك خيرا الوصية للوالدين
4635 - حذف حرف النداء كثير ها أنتم أولاء يوسف أعرض قال رب إني وهن العظم مني فاطر السموات والأرض
4636 - وفي العجائب للكرماني كثر حذف يا في القرآن من الرب تنزيها وتعظيما لأن في النداء طرفا من الأمر
4637 - حذف قد في الماضي إذا وقع حالا نحو أو جاءوكم حصرت صدورهم أنؤمن لك واتبعك الأرذلون
4638 - حذف لا النافية يطرد في جواب القسم إذا كان المنفي مضارعا نحو تالله تفتأ
وورد في غيره نحو وعلى الذين يطيقونه فدية أي لا يطيقونه
وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم أي لئلا تميد
4639 - حذف لام التوطئة وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن وإن أطعتموهم إنكم لمشركون
4640 - حذف لام الأمر خرج عليه قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا أي ليقيموا
4641 - حذف لام لقد يحسن مع طول الكلام نحو قد أفلح من زكاها
4642 - حذف نون التوكيد خرج عليه قراءة ألم نشرح بالنصب
4643 - حذف التنوين خرج عليه قل هو الله أحد الله الصمد ولا الليل سابق النهار بالنصب

(2/170)


4644 - حذف نون الجمع خرج عليه قراءة وما هم بضاري به من أحد
4645 - حذف حركة الإعراب والبناء وخرج عليه قراءة فتوبوا إلى بارئكم و يأمركم وبعولتهن أحق بسكون الثلاثة
وكذا أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فأواري سوءة أخي ما بقي من الربا
4646 - أمثلة حذف أكثر من كلمة
حذف مضافين فإنها من تقوى القلوب أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب
فقبضت قبضة من أثر الرسول أي من أثر حافر فرس الرسول تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت أي كدوران عين الذي
وتجعلون رزقكم أي بدل شكر رزقكم
4647 - حذف ثلاثة متضايفات
فكان قاب قوسين أي فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذف ثلاثة من اسم كان وواحد من خبرها
4648 - حذف مفعولي باب ظن أين شركائي الذين كنتم تزعمون أي تزعمونهم شركائي
4649 - حذف الجار مع المجرور خلطوا عملا صالحا أي بسيء وآخر سيئا أي بصالح
4650 - حذف العاطف مع المعطوف تقدم
4651 - حذف حرف الشرط وفعله يطرد بعد الطلب نحو فاتبعوني يحببكم الله أي إن اتبعتموني
قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة أي إن قلت لهم يقيموا
4652 - وجعل منه الزمخشري فلن يخلف الله عهده أي إن اتخذتم عند الله عهدا
فلن يخلف الله

(2/171)


4653 - وجعل منه أبو حيان فلم تقتلون أنبياء الله من قبل أي إن كنتم آمنتم بما أنزل إليكم فلم تقتلون
4654 - حذف جواب الشرط فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء أي فافعل
وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون أي أعرضوا بدليل ما بعده
أئن ذكرتم أي تطيرتم
ولو جئنا بمثله مددا أي لنفذ
ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم أي لرأيت أمرا فظيعا
ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم أي لعذبكم
لولا أن ربطنا على قلبها أي لأبدت به
ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم أي لسلطكم على أهل مكة
4655 - حذف جملة القسم لأعذبنه عذابا شديدا أي والله حذف جوابه
والنازعات غرقا . . الآيات أي لتبعثن
ص والقرآن ذي الذكر أي إنه لمعجز ق والقرآن المجيد أي ما الأمر كما زعموا
4656 - حذف جملة مسببة عن المذكور نحو ليحق الحق ويبطل الباطل أي فعل ما فعل
4657 - حذف جمل كثيرة نحو فأرسلون يوسف أيها الصديق أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا ففعلوا فأتاه فقال له يا يوسف
خاتمة
4658 - تارة لا يقام شيء مقام المحذوف كما تقدم وتارة يقام ما يدل عليه نحو فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم فليس الإبلاغ هو الجواب لتقدمه

(2/172)


على توليهم وإنما التقدير فإن تولوا فلا لوم علي أو فلا عذر لكم لأني أبلغتكم
وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك أي فلا تحزن واصبر
وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين أي يصيبهم مثل ما أصابهم
فصل في نوعي الإطناب
4659 - كما انقسم الإيجاز إلى إيجاز قصر وإيجاز حذف كذلك انقسم الإطناب إلى بسط وزيادة
الإطناب بالبسط
4660 - فالأول الإطناب بتكثير الجمل كقوله تعالى إن في خلق السموات والأرض . . الآية في سورة البقرة
أطنب فيها أبلغ الإطناب لكون الخطاب مع الثقلين وفي كل عصر وحين للعالم منهم والجاهل والموافق منهم والمنافق
4661 - وقوله الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به فقوله ويؤمنون به إطناب لأن إيمان حملة العرش معلوم وحسنه إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه
وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وليس من المشركين مزك
والنكتة الحث للمؤمنين على أدائها والتحذير من المنع حيث جعل من أوصاف المشركين
الإطناب بالزيادة
4662 - والثاني يكون بأنواع
أحدها دخول حرف فأكثر من حروف التأكيد السابقة في نوع الأدوات
4663 - وهي إن وأن ولام الابتداء والقسم وألا الاستفتاحية وأما وها التنبيه وكأن في تأكيد التشبيه ولكن في تأكيد الاستدراك وليت في تأكيد

(2/173)


التمني ولعل في تأكيد الترجي وضمير الشأن وضمير الفصل وإما في تأكيد الشرط وقد والسين وسوف والنونان في تأكيد الفعلية ولا التبرئة ولن ولما في تأكيد النفي
وإنما يحسن تأكيد الكلام بها إذا كان المخاطب به منكرا أو مترددا
4664 - ويتفاوت التأكيد بحسب قوة الإنكار وضعفه كقوله تعالى حكاية عن رسل عيسى إذ كذبوا في المرة الأولى إنا إليكم مرسلون فأكد بأن وإسمية الجملة
وفي المرة الثانية قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون فأكد بالقسم وإن واللام وإسمية الجملة لمبالغة المخاطبين في الإنكار حيث قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون
4665 - وقد يؤكد بها والمخاطب به غير منكر لعدم جريه على مقتضى إقراره فينزل منزلة المنكر
وقد يترك التأكيد وهو معه منكر لأن معه أدلة ظاهرة لو تأملها لرجع عن إنكاره وعلى ذلك يخرج قوله ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون أكد الموت تأكيدين وإن لم ينكر لتنزيل المخاطبين لتماديهم في الغفلة تنزيل من ينكر الموت وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان أشد نكيرا لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر فنزل المخاطبون منزلة غير المنكر حثا لهم على النظر في أدلته الواضحة
ونظيره قوله تعالى لا ريب فيه نفى عنه الريبة ب لا على سبيل الاستغراق مع أنه ارتاب فيه المرتابون لكن نزل منزلة العدم تعويلا على ما يزيله من الأدلة الباهرة كما نزل الإنكار منزلة عدمه لذلك
4666 - وقال الزمخشري بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان على أن يكون الموت نصب عينيه ولا يغفل عن ترقبه فإن مآله إليه فكأنه أكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي حتى كأنه يخلد ولم يؤكد جملة البعث إلا بإن لأنه أبرز في صورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكارا

(2/174)


4667 - وقال التاج بن الفركاح أكد الموت ردا على الدهرية القائلين ببقاء النوع الإنساني خلفا عن سلف واستغنى عن تأكيد البعث هنا لتأكيده والرد على منكره في مواضع كقوله قل بلى وربي لتبعثن
4668 - وقال غيره لما كان العطف يقتضي الاشتراك استغنى عن إعادة اللام لذكرها في الأول
4669 - وقد يؤكد بها أي اللام للمستشرف الطالب الذي قدم له ما يلوح بالخبر فاستشرفت نفسه إليه نحو ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي لا تدعني يا نوح في شأن قومك فهذا الكلام يلوح بالخبر تلويحا ويشعر بأنه قد حق عليهم العذاب فصار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم هل صاروا محكوما عليهم بذلك أو لا فقيل إنهم مغرقون بالتأكيد
4670 - وكذا قوله يأيها الناس اتقوا ربكم لما أمرهم بالتقوى وظهور ثمرتها والعقاب على تركها محله الآخرة تشوقت نفوسهم إلى وصف حال الساعة فقال إن زلزلة الساعة شيء عظيم بالتأكيد ليقرر عليه الوجوب
4671 - وكذا قوله وما أبرئ نفسي فيه تحيير للمخاطب وتردد في أنه كيف لا يبريء نفسه وهي برئية زكية ثبتت عصمتها وعدم مواقعتها السوء فأكده
بقوله إن النفس لأمارة بالسوء
4672 - وقد يؤكد لقصد الترغيب نحو فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم أكد بأربع تأكيدات ترغيبا للعباد في التوبة
4673 - وقد سبق الكلام على أدوات التأكيد المذكورة ومعانيها ومواقعها في النوع الأربعين
1 - فائدة
4674 - إذا اجتمعت إن واللام كان بمنزلة تكرير الجملة ثلاث مرات

(2/175)


لأن إن أفادت التكرير مرتين فأذا دخلت اللام صارت ثلاثا
وعن الكسائي أن اللام لتوكيد الخبر وإن لتوكيد الاسم
وفيه تجوز لأن التوكيد للنسبة لا للاسم ولا للخبر وكذلك نون التوكيد الشديدة بمنزلة تكرير الفعل ثلاثا والخفيفة بمنزلة تكريره مرتين
فقال سيبويه في نحو يأيها الألف والهاء لحقتا أيا توكيدا فكأنك كررت يا مرتين وصار الاسم تنبيها
هذا كلامه وتابعه الزمخشري
2 - فائدة
4675 - قوله تعالى ويقول الإنسان أئذا مامت لسوف أخرج حيا قال الجرجاني في نظم القرآن ليست اللام فيه للتأكيد فإنه منكر فكيف يحقق ما ينكره وإنما قاله حكاية لكلام النبي الصادر منه بأداة التأكيد فحكاه فنزلت الآية على ذلك
النوع الثاني دخول الأحرف الزائدة
4676 - قال ابن جني كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى
4677 - وقال الزمخشري في كشافه القديم الباء في خبر ما وليس لتأكيد النفي كما أن اللام لتأكيد الإيجاب
4678 - وسئل بعضهم عن التأكيد بالحرف وما معناه إذ إسقاطه لا يخل بالمعنى فقال هذا يعرفه أهل الطباع يجدون من زيادة الحرف معنى لا يجدونه بإسقاطه
قال ونظيره العارف بوزن الشعر طبعا إذا تغير عليه البيت بنقص أنكره وقال أجد نفسي على خلاف ما أجدها بإقامة الوزن
فكذلك هذه الحروف تتغير نفس المطبوع بنقصانها ويجد نفسه بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقصانه
ثم باب الزيادة في الحروف وزيادة الأفعال قليل والأسماء أقل
4679 - أما الحروف فيزداد منها إن وأن وإذ وإذا وإلى وأم والباء والفاء وفي والكاف واللام ولا وما ومن والواو وتقدمت في نوع الأدوات مشروحة

(2/176)


4680 - وأما الأفعال فزيد منها كان وخرج عليه كيف نكلم من كان في المهد صبيا وأصبح وخرج عليه فأصبحوا خاسرين
4681 - وقال الرماني العادة أن من به علة تزاد بالليل أن يرجو الفرج عندالصباح فاستعمل أصبح لأن الخسران حصل لهم في الوقت الذي يرجون فيه الفرج فليست زائدة
4682 - وإما الأسماء فنص أكثر النحويين على أنها لا تزاد ووقع في كلام المفسرين الحكم عليها بالزيادة في مواضع كلفظ مثل في قوله فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به أي بما
النوع الثالث التأكيد الصناعي
4683 - وهو أربعة أقسام
أحدها التوكيد المعنوي بكل واجمع وكلا وكلتا نحو فسجد الملائكة كلهم أجمعون وفائدته رفع توهم المجاز وعدم الشمول
4684 - وادعى الفراء أن كلهم أفادت ذلك و أجمعون أفادت اجتماعهم على السجود وأنهم لم يسجدوا متفرقين
4685 - ثانيها التأكيد اللفظي وهو تكرار اللفظ الأول إما بمرادفه نحو ضيقا حرجا بكسر الراء و غرابيب سود وجعل منه الصفار
فيما إن مكناكم فيه على القول بأن كليهما للنفي
وجعل منه غيره قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فوراء هنا ليس ظرفا لأن لفظ ارجعوا ينبئ عنه بل هو اسم فعل بمعنى ارجعوا فكأنه قال ارجعوا ارجعوا
4686 - وإما بلفظه ويكون في الاسم والفعل والحرف والجملة
فالاسم والجملة نحو قوارير قوارير دكا دكا
4687 - والفعل فمهل الكافرين أمهلهم

(2/177)


4688 - واسم الفعل نحو هيهات هيهات لما توعدون
4689 - والحرف نحو ففي الجنة خالدين فيها أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم
4690 - والجملة نحو فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا
4691 - والأحسن اقتران الثانية بثم نحو وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون
4692 - ومن هذا النوع تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل نحو اسكن أنت وزوجك الجنة فاذهب أنت وربك وأما أن نكون نحن الملقين
4693 - ومن تأكيد المنفصل بمثله وهم بالآخرة هم كافرون
4694 - ثالثها تأكيد الفعل بمصدره وهو عوض من تكرار الفعل مرتين وفائدته رفع توهم المجاز في الفعل بخلاف التوكيد السابق فإن لرفع توهم المجاز في المسند إليه
كذا فرق به ابن عصفور وغيره
ومن ثم رد بعض أهل السنة على بعض المعتزلة في دعواه نفي التكليم حقيقة بقوله وكلم الله موسى تكليما لأن التوكيد رفع المجاز في الفعل
ومن أمثلته وسلموا تسليما يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا جزاؤكم جزاء موفورا
4695 - وليس منه وتظنون بالله الظنونا بل هو جمع ظن لاختلاف أنواعه
وأما إلا أن يشاء ربي شيئا فتحتمل أن يكون منه وأن يكون الشيء بمعنى الأمر والشأن
4696 - والأصل في هذا النوع أن ينعت بالوصف المراد نحو اذكروا الله

(2/178)


ذكرا كثيرا وسرحوهن سراحا جميلا
وقد يضاف وصفه إليه نحو اتقوا الله حق تقاته وقد يؤكد بمصدر فعل آخر أو إسم عين نيابه عن المصدر نحو وتبتل إليه تبتيلا والتبتيل مصدر بتل
والله أنبتكم من الأرض نباتا أي إنباتا إذ النبات إسم عين
4697 - رابعها الحال المؤكدة نحو ويوم أبعث حيا ولا تعثوا في الأرض مفسدين وأرسلناك للناس رسولا ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد
4698 - وليس منه ولى مدبرا لأن التولية قد لا تكون إدبارا بدليل قوله فول وجهك شطر المسجد الحرام
ولا فتبسم ضاحكا لأن التبسم قد لا يكون ضحكا ولا وهو الحق مصدقا لاختلاف المعنيين إذ كونه حقا في نفسه غير كونه مصدقا لما قبله
النوع الرابع التكرير
4699 - وهو أبلغ من التأكيد وهو من محاسن الفصاحة خلافا لبعض من غلط
وله فوائد
منها التقرير وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر وقد نبه تعالى على السبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا
4700 - ومنها التأكيد
4701 - ومنها زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ومنه وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع فإنه كرر فيه النداء لذلك

(2/179)


4702 - ومنها إذا طال الكلام وخشي تناسى الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده ومنه ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها ولما جاءهم كتاب من عند الله إلى قوله فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم
4703 - ومنها التعظيم والتهويل نحو الحاقة ما الحاقة القارعة ما القارعة وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين
4704 - فإن قلت هذا النوع أحد أقسام النوع الذي قبله فإن منها التأكيد بتكرار اللفظ فلا يحسن عده نوعا مستقلا
قلت هو يجامعه ويفارقه ويزيد عليه وينقص عنه فصار أصلا برأسه فإنه قد يكون التأكيد تكرارا كما تقدم في أمثلته وقد لا يكون تكرارا كما تقدم أيضا وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة وإن كان مفيدا للتأكيد معنى
4705 - ومنه ما وقع فيه الفصل بين المكررين فإن التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكده نحو اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين فالآيتان من باب التكرير لا التأكيد اللفظي الصناعي
ومنه الآيات المتقدمة في التكرير للطول
4706 - ومنه ما كان لتعدد المتعلق بأن يكون المكرر ثانيا متعلقا بغير ما تعلق به الأول وهذا القسم يسمى بالترديد كقوله الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري وقع فيها الترديد أربع مرات

(2/180)


4707 - وجعل منه قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان فإنها وإن تكررت نيفا وثلاثين مرة فكل واحدة تتعلق بما قبلها ولذلك زادت على ثلاثة ولو كان الجميع عائدا إلى شيء واحد لما زاد على ثلاثة لأن التأكيد لا يزيد عليها
قاله ابن عبد السلام وغيره
4708 - وإن كان بعضها ليس بنعمة فذكر النقمة للتحذير نعمة
وقد سئل أي نعمة في قوله كل من عليها فان فأجيب بأجوبة أحسنها النقل من دار الهموم إلى دار السرور وإراحة المؤمن والبار من الفاجر
4709 - وكذا قوله ويل يومئذ للمكذبين في سورة المرسلات لأنه تعالى ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول فكأنه قال عقب كل قصة ويل يومئذ للمكذب بهذه القصة
4710 - وكذا قوله في سورة الشعراء إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم كررت ثماني مرات كل مرة عقب كل قصة فالإشارة في كل واحدة بذلك إلى قصة النبي المذكور قبلها وما اشتملت عليه من الآيات والعبر
وبقوله وما كان أكثرهم مؤمنين إلى قومه خاصة ولما كان مفهومه أن الأقل من قومه آمنوا أتى بوصف العزيز الرحيم للإشارة إلى أن العزة على من لم يؤمن منهم والرحمة لمن آمن
4711 - وكذا قوله في سورة القمر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قال الزمخشري كرر ليجددوا عند سماع كل نبأ منها إتعاظا وتنبيها وإن كلا من تلك الأنباء مستحق لإعتبار يختص به وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة
4712 - قال في عروس الأفراح فإن قلت إذا كان المراد بكل ما قبله فليس

(2/181)


ذلك بإطناب بل هي ألفاظ كل أريد به غير ما أريد بالآخر
قلت إذا قلنا العبرة بعموم اللفظ فكل واحد أريد به ما أريد بالآخر ولكن كرر ليكون نصا فيما يليه وظاهرا في غيره
فإن قلت يلزم التأكيد قلت والأمر كذلك ولا يرد عليه أن التأكيد لا يزاد به عن ثلاثة لأن ذاك في التأكيد الذي هو تابع أما ذكر الشيء في مقامات متعددة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع
انتهى
4713 - ويقرب من ذلك ما ذكره ابن جرير في قوله تعالى ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا إلى قوله وكان الله غنيا حميدا ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا قال فإن قيل ما وجه تكرار قوله ولله ما في السموات وما في الأرض في آيتين إحداهما في أثر الأخرى قلنا لإختلاف معنى الخبرين عما في السموات والأرض وذلك أن الخبر عنه في إحدى الآيتين ذكر حاجته إلى بارئه وغنى بارئه عنه
وفي الأخرى حفظ بارئه إياه وعلمه به وبتدبيره قال فإن قيل أفلا قيل وكان الله غنيا حميدا وكفى بالله وكيلا قيل ليس في الآية الأولى ما يصلح أن تختتم بوصفه معه بالحفظ والتدبير
إنتهى
4714 - وقال تعالى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب قال الراغب الكتاب الأول ما كتبوه بأيديهم المذكور في قوله تعالى فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم والكتاب الثاني التوراة والثالث الجنس كتب الله كلها أي ما هو من شيء من كتب الله وكلامه
4715 - ومن أمثلة ما يظن تكرارا وليس منه قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون إلى آخرها فإن لا أعبد ما تعبدون أي في المستقبل ولا أنتم عابدون أي في الحال ما أعبد في المستقبل ولا أنا عابد أي في الحال ما عبدتم في الماضي ولا أنتم عابدون أي في المستقبل ما أعبد أي في الحال
فالحاصل أن القصد نفى عبادته لآلهتهم في الأزمنة الثلاثة
4716 - وكذا فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم ثم قال

(2/182)


فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم ثم قال واذكروا الله في أيام معدودات فإن المراد بكل واحد من هذه الأذكار غير المراد بالآخر فالأول الذكر في مزدلفة عند الوقوف بقزح وقوله واذكروه كما هداكم إشارة إلى تكرره ثانيا وثالثا ويحتمل أن يراد به طواف الإفاضة بدليل تعقيبه بقوله فإذا قضيتم والذكر الثالث إشارة إلى رمي جمرة العقبة والذكر الأخير لرمي أيام التشريق
4717 - ومنه تكرير حرف الإضراب في قوله بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر وقوله بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون
4718 - ومنه قوله ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ثم قال وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين فكرر الثاني ليعم كل مطلقة فإن الآية الأولى في المطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة وقيل لأن الأولى لا تشعر بالوجوب ولهذا لما نزلت قال بعض الصحابة إن شئت أحسنت وإن شئت فلا فنزلت الثانية أخرجه ابن جرير
4719 - ومن ذلك تكرير الأمثال كقوله وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات
4720 - وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة بالمستوقد نارا ثم ضربه بأصحاب الصيب
قال الزمخشري والثاني أبلغ من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته قال ولذلك أخر وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ
4721 - ومن ذلك تكرير القصص كقصة آدم وموسى ونوح وغيرهم من الأنبياء قال بعضهم ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه
4722 - وقال ابن العربي في القواصم ذكر الله قصة نوح في خمس وعشرين آية وقصة موسى في تسعين آية

(2/183)


4723 - وقد ألف البدر بن جماعة كتابا سماه المقتنص في فوائد تكرار القصص وذكر في تكرير القصص فوائد
منها أن في كل موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله أو إبدال كلمة بأخرى لنكتة وهذه عادة البلغاء
4724 - ومنها أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله ثم يهاجر بعده آخرون يحكون ما نزل بعد صدور من تقدمهم فلولا تكرار القصص لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم آخرين وكذا سائر القصص فأراد الله إشتراك الجميع فيها فيكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد لآخرين
4725 - ومنها أن في إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا يخفى من الفصاحة
4726 - ومنها أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام فلهذا كررت القصص دون الأحكام
4727 - ومنها أنه تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا ثم أوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله أي بأي نظم جاءوا وبأي عبارة عبروا
4728 - ومنها أنه لما تحداهم قال فأتوا بسورة من مثله فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفي بها لقال العربي ائتونا أنتم بسورة من مثله فأنزلها سبحانه وتعالى في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه
4728 - ومنها أن القصة لما كررت كان في ألفاظها في كل موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النظم وجذب النفوس إلى سماعها لما جبلت عليه من حب التنقل في الأشياء المتجددة واستلذاذها بها وإظهار خاصة القرآن حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللفظ ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين

(2/184)


4729 - وقد سئل ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص وأجيب بوجوه
أحدها أن فيها تشبيب النسوة به وحال إمرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالا فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والستر وقد صحح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف
ثانيها أنها إختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس وقوم نوح وهود وصالح وغيرهم فلما اختصت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص
ثالثها قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب كأن النبي قال لهم إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص
قلت وظهر لي جواب رابع وهو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم كما رواه الحاكم في مستدركه فنزلت مبسوطة تامة ليحصل لهم مقصود القصص من إستيعاب القصة وترويح النفس بها والإحاطة بطرفيها
وجواب خامس وهو أقوى ما يجاب به أن قصص الأنبياء إنما كررت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول الله فكلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب كما حل على المكذبين ولهذا قال تعالى في آيات فقد مضت سنة الأولين ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك
4730 - وبهذا أيضا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة موسى مع الخضر وقصة الذبيح
4731 - فإن قلت قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى مرتين وليست من قبيل ما ذكرت
قلت الأولى في سورة كهيعص وهي مكية أنزلت خطابا لأهل مكة والثانية في سورة آل عمران وهي مدنية أنزلت خطابا لليهود ولنصارى نجران حين قدموا ولهذا اتصل بها ذكر المحاجة والمباهلة

(2/185)


النوع الخامس الصفة
4732 - وترد لأسباب
أحدها التخصيص في النكرة نحو فتحرير رقبة مؤمنة
4733 - الثاني التوضيح في المعرفة أي زيادة البيان نحو ورسوله النبي الأمي
4734 - الثالث المدح والثناء ومنه صفات الله تعالى نحو بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين هو الله الخالق الباريء المصور
4735 - ومنه يحكم النبيون الذين أسلموا فهذا الوصف للمدح وإظهار شرف الإسلام والتعريض باليهود وأنهم بعداء عن ملة الإسلام الذي هو دين الأنبياء كلهم وأنهم بمعزل عنها
قاله الزمخشري
4736 - الرابع الذم نحو فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم
4737 - الخامس التأكيد لرفع الإيهام نحو لا تتخذوا إلهين اثنين فإن إلاهين للتثنية فاثنين بعده صفة مؤكدة للنهي عن الإشراك ولإفادة أن النهي عن إلاهين إنما هو لمحض كونهما إثنين فقط لا لمعنى آخر من كونهما عاجزين أو غير ذلك
ولأن الوحدة تطلق ويراد بها النوعية كقوله إنما نحن وبنو المطلب شيء واحد وتطلق ويراد بها نفي العدة فالتثنية باعتبارها فلو قيل لا تتخذوا الهين فقط لتوهم أنه نهى عن إتخاذ جنسين آلهة وإن جاز أن يتخذ من نوع واحد عدد آلهة ولهذا أكد بالوحدة قوله إنما هو إله واحد
4738 - ومثله فاسلك فيها من كل زوجين اثنين على قراءة تنوين كل وقوله فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة فهو تأكيد لرفع توهم تعدد النفخة لأن هذه الصيغة قد تدل على الكثرة بدليل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها

(2/186)


4739 - ومن ذلك قوله فإن كانتا اثنتين فإن لفظ كانتا تفيد التثنية فتفسيره بإثنتين لم يفد زيادة عليه
4740 - وقد أجاب عن ذلك الأخفش والفارسي بأنه أفاد العدد المحض مجردا عن الصفة لأنه قد كان يجوز أن يقال فإن كانتا صغيرتين أو كبيرتين أو صالحتين أو غير ذلك من الصفات فلما قال اثنتين أفهم أن فرض الثنتين تعلق بمجرد كونهما ثنتين فقط وهي فائدة لا تحصل من ضمير المثنى
وقيل أراد فإن كانتا اثنتين فصاعدا فعبر بالأدنى عنه وعما فوقه إكتفاء
ونظيره فإن لم يكونا رجلين والأحسن أن الضمير عائد على الشهيدين المطلقين
4741 - ومن الصفات المؤكدة قوله ولا طائر يطير بجناحيه فقوله يطير لتأكيد أن المراد بالطائر حقيقته فقد يطلق مجازا على غيره وقوله بجناحيه لتأكيد حقيقة الطيران لأنه يطلق مجازا على شدة العدو والإسراع في المشي
4742 - ونظيره يقولون بألسنتهم لأن القول يطلق مجازا على غير اللسان بدليل ويقولون في أنفسهم
4743 - وكذا ولكن تعمى القلوب التي في الصدور لأن القلب قد يطلق مجازا على العين كما أطلقت العين مجازا على القلب في قوله الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى
1 - قاعدة
4744 - الصفة العامة لا تأتي بعد الخاصة لا يقال رجل فصيح متكلم بل متكلم فصيح وأشكل على هذه قوله تعالى في إسماعيل وكان رسولا نبيا وأجيب أنه حال لا صفة أي مرسلا في حال نبوته
وقد تقدم في نوع التقديم والتأخير أمثلة من هذه

(2/187)


2 - قاعدة
4745 - إذا وقعت الصفة بعد متضايفين أولهما عدد جاز إجراؤها على المضاف وعلى المضاف إليه فمن الأول سبع سموات طباقا ومن الثاني سبع بقرات سمان
1 - فائدة
4746 - إذا تكررت النعوت لواحد فالأحسن إن تباعد معنى الصفات العطف نحو هو الأول والآخر والظاهر والباطن وإلا تركه نحو ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم
2 - فائدة
4747 - قطع النعوت في مقام المدح والذم أبلغ من إجرائها قال الفارسي إذا ذكرت صفات في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف في إعرابها لأن المقام يقتضي الإطناب فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل لأن المعاني عند الإختلاف تتنوع وتتفنن وعند الإتحاد تكون نوعا واحدا
4748 - مثاله في المدح والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ولكن البر من آمن بالله إلى قوله والموفون بعهدهن إذا عاهدوا والصابرين
4749 - وقرئ شاذا الحمد لله رب العالمين برفع رب ونصبه
4750 - ومثاله في الذم وامرأته حمالة الحطب
النوع السادس البدل
4751 - والقصد به الإيضاح بعد الإبهام وفائدته البيان والتأكيد
أما الأول فواضح أنك إذا قلت رأيت زيدا أخاك بينت أنك تريد بزيد الأخ لا غير
أما التأكيد فلأنه على نية تكرار العامل فكأنه من جملتين ولأنه دل على ما دل عليه

(2/188)


الأول إما بالمطابقة في بدل الكل أو بالتضمن في بدل البعض أو بالإلتزام في بدل الإشتمال
4752 - مثال الأول اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة
4753 - ومثال الثاني ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
4754 - ومثال الثالث وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير قتل أصحاب الأخدود النار لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم
4755 - وزاد بعضهم بدل الكل من البعض وقد وجدت له مثالا في القرآن وهو قوله يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن ف جنات عدن بدل من الجنة التي هي بعض وفائدته تقرير أنها جنات كثيرة لا جنة واحدة
قال ابن السيد وليس كل بدل يقصد به رفع الإشكال الذي يعرض في المبدل منه بل من البدل ما يراد به التأكيد وإن كان ما قبله غنيا عنه كقوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ألا ترى أنه لو لم يذكر الصراط الثاني لم يشك أحد في أن الصراط المستقيم هو صراط الله وقد نص سيبويه على أن من البدل ما الغرض منه التأكيد
انتهى
4756 - وجعل منه ابن عبد السلام وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر قال ولا بيان فيه لأن الأب لا يلتبس بغيره ورد بأنه يطلق على الجد فأبدل لبيان إرادة الأب حقيقة

(2/189)


النوع السابع عطف البيان
4757 - وهو كالصفة في الإيضاح لكن يفارقها في أنه وضع ليدل على الإيضاح باسم مختص به بخلافها فإنها وضعت لتدل على معنى حاصل في متبوعها
4758 - وفرق ابن كيسان بينه وبين البدل بأن البدل هو المقصود وكأنك قررته في موضع المبدل منه وعطف البيان وما عطف عليه كل منهما مقصود
4759 - وقال ابن مالك في شرح الكافية عطف البيان يجري مجرى النعت في تكميل متبوعه ويفارقه في أن تكميله متبوعه بشرح وتبيين لا بدلالة على معنى في المتبوع أو سببية
ومجرى التأكيد في تقوية دلالته ويفارقه في أنه لا يرفع توهم مجاز ومجرى البدل في صلاحيته للإستقلال ويفارقه في أنه غير منوي الإطراح
ومن أمثلته فيه ايات بينات مقام إبراهيم من شجرة مباركة زيتونة
4760 - وقد يأتي لمجرد المدح بلا إيضاح ومنه جعل الله الكعبة البيت الحرام فالبيت الحرام عطف بيان للمدح لا للإيضاح
النوع الثامن عطف أحد المترادفين على الآخر
4761 - والقصد منه التأكيد أيضا وجعل منه إنما أشكو بثي وحزني فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا
فلا يخاف ظلما ولا هضما لا تخاف دركا ولا تخشى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا قال الخليل العوج والأمت بمعنى واحد سرهم ونجواهم شرعة ومنهاجا لا تبقي ولا تذر إلا دعاء ونداء أطعنا سادتنا وكبراءنا لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب فإن نصب كلغب وزنا ومعنى صلوات من ربهم ورحمة عذرا أو نذرا قال ثعلب هما بمعنى

(2/190)


4762 - وأنكر المبرد وجود هذا النوع في القرآن وأول ما سبق على إختلاف المعنيين
4763 - وقال بعضهم المخلص في هذا أن تعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند إنفرادهما فإن التركيب يحدث معنى زائدا وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ
النوع التاسع عطف الخاص على العام
4764 - وفائدته التنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات
4765 - وحكى أبو حيان عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول هذا العطف يسمى بالتجريد كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفضيلا
4766 - ومن أمثلته حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكيل ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة فإن إقامتها من جملة التمسك بالكتاب وخصت بالذكر إظهارا لمرتبتها لكونها عماد الدين وخص جبريل وميكائيل بالذكر ردا على اليهود في دعوى عداوته وضم إليه ميكائيل لأنه ملك الرزق الذي هو حياة الأجساد كما أن جبريل ملك الوحي الذي هو حياة القلوب والأرواح
4767 - وقيل إن جبريل وميكائيل لما كانا أميري الملائكة لم يدخلا في لفظ الملائكة أولا كما أن الأمير لا يدخل في مسمى الجند
حكاه الكرماني في العجائب
4768 - ومن ذلك ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء بناء على أنه لا يختص بالواو كما هو رأي ابن مالك فيه وفيما قبله وخص المعطوف في الثانية بالذكر تنبيها على زيادة قبحه

(2/191)


تنبيه
4769 - المراد بالخاص والعام هنا ما كان فيه الأول شاملا الثاني لا المصطلح عليه في الأصول
النوع العاشر عطف العام على الخاص
4770 - وأنكر بعضهم وجوده فأخطأ والفائدة فيه واضحة وهو التعميم وأفرد الأول بالذكر إهتماما بشأنه
4771 - ومن أمثلته إن صلاتي ونسكي والنسك العبادة فهو أعم اتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير
4772 - وجعل منه الزمخشري ومن يدبر الأمر بعد قوله قل من يرزقكم
النوع الحادي عشر الإيضاح بعد الإبهام
4773 - قال أهل البيان إذا أردت أن تبهم ثم توضح فإنك تطنب
وفائدته إما رؤية المعنى في صورتين مختلفتين الإبهام والإيضاح أو لتمكن المعنى في النفس تمكنا زائدا لوقوعه بعد الطلب فإنه أعز من المنساق بلا تعب أو لتكمل لذة العلم به فإن الشيء إذا علم من وجه ما تشوقت النفس للعلم به من باقي وجوهه وتألمت فإذا حصل العلم من بقية الوجوه كانت لذته أشد من علمه من جميع وجوهه دفعة واحدة
4774 - ومن أمثلته رب اشرح لي صدري فإن اشرح يفيد طلب شرح شيء ما و صدري يفيد تفسيره وبيانه
وكذلك ويسر لي أمري والمقام يقتضي التأكيد للإرسال المؤذن بتلقى الشدائد
وكذلك ألم نشرح لك صدرك

(2/192)


فإن المقام يقتضي التأكيد لأنه مقام إمتنان وتفخيم
وكذا وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين
4775 - ومنه التفصيل بعد الإجمال نحو إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا إلى قوله منها أربعة حرم وعكسه كقوله ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة أعيد ذكر العشرة لرفع توهم أن الواو في وسبعة بمعنى أو فتكون الثلاثة داخلة فيها كما في قوله خلق الأرض في يومين ثم قال وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام فإن من جملتها اليومين المذكورين أولا وليست أربعة غيرهما
وهذا أحسن الأجوبة في الآية وهو الذي أشار إليه الزمخشري ورجحه ابن عبد السلام وجزم به الزملكاني في أسرار التنزيل
4776 - قال ونظيره وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فإنه رافع لإحتمال أن تكون تلك العشرة من غير مواعدة
4777 - قال ابن عسكر وفائدة الوعد بثلاثين أولا ثم بعشر ليتجدد له قرب إنفضاء المواعدة ويكون فيه متأهبا مجتمع الرأي حاضر الذهن لأنه لو وعد بالأربعين أولا كانت متساوية فلما فصلت استشعرت النفس قرب التمام وتجدد بذلك عزم لم يتقدم
4778 - وقال الكرماني في العجائب في قوله تلك عشرة كاملة ثمانية أجوبة جوابان من التفسير وجواب من الفقه وجواب من النحو وجواب من اللغة وجواب من المعنى وجوابان من الحساب وقد سقتها في أسرار التنزيل
النوع الثاني عشر التفسير
4779 - قال أهل البيان وهو أن يكون في الكلام لبس وخفاء فيؤتى بما يزيله ويفسره

(2/193)


4780 - ومن أمثلته إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا
فقوله إذا مسه الخ تفسير للهلوع كما قال أبو العالية وغيره
4781 - القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم قال البيهقي في شرح الأسماء الحسنى قوله لا تأخذه سنة تفسير للقيوم
4782 - يسومونكم سوء العذاب يذبحون . . الآية فيذبحون وما بعده تفسير للسوم
4783 - إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب . . الآية ف خلقه وما بعده تفسير للمثل
4784 - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ف تلقون تفسير لإتخاذهم أولياء
4785 - الصمد لم يلد ولم يولد . . الآية قال محمد بن كعب القرظي لم يلد إلى آخره تفسير للصمد وهو في القرآن كثير
4786 - قال ابن جني ومتى كانت الجملة تفسيرا لم يحسن الوقف على ما قبلها دونها لأن تفسير الشيء لا حق به ومتمم له وجار مجرى بعض أجزائه
النوع الثالث عشر وضع الظاهر موضع المضمر
4787 - ورأيت فيه تأليفا مفردا لابن الصائغ وله فوائد
منها زيادة التقرير والتمكين نحو قل هو الله أحد الله الصمد وبالحق أنزلناه وبالحق نزل إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله
4788 - ومنها قصد التعظيم نحو واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء

(2/194)


عليم أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ولباس التقوى ذلك خير
4789 - ومنها قصد الإهانة والتحقير نحو أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان
4790 - ومنها إزالة اللبس حيث يوهم الضمير أنه غير الأول نحو قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك لو قال تؤتيه لأوهم أنه الأول قاله ابن الخشاب
الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء لأنه لو قال عليهم دائرته لأوهم أن الضمير عائد إلى الله تعالى
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه لم يقل منه لئلا يتوهم عود الضمير إلى الأخ فيصير كأنه مباشر بطلب خروجها وليس كذلك لما في المباشرة من الأذى الذي تأباه النفوس الأبية فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا ولم يقل من وعائه لئلا يتوهم عود الضمير إلى يوسف لأن العائد عليه ضمير استخرجها
4791 - ومنها قصد تربية المهابة وإدخال الروع على ضمير السامع وبذكر الإسم المقتضى لذلك كما تقول الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا ومنه إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها إن الله يأمر بالعدل
4792 - ومنها قصد تقوية داعية المأمور ومنه فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين
4793 - ومنها تعظيم الأمر نحو أولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان
4794 - ومنها الإستلذاذ بذكره ومنه وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة لم

(2/195)


يقل منها ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة
4795 - ومنها قصد التوصل من الظاهر إلى الوصف ومنه فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله بعد قوله إني رسول الله لم يقل فآمنوا بالله وبي ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والإتباع له هو من وصف بهذه الصفات ولو أتى بالضمير لم يمكن ذلك لأنه لا يوصف
4796 - ومنها التنبيه على علية الحكم نحو فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا فإن الله عدو للكافرين لم يقل لهم إعلاما بأن من عادى هؤلاء فهو كافر وإن الله إنما عاداه لكفره
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
4797 - ومنها قصد العموم نحو وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة لم يقل
إنها لئلا يفهم تخصيص ذلك بنفسه أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا
4798 - ومنها قصد الخصوص نحو وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي لم يقل لك تصريحا بأنه خاص به
4799 - ومنها الإشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الأولى نحو فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل فإن ويمح الله إستئناف لا داخل في حكم الشرط
4800 - ومنها مراعاة الجناس ومنه أعوذ برب الناس . . السورة

(2/196)


ذكره الشيخ عز الدين ومثله ابن الصائغ بقوله خلق الإنسان من علق ثم قال علم الإنسان ما لم يعلم كلا إن الإنسان ليطغى فإن المراد بالإنسان الأول الجنس وبالثاني آدم أو من يعلم الكتابة أو إدريس وبالثالث أبو جهل
4801 - ومنها مراعاة الترصيع وتوازن الألفاظ في التركيب ذكره بعضهم في قوله أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى
4802 - ومنها أن يتحمل ضميرا لا بد منه ومنه أتيا أهل قرية أهلها لو قال استطعماها لم يصح لأنهما لم يستطعما القرية أو استطعماهم فكذلك لأن جملة استطعما صفة لقرية النكرة لا ل أهل فلا بد أن يكون فيها ضمير يعود عليها ولا يمكن إلا مع التصريح بالظاهر
4803 - كذا حرره السبكي في جواب سؤال سأله الصلاح الصفدي في ذلك حيث قال
أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا ... بدا وجهه استحيا له القمران
ومن كفه يوم الندى ويراعه ... على طرسه بحران يلتقيان
ومن إن دجت في المشكلات مسائل ... جلاها بفكر دائم اللمعان
رأيت كتاب الله أكبر معجز ... لأفضل من يهدى به الثقلان
ومن جملة الإعجاز كون اختصاره ... بإيجاز ألفاظ وبسط معان
ولكنني في الكهف أبصرت آية ... بها الفكر في طول الزمان عناني
وما هي إلا استطعما أهلها فقد ... نرى استطعماهم مثله ببيان
فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر ... مكان ضمير إن ذاك لشان
فارشد على عادات فضلك حيرتي ... فمالي بها عند البيان يدان
تنبيه
4804 - إعادة الظاهر بمعناه أحسن من إعادته بلفظه كما مر في آيات إنا لا نضيع أجر المصلحين إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ونحوها

(2/197)


4805 - ومنه ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء فإن إنزال الخير مناسب للربوبية وأعاده بلفظ الله لأن تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية
لأن دائرة الربوبية أوسع
4806 - ومنه الحمد لله الذي خلق السموات والأرض إلى قوله بربهم يعدلون
وإعادته في جملة أخرى أحسن منه في الجملة الواحدة لانفصالها وبعد الطول أحسن من الإضمار لئلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه فيفوته ما شرع فيه كقوله وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه بعد قوله وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر
النوع الرابع عشر الإيغال وهو الإمعان
4807 - وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها
وزعم بعضهم أنه خاص بالشعر ورد بأنه وقع في القرآن من ذلك يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون فقوله وهم مهتدون إيغال لأنه يتم المعنى بدونه إذ الرسول مهتد لا محالة لكن فيه زيادة مبالغة في الحث على اتباع الرسل والترغيب فيه
4808 - وجعل ابن أبي الإصبع منه ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فإن قوله إذا ولوا مدبرين زائد على المعنى مبالغة في عدم انتفاعهم
ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون زائد على المعنى لمدح المؤمنين والتعريض بالذم لليهود وأنهم بعيدون عن الإيقان
إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون فقوله مثل ما إلى آخره إيغال زائد على المعنى لتحقيق هذا الوعد وأنه واقع معلوم ضرورة لا يرتاب فيه أحد
النوع الخامس عشر التذييل
4809 - وهو أن يؤتى بجملة عقب جملة والثانية تشتمل على المعنى الأول

(2/198)


لتأكيد منطوقه أو مفهومه ليظهر المعنى لمن لم يفهمه ويتقرر عند من فهمه نحو ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير
النوع السادس عشر الطرد والعكس
4810 - قال الطيبي وهو أن يؤتى بكلامين يقرر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس كقوله ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات إلى قوله ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن فمنطوق الأمر بالاستئذان في تلك الأوقات خاصة مقرر لمفهوم رفع الجناح فيما عداها وبالعكس وكذا قوله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
4811 - قلت وهذا النوع يقابله في الإيجاز نوع الاحتباك
النوع السابع عشر التكميل
4812 - ويسمى بالاحتراس وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم نحو أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين فإنه لو اقتصر على أذلة لتوهم أنه لضعفهم فدفعه بقوله أعزة
ومثله أشداء على الكفار رحماء بينهم لو اقتصر على أشداء لتوهم أنه لغلظهم
تخرج بيضاء من غير سوء لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون احتراس لئلا يتوهم نسبة الظلم إلى سليمان
ومثله فتصيبكم منهم معرة بغير علم وكذا قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فالجملة الوسطى احتراس لئلا يتوهم أن التكذيب مما في نفس الأمر
قال في عروس الأفراح فإن قيل كل من ذلك أفاد معنى جديدا فلا يكون إطنابا
قلنا هو إطناب لما قبله من حيث رفع توهم غيره وإن كان له معنى في نفسه

(2/199)


النوع الثامن عشر التتميم
4813 - وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة كالمبالغة في قوله ويطعمون الطعام على حبه أي مع حب الطعام أي اشتهائه فإن الإطعام حينئذ أبلغ وأكثر أجرا ومثله وآتى المال على حبه ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف فقوله وهو مؤمن تتميم في غاية الحسن
النوع التاسع عشر الاستقصاء
4814 - وهو أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصى جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا كقوله تعالى أيود أحكم أن تكون له جنة . . الآية فإنه تعالى لو اقتصر على قوله جنة لكان كافيا فلم يقف عند ذلك حتى قال في تفسيرها من نخيل وأعناب فإن مصاب صاحبها بها أعظم ثم زاد تجري من تحتها الأنهار متمما لوصفها بذلك ثم كمل وصفها بعد التتميمين فقال له فيها من كل الثمرات فأتى بكل ما يكون في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها ثم قال في وصف صاحبها وأصابه الكبر ثم استقصى المعنى في ذلك بما يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر وله ذرية ولم يقف عند ذلك حتى وصف الذرية بالضعفاء ثم ذكر استصال الجنة التي ليس لهذا المصاب غيرها بالهلاك في أسرع وقت حيث قال فأصابها إعصار ولم يقتصر على ذكره للعلم بأنه لا يحصل سرعة الهلاك فقال فيه نار ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفي باحتراقها لما فيها من الأنهار ورطوبة الأشجار فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله فاحترقت فهذا أحسن استقصاء وقع في كلام وأتمه وأكمله
4815 - قال ابن أبي الإصبع والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص ليتم والتكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه والاستقصاء يرد على المعنى التام الكامل فيستقصى لوازمه وعوارضه

(2/200)


وأوصافه وأسبابه حتى يستوعب جميع ما تقع الخواطر عليه فلا يبقى لأحد فيه مساغ
النوع العشرون الاعتراض
4816 - وسماه قدامة التفاتا وهو الإتيان بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب في أثناء كلام أو كلامين اتصلا معنى لنكته غير دفع الإيهام كقوله ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون فقوله سبحانه اعتراض لتنزيه الله سبحانه وتعالى عن البنات والشناعة على جاعليها
وقوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين فجملة الاستثناء اعتراض للتبرك
4817 - ومن وقوعه بأكثر من جملة فاتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين نساؤكم حرث لكم فقوله نساؤكم متصل بقوله فاتوهن لأنه بيان له وما بينهما اعتراض للحث على الطهارة وتجنب الأدبار
وقوله يا أرض ابلعي ماءك إلى قوله وقيل بعدا فيه اعتراض بثلاث جمل وهي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي
قال في الأقصى القريب ونكتته إفادة أن هذا الأمر واقع بين القولين لا محالة ولو أتى به آخرا لكان الظاهر تأخره فبتوسطه ظهر كونه غير متأخر
ثم فيه اعتراض في اعتراض فإن وقضي الأمر معترض بين وغيض و واستوت لأن الاستواء يحصل عقب الغيض
وقوله ولمن خاف مقام ربه جنتان إلى قوله متكئين على فرش فيه اعتراض بسبع جمل إذا أعرب حالا منه
4818 - ومن وقوع اعتراض في اعتراض فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم اعترض بين القسم وجوابه بقوله وإنه لقسم . . الآية وبين القسم وصفته بقوله لو تعلمون تعظيما للمقسم به وتحقيقا لإجلاله وإعلاما لهم بأن له عظمة لا يعلمونها
4819 - قال الطيبي في التبيان ووجه حسن الاعتراض حسن الإفادة مع أن

(2/201)


مجيئه مجيء ما لا يترقب فكون كالحسنة تأتيك من حيث لا تحتسب
النوع الحادي والعشرون التعليل
4820 - وفائدته التقرير والأبلغية فإن النفوس أبعث على قبول الأحكام المعللة من غيرها وغالب التعليل في القرآن على تقدير جواب سؤال اقتضته الجملة الأولى
4821 - وحروفه اللام وإن وأن وإذ والباء وكي ومن ولعل وقد مضت أمثلتها في نوع الأدوات
4822 - ومما يقتضي التعليل لفظ الحكمة كقوله حكمة بالغة وذكر الغاية من الخلق نحو قوله جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا

(2/202)


النوع السابع والخمسون
في الخبر والإنشاء
4823 - اعلم أن الحذاق من النحاة وغيرهم وأهل البيان قاطبة على انحصار الكلام فيهما وأنه ليس له قسم ثالث
4824 - وادعى قوم أن أقسام الكلام عشرة نداء ومسألة وأمر وتشفع وتعجب وقسم وشرط ووضع وشك واستفهام
4825 - وقيل تسعة بإسقاط الاستفهام لدخوله في المسألة
4826 - وقيل ثمانية بإسقاط التشفع لدخوله فيها
4827 - وقيل سبعة بإسقاط الشك لأنه من قسم الخبر
4828 - وقال الأخفش هي ستة خبر واستخبار ولأمر ونهي ونداء وتمن
4829 - وقال بعضهم خمسة خبر وأمر وتصريح وطلب ونداء
4830 - وقال قوم أربعة خبر واستخبار وطلب ونداء
4831 - وقال كثيرون ثلاثة خبر وطلب وإنشاء قالوا لأن الكلام إما أن يحتمل التصديق والتكذيب أو لا الأول الخبر والثاني إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء وإن لم يقترن بل تأخر عنه فهو الطلب
والمحققون على دخول الطلب في الإنشاء وأن معنى اضرب مثلا وهو طلب الضرب مقترن بلفظه وأما الضرب الذي يوجد بعد ذلك فهو متعلق الطلب لا نفسه
4832 - وقد اختلف الناس في حد الخبر فقيل لا يحد لعسره وقيل لأنه ضروري لأن الإنسان يفرق بين الإنشاء والخبر ضرورة ورجحه الإمام في المحصول

(2/203)


4833 - والأكثر على حده قال القاضي أبو بكر والمعتزلة الخبر الكلام الذي يدخله الصدق والكذب فأورد عليه خبر الله تعالى فإنه لا يكون إلا صادقا فأجاب القاضي بأنه يصح دخوله لغة
4834 - وقيل الذي يدخله التصديق والتكذيب وهو سالم من الإيراد المذكور
4835 - وقال أبو الحسن البصري كلام يفيد بنفسه نسبة فأورد عليه نحو قم فإنه يدخل في الحد لأن القيام منسوب والطلب منسوب
4836 - وقيل الكلام المفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفيا أو إثباتا
4837 - وقيل القول المقتضي بصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالنفي والإثبات
4838 - وقال المتأخرين الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه
4839 - وقال بعض من جعل الأقسام ثلاثة الكلام إن أفاد بالوضع طلبا فلا يخلو إما أن يكون بطلب ذكر الماهية أو تحصيلها أو الكف عنها والأول الاستفهام والثاني الأمر والثالث النهي
وإن لم يفد طلبا بالوضع فإن لم يحتمل الصدق والكذب سمى تنبيها وإنشاء لأنك نبهت به على مقصودك وأنشأته أي ابتكرته من غير أن يكون موجودا في الخارج سواء أفاد طلبا باللازم كالمتمني والترجي والنداء والقسم أم لا كأنت طالق
وإن احتملهما من حيث هو فهو الخبر
فصل
4840 - القصد بالخبر إفادة المخاطب وقد يرد بمعنى الأمر نحو والوالدات يرضعن والمطلقات يتربصن
4841 - وبمعنى النهي نحو لا يمسه إلا المطهرون

(2/204)


4842 - وبمعنى الدعاء نحو وإياك نستعين أي أعنا ومنه تبت يدا أبي لهب وتب فإنه دعاء عليه
وكذا قاتلهم الله
وكذا غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا
4843 - وجعل منه قوم حصرت صدورهم قالوا هو دعاء عليهم بضيق صدورهم عن قتال أحد
4844 - ونازع ابن العربي في قولهم إن الخبر يرد بمعنى الأمر أو النهي قال في قوله تعالى فلا رفث ليس نفيا لوجود الرفث بل نفي لمشروعيته فإن الرفث يوجد من بعض الناس وأخبار الله تعالى لا يجوز أن تقع بخلاف مخبره وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا كقوله والمطلقات يتربصن ومعناه مشروعا لا محسوسا فإنا نجد مطلقات لا يتربصن فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي
وكذا لا يمسه إلا المطهرون أي لا يمسه أحد منهم شرعا فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع
قال وهذه الدفينة التي فاتت العلماء فقالوا إن الخبر يكون بمعنى النهي وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ويتباينان وضعا
انتهى
فرع
4845 - من أقسامه على الأصح التعجب
4846 - قال ابن فارس وهو تفصيل شيء على أضرابه
4847 - وقال ابن الصائغ استعظام صفة خرج بها المتعجب منه عن نظائره
4848 - وقال الزمخشري معنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين

(2/205)


لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله
4849 - وقال الرماني المطلوب في التعجب الإبهام لأن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لا يعرف سببه فكلما استبهم السبب كان التعجب أحسن
قال وأصل التعجب إنما هو للمعنى الخفي سببه والصيغة الدالة عليه تسمى تعجبا مجازا
قال ومن أجل الإبهام لم تعمل نعم إلا في الجنس من أجل التفخيم ليقع التفسير على نحو التفخيم بالإضمار قبل الذكر
4850 - ثم قد وضعوا للتعجب صيغا من لفظه وهي ما أفعل و أفعل به وصيغا من غير لفظه نحو كبر كقوله كبرت كلمة تخرج من أفواههم كبر مقتا عند الله كيف تكفرون بالله
قاعدة
4851 - قال المحققون إذا ورد التعجب من الله صرف إلى المخاطب كقوله فما أصبرهم على النار أي هؤلاء يجب أن يتعجب منهم وإنما لا يوصف تعالى بالتعجب لأنه استعظام يصحبه الجهل وهو تعالى منزه عن ذلك ولهذا تعبر جماعة بالتعجيب بدله أي أنه تعجيب من الله للمخاطبين
ونظير هذا مجيء الدعاء والترجي منه تعالى إنما هو بالنظر إلى ما تفهمه العرب أي هؤلاء مما يجب أن يقال لهم عندكم هذا ولذلك قال سيبويه في قوله تعالى لعله يتذكر أو يخشى المعنى اذهبا على رجائكما وطمعكما وفي قوله ويل للمطففين ويل يومئذ للمكذبين لا نقول هذا دعاء لأن الكلام بذلك قبيح ولكن العرب إنما تكلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون فكأنه قيل لهم ويل للمطففين أي هؤلاء مما وجب هذا القول لهم لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشرور والهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في الهلكة
1 - فرع
4852 - من أقسام الخبر الوعد والوعيد نحو سنريهم آياتنا في الآفاق

(2/206)


وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب وفي كلام ابن قتيبة ما يوهم أنه إنشاء
2 - فرع
4853 - من أقسام الخبر النفي بل هو شطر الكلام كله والفرق بينه وبين الجحد أن النافي إن كان صادقا سمي كلامه نفيا ولا يسمى جحدا وإن كان كاذبا سمي جحدا ونفيا أيضا فكل جحد نفي وليس كل نفي جحدا ذكره أبو جعفر النحاس وابن الشجري وغيرهما
4854 - مثال النفي ما كان محمد أبا أحد من رجالكم
4855 - ومثال الجحد نفي فرعون وقومه آيات موسى قال تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم
4856 - وأدوات النفي لا ولات وليس وما وإن ولم ولما وقد تقدمت معانيها وما افترقت فيه نوع الأدوات
4857 - ونورد هنا فائدة زائدة قال الخويي أصل أدوات النفي لا وما لأن النفي إما في الماضي وإما في المستقبل والاستقبال أكثر من الماضي أبدا ولا أخف من ما فوضعوا الأخف للأكثر
4858 - ثم إن النفي في الماضي إما أن يكون نفيا واحدا مستمرا أو نفيا فيه أحكام متعددة وكذلك النفي في المستقبل فصار النفي على أربعة أقسام واختاروا له أربع كلمات ما ولم ولن ولا وأما إن ولما فليسا بأصلين فما ولا في الماضي والمستقبل متقابلان ولم كأنه مأخوذ من لا وما لأن لم نفي للاستقبال لفظا والمضي معنى فأخذ اللام من لا التي هي لنفي المستقبل والميم من ما التي هي لنفي الماضي وجمع بينهما إشارة إلى أن في لم إشارة إلى المستقبل والماضي وقدم اللام على الميم إشارة إلى أن لا هي أصل النفي ولهذا ينفي بها في أثناء الكلام فيقال لم يفعل زيد ولا عمرو وأما لما فتركيب بعد تركيب كأنه قال لم وما لتوكيد معنى النفي في الماضي
وتفيد الاستقبال أيضا ولهذا تفيد لما الاستمرار

(2/207)


تنبيهات
الأول
4859 - زعم بعضهم أن شرط صحة النفي عن الشيء صحة اتصاف المنفي عنه بذلك الشيء وهو مردود بقوله تعالى وما ربك بغافل عما يعملون وما كان ربك نسيا لا تأخذه سنة ولا نوم ونظائره والصواب أن انتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا وقد يكون لكونه لا يقع منه مع إمكانه
الثاني
4860 - نفي الذات الموصوفة قد يكون نفيا للصفة دون الذات وقد يكون نفيا للذات أيضا
من الأول وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام أي بل هم جسد يأكلونه ومن الثاني لا يسألون الناس إلحافا أي لا سؤال لهم أصلا فلا يحصل منهم إلحاف
ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع أي لا شفيع لهم أصلا فما تنفعهم شفاعة الشافعين أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم بدليل فما لنا من شافعين
ويسمى هذا النوع عند أهل البديع نفي الشيء بإيجابه
وعبارة ابن رشيق في تفسيره أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه بأن ينفي ما هو من سببه كوصفه وهو المنفي في الباطن
وعبارة غيره أن ينفى الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا مبالغة في النفي وتأكيدا له ومنه ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإن الإله مع الله لا يكون إلا عن غير برهان
ويقتلون النبيين بغير حق فإن قتلهم لا يكون إلا بغير حق
رفع السموات بغير عمد ترونها فإنها لا عمد لها أصلا
الثالث
4861 - قد ينفى الشيء رأسا لعدم كمال وصفه أو انتفاء ثمرته كقوله في صفة أهل النار ثم لا يموت فيها ولا يحيا فنفى عنه الموت لأنه ليس بموت

(2/208)


صريح ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون فإن المعتزلة احتجوا بها على نفي الرؤية فإن النظر في قوله تعالى إلى ربها ناظرة لا يستلزم الإبصار
ورد بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه وليست تبصر شيئا
ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فإنه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه آخرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم
قاله السكاكي
الرابع
4862 - قالوا المجاز يصح نفيه بخلاف الحقيقة وأشكل على ذلك وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فإن المنفي فيه هو الحقيقة
وأجيب بأن المراد بالرمي هنا المترتب عليه وهو وصوله إلى الكفار فالوارد عليه النفي هنا مجاز لا حقيقة والتقدير وما رميت خلقا إذ رميت كسبا أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء
الخامس
4863 - نفي الاستطاعة قد يراد به نفي القدرة والإمكان وقد يراد نفي الامتناع وقد يراد به الوقوع بمشقة وكلفة
من الأول فلا يستطيعون توصية فلا يستطيعون ردها فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا
ومن الثاني هل يستطيع ربك على القراءتين أي هل يفعل أو هل تجيبنا إلى أن تسأل فقد علموا أنه قادر على الإنزال وأن عيسى قادر على السؤال
ومن الثالث إنك لن تستطيع معي صبرا
قاعدة
4864 - نفي العام يدل على نفي الخاص وثبوته لا يدل على ثبوته وثبوت

(2/209)


الخاص يدل على ثبوت العام ونفيه لا يدل على نفيه ولا شك أن زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به فلذلك كان نفي العام أحسن من نفي الخاص وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام فالأول كقوله فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم لم يقل بضوئهم بعد قوله أضاءت لأن النور أعم من الضوء إذ يقال على القليل والكثير وإنما يقال الضوء على النور الكثير ولذلك قال هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ففي الضوء دلالة على النور فهو أخص منه فعدمه يوجب عدم الضوء بخلاف العكس والقصد إزالة النور عنهم أصلا ولذا قال عقبه وتركهم في ظلمات
4865 - ومنه ليس بي ضلالة ولم يقل ضلال كما قالوا إنا لنراك في ضلال لأنها أعم منه فكان أبلغ في نفي الضلال وعبر عن هذا بأن نفي الواحد يلزم منه نفي الجنس البتة وبأن نفي الأدنى يلزم منه نفي الأعلى
والثاني كقوله وجنة عرضها السموات والأرض ولم يقل طولها لأن العرض أخص إذ كل ما له عرض فله طول ولا ينعكس
ونظير هذه القاعدة أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل
وقد أشكل على هذا آيتان قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد وقوله وما كان ربك نسيا
4866 - وأجيب عن الآية الأولى بأجوبة
أحدها أن ظلاما وإن كان للكثرة لكنه جيء به في مقابلة العبيد الذي هو جمع كثرة ويرشحه أنه تعالى قال علام الغيوب فقابل صيغة فعال بالجمع وقال في آية أخرى عالم الغيب فقابل صيغة فاعل الدالة على أصل الفعل بالواحد
الثاني أنه نفى الظلم الكثير لينتفي القليل ضرورة لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه فلأن يترك القليل أولى
الثالث أنه على النسبة أي بذي ظلم حكاه ابن مالك عن المحققين

(2/210)


الرابع أنه أتى بمعنى فاعل لا كثرة فيه
الخامس أن أقل القليل لو ورد منه تعالى لكان كثيرا كما يقال زلة العالم كبيرة
السادس أنه أراد ليس بظالم ليس بظالم تأكيدا للنفي فعبر عن ذلك ب ليس بظلام
السابع أنه ورد جوابا لمن قال ظلام والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم
الثامن أن صيغة المبالغة وغيرها في صفات الله سواء في الإثبات فجرى النفي على ذلك
التاسع أنه قصد التعريض بأن ثم ظلاما للعبيد من ولاة الجور
ويجاب عن الثانية بهذه الأجوبة وبعاشر وهو مناسبة رءوس الآي
فائدة
4867 - قال صاحب الياقوتة قال ثعلب والمبرد العرب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام أخبارا نحو وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام والمعنى إنما جعلناهم جسدا يأكلون الطعام وإذا كان الجحد في أول الكلام كان جحدا حقيقيا نحو ما زيد بخارج وإذا كان في أول الكلام جحدان كان أحدهما زائدا وعليه فيما إن مكناكم فيه في أحد الأقوال
فصل
4868 - من أقسام الإنشاء الاستفهام وهو طلب الفهم وهو بمعنى الاستخبار
4869 - وقيل الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما
حكاه ابن فارس في فقه اللغة
4870 - وأدواته الهمزة وهل وما ومن وأي وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان ومرت في الأدوات

(2/211)


4871 - وقال ابن مالك في المصباح وما عدا الهمزة نائب عنها ولكونه طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم ألا يكون حقيقة إلا إذا صدر من شاك مصدق بإمكان الإعلام فإن غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت عنه فائدة الاستفهام
4872 - وقال بعض الأئمة وما جاء في القرآن على لفظ الاستفهام فإنما يقع في خطاب الله على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفي حاصل
وقد تستعمل صيغة الاستفهام في غيره مجازا وألف في ذلك العلامة شمس الدين ابن الصائغ كتابا سماه روض الأفهام في أقسام الاستفهام قال فيه قد توسعت العرب فأخرجت الاستفهام عن حقيقته لمعان أو أشربته تلك المعاني ولا يختص التجوز في ذلك بالهمزة خلافا للصفار
4873 - الأول الإنكار والمعنى فيه على النفي وما بعده منفي ولذلك تصحبه إلا كقوله فهل يهلك إلا القوم الفاسقون وهل نجازي إلا الكفور
وعطف عليه المنفي في قوله فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين أي لا يهدي ومنه أنؤمن لك واتبعك الأرذلون أنؤمن لبشرين مثلنا أي لا نؤمن أم له البنات ولكم البنون ألكم الذكر وله الأنثى أي لا يكون هذا أشهدوا خلقهم أي ما شهدوا ذلك
وكثيرا ما يصحبه التكذيب وهو في الماضي بمعنى لم يكن وفي المستقبل بمعنى لايكون نحو أفأصفاكم ربكم بالبنين . . الآية أي لم يفعل ذلك أنلزمكموها وأنتم لها كارهون أي لا يكون هذا الإلزام
4874 - الثاني التوبيخ وجعله بعضهم من قبيل الانكار إلا أن الأول إنكار

(2/212)


إبطال وهذا إنكار توبيخ والمعنى على أن ما بعده واقع جدير بأن ينفي فالنفي هنا غير قصدي والإثبات قصدي عكس ما تقدم
ويعبر عن ذلك بالتقريع أيضا نحو أفعصيت أمري أتعبدون ما تنحتون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين
وأكثر ما يقع التوبيخ في أمر ثابت ووبخ على فعله كما ذكر ويقع على ترك فعل كان ينبغي أن يقع كقوله أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها
4875 - الثالث وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده قال ابن جني ولا يستعمل ذلك بهل كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام وقال الكندي ذهب كثير من العلماء في قوله هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم إلى أن هل تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ إلا أني رأيت أبا علي أبى ذلك وهو معذور لأن ذلك من قبيل الإنكار
4876 - ونقل أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون بهل إنما يستعمل فيه الهمزة ثم نقل عن بعضهم أن هل تأتي تقريرا كما في قوله تعالى هل في ذلك قسم لذي حجر
4877 - والكلام مع التقرير موجب ولذلك يعطف عليه صريح الموجب ويعطف على صريح الموجب فالأول كقوله تعالى ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل والثاني نحو أكذبتم باياتي ولم تحيطوا بها علما على ما قرره الجرجاني من جعلها مثل وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا
وحقيقة استفهام التقرير أنه استفهام إنكار والإنكار نفي وقد دخل على النفي ونفي النفي إثبات ومن أمثلته أليس الله بكاف عبده ألست بربكم وجعل منه

(2/213)


الزمخشري ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير
4878 - الرابع التعجب أو التعجيب نحو كيف تكفرون بالله ما لي لا أرى الهدهد
وقد اجتمع هذا القسم وسابقاه في قوله أتأمرون الناس بالبر
قال الزمخشري الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم
ويحتمل التعجب والاستفهام الحقيقي ما ولاهم عن قبلتهم
4879 - الخامس العتاب كقوله ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله قال ابن مسعود ما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبوا بهذه الآية إلا أربع سنين أخرجه الحاكم ومن ألطفه ما عاتب الله به خير خلقه بقوله عفا الله عنك لم أذنت لهم ولم يتأدب الزمخشري بأدب الله في هذه الآية على عادته في سوء الأدب
4880 - السادس التذكير وفيه نوع اختصار كقوله ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه
4881 - السابع الافتخار نحو أليس لي ملك مصر
4882 - الثامن التفخيم نحو مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
4883 - التاسع التهويل والتخويف نحو الحاقة ما الحاقة القارعة ما القارعة
4884 - العاشر عكسه وهو التسهيل والتخفيف نحو وماذا عليهم لو آمنوا
4885 - الحادي عشر التهديد والوعيد نحو ألم نهلك الأولين

(2/214)


4886 - الثاني عشر التكثير نحو وكم من قرية أهلكناها
4887 - الثالث عشر التسوية وهو الاستفهام الداخل على جملة يصح حلول المصدر محلها نحو سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم
4888 - الرابع عشر الأمر نحو أأسلمتم أي أسلموا فهل أنتم منتهون أي انتهوا أتصبرون أي اصبروا
4889 - الخامس عشر التنبيه وهو من أقسام الأمر نحو ألم تر إلى ربك كيف مد الظل أي انظر ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ذكره صاحب الكشاف عن سيبوبه ولذلك رفع الفعل في جوابه وجعل منه قوله فأين تذهبون للتنبيه على الضلال وكذا ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه
4890 - السادس عشر الترغيب نحو من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا هل أدلكم على تجارة تنجيكم
4891 - السابع عشر النهي نحو أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه بدليل فلا تخشوا الناس واخشون ما غرك بربك الكريم أي لا تغتر
4892 - الثامن عشر الدعاء وهو كالنهي إلا أنه من الأدنى إلى الأعلى نحو أتهلكنا بما فعل السفهاء أي لا تهلكنا
4893 - التاسع عشر الاسترشاد نحو أتجعل فيها من يفسد فيها
4894 - العشرون التمني نحو فهل لنا من شفعاء
4895 - الحادي والعشرون الاستبطاء نحو متى نصر الله
4896 - الثاني والعشرون العرض نحو ألا تحبون أن يغفر الله لكم

(2/215)


4897 - الثالث والعشرون التحضيض نحو ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم
4898 - الرابع والعشرون التجاهل نحو أأنزل عليه الذكر من بيننا
4899 - الخامس والعشرون التعظيم نحو من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه
4900 - السادس والعشرون التحقير نحو أهذا الذي يذكر آلهتكم أهذا الذي بعث الله رسولا ويحتمله وما قبله قراءة من فرعون
4901 - السابع والعشرون الاكتفاء نحو أليس في جهنم مثوى للمتكبرين
4902 - الثامن والعشرون الاستبعاد نحو وأنى له الذكرى
4903 - التاسع والعشرون الإيناس نحو وما تلك بيمينك يا موسى
4904 - الثلاثون التهكم والاستهزاء نحو أصلواتك تأمرك ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون
4905 - الحادي والثلاثون التأكيد لما سبق من معنى أداة الاستفهام قبله كقوله أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار قال الموفق عبد اللطيف البغدادي أي من حق عليه كلمة العذاب فإنك لا تنقذه فمن للشرط والفاء جواب الشرط والهمزة في أفأنت دخلت معادة مؤكدة لطول الكلام وهذا نوع من أنواعها
وقال الزمخشري الهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد

(2/216)


4906 - الثاني والثلاثون الإخبار نحو أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا هل أتى على الإنسان
تنبيهات
الأول
4907 - هل يقال إن معنى الاستفهام في هذه الأشياء موجود وانضم إليه معنى آخر أو تجرد عن الاستفهام بالكلية قال في عروس الأفراح محل نظر قال والذي يظهر الأول
قال ويساعده قول التنوخي في الأقصى القريب إن لعل تكون للاستفهام مع بقاء الترجي قال ومما يرجحه أن الاستبطاء في قولك كم أدعوك معناه أن الدعاء وصل إلى حد لا أعلم عدده فأنا أطلب أن أعلم عدده والعادة تقضي بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثر فلم يعلمه وفي طلب فهم عدده ما يشعر بالاستبطاء
4908 - وأما التعجب فالاستفهام معه مستمر فمن تعجب من شيء فهو بلسان الحال سائل عن سببه فكأنه يقول أي شيء عرض لي في حال عدم رؤية الهدهد وقد صرح في الكشاف ببقاء الاستفهام في هذه الآية
4909 - وأما التنبيه على الضلال فالاستفهام فيه حقيقي لأن معنى أين تذهب أخبرني إلى أي مكان تذهب فإني لا أعرف ذلك وغاية الضلال لا يشعر بها إلى أين تنتهي
4910 - وأما التقرير فإن قلنا المراد به الحكم بثبوته فهو خبر بأن المذكور عقيب الأداة واقع
أو طلب إقرار المخاطب به من كون السائل يعلم فهو استفهام يقرر المخاطب أي يطلب منه أن يكون مقرا به
وفي كلام أهل الفن ما يقتضي الاحتمالين والثاني أظهر
وفي الإيضاح تصريح به ولا بدع في صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه لأنه طلب الفهم أما طلب فهم المستفهم أو وقوع فهم لمن لم يفهم كائنا من كان
وبهذا تنحل إشكالات كثيرة في مواضع الاستفهام ويظهر بالتأمل بقاء معنى الاستفهام مع كل أمر من الأمور المذكورة
انتهى ملخصا

(2/217)


الثاني
4911 - القاعدة أن المنكر يجب أن يلي الهمزة وأشكل عليها قوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين فإن الذين يليها هنا الإصفاء بالبنين وليس هو المنكر إنما المنكر قولهم إنه اتخذ من الملائكة إناثا
وأجيب بأن لفظ الإصفاء مشعر بزعم أن البنات لغيرهم أو بأن المراد مجموع الجملتين وينحل منهما كلام واحد
والتقدير أجمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات
وأشكل منه قوله أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ووجه الإشكال أنه لا جائز ان يكون المنكر أمر الناس بالبر فقط كما تقتضيه القاعدة المذكورة لأن أمر البر ليس مما ينكر ولا نسيان النفس فقط لأنه يصير ذكر أمر الناس بالبر لا مدخل له ولا مجموع الأمرين لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر ولا نسيان النفس بشرط الأمر لأن النسيان منكر مطلقا ولا يكون نسيان النفس حال الأمر اشد منه حال عدم الأمر لأن المعصية لا تزداد بشاعتها بانضمامها إلى الطاعة لأن جمهور العلماء على أن الأمر بالبر واجب وإن كان الإنسان ناسيا لنفسه وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف بمعصية نسيان ولا يأتي الخير بالشر
قال في عروس الأفراح ويجاب بأن فعل المعصية مع النهي عنها أفحش لأنها تجعل حال الإنسان كالمتناقض وتجعل القول كالمخالف للفعل ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل قال ولكن الجواب على أن الطاعة الصرفة كيف تضاعف المعصية المقارنة لها من جنسها فيه دقة
فصل من أقسام الإنشاء الأمر
4912 - وهو طلب فعل غير كف وصيغته افعل و ليفعل وهي حقيقة في الإيجاب نحو أقيموا الصلاة فليصلوا معك
وترد مجازا لمعان أخر
4913 - منها الندب نحو وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا

(2/218)


4914 - والإباحة نحو فكاتبوهم نص الشافعي على أن الأمر فيه للإباحة ومنه وإذا حللتم فاصطادوا
4915 - والدعاء من الغافل للعالي نحو رب اغفر لي
4916 - والتهديد نحو اعملوا ما شئتم إذ ليس المراد الأمر بكل عمل شاءوا
4917 - والإهانة نحو ذق إنك أنت العزيز الكريم
4918 - والتسخير أي التذليل نحو كونوا قردة عبر به عن نقلهم من حالة إلى حالة إذلالا لهم فهو أخص من الإهانة
4919 - والتعجيز نحو فأتوا بسورة من مثله إذ ليس المراد طلب ذلك منهم بل إظهار عجزهم
4920 - والامتنان نحو كلوا من ثمره إذا أثمر
4921 - والعجب نحو انظر كيف ضربوا لك الأمثال
4922 - والتسوية نحو فاصبروا أو لا تصبروا
4923 - والإرشاد نحو وأشهدوا إذا تبايعتم
4924 - والاحتقار نحو ألقوا ما أنتم ملقون
4925 - والإنذار نحو قل تمتعوا
4926 - والإكرام نحو ادخلوها بسلام
4927 - والتكوين وهو أعم من التسخير نحو كن فيكون
4928 - والإنعام أي تذكير النعمة نحو كلوا مما رزقكم الله

(2/219)


4929 - والتكذيب نحو قل فأتوا بالتوراة فاتلوها قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا
4930 - والمشورة نحو فانظر ماذا ترى
4931 - والاعتبار نحو انظروا إلى ثمره إذا أثمر
4932 - والتعجب نحو اسمع بهم وأبصر ذكره السكاكي في استعمال الإنشاء بمعنى الخبر
فصل ومن أقسامه النهي
4933 - وهو طلب الكف عن فعل وصيغته لا تفعل وهي حقيقة في التحريم
وترد مجازا لمعان
4934 - منها الكراهة ونحو ولا تمش في الأرض مرحا
4935 - والدعاء نحو ربنا لا تزغ قلوبنا
4936 - والإرشاد نحو لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم
4937 - والتسوية نحو أو لا تصبروا
4938 - والاحتقار والتقليل نحو لا تمدن عينيك . . الآية أي فهو قليل حقير
4939 - وبيان العاقبة نحو ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء أي عاقبة الجهاد الحياة لا الموت
4940 - واليأس نحو لا تعتذروا
4941 - والإهانة نحو اخسئوا فيها ولا تكلمون

(2/220)


فصل ومن أقسامه التمني
4942 - وهو طلب حصول شيء على سبيل المحبة ولا يشترط إمكان المتمنى بخلاف المترجى لكن نوزع في تسمية تمني المحال طلبا بأن ما لا يتوقع كيف يطلب قال في عروس الأفراح فالأحسن ما ذكره الإمام وأتباعه من أن التمني والترجي والنداء والقسم ليس فيها طلب بل هو تنبيه ولا بدع في تسميته إنشاء
انتهى
وقد بالغ قوم فجعلوا التمني من قسم الخبر وأن معناه النفي والزمخشري ممن جزم بخلافه
ثم استشكل دخول التكذيب في جوابه في قوله يا ليتنا نرد ولا نكذب إلى قوله وإنهم لكاذبون وأجاب بتضمنه معنى العدة فتعلق به التكذيب
وقال غيره التمني لا يصح فيه الكذب وإنما الكذب في المتمنى الذي يترجح عند صاحبه وقوعه فهو إذن وارد على ذلك الاعتقاد الذي هو ظن وهو خبر صحيح
قال وليس المعنى في قوله وإنهم لكاذبون أن ما تمنوا ليس بواقع لأنه ورد في معرض الذم لهم وليس في ذلك المتمنى ذم بل التكذيب ورد على إخبارهم عن أنفسهم أنهم لا يكذبون وأنهم يؤمنون
وحرف التمنى الموضوع له ليت نحو يا ليتنا نرد يا ليت قومي يعلمون يا ليتني كنت معهم فأفوز
وقد يتمنى بهل حيث يعلم فقده نحو فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا وبلوا نحو فلو أن لنا كرة فنكون ولذا نصب الفصل في جوابها
وقد يتمنى ب لعل في البعيد فتعطى حكم ليت في نصب الجواب نحو لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع

(2/221)


فصل ومن أقسامه الترجي
4943 - نقل القرافي في الفروق الإجماع على أنه إنشاء وفرق بينه وبين التمني بأنه في الممكن والتمني فيه وفي المستحيل وبأن الترجي في القريب والتمني في البعيد وبأن الترجي في المتوقع والتمني في غيره وبأن التمني في المشقوق للنفس والترجي في غيره
وسمعت شيخنا العلامة الكافيجي يقول الفرق بين التمني وبين العرض هو الفرق بينه وبين الترجي
وحرف الترجي لعل وعسى وقد ترد مجازا لتوقع محذور ويسمى الإشفاق نحو لعل الساعة قريب
فصل ومن أقسامه النداء
4944 - وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بحرف نائب مناب أدعو ويصحب في الأكثر الأمر والنهي والغالب تقدمه نحو يا أيها الناس اعبدوا ربكم يا عباد فاتقون يا أيها المزمل قم الليل ويا قوم استغفروا ربكم يأيها الذين آمنوا لا تقدموا
4945 - وقد يتأخر نحو وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون
4946 - وقد يصحب الجملة الخبرية فتعقبها جملة الأمر نحو يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها
4947 - وقد لا تعقبها نحو يا عباد لا خوف عليكم اليوم يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر يا أيها

(2/222)


النبي لم تحرم ويا قوم ما لي أدعوكم
4949 - وقد ترد صورة النداء لغيره مجازا كالإغراء والتحذير وقد اجتمعا في قوله تعالى ناقة الله وسقياها
4950 - والاختصاص كقوله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت
4951 - والتنبيه كقوله ألا يسجدوا والتعجب كقوله يا حسرة على العباد
4952 - والتحسر كقوله يا ليتني كنت ترابا
قاعدة
4953 - أصل النداء ب يا أن تكون للبعيد حقيقة أو حكما وقد ينادى بها القريب لنكت منها إظهار الحرص في وقوعه على إقبال المدعو نحو يا موسى أقبل
4954 - ومنها كون الخطاب المتلو معتنى به نحو يا أيها الناس اعبدوا ربكم
4955 - ومنها قصد تعظيم شأن المدعو نحو يا رب وقد قال تعالى فإني قريب
4956 - ومنها قصد انحطاطه كقول فرعون وإني لأظنك يا موسى مسحورا
فائدة
4957 - قال الزمخشري وغيره كثر في القرآن النداء ب يا أيها دون غيره لأن فيه أوجها من التأكيد وأسبابا من المبالغة
منها ما في يا من التأكيد والتنبيه وما في ها من التنبيه وما في التدرج من

(2/223)


الإبهام في أي إلى التوضيح والمقام يناسب المبالغة والتأكيد لأن كل ما نادى له عباده من أوامره ونواهيه وعظاته وزواجره ووعده ووعيده ومن اقتصاص أخبار الأمم الماضية وغير ذلك ومما أنطق الله به كتابه أمور عظام وخطوب جسام ومعان واجب عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم غافلون فاقتضى الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ
فصل ومن أقسامه القسم
4958 - نقل القرافي الإجماع على أنه إنشاء وفائدته تأكيد الجملة الخبرية وتحقيقها عند السامع وسيأتي بسط الكلام فيه في النوع السابع والستين
4959 - فصل ومن أقسامه الشرط

(2/224)


النوع الثامن والخمسون
في بدائع القرآن
4960 - أفرده بالتصنيف ابن أبي الأصبع فأورد فيه نحو مائة نوع وهي المجاز والاستعارة والتشبيه والكناية والإرداف والتمثيل والإيجاز والإتساع والإشارة والمساواة والبسط والإيغال والتتميم والتكميل والاحتراس والاستقصاء والتذييل والزيادة والترديد والتكرار والتفسير والإيضاح ونفي الشيء بإيجابه والمذهب الكلامي والقول بالموجب والمناقضة والأنتقال والأسجال والتسليم والتمكين والتوشيح والتسهيم ورد العجز على الصدر وتشابه الأطراف ولزوم ما لا يلزم والتخيير والتسجيع والتسريع والإيهام وهو التورية والاستخدام والالتفات والاطراد والانسجام والإدماج والافتنان والاقتدار وائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلاف اللفظ مع المعنى والاستدراك والاستثناء والاقتصاص والإبدال وتأكيد المدح بما يشبه الذم والتفويت والتغاير والتقسيم والتدبيج والتنكيت والتجريد والتعديد والترتيب والترقي والتدلي والتضمين والجناس والجمع والتفريق والجمع والتقسيم والجمع مع التفريق والتقسيم وجمع المؤتلف والمختلف وحسن النسق وعتاب المرء نفسه والعكس والعنوان والفرائد والقسم واللف والنشر والمشاكلة والمزاوجة والمبالغة والمطابقة والمقابلة والمواربة والمراجعة والنزاهة والإبداع والمقارنة وحسن الابتداء وحسن الختام وحسن التخلص والاستطراد
4961 - فأما المجاز وما بعده إلى الإيضاح فقد تقدم بعضها في أنواع مفردة وبعضها في نوع الإيجاز والإطناب مع أنواع أخر كالتعريض والاحتباك والاكتفاء والطرد والعكس

(2/225)


4962 - وأما نفي الشيء بإيجابه فقد تقدم في النوع الذي قبل هذا
وأما المذهب الكلامي والخمسة بعده فستأتي في نوع الجدل مع أنواع أخر مزيدة
وأما التمكين والثمانية بعده فستأتي في أنواع الفواصل
وأما حسن التخلص والاستطراد فسيأتيان في نوع المناسبات وأما حسن الابتداء وبراعة الختام فسيأتيان في نوعي الفواتح والخواتم
وها أنا أورد الباقي مع زوائد ونفائس لا توجد مجموعة في غير هذا الكتاب
1 - الإيهام
4963 - ويدعى التورية أن يذكر لفظ له معنيان إما بالاشتراك أو التواطؤ أو الحقيقة والمجاز أحدهما قريب والآخر بعيد ويقصد البعيد ويورى عنه بالقريب فيتوهمه السامع من أول وهلة
4964 - قال الزمخشري لا ترى بابا في البيان أدق ولا ألطف من التورية ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله قال ومن أمثلتها الرحمن على العرش استوى فإن الاستواء على معنيين الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود لتنزيهه تعالى عنه والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي ورى عنه بالقريب المذكور
انتهى
4965 - وهذه التورية تسمى مجردة لأنها لم يذكر فيها شيء من لوازم المورى به ولا المورى عنه
4966 - ومنها ما تسمى مرشحة وهي التي ذكر فيها شيء من لوازم هذا أو هذا كقوله تعالى والسماء بنيناها بأيد فإنه يحتمل الجارحة وهو المورى به وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح البنيان ويحتمل القوة والقدرة وهو البعيد المقصود
4967 - قال ابن أبي الأصبع في كتابه الإعجاز ومنها قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم فالضلال يحتمل الحب وضد الهدى فاستعمل أولاد يعقوب ضد الهدى تورية عن الحب

(2/226)


فاليوم ننجيك ببدنك على تفسيره بالدرع فإن البدن يطلق عليه وعلى الجسد والمراد البعيد وهو الجسد
4968 - قال ومن ذلك قوله بعد ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى حيث قال ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم
ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربي وتوجهت إليه اليهود وتوجهت النصارى إلى المشرق كانت قبلة الإسلام وسطا بين القبلتين قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي خيارا وظاهر اللفظ يوهم التوسط مع ما يعضده من توسط قبلة المسلمين صدق على لفظة وسط ها هنا أن يسمي تعالى به لاحتمالها المعنيين
ولما كان المراد أبعدها وهو الخيار صلحت أن تكون من أمثلة التورية
4969 - قلت وهي مرشحة بلازم المورى عنه وهو قوله لتكونوا شهداء على الناس فإنه من لوازم كونهم خيارا أي عدولا والإتيان قبلها من قسم المجردة
ومن ذلك قوله والنجم والشجر يسجدان فإن النجم يطلق على الكوكب ويرشحه له ذكر الشمس والقمر وعلى ما لا ساق له من النبات وهو المعنى البعيد له وهو المقصود في الآية
ونقلت من خط شيخ الإسلام ابن حجر أن التورية في القرآن قوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس فإن كافة بمعنى مانع أي تكفهم عن الكفر والمعصية والهاء للمبالغة وهذا معنى بعيد والمعنى القريب المتبادر أن المراد جامعة بمعنى جميعا لكن منع من حمله على ذلك أن التأكيد يتراخى عن المؤكد فكما لا تقول رأيت جميعا الناس لا تقول رأيت كافة الناس
2 - الاستخدام
4970 - هو والتورية أشرف أنواع البديع وهما سيان بل فضله بعضهم عليها ولهم فيه عبارتان
إحداهما أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادا به أحد معانيه ثم يؤتى بضميره

(2/227)


مرادا به المعنى الآخر وهذه طريقة السكاكي وأتباعه
والأخرى أن يؤتي بلفظ مشترك ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ومن الآخر الآخر وهذه طريقة بدر الدين بن جماعة في المصباح ومشى عليها ابن أبي الإصبع ومثل له بقوله تعالى لكل أجل كتاب . . الآية فلفظ كتاب يحتمل الأمد المحتوم والكتاب المكتوب فلفظ أجل يخدم المعنى الأول و يمحو يخدم الثاني
ومثل غيره بقوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . . الآية فالصلاة تحتمل أن يراد بها فعلها وموضعها وقوله حتى تعلموا ما تقولون يخدم الأول و إلا عابري سبيل يخدم الثاني
قيل ولم يقع في القرآن على طريقة السكاكي
4971 - قلت وقد استخرجت بفكري آيات على طريقته منها قوله تعالى أتى أمر الله فأمر الله يراد به قيام الساعة والعذاب وبعثة النبي وقد أريد بلفظه الأخير كما أخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى أتى أمر الله قال محمد وأعيد الضمير عليه في تستعجلوه مرادا به قيام الساعة والعذاب
4972 - ومنها وهي أظهرها قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فإن المراد به آدم ثم أعاد عليه الضمير مرادا به ولده
فقال ثم جعلناه نطفة في قرار مكين
4973 - ومنها قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ثم قال قد سألها قوم من قبلكم أي أشياء أخر لأن الأولين لم يسألوا عن الأشياء التي سأل عنها الصحابة فنهوا عن سؤالها
3 - الالتفات
4974 - نقل الكلام من أسلوب إلى آخر أعني من التكلم أو الخطاب أو

(2/228)


الغيبة إلى آخر منها بعد التعبير بالأول هذا هو المشهور
وقال السكاكي إما ذلك أو التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره
وله فوائد
منها تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد وهذه فائدته العامة
ويختص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله كما سنبينه
4975 - مثاله من التكلم إلى الخطاب ووجهه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عناية تخصيص بالمواجهة قوله تعالى وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون والأصل وإليه أرجع فالتفت من التكلم إلى الخطاب ونكتته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه وهو يريد نصح قومه تلطفا وإعلاما أنه يريد لهم ما يريد لنفسه
ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله تعالى
كذا جعلوا هذه الآية من الالتفات وفيه نظر لأنه إنما يكون منه إذا قصد الإخبار عن نفسه في كلتا الجملتين وهنا ليس كذلك لجواز أن يريد بقوله ترجعون المخاطبين لا نفسه
وأجيب بأنه لو كان المراد ذلك لما صح الاستفهام الإنكاري لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمستلزم أن يعيده غير ذلك الراجع فالمعنى كيف لا أعبد من إليه رجوعي وإنما عدل عن وإليه أرجع إلى وإليه ترجعون لأنه داخل فيهم ومع ذلك أفاد فائدة حسنة وهي تنبيههم على أنه مثلهم في وجوب عبادة من إليه الرجوع
4976 - ومن أمثلته أيضا قوله تعالى وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة
4977 - ومثاله من التكلم إلى الغيبة ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب وأنه ليس في كلامه ممن يتلون ويتوجه ويبدى في الغيبة خلاف ما يبديه في الحضور قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا

(2/229)


ليغفر لك الله والأصل لنغفر لك
إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك والأصل لنا
أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك والأصل منا إني رسول الله إليكم جميعا إلى قوله فآمنوا بالله ورسوله
والأصل وبي وعدل عنه لنكتتين إحداهما دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها
والأخرى تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص المتلوة
4978 - ومثاله من الخطاب إلى التكلم لم يقع في القرآن ومثل له بعضهم بقوله فاقض ما أنت قاض ثم قال إنا آمنا بربنا
وهذا المثال لا يصح لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا
4979 - ومثاله من الخطاب إلى الغيبة حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم والأصل بكم ونكتة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم التعجب من كفرهم وفعلهم إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة
4980 - وقيل لأن الخطاب أولا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل هو الذي يسيركم في البر والبحر فلو كان وجرين بكم للزم الذم للجميع فالتفت عن الأول للإشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الخاص
4981 - قلت ورأيت عن بعض السلف في توجهه عكس ذلك وهو أن الخطاب أوله خاص وآخره عام فأخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم قال ذكر الحديث عنهم ثم حدث عن غيرهم ولم يقل وجرين بكم لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم وجرين بهؤلاء وغيرهم من الخلق
هذه عبارته فلله در السلف ما كان أوقفهم على المعاني اللطيفة التي يدأب المتأخرون فيها زمانا طويلا ويفنون فيها أعمارهم ثم غايتهم أن يحرموا حول الحمى ومما ذكر في توجيهه أيضا أنهم وقت الركوب حضروا لأنهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح فخاطبهم خطاب الحاضرين ثم لما جرت الرياح بما تشتهى السفن وأمنوا الهلاك لم يبق حضورهم كما كان على عادة

(2/230)


الإنسان أنه إذا أمن غالب قلبه عن ربه فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة وهذه إشارة صوفية
4982 - ومن أمثلته أيضا وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم والأصل عليكم ثم قال وأنتم فيها خالدون فكرر الالتفات
4983 - ومثاله من الغيبة إلى التكلم والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه وأوحى في كل سماء أمرها وزينا سبحان الذي أسرى بعبده إلى قوله باركنا حوله لنريه من آياتنا ثم التفت ثانيا إلى الغيبة فقال إنه هو السميع البصير
وعلى قراءة الحسن ليريه بالغيبة يكون التفاتا ثانيا من باركنا وفي آياتنا التفات ثالث وفي إنه التفات رابع قال الزمخشري وفائدته في هذه الآيات وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد
4984 - ومثاله من الغيبة إلى الخطاب وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا
ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض مالم نمكن لكم وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك
4985 - ومن محاسنه ما وقع في سورة الفاتحة فإن العبد إذا ذكر الله تعالى وحده ثم ذكر صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال وآخرها مالك يوم الدين المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء يجد من نفسه حاملا لا يقدر على دفعه على خطاب من هذه صفاته بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات
وقيل إنما اختير لفظ الغيبة للحمد وللعبادة الخطاب للإشارة إلى أن الحمد دون العبادة في الرتبة لأنك تحمد نظيرك ولا تعبده فاستعمل لفظ الحمد مع الغيبة ولفظ العبادة مع الخطاب لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة

(2/231)


ما هو أعلى رتبه وذلك على طريقة التأدب
وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال الذين أنعمت عليهم مصرحا بذكر المنعم وإسناد الإنعام إليه لفظا ولم يقل صراط المنعم عليهم فلما صار إلى ذكر الغضب روى عنه لفظه فلم ينسبه إليه لفظا وجاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب فلم يقل غير الذين غضبت عليهم تفاديا عن نسبة الغضب إليه في اللفظ حال المواجهة
وقيل لأنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه الصفات العظيمة من كونه ربا للعالمين ورحمانا ورحيما ومالكا ليوم الدين تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بأن يكون معبودا دون غيره مستعانا به فخوطب بذلك لتميزه بالصفات المذكورة تعظيما لشأنه حتى كأنه قيل إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة لا غيرك
4986 - قيل ومن لطائفه التنبيه على أن مبتدأ الخلق الغيبة منهم عنه سبحانه وتعالى وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته وقيام حجاب العظمة عليهم فإذا عرفوه بما هو له وتوسلوا للقرب بالثناء عليه وأقروا بالمحامد له وتعبدوا له بما يليق بهم تأهلوا لمخاطباته ومناجاته فقالوا إياك نعبد وإياك نستعين
تنبيهات
4987 - الأول شرط الالتفات أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه وإلا يلزم عليه أن يكون في أنت صديقي التفات
4988 - الثاني شرطه أيضا أن يكون في جملتين صرح به صاحب الكشاف وغيره وإلا يلزم عليه أن يكون نوعا غريبا
4989 - الثالث ذكر التنوخي في الأقصى القريب وابن الأثير وغيرهما نوعا غريبا من الالتفات وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه كقوله غير المغضوب عليهم بعد أنعمت فإن المعنى غير الذين غضبت عليهم وتوقف فيه صاحب عروس الأفراح
4990 - الرابع قال ابن أبي الاصبع جاء في القرآن من الالتفات قسم غريب جدا لم أظفر في الشعر بمثاله وهو أن يقدم المتكلم في كلامه مذكورين مرتيين ثم يخبر عن الأول منهما وينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثاني ثم يعود إلى الإخبار عن الأول كقوله إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد

(2/232)


انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربه تعالى ثم قال منصرفا عن الإخبار عن ربه تعالى إلى الإخبار عن الإنسان وإنه لحب الخير لشديد قال وهذا يحسن أن يسمى التفات الضمائر
4991 - الخامس يقرب من الالتفات نقل الكلام من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لخطاب الآخر ذكره التنوخي وابن الأثير وهو ستة أقسام أيضا
4992 - مثاله من الواحد إلى الاثنين قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض
4993 - وإلى الجمع يأيها النبي إذا طلقتم النساء
4994 - ومن الاثنين إلى الواحد فمن ربكما يا موسى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
4995 - وإلى الجمع وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة
4996 - ومن الجمع إلى الواحد وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين
4997 - وإلى الاثنين يا معشر الجن والإنس إن استطعتم إلى قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان
4998 - السادس ويقرب منه أيضا الانتقال من الماضي أو المضارع أو الأمر إلى آخر
4999 - مثاله من الماضي إلى المضارع أرسل الرياح فتثير خر من السماء فتخطفه الطير إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله
5000 - وإلى الأمر قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا

(2/233)


5001 - ومن المضارع إلى الماضي ويوم ينفخ في الصور ففزع ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم
5002 - وإلى الأمر قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ
5003 - ومن الأمر إلى الماضي واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا
5004 - وإلى المضارع وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون
4 - الاطراد
5005 - هو أن يذكر المتكلم أسماء آباء الممدوح مرتبة على حكم ترتيبها في الولادة
قال ابن أبي الأصبع ومنه في القرآن قوله تعالى حكاية عن يوسف واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب قال وإنما لم يأت به على الترتيب المألوف فإن العادة الابتداء بالأب ثم الجد ثم الجد الأعلى لأنه لم يرد هنا مجرد ذكر الآباء وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها فبدأ بصاحب الملة ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب ومثله قول أولاد يعقوب نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
5 - الانسجام
5006 - هو أن يكون الكلام لخلوه من العقادة منحدرا كتحدر الماء المنسجم ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة والقرآن كله كذلك
قال أهل البديع وإذا قوى الانسجام في النثر جاءت قراءته موزونة بلا قصد لقوة انسجامه ومن ذلك ما وقع في القرآن موزونا
5007 - فمنه من بحر الطويل فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر
5008 - ومن المديد واصنع الفلك بأعيننا
5009 - ومن البسيط فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم

(2/234)


5010 - ومن الوافر ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين
5011 - ومن الكامل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
5012 - ومن الهزج فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا
5013 - ومن الرجز ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا
5014 - ومن الرمل وجفان كالجواب وقدور راسيات
5015 - ومن السريع أو كالذي مر على قرية
5016 - ومن المنسرح إنا خلقنا الإنسان من نطفة
5017 - ومن الخفيف لا يكادون يفقهون حديثا
5018 - ومن المضارع يوم التناد يوم تولون مدبرين
5019 - ومن المقتضب في قلوبهم مرض
5020 - ومن المجتث نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم
5021 - ومن المتقارب واملي لهم إن كيدي متين
6 - الإدماج
5022 - قال ابن الإصبع هو أن يدمج المتكلم غرضا في غرض أو بديعا في بديع بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين أو أحد البديعين كقوله تعالى له الحمد في الأولى والآخرة أدمجت المبالغة في المطابقة لأن انفراده بالحمد في الآخرة وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في الوصف بالإنفراد بالحمد وهو وإن خرج مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيه حقيقة في الباطن فإنه رب الحمد والمنفرد به في الدارين
انتهى
5023 - قلت والأولى أن يقال في هذه الآية إنها من إدماج غرض في

(2/235)


غرض فإن الغرض منها تفرده تعالى بوصف الحمد وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء
7 - الافتان
5024 - هو الإتيان في كلام بفنين مختلفين كالجمع بين الفخر والتعزية في قوله تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فإنه تعالى عزى جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة وتمدح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر لفظات مع وصفه ذاته بعد انفراده بالبقاء بالجلال والإكرام سبحانه وتعالى
5025 - ونه ثم ننجي الذين اتقوا . . الآية جمع فيها بين هناء وعزاء
8 - الاقتدار
5026 - هو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتدارا منه على نظم الكلام وتركيبه وعلى صياغة قوالب المعاني والأغراض فتارة يأتي به في لفظ الاستعارة وتارة في صورة الإرداف وحينا في مخرج الإيجاز ومرة في قالب الحقيقة قال ابن أبي الإصبع وعلى هذا أتت جميع قصص القرآن فإنك ترى القصة الواحدة التي لا تختلف معانيها تأتي في صور مختلفة وقوالب من الألفاظ متعددة حتى لا تكاد تشتبه في موضعين منه ولا بد أن تجد الفرق بين صورها ظاهرا
9 - ائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلافه مع المعنى
5027 - الأول أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضا بأن يقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله رعاية لحسن الجوار والمناسبة
5028 - والثاني أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد فإن كان فخما كانت ألفاظه فخمة أو جزلا فجزلة أو غريبا فغريبة أو متداولا فمتداولة أو متوسطا بين الغرابة والاستعمال فكذلك
5029 - فالأول كقوله تعالى تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا

(2/236)


أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي التاء فإنها أقل استعمالا وأبعد من أفهام العامة بالنسبة إلى الباء والواو وبأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار فإن تزال أقرب إلى الأفهام وأكثر استعمالا منها وبأغرب ألفاظ الهلاك وهو الحرض فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاوز كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة توخيا لحسن الجوار ورغبة في ائتلاف المعاني بالألفاظ ولتتعادل الألفاظ في الوضع وتتناسب في النظم ولما أراد غير ذلك قال وأقسموا بالله جهد أيمانهم فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها
5030 - ومن الثاني قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار لما كان الركون إلى الظالم وهو الميل إليه والاعتماد عليه دون مشاركته في الظلم وجب أن يكون العقاب عليه دون العقاب على الظلم فأتى بلفظ المس الذي هو دون الإحراق والاصطلاء
وقوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت أتى بلفظ الاكتساب المشعر بالكلفة والمبالغة في جانب السيئة لثقلها
وكذا قوله فكبكبوا فيها فهو أبلغ من كبوا للإشارة إلى أنهم يكبون كبا عنيفا فظيعا
وهم يصطرخون فإنه أبلغ من يصرخون للإشارة إلى أنهم يصرخون صراخا منكرا خارجا عن الحد المعتاد
أخذ عزيز مقتدر فإنه أبلغ من قادر للإشارة إلى زيادة التمكن في القدرة وأنه لا راد له ولا معقب
ومثل ذلك واصطبر فإنه أبلغ من اصبر و الرحمن فإنه أبلغ من الرحيم فإنه يشعر باللطف والرفق كما أن الرحمن مشعر بالفخامة والعظمة
ومنه الفرق بين سقى وأسقى فإن سقى لما لا كلفة معه في السقيا ولهذا أورده تعالى في شراب الجنة فقال وسقاهم ربهم شرابا طهورا و أسقى لما

(2/237)


فيه كلفة ولهذا أورده في شراب الدنيا فقال وأسقيناكم ماء فراتا لأسقيناهم ماء غدقا لأن السقيا في الدنيا لا تخلو من الكلفة أبدا
10 - الاستدراك والاستثناء
5031 - شرط كونهما من البديع أن يتضمنا ضربا من المحاسن زائدا على ما يدل عليه المعنى اللغوي
مثال الاستدراك قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا فإنه لو اقتصر على قوله لم تؤمنوا لكان منفرا لهم لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ليعلم أن الإيمان موافقة القلب اللسان وإن انفرد اللسان بذلك يسمى إسلاما ولا يسمى إيمانا
وزاد ذلك إيضاحا بقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عد من المحاسن
5032 - ومثال الاستثناء فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فإن الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهد عذر نوح في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذ لو قيل فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لم يكن فيه من التهويل ما في الأول لأن لفظ الألف في الأول أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعدما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف
11 - الاقتصاص
5033 - ذكره ابن فارس وهو أن يكون كل كلام في سورة مقتصا من كلام في سورة أخرى أو في تلك السورة كقوله تعالى وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين والآخرة دار ثواب لا عمل فيها فهذا مقتص من قوله ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا
5034 - ومنه ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين مأخوذ من قوله أولئك في العذاب محضرون

(2/238)


5035 - وقوله ويوم يقوم الأشهاد مقتص من أربع آيات لأن الأشهاد أربعة الملائكة في قوله وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد والأنبياء في قوله فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا وأمة محمد في قوله لتكونوا شهداء على الناس والأعضاء في قوله يوم تشهد عليهم ألسنتهم . . الآية
5036 - وقوله يوم التناد قرئ مخففا ومشددا فالأول مأخوذ من قوله ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار والثاني من قوله يوم يفر المرء من أخيه
12 - الإبدال
5037 - هو إقامة بعض الحروف مقام بعض وجعل منه ابن فارس فانفلق أي انفرق ولهذا قال فكان كل فرق فالراء واللام متعاقبتان
وعن الخليل في قوله تعالى فجاسوا خلال الديار إنه أريد فحاسوا فجاءت الجيم مقام الحاء وقد قرئ بالحاء أيضا وجعل منه الفارسي إني أحببت حب الخير أي الخيل وجعل منه أبو عبيدة إلا مكاء وتصدية أي تصددة
13 - تأكيد المدح بما يشبه الذم
5038 - قال ابن أبي الإصبع هو في غاية العزة في القرآن قال ولم أجد منه إلا آية واحدة وهي قوله قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله . . فإن الاستثناء بعد الاستفهام الخارج مخرج التوبيخ على ما عابوا به المؤمنين من الإيمان يوهم أن ما يأتي بعده مما يوجب أن ينقم على فاعله مما يذم به فلما أتى

(2/239)


بعد الاستثناء ما يوجب مدح فاعله كان الكلام متضمنا تأكيد المدح بما يشبه الذم
5039 - قلت ونظيرها قوله وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله وقوله الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله فإن ظاهر الاستثناء أن ما بعده حق يقتضي الإخراج فلما كان صفة مدح يقتضي الإكرام لا الإخراج كان تأكيدا للمدح بما يشبه الذم
وجعل منه التنوخي في الأقصى القريب لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما استثنى سلاما سلاما الذي هو ضد اللغو والتأثيم فكان ذلك مؤكدا لانتفاء اللغو والتأثيم
انتهى
14 - التفويت
5040 - هو إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح والوصف وغير ذلك من الفنون كل فن في جملة منفصلة عن أختها مع تساوي الجمل في الزنة وتكون في الجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة
5041 - فمن الطويلة الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين
5042 - ومن المتوسطة تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي
5043 - قال ابن أبي الاصبع ولم يأت المركب من القصيرة في القرآن
15 - التقسيم
5044 - هو استيفاء أقسام الشيء الموجودة لا الممكنة عقلا نحو هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار ولا ثالث لهذين القسمين

(2/240)


5045 - وقوله فمنهنم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فإن العالم لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة إما عاص ظالم لنفسه وإما سابق مبادر للخيرات وإما متوسط بينهما مقتصد فيها
ونظيرها وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون
وكذا قوله تعالى له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك استوفى أقسام الزمان ولا رابع لهما
وقوله والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع استوفى أقسام الخلق في المشي
وقوله الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم استوفى جميع هيآت الذاكر
وقوله يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما استوفى جميع أحوال المتزوجين ولا خامس لها
16 - التدبيج
5045 - هو أن يذكر المتكلم ألوانا يقصد التورية بها والكناية قال ابن أبي الإصبع كقوله تعالى ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود قال المراد بذلك والله أعلم الكناية عن المشتبه والواضح من الطرق لأن الجادة البيضاء هي الطريق التي كثر السلوك عليها جدا وهي أوضح الطرق وأبينها ودونها الحمراء ودون الحمراء السوداء كأنها في الخفاء والالتباس ضد البيضاء في الظهور والوضوح
ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة فالطرف الأعلى في الظهور البياض والطرف الأدنى في الخفاء السواد والأحمر بينهما على وضع الألوان في التركيب وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة والهداية بكل علم نصب للهداية منقسمة هذه القسمة أتت الآية

(2/241)


الكريمة منقسمة كذلك فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم
17 - التنكيت
5046 - هو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسد مسده لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه كقوله تعالى وأنه هو رب الشعرى خص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم وهو تعالى رب كل شيء لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة عبد الشعرى ودعا خلقا إلى عبادتها فأنزل الله تعالى وأنه هو رب الشعرى التي ادعيت فيها الربوبية
18 - التجريد
5047 - هو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة في كمالها نحو لي من فلان صديق حميم جرد من الرجل الصديق آخر مثله متصف بصفة الصداقة
ونحو مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة جردوا من الرجل الكريم آخر مثله متصفا بصفة البركة وعطفوه عليه كأنه غيره وهو هو
5048 - ومن أمثلته في القرآن لهم فيها دار الخلد ليس المعنى أن الجنة فيها دار خلد وغير دار خلد بل هي نفسها دار الخلد فكأنه جرد من الدار دارا
ذكره في المحتسب وجعل منه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي على أن المراد بالميت النطفة
قال الزمخشري وقرأ عبيد بن عمير فكانت وردة كالدهان بالرفع بمعنى حصلت منها وردة قال وهو من التجريد وقرئ أيضا يرثني وارث من آل يعقوب قال ابن جنى هذا هو التجريد وذلك أنه يريد وهب لي من لدنك وليا يرثني منه وارث من آل يعقوب وهو الوارث نفسه فكأنه جرد منه وارثا
19 - التعديد
5049 - هو إيقاع الألفاظ المفردة على سياق واحد وأكثر ما يوجد في الصفات كقوله هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر

(2/242)


وقوله التائبون العابدون الحامدون . . الآية
وقوله مسلمات مؤمنات . . الآية
20 - الترتيب
5050 - هو أن يورد أوصاف الموصوف على ترتيبها في الخلقة الطبيعية ولا يدخل فيها وصفا زائدا ومثله عبد الباقي اليمني بقوله هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا وبقوله فكذبوه فعقروها . . الآية
21 - الترقي والتدلي
5051 - تقدما في نوع التقديم والتأخير
22 - التضمين
5052 - يطلق على أشياء
أحدهما إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه معناه وهو نوع من المجاز تقدم الكلام فيه
الثاني حصول معنى فيه من غير ذكر له باسم هو عبارة عنه وهذا نوع من الإيجاز تقدم أيضا
الثالث تعلق ما بعد الفاصلة بها وهذا مذكور في نوع الفواصل
الرابع إدراج كلام الغير في أثناء الكلام لقصد تأكيد المعنى أو ترتيب النظم وهذا هو النوع البديعي
قال ابن أبي الإصبع ولم أظفر في القرآن بشيء منه إلا في موضعين تضمنا فصلين من التوراة والأنجيل قوله وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . الآية وقوله محمد رسول الله . . الآية
ومثله ابن النقيب وغيره بإيداع حكايات المخلوقين في القرآن كقوله تعالى

(2/243)