صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الإتقان في علوم القرآن - السيوطي ]
الكتاب : الإتقان في علوم القرآن
المؤلف : عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي
عدد الأجزاء : 2

وذكر في الكشاف آخر وهو أن هارون لما كان أفصح من موسى نكب فرعون عن خطابه حذرا من لسانه
4222 - ومثله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
قال ابن عطية أفرده بالشقاء لأنه المخاطب أولا والمقصود في الكلام وقيل لأنه الله جعل الشقاء في معيشة الدنيا في جانب الرجال
وقيل إغضاء عن ذكر المرأة كما قيل من الكرم ستر الحرم
4223 - السابع عشر خطاب الإثنين لفظ الجمع كقوله أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة
4223 - م الثامن عشر خطاب الجمع بلفظ الاثنين كما تقدم في ألقيا
4224 - التاسع عشر خطاب الجمع بعد الواحد كقوله وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل قال ابن الأنباري جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبي ومثله يأيها النبي إذا طلقتم النساء
4225 - العشرون عكسه نحو وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين
4226 - الحادي والعشرون خطاب الإثنين بعد الواحد نحو أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض
4227 - الثاني والعشرون عكسه نحو فمن ربكما يا موسى
4228 - الثالث والعشرون خطاب العين والمراد به الغير نحو يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين الخطاب له والمراد أمته لأنه كان تقيا وحاشاه من طاعة الكفار ومنه فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب . . الآية حاشاه من الشك وإنما المراد بالخطاب التعريض بالكفار
4229 - أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال لم يشك ولم يسأل
ومثله واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا . . الآية فلا تكونن من الجاهلين وأنحاء ذلك

(2/91)


4230 - الرابع والعشرون خطاب الغير والمراد به العين نحو لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم
4231 - الخامس والعشرون الخطاب العام الذي لم يقصد به مخاطب معين نحو ألم تر أن الله يسجد له ولو ترى إذ وقفوا على النار ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم لم يقصد بذلك خطاب معين بل كل أحد وأخرج في صورة الخطاب لقصد العموم يريد أن حالهم تناهت في الظهور بحيث لا يختص بها راء دون راء بل كل من أمكن منه الرؤية داخل في ذلك الخطاب
4232 - السادس والعشرون خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره نحو فإن لم يستجيبوا لكم خوطب به النبي ثم قال للكفار فاعلموا أنما أنزل بعلم الله بدليل فهل أنتم مسلمون ومنه إنا أرسلناك شاهدا . . إلى قوله لتؤمنوا فيمن قرأ بالفوقية
4233 - السابع والعشرون خطاب التلوين وهو الإلتفات
4234 - الثامن والعشرون خطاب الجمادات خطاب من يعقل نحو فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها
4235 - التاسع والعشرون خطاب التهييج نحو وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين
4236 - الثلاثون خطاب التحنن والإستعطاف نحو يا عبادي الذين أسرفوا
4237 - الحادي والثلاثون خطاب التحبب نحو يا أبت لم تعبد يا بني إنها إن تك يا بن أم لا تأخذ بلحيتي

(2/92)


4238 - الثاني والثلاثون خطاب التعجيز نحو فاتوا بسورة
4239 - الثالث والثلاثون خطاب التشريف وهو كل ما في القرآن مخاطبة ب قل فإنه تشريف منه تعالى لهذه الأمة بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة
4240 - الرابع والثلاثون خطاب المعدوم ويصح ذلك تبعا لموجود نحو يا بني آدم فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل من بعدهم
1 - فائدة
4241 - قال بعضهم خطاب القرآن ثلاثة أقسام
قسم لا يصح إلا للنبي
وقسم لا يصح إلا لغيره
وقسم لهما
4242 - قال ابن القيم تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومردها إليه مستويا على العرش لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا على أسرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه
فتأمل كيف تجده يثنى على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه يذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثنى على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسيء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه

(2/93)


أحسن الأجوبة ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ويذكرهم غناه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه وأنه لن ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته وتشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع عنهم والحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم على عدوهم فنعم المولى ونعم النصير
وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما جوادا رحيما جميلا هذا شأنه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل من سواه وكيف لا تلهج بذكره وتصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت وهلكت لم تنتفع بحياتها
2 - فائدة
4243 - قال بعض الأقدمين أنزل القرآن على ثلاثين نحوا كل نحو منه غير صاحبه فمن عرف وجوهها ثم تكلم في الدين أصاب ووفق ومن لم يعرفها وتكلم في الدين كان الخطأ إليه أقرب وهي المكي والمدني والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والتقديم والتأخير والمقطوع والموصول والسبب والإضمار والخاص والعام والأمر والنهي والوعد والوعيد والحدود والأحكام والخبر والإستفهام والأبهة والحروف المصرفة والإعذار والإنذار والحجة والإحتجاج والمواعظ والأمثال والقسم
4244 - قال فالمكي مثل واهجرهم هجرا جميلا

(2/94)


4245 - والمدني مثل وقاتلوا في سبيل الله
4246 - والناسخ والمنسوخ واضح
4247 - والمحكم مثل ومن يقتل مؤمنا متعمدا . . الآية إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ونحوه مما أحكمه الله وبينه
4248 - والمتشابه مثل يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا . . الآية ولم يقل ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا كما قال في المحكم وقد ناداهم في هذه الآية بالإيمان ونهاهم عن المعصية ولم يجعل فيها وعيدا فاشتبه على أهلها ما يفعل الله بهم
4249 - والتقديم والتأخير مثل كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية التقدير كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت
4250 - والمقطوع والموصول مثل لا أقسم بيوم القيامة فلا مقطوع من أقسم وإنما هو في المعنى أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ولم يقسم
4251 - والسبب والإضمار مثل واسأل القرية أي أهل القرية
4252 - والخاص والعام مثل يأيها النبي فهذا في المسموع خاص إذا طلقتم النساء فصار في المعنى عاما
4253 - والأمر وما بعده إلى الإستفهام أمثلتها واضحة
4254 - والأبهة مثل إنا أرسلنا نحن قسمنا عبر بالصيغة الموضوعة للجماعة للواحد تعالى تفخيما وتعظيما وأبهة
4255 - والحروف المصرفة كالفتنة تطلق على الشرك نحو حتى لا تكون فتنة

(2/95)


4256 - وعلى المعذرة نحو ثم لم تكن فتنتهم أي معذرتهم
4257 - وعلى الإختبار نحو قد فتنا قومك من بعدك
4258 - والإعتذار نحو فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم اعتذر أنه لم يفعل ذلك إلا بمعصيتهم
والبواقي أمثلتها واضحة

(2/96)


النوع الثاني والخمسون
في حقيقته ومجازه
4259 - لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن وهي كل لفظ بقي على موضوعه ولا تقديم فيه ولا تأخير وهذا أكثر الكلام
4260 - وأما المجاز فالجمهور أيضا على وقوعه فيه وأنكره جماعة منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير وذلك محال على الله تعالى
وهذه شبهة باطلة ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد إتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها
4261 - وقد أفرده بالتصنيف الإمام عز الدين بن عبد السلام ولخصته مع زيادات كثيرة في كتاب سميته مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن وهو قسمان
الأول المجاز في التركيب ويسمى مجاز الإسناد والمجاز العقلي وعلاقته الملابسة وذلك أن يسند الفعل أو شبهة إلى ما هو له أصالة لملابسته له كقوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا لها
يذبح أبناءهم يا هامان ابن لي نسب الذبح وهو فعل الأعوان إلى فرعون والبناء وهو فعل العملة إلى هامان لكونهما آمرين به
4262 - وكذا قوله وأحلوا قومهم دار البوار نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به

(2/97)


4263 - ومنه قوله تعالى يوما يجعل الولدان شيبا نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه
عيشة راضية أي مرضية
فإذا عزم الأمر أي عزم عليه بدليل فإذا عزمت
4264 - وهذا القسم أربعة أنواع
أحدها ما طرفاه حقيقيان كالآية المصدر بها وكقوله وأخرجت الأرض أثقالها
ثانيها مجازيان نحو فما ربحت تجارتهم أي ما ربحوا فيها وإطلاق الربح والتجارة هنا مجاز
ثالثها ورابعها ما أحد طرفيه حقيقي دون الآخر
4265 - أما الأول والثاني فكقوله أم أنزلنا عليهم سلطانا أي برهانا كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو فإن الدعاء من النار مجاز
وقوله حتى تضع الحرب أوزارها تؤتي أكلها كل حين فأمه هاوية وإسم الأم الهاوية مجاز أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع
4266 - القسم الثاني المجاز في المفرد ويسمى اللغوي وهو إستعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا وأنواعه كثيرة
أحدها الحذف وسيأتي مبسوطا في نوع المجاز فهو به أجدر خصوصا إذا قلنا إنه ليس من أنواع المجاز
4267 - الثاني الزيادة وسبق تحرير القول فيها في نوع الإعراب
4268 - الثالث إطلاق إسم الكل على الجزء نحو يجعلون أصابعهم في

(2/98)


آذانهم أي أناملهم ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار فكأنهم جعلوا الأصابع وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم أي وجوههم لأنه لم ير جملتهم فمن شهد منكم الشهر فليصمه أطلق الشهر وهو إسم لثلاثين ليلة وأراد جزء منه كذا أجاب به الإمام فخر الدين عن إستشكال أن الجزاء إنما يكون بعد تمام الشرط والشرط أن يشهد الشهر وهو إسم لكله حقيقة فكأنه أمر بالصوم بعد مضي الشهر وليس كذلك وقد فسره علي وابن عباس وابن عمر على أن المعنى من شهد أول الشهر فليصم جميعه وإن سافر في أثنائه
أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما وهو أيضا من هذا النوع ويصلح أن يكون من نوع الحذف
4269 - الرابع عكسه نحو ويبقى وجه ربك أي ذاته فولوا وجوهكم شطره أي ذواتكم إذ الاستقبال يجب بالصدر وجوه يومئذ ناعمة وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة عبر بالوجوه عن جميع الأجساد لأن التنعم والنصب حاصل بكلها ذلك بما قدمت يداك بما كسبت أيديكم أي قدمت وكسبتم ونسب ذلك إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها قم الليل وقرآن الفجر واركعوا مع الراكعين ومن الليل فاسجد له أطلق كلا من القيام والقراءة والركوع والسجود على الصلاة وهو بعضها هديا بالغ الكعبة أي الحرم كله بدليل أنه لا يذبح فيها
تنبيه
4270 - ألحق بهذين النوعين شيئان
أحدهما وصف البعض بصفة الكل كقوله ناصية كاذبة خاطئة فالخطأ صفة الكل وصف به الناصية عكسه كقوله إنا منكم وجلون والوجل

(2/99)


صفة القلب ولملئت منهم رعبا والرعب إنما يكون في القلب
والثاني إطلاق لفظ بعض مرادا به الكل ذكره أبو عبيدة وخرج عليه قوله ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه أي كله وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم وتعقب بأنه لا يجب على النبي بيان كل ما اختلف فيه بدليل الساعة والروح ونحوهما وبأن موسى كان وعدهم بعذاب في الدنيا وفي الآخرة فقال يصبكم هذا العذاب في الدنيا وهو بعض الوعيد من غير نفي عذاب الآخرة ذكره ثعلب
4271 - قال الزوكشي ويحتمل أيضا أن يقال إن الوعيد مما لا يستنكر ترك جميعه فكيف بعضه ويؤيد ما قاله ثعلب قوله وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم
4272 - الخامس إطلاق إسم الخاص على العام نحو إنا رسول رب العالمين أي رسله
4273 - السادس عكسه نحو ويستغفرون لمن في الأرض أي المؤمنين بدليل قوله ويستغفرون للذين آمنوا
4274 - السابع إطلاق إسم الملزوم على اللازم نحو
4275 - الثامن عكسه نحو هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء أي هل يفعل أطلق الإستطاعة على الفعل لأنها لازمة له
4276 - التاسع إطلاق المسبب على السبب نحو وينزل لكم من السماء رزقا قد أنزلنا عليكم لباسا أي مطرا يتسبب عنه الرزق واللباس لا يجدون نكاحا أي مؤنة من مهر ونفقة وما لا بد للمتزوج منه
4277 - العاشر عكسه نحو ما كانوا يستطيعون السمع أي القبول والعمل به لأنه مسبب عن السمع

(2/100)


تنبيه
4278 - من ذلك نسبة الفعل إلى سبب السبب كقوله فأخرجهما مما كانا فيه كما أخرج أبويكم من الجنة فإن المخرج في الحقيقة هو الله تعالى وسبب ذلك أكل الشجرة وسبب الأكل وسوسة الشيطان
4279 - الحادى عشر تسمية الشيء باسم ما كان عليه نحو وآتوا اليتامى أموالهم أي الذين كانوا يتامى إذ لا يتم بعد البلوغ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن أي الذين كانوا أزواجهن من يأت ربه مجرما سماه مجرما باعتبار ما كان في الدنيا من الإجرام
4280 - الثاني عشر تسميته باسم ما يؤول إليه نحو إني أراني أعصر خمرا أي عنبا يؤول إلى الخمرية ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا أي صائرا إلى الكفر والفجور حتى تنكح زوجا غيره سماه زوجا لأن العقد يؤول إلى زوجية لأنها لا تنكح إلا في حال كونه زوجا فبشرناه بغلام حليم نبشرك بغلام عليم وصفه في حال البشارة بما يؤول إليه من العلم والحلم
4281 - الثالث عشر إطلاق إسم الحال على المحل نحو ففي رحمة الله هم فيها خالدون أي في الجنة لأنها محل الرحمة بل مكر الليل أي في الليل إذ يريكم الله في منامك أي في عينك على قول الحسن
4282 - الرابع عشر عكسه نحو فليدع نادية أي أهل ناديه أي مجلسه
ومنه التعبير باليد عن القدرة نحو بيده الملك
وبالقلب عن العقل نحو لهم قلوب لا يفقهون بها أي عقول
وبالأفواه عن الألسن نحو يقولون بأفواههم
وبالقرية عن ساكنيها نحو واسأل القرية

(2/101)


4283 - وقد إجتمع هذا النوع وما قبله في قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد فإن أخذ الزينة غير ممكن لأنها مصدر فالمراد محلها فأطلق عليه إسم الحال وأخذها للمسجد نفسه لا يجب فالمراد الصلاة فأطلق إسم المحل على الحال
4284 - الخامس عشر تسمية الشيء بإسم آلته نحو واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي ثناء حسنا لأن اللسان آلته وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه أي بلغة قومه
4285 - السادس عشر تسمية الشيء باسم ضده نحو فبشرهم بعذاب أليم والبشارة حقيقة في الخبر السار ومنه تسمية الداعي إلى الشيء باسم الصارف عنه ذكره السكاكي وخرج عليه قوله تعالى ما منعك ألا تسجد يعني ما دعاك إلى ألا تسجد وسلم بذلك من دعوى زيادة لا
4286 - السابع عشر إضافة الفعل إلى ما لا يصح منه تشبيها نحو جدارا يريد أن ينقض فأقامه وصفه بالإرادة وهي من صفات الحي تشبيها لميله للوقوع بإرادته
4287 - الثامن عشر إطلاق الفعل والمراد مشارفته ومقاربته وإرادته نحو فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن أي قاربن بلوغ الأجل أي إنقضاء العدة لأن الإمساك لا يكون بعده وهو في قوله فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن حقيقة فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون أي فإذا قرب مجيئه
وبه يندفع السؤال المشهور فيها أن عند مجيء الأجل لا يتصور تقديم ولا تأخير وليخش الذين لو تركوا من خلفهم . . الآية أي لو قاربوا أن يتركوا خافوا لأن الخطاب للأوصياء وإنما يتوجه إليهم قبل الترك لأنهم بعده أموات إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا أي أردتم القيام فإذا قرأت القرآن فاستعذ أي أردت القراءة

(2/102)


لتكون الإستعاذة قبلها وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا أي أردنا إهلاكها وإلا لم يصح العطف بالفاء
4288 - وجعل منه بعضهم قوله من يهد الله فهو المهتد أي من يرد الله هدايته وهو حسن جدا لئلا يتحد الشرط والجزاء
4289 - التاسع عشر القلب إما قلب إسناد نحو ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أي لتنوء العصبة بها لكل أجل كتاب أي لكل كتاب أجل وحرمنا عليه المراضع أي حرمناه على المراضع ويوم يعرض الذين كفروا على النار أي تعرض النار عليهم لأن المعروض عليه هو الذي له الإختيار
وإنه لحب الخير لشديد أي وإن حبه للخير وإن يردك بخير أي يرد بك الخير
فتلقى آدم من ربه كلمات لأن المتلقي حقيقة هو آدم كما قرئ بذلك أيضا
أو قلب عطف نحو ثم تول عنهم فانظر أي فانظر ثم تول ثم دنا فتدلى أي تدلى فدنا لأنه بالتدلي مال إلى الدنو
أو قلب تشبيه وسيأتي في نوعه
4290 - العشرون إقامة صيغة مقام أخرى وتحته أنواع كثيرة
منها إطلاق المصدر على الفاعل نحو فإنهم عدو لي ولهذا أفرده
وعلى المفعول نحو ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلومه صنع الله أي مصنوعه وجلءوا على قميصه بدم كذب أي مكذوب فيه لأن الكذب من صفات الأقوال لا الأجسام
4291 - ومنها إطلاق البشرى على المبشر به والهوى على المهوي والقول على المقول
4292 - ومنها إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر نحو ليس لوقعتها

(2/103)


كاذبة أي تكذيب بأيكم المفتون أي الفتنة على أن الباء غير زائدة
4293 - ومنها إطلاق فاعل على مفعول نحو ماء دافق أي مدفوق لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم أي لا معصوم جعلنا حرما آمنا أي مأمونا فيه
4294 - وعكسه نحو إنه كان وعده مأتيا أي آتيا حجابا مستورا أي ساترا
وقيل على بابه أي مستورا على العيون لا يحس به أحد
4295 - ومنها إطلاق فعيل بمعنى مفعول نحو وكان الكافر على ربه ظهيرا
4296 - ومنها إطلاق واحد من المفرد والمثنى والجمع على آخر منها
4297 - مثال إطلاق المفرد على المثنى والله ورسوله أحق أن يرضوه أي يرضوهما فأفرد لتلازم الرضاءين
4298 - وعلى الجمع نحو إن الإنسان لفي خسر أي الأناسي بدليل الإستثناء منه إن الإنسان خلق هلوعا بدليل إلا المصلين
4299 - ومثال إطلاق المثنى على المفرد ألقيا في جهنم أي ألق
4300 - ومنه كل فعل نسب إلى شيئين وهو لأحدهما فقط نحو يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب ونظيره ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وإنما تخرج الحلية من الملح وجعل القمر فيهن نورا أي في إحداهن نسيا حوتهما والناسي

(2/104)


يوشع بدليل قوله لموسى فإني نسيت الحوت وإنما أضيف النسيان إليهما معا لسكوت موسى عنه فمن تعجل في يومين والتعجيل في اليوم الثاني على رجل من القريتين عظيم قال الفارسي أي من إحدى القريتين
وليس منه ولمن خاف مقام ربه جنتان وأن المعنى جنة واحدة خلافا للفراء
وفي كتاب ذا القد لابن جني أن منه أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين وإنما المتخذ إلها عيسى دون مريم
4301 - ومثال إطلاقه على الجمع ثم ارجع البصر كرتين أي كرات لأن البصر لا يحسر إلا بها
وجعل منه بعضهم قوله الطلاق مرتان
4302 - ومثال إطلاق الجمع على المفرد قال رب ارجعون أي أرجعني وجعل منه ابن فارس فناظرة بم يرجع المرسلون والرسول واحد بدليل ارجع إليهم وفيه نظر لأنه يحتمل أنه خاطب رئيسهم لا سيما وعادة الملوك جارية ألا يرسلوا واحدا
وجعل منه فنادته الملائكة ينزل الملائكة بالروح أي جبريل وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والقاتل واحد
4304 - ومثال إطلاقه على المثنى قالتا أتينا طائعين قالوا لا تخف خصمان فإن كان له إخوة فلأمه السدس أي أخوان فقد صغت قلوبكما أي قلباكما
وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى قوله وكنا لحكمهم شاهدين
4305 - ومنها إطلاق الماضي على المستقبل لتحقق وقوعه نحو أتى أمر الله أي الساعة بدليل فلا تستعجلوه
ونفخ في الصور فصعق من في السموات وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس . . الآية وبرزوا

(2/105)


لله جميعا ونادى أصحاب الأعراف
4306 - وعكسه لإفادة الدوام والإستمرار فكأنه وقع واستمر نحو أتأمرون الناس بالبر وتنسون واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان
أي تلت ولقد نعلم أي علمنا قد يعلم ما أنتم عليه أي علم فلم تقتلون أنبياء الله أي قتلتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ويقول الذين كفروا لست مرسلا أي قالوا
4307 - ومن لواحق ذلك التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أو المفعول لأنه حقيقة في الحال لا في الإستقبال نحو وإن الدين لواقع
ذلك يوم مجموع له الناس
4308 - ومنها إطلاق الخبر على الطلب أمرا أو نهيا أو دعاء مبالغة في الحث عليه حتى كأنه وقع وأخبر عنه
قال الزمخشري ورود الخبر والمراد الأمر أو النهي أبلغ من صريح الأمر أو النهي كأنه سورع فيه إلى الإمتثال وأخبر عنه نحو والوالدات يرضعن والمطلقات يتربصن فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج على قراءة الرافع وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله أي لا تنفقوا إلا إبتغاء وجه الله لا يمسه إلا المطهرون أي لا يمسسه وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله أي لا تعبدوا بدليل وقولوا للناس حسنا
لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم أي اللهم اغفر لهم
4309 - وعكسه نحو فليمدد له الرحمن مدا أي يمد اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم أي ونحن حاملون بدليل وإنهم لكاذبون والكذب إنما يرد على الخبر فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا

(2/106)


4310 - قال الكواشي في الآية الأولى الأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمنه اللزوم نحو إن زرتنا فلنكرمك يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم
وقال ابن عبد السلام لأن الأمر للإيجاب فشبه الخبر به في إيجابه
4311 - منها وضع النداء موضع التعجب نحو يا حسرة على العباد
قال الفراء معناه فيالها حسرة وقال ابن خالوية هذه من أصعب مسألة في القرآن لأن الحسرة لا تنادى وإنما ينادى الأشخاص لأن فائدته التنبيه ولكن المعنى على التعجب
4312 - ومنها وضع جمع القلة موضع الكثرة نحو وهم في الغرفات آمنون وغرف الجنة لا تحصى لهم درجات عند ربهم ورتب الناس في علم الله أكثر من العشرة لا محالة الله يتوفى الأنفس أياما معدودات ونكتة التقليل في هذه الآية التسهيل على المكلفين
4313 - وعكسه نحو يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء
4314 - ومنها تذكير المؤنث على تأويله بمذكر نحو فمن جاءه موعظة من ربه أي وعظ وأحيينا به بلدة ميتا على تأويل البلدة بالمكان
فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أي الشمس أو الطالع
إن رحمة الله قريب من المحسنين
قال الجوهري ذكرت على معنى الإحسان
4315 - وقال الشريف المرتضى في قوله ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم إن الإشارة للرحمة وإنما لم يقل ولتلك لأن تأنيثها غير حقيقي ولأنه يجوز أن يكون في تأويل أن يرحم
4316 - ومنها تأنيث المذكر نحو الذين يرثون الفردوس هم فيها أنث الفردوس وهو مذكر حملا على معنى الجنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها

(2/107)


أنت عشرا حيث حذف الهاء مع إضافتها إلى الأمثال وواحدها مذكر فقيل لإضافة الأمثال إلى مؤنث وهو ضمير الحسنات فاكتسب منه التأنيث وقيل هو من باب مراعاة المعنى لأن الأمثال في المعنى مؤنثه لأن مثل الحسنة حسنة والتقدير فله عشر حسنات أمثالها
وقد قدمنا في القواعد المهمة قاعدة في التذكير والتأنيث
4317 - ومنها التغليب وهو إعطاء الشيء حكم غيره
وقيل ترجيح أحد المعلومين على الآخر وإطلاق لفظه عليهما إجراء للمختلفين مجرى المتفقين نحو وكانت من القانتين إلا امرأته كانت من الغابرين والأصل من القانتات و الغابرات فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب بل أنتم قوم تجهلون أتى بتاء الخطاب تغليبا لجانب أنتم على جانب قوم والقياس أن يؤتى بياء الغيبة لأنه صفة ل قوم وحسن العدول عنه وقوع الموصوف خبرا عن ضمير المخاطبين قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم غلب في الضمير المخاطب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة وحسنه أنه لما كان الغائب تبعا للمخاطب في المعصية والعقوبة جعل تبعا له في اللفظ أيضا وهو من محاسن إرتباط اللفظ بالمعنى ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض غلب غير العاقل حيث أتى ب ما لكثرته وفي آية أخرى ب من فغلب العاقل لشرفه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا أدخل شعيب في لتعودن بحكم التغليب إذ لم يكن في ملتهم أصلا حتى يعود فيها وكذا قوله إن عدنا في ملتكم فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس عد منهم بالإستثناء تغليبا لكونه كان بينهم يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أي المشرق والمغرب
4318 - قال ابن الشجري وغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين مرج البحرين أي الملح والعذب والبحر خاص بالملح فغلب لكونه أعظم ولكل درجات أي من المؤمنين والكفار والدرجات للعلو والدركات للسفل

(2/108)


فاستعمل الدرجات في القسمين تغليبا للاشرف
4319 - قال في البرهان وإنما كان التغليب من باب المجاز لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غير ما وضع له وكذا باقي الأمثلة
4320 - ومنها إستعمال حروف الجر في غير معانيها الحقيقية كما تقدم في النوع الأربعين
4321 - ومنها إستعمال صيغة افعل لغير الوجوب وصيغة لا تفعل لغير التحريم وأدوات الإستفهام لغير طلب التصور والتصديق وأداة التمني والترجي والنداء لغيرها كما سيأتي كل ذلك في الإنشاء
4322 - ومنها التضمين وهو إعطاء الشيء معنى الشيء ويكون في الحروف والأفعال والأسماء
4323 - أما الحروف فتقدم في حروف الجر وغيرها
4324 - وأما الأفعال فأن يضمن فعل معنى فعل آخر فيكون فيه معنى الفعلين معا وذلك بأن يأتي الفعل متعديا بحرف ليس من عادته التعدي به فيحتاج إلى تأويله أو تأويل الحرف ليصح التعدي به والأول تضمين الفعل والثاني تضمين الحرف
واختلفوا أيهما أولى فقال أهل اللغة وقوم من النحاة التوسع في الحرف
وقال المحققون التوسع في الفعل لأنه في الأفعال أكثر مثاله عينا يشرب بها عباد الله فيشرب إنما يتعدى بمن فتعديته بالباء إما على تضمينه معنى يروي و يلتذ أو تضمين الباء معنى من نحو أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم فالرفث لا يتعدى بإلى إلا على تضمن معنى الإفضاء هل لك إلى أن تزكى والأصل في أن فضمن معنى أدعوك وهو الذي يقبل التوبة عن عباده عديت بعن لتضمنها معنى العفو والصفح
4325 - وأما في الأسماء فأن يضمن اسم معنى اسم لإفادة معنى الاسمين

(2/109)


معا نحو حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق ضمن حقيق معنى حريص ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه وإنما كان التضمين مجازا لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معا فالجمع بينهما مجاز
1 - فصل في أنواع مختلف في عدها من المجاز
4326 - وهي ستة
أحدها الحذف فالمشهور أنه من المجاز وأنكره بعضهم لأن المجاز استعمال اللفظ في غير موضوعه والحذف ليس كذلك
4327 - وقال ابن عطية حذف المضاف هو عين المجاز ومعظمه وليس كل حذف مجازا
4328 - وقال القرافي الحذف أربعة أقسام
قسم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد نحو واسأل القرية أي أهلها إذ لا يصح إسناد السؤال إليها
وقسم يصح بدونه لكن يتوقف عليه شرعا كقوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي فأفطر فعدة
وقسم يتوقف عليه عادة لا شرعا نحو أن اضرب بعصاك البحر فانفلق أي فضربه
وقسم يدل عليه دليل غير شرعي ولا هو عادة نحو فقبضت قبضة من أثر الرسول دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول
وليس في هذه الأقسام مجاز إلا الأول
4329 - وقال الزنجاني في المعيار إنما يكون مجازا إذا تغير حكم فأما

(2/110)


إذا لم يتغير كحذف خبرالمبتدأ المعطوف على جملة فليس مجازا إذ لم يتغير حكم ما بقي من الكلام
4330 - وقال القزويني في الإيضاح متى تغير إعراب الكلمة بحذف أو زيادة فهي مجاز نحو واسأل القرية ليس كمثله شيء فإن كان الحذف أو الزيادة لا يوجب تغير الإعراب نحو أو كصيب فبما رحمة فلا توصف الكلمة بالمجاز
4331 - الثاني التأكيد زعم قوم أنه مجاز لأنه لا يفيد إلا ما أفاده الأول
والصحيح أنه حقيقة
4332 - قال الطرطرشي في العمدة ومن سماه مجازا قلنا له إذا كان التأكيد بلفظ الأول نحو عجل عجل ونحوه فإن جاز أن يكون الثاني مجازا جاز في الأول لأنهما في لفظ واحد وإذا بطل حمل الأول على المجاز بطل حمل الثاني عليه لأنه مثل الأول
4332 - الثالث التشبيه زعم قوم أنه مجاز والصحيح أنه حقيقة
4333 - قال الزنجاني في المعيار لأنه معنى من المعاني وله ألفاظ تدل عليه وضعا فليس في نقل اللفظ عن موضوعه
4334 - وقال الشيخ عز الدين إن كان بحرف فهو حقيقة أو بحذفه فمجاز بناء على أن الحذف من باب المجاز
4335 - الرابع الكناية وفيها أربعة مذاهب
أحدها أنها حقيقة قال ابن عبد السلام وهو الظاهر لأنها استعملت فيما وضعت له وأريد بها الدلالة على غيره
الثاني أنها مجاز
الثالث أنها لا حقيقة ولا مجاز وإليه ذهب صاحب التلخيص لمنعه في المجاز أن يراد المعنى الحقيقي مع المجازي وتجويزه ذلك فيه

(2/111)


الرابع وهو اختيار الشيخ تقي الدين السبكي أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز فإن استعملت اللفظ في معناه مرادا منه لازم المعنى أيضا فهو حقيقة وإن لم يرد المعنى بل عبر بالملزوم عن اللازم فهو مجاز لاستعماله في غير ما وضع له
والحاصل أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له والمجاز منها أن يريد به غير موضوعه استعمالا وإفادة
4336 - الخامس التقديم والتأخير عده قوم من المجاز لأن تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل نقل لكل واحد منهما عن مرتبته وحقه
4337 - قال في البرهان والصحيح أنه ليس منه فإن المجاز نقل ما وضع إلى ما لم يوضع له
4338 - السادس الالتفات قال الشيخ بهاء الدين السبكي لم أر من ذكر هل هو حقيقة أو مجاز قال وهو حقيقة حيث لم يكن معه تجريد
2 - فصل فيما يوصف بأنه حقيقة ومجاز باعتبارين
4339 - هو الموضوعات الشرعية كالصلاة والزكاة والحج فإنها حقائق بالنظر إلى الشرع مجازات بالنظر إلى اللغة
3 - فصل في الواسطة بين الحقيقة والمجاز
4340 - قيل بها في ثلاثة أشياء
أحدها اللفظ قبل الاستعمال وهذا القسم مفقود في القرآن ويمكن أن يكون منه أوائل السور على القول بأنها للإشارة إلى الحروف التي يتركب منها الكلام
ثانيها الإعلام
ثالثها اللفظ المستعمل في المشاكلة نحو ومكروا ومكر الله وجزاء سيئة سيئة مثلها
ذكر بعضهم أنه واسطة بين الحقيقة والمجاز قال لأنه لم يوضع لما استعمل فيه فليس حقيقة ولا علاقة معتبرة فليس مجازا كذا في شرح بديعية ابن جابر لرفيقه

(2/112)


قلت والذي يظهر أنها مجاز والعلاقة المصاحبة
خاتمة
4341 - لهم مجاز المجاز وهو أن يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر فيتجوز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما كقوله تعالى ولكن لا تواعدوهن سرا فإنه مجاز عن مجاز فإن الوطء تجوز عنه بالسر لكونه لا يقع غالبا إلا في السر وتجوز به عن العقد لأنه مسبب عنه فالمصحح للمجاز الأول الملازمة والثاني السببية والمعنى لا تواعدوهن عقد نكاح
4342 - وكذا قوله ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله فإن قوله لا إله إلا الله مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ والعلاقة السببية لأن توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان والتعبير ب لا إله إلا الله عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه
4343 - وجعل منه ابن السيد قوله أنزلنا عليكم لباسا فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس

(2/113)


النوع الثالث والخمسون
في تشبيهه واستعاراته
4344 - التشبيه نوع من أشرف أنواع البلاغة وأعلاها
4345 - قال المبرد في الكامل لو قال قائل هو أكثر كلام العرب لم يبعد
4346 - وقد أفرد تشبيهات القرآن بالتصنيف أبو القاسم بن البندار البغدادي في كتاب سماه الجمان
4347 - وعرفه جماعة منهم السكاكي بأنه الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى
4348 - وقال ابن أبي الإصبع هو أخراج الأغمض إلى الأظهر
4349 - وقال غيره هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه
4350 - وقال بعضهم هو أن تثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به والغرض منه تأنيس النفس بإخراجها من خفي إلى جلي وإدنائه البعيد من القريب ليفيد بيانا
4351 - وقيل الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار
4352 - وأدواته حروف وأسماء وأفعال فالحروف الكاف نحو كرماد وكأن نحو كأنه رءوس الشياطين
والأسماء مثل وشبه ونحوهما مما يشتق من المماثلة والمشابهة قال الطيبي ولا تستعمل مثل إلا في حال أو صفة لها شأن

(2/114)


وفيها غرابة نحو مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر والأفعال نحو يحسبه الظمآن ماء يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى
4353 - قال في التخليص أتباعا للسكاكي وربما يذكر فعل ينبئ عن التشبيه فيؤتى في التشبيه القريب بنحو علمت زيدا أسدا الدال على التحقيق وفي البعيد بنحو حسبت زيدا أسدا الدال على الظن وعدم التحقيق
4354 - وخالفه جماعة منهم الطيبي فقالوا في كون هذه الأفعال تنبئ عن التشبيه نوع خفاء والأظهر أن الفعل ينبئ عن حال التشبيه في القرب والبعد وأن الأداة محذوفة مقدرة لعدم استقامة المعنى بدونه
ذكر أقسامه
4355 - ينقسم التشبيه باعتبارات
الأول باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام لأنهما إما حسيان أو عقليان أو المشبه به حسي والمشبه عقلي أو عكسه
4356 - مثال الأول والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم كأنهم أعجاز نخل منقعر
4357 - ومثال الثاني ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة كذا مثل به في البرهان وكأنه ظن أن التشبيه واقع في القسوة وهو غير ظاهر بل هو واقع بين القلوب والحجارة فهو من الأول
4358 - ومثال الثالث مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح
4359 - ومثال الرابع لم يقع في القرآن بل منعه الإمام أصلا لأن العقل مستفاد من الحس فالمحسوس أصل للمعقول وتشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعا والفرع أصلا وهو غير جائز
وقد اختلف في قوله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن

(2/115)


4360 - الثاني ينقسم باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض كقوله كمثل الحمار يحمل أسفارا فالتشبيه مركب من أحوال الحمار وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه
4361 - وقوله إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء إلى قوله كأن لم تغن بالأمس فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها واغترار الناس بها بحال ماء نزل من السماء وأنبت أنواع العشب وزين بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس
4362 - وقال بعضهم وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران
أحدهما أن الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تضررت وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به فكذلك الدنيا
والثاني أن الماء إذا طبقت عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء فكذلك الدنيا
4363 - وقوله مثل نوره كمشكاة فيها مصباح . . الآية فشبه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة إما بوضعه في مشكاة وهي الطاقة التي لا تنفذ وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها ودهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقودا لأنه من زيت شجرة في وسط السراج لا شرقية ولا غربية فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل تصيبها الشمس أعدل إصابة وهذا مثل ضربه الله للمؤمن ثم ضرب للكافر مثلين أحدهما كسراب بقيعة والآخر كظلمات في بحر لجي . . إلى آخره وهو أيضا تشبيه تركيب
4364 - الثالث ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام

(2/116)


أحدها تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع اعتمادا على معرفة النقيض والضد فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة كقوله طلعها كأنه رءوس الشياطين شبه بما لا يشك أنه قبيح لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صورة الشياطين وإن لم ترها عيانا
4365 - الثاني عكسه وهو تشبيه ما لا تقع عليه الحاسة بما تقع عليه كقوله والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة . . الآية
أخرج ما لا يحس وهو الإيمان إلى ما يحس وهو السراب والمعنى الجامع بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة
4366 - الثالث إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت كقوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة والجامع بينهما الارتفاع في الصورة
4367 - الرابع إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها كقوله وجنة عرضها كعرض السماء والأرض والجامع العظم وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة
4368 - الخامس إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها كقوله تعالى وله الجواز المنشآت في البحر كالأعلام والجامع فيهما العظم والفائدة إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام في ألطف ما يكون من الماء وما في ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة وما يلازم ذلك من تسخير الرياح للإنسان فتضمن الكلام نبأ عظيما من الفخر وتعداد النعم وعلى هذه الأوجه الخمسة تجري تشبيهات القرآن
4369 - الرابع ينقسم باعتبار آخر إلى
مؤكد وهو ما حذفت فيه الأداة نحو وهي تمر مر السحاب أي مثل مر السحاب
وأزواجه أمهاتكم وجنة عرضها السموات والأرض
ومرسل وهو ما لم تحذف كالآيات السابقة

(2/117)


والمحذوف الأداة أبلغ لأنه نزل فيه الثاني منزلة الأول تجوزا
1 - قاعدة
4370 - الأصل دخول أداة التشبيه على المشبه به وقد تدخل على المشبه إما لقصد المبالغة فيقلب التشبيه ويجعل المشبه هو الأصل نحو قالوا أنما البيع مثل الربا كان الأصل أن يقولوا إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع فعدلوا عن ذلك وجعلوا الربا أصلا ملحقا به البيع في الجواز لأنه الخليق بالحل
ومنه قوله تعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق فإن الظاهر العكس لأن الخطاب لعبدة الأوثان الذين سموها آلهة تشبيها بالله سبحانه وتعالى فجعلوا غير الخالق مثل الخالق فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتهم وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة فجاء الرد على وفق ذلك
4371 - وإما لوضوح الحال نحو وليس الذكر كالأنثى فإن الأصل وليس الأنثى كالذكر وإنما عدل عن الأصل لأن المعنى وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت وقيل لمراعاة الفواصل لأن قبله إني وضعتها أنثى
4372 - وقد تدخل على غيرهما اعتمادا على فهم المخاطب نحو كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم . . الآية المراد كونوا أنصار الله خالصين في الانقياد كشأن مخاطبي عيسى إذ قالوا
2 - قاعدة
4373 - القاعدة في المدح تشبيه الأدنى بالأعلى وفي الذم تشبيه الأعلى بالأدنى لأن الذم مقام الأدنى والأعلى طارئ فيقال في المدح حصى كالياقوت وفي الذم ياقوت كالزجاج
4374 - وكذا في السلب ومنه يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أي في النزول لا في العلو
أم نجعل المتقين كالفجار أي في سوء الحال أي لا نجعلهم كذلك

(2/118)


4375 - نعم أورد على ذلك مثل نوره كمشكاة فإنه شبه فيه الأعلى بالأدنى لا في مقام السلب
وأجيب بأنه للتقريب إلى أذهان المخاطبين إذ لا أعلى من نوره فيشبه به
فائدة
4376 - قال ابن أبي الإصبع لم يقع في القرآن نشبيه شيئين بشيئين ولا أكثر من ذلك إنما وقع فيه تشبيه واحد بواحد
فصل
4377 - زوج المجاز بالتشبيه فتولد بينهما الاستعارة فهي مجاز علاقته المشابهة أو يقال في تعريفها اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي
والأصح أنها مجاز لغوي لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا لأعم منهما فأسد في قولك رأيت أسدا يرمى موضوع للسبع لا للشجاع ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجريء مثلا ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما
4378 - وقيل مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به فكان استعمالها فيما وضعت له فيكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده وليس نقل الاسم المجرد استعارة لأنه لا بلاغة فيه بدليل الأعلام المنقولة فلم يبق إلا أن يكون مجازا عقليا
4379 - وقال بعضهم حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي أو حصول المبالغة أو المجموع
مثال إظهار الخفي وإنه في أم الكتاب فإن حقيقته وإنه في أصل الكتاب فاستعير لفظ الأم للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كما تنشأ الفروع من الأصول وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير

(2/119)


مرئيا فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان وذلك أبلغ في البيان
4380 - ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليا واخفض لهما جناح الذل فإن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة فاستعير للذل أولا جانب
ثم للجانب جناح وتقدير الاستعارة القريبة واخفض لهما جانب الذل أي اخفض جانبك ذلا وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا لأجل حسن البيان ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقي الولد من الذل لهما والاستكانة ممكنا احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب لأن من يميل جانبه إلى جهة السفل أدنى ميل صدق عليه أنه خفض جانبه والمراد خفض يلصق الجانب بالأرض ولا يحصل ذلك إلا بذكر الجناح كالطائر
4381 - ومثال المبالغة وفجرنا الأرض عيونا وحقيقته وفجرنا عيون الأرض ولو عبر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيونا
فرع
4382 - أركان الاستعارة ثلاثة مستعار وهو لفظ المشبه به ومستعار منه وهو معنى اللفظ المشبه ومستعار له وهو المعنى الجامع
4383 - وأقسامها كثيرة باعتبارات فتنقسم باعتبار الأركان الثلاثة إلى خمسة أقسام
أحدها استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس نحو واشتعل الرأس شيبا فالمستعارة منه هو النار والمستعار له الشيب والوجه هو الانبساط ومشابهة ضوء النار لبياض الشيب وكل ذلك محسوس وهو أبلغ مما لو قيل اشتعل شيب الرأس لإفادة عموم الشيب لجميع الرأس
ومثله وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض أصل الموج حركة الماء فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعارة والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة
والصبح إذا تنفس

(2/120)


استعير خروج النفس شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلا قليلا بجامع التتابع على طريق التدريج وكل ذلك محسوس
4384 - الثاني استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي
4385 - قال ابن أبي الإصبع وهي ألطف من الأولى نحو وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فالمستعار منه السلخ الذي هو كشط الجلد عن الشاة والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسيان والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر وحصوله عقب حصوله كترتب ظهور اللحم على الكشط وظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل والترتب أمر عقلي
ومثله فحعلناها حصيدا أصل الحصيد النبات والجامع الهلاك وهو أمر عقلي
4386 - الثالث استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي
قال ابن أبي الإصبع وهي ألطف الاستعارات نحو من بعثنا من مرقدنا المستعار منه الرقاد أي النوم والمستعار له الموت والجامع عدم ظهور الفعل والكل عقلي
ومثله ولما سكت عن موسى الغضب المستعار السكوت والمستعار منه الساكت والمستعار له الغضب
4387 - الرابع استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي أيضا نحو مستهم البأساء والضراء استعير المس وهو حقيقة في الأجسام وهو محسوس لمقاساة الشدة والجماع اللحوق وهما عقليان
بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فالقذف والدمغ مستعاران وهما محسوسان والحق والباطل مستعار لهما وهما معقولان
ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس استعير الحبل المحسوس للعهد وهو معقول
4388 - فاصدع بما تؤمر استعير الصدع وهو كسر الزجاجة وهو محسوس للتبليغ وهو معقول والجماع التأثير وهو أبلغ من بلغ وإن كان بمعناه لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ فقد لا يؤثر التبليغ والصدع يؤثر جزما

(2/121)


4389 - واخفض لهما جناح الذل قال الراغب لما كان الذل على ضربين ضرب يضع الإنسان وضرب يرفعه وقصد في هذا المكان إلى ما يرفع استعير لفظ الجناح فكأنه قيل استعمل الذل الذي يرفعك عند الله
4390 - وكذا قوله يخوضون في آياتنا فنبذوه وراء ظهورهم أفمن أسس بنيانه على تقوى ويبغونها عوجا ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور فجعلناه هباء منثورا في كل واد يهيمون ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك كلها من استعارة المحسوس للمعقول والجامع عقلي
4391 - الخامس استعارة معقول لمحسوس والجماع عقلي أيضا نحو إنا لما طغى الماء المستعار منه التكبر وهو عقلي والمستعار له كثرة الماء وهو حسي والجامع الاستعلاء وهو عقلي أيضا مثله تكاد تميز من الغيظ وجعلنا آية النهار مبصرة
4392 - وتنقسم باعتبار اللفظ إلى
أصلية وهي ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس كآية بحبل الله من الظلمات إلى النور في كل واد
4393 - وتبعية وهي ما كان اللفظ فيها غير اسم جنس كالفعل والمشتقات كسائر الآيات السابقة وكالحروف نحو فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب غلبة الغائية عليه ثم استعير في المشبه اللام الموضوعة للمشبه به
4394 - وتنقسم باعتبار آخر إلى مرشحة ومجردة ومطابقة
فالأولى وهي أبلغها أن تقترن بما يلائم المستعار منه نحو أولئك الذين

(2/122)


اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار ثم قرن بما يلائمه من الربح والتجارة
والثانية أن تقرن بما يلائم المستعار له نحو فأذاقها الله لباس الجوع والخوف استعير اللباس للجوع ثم قرن بما يلائم المستعار له من الإذاقة ولو أراد الترشيح لقال فكساها لكن التجريد هنا أبلغ لما في لفظ الإذاقة من المبالغة في الألم باطنا
والثالثة ألا تقرن بواحد منهما
4395 - وتنقسم باعتبار آخر إلى تحقيقية وتخييلية ومكنية وتصريحية
فالأولى ما تحقق معناها حسا نحو فأذاقها الله . . . الآية أو عقلا نحو وأنزلنا إليكم نورا مبينا أي بيانا واضحا وحجة لامعة اهدنا الصراط المستقيم أي الدين الحق فإن كلا منهما يتحقق عقلا
4396 - والثانية أن يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيء من أركانه سوى المشبه
ويدل على ذلك التشبيه المضمر في النفس بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به
ويسمى ذلك التشبيه المضمر استعارة بالكناية ومكنيا عنها لأنه لم يصرح به بل دل عليه بذكر خواصه
4397 - ويقابله التصريحية ويسمى إثبات ذلك الأمر المختص بالمشبه به للمشبه استعارة تخييلية لأنه قد استعير للمشبه ذلك الأمر المختص بالمشبه به وبه يكون كمال المشبه به وقوامه في وجه الشبه لتخيل أن المشبه من جنس المشبه به
ومن أمثلة ذلك الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه شبه العهد بالحبل وأضمر في النفس فلم يصرح بشيء من أركان التشبيه سوى العهد المشبه ودل عليه بإثبات النقض الذي هو من خواص المشبه به وهو الحبل وكذا واشتعل الرأس شيبا طوى ذكر المشبه به وهو النار ودل عليه بلازمه وهو الاشتعال فأذاقها الله

(2/123)


الآية شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر فأوقع عليه الإذاقة ختم الله على قلوبهم شبهها في ألا تقبل الحق بالشيء الموثوق المختوم
ثم أثبت لها الختم جدارا يريد أن ينقض شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي فأثبت له الإرادة التي هي من خواص العقلاء
4398 - ومن التصريحية آية مستهم البأساء من بعثنا من مرقدنا
4399 - وتنقسم باعتبار آخر إلى
وفاقية بأن يكون اجتماعهما في شيء ممكنا نحو أومن كان ميتا فأحييناه أي ضالا فهديناه استعير الإحياء من جعل الشيء حيا للهداية التي بمعنى الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب والإحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء
4400 - وعنادية وهي ما لا يمكن اجتماعهما في شيء كاستعارة اسم المعدوم للموجود لعدم نفعه واجتماع الوجود والعدم في شيء ممتنع
4401 - ومن العنادية التهكمية والتمليحية وهما ما استعمل في ضد أو نقيض نحو فبشرهم بعذاب أليم أي أنذرهم استعيرت البشارة وهي الإخبار بما يسر للإنذار الذي هو ضده بإدخاله في جنسها على سبيل التهكم والاستهزاء ونحو إنك لأنت الحليم الرشيد عنى الغوي السفيه تهكما ذق إنك أنت العزيز الكريم
4402 - وتنقسم باعتبار آخر إلى تمثيلية وهي أن يكون وجه الشبه فيها منتزعا من متعدد نحو واعتصموا بحبل الله جميعا شبه استظهار العبد بالله ووثوقه بحمايته والنجاة من المكارة باستمساك الواقع في مهواة بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه

(2/124)


تنبيه
4403 - قد تكون الاستعارة بلفظين نحو قوارير قوارير من فضة يعني تلك الأواني ليست من الزجاج ولا من الفضة بل في صفاء القارورة وبياض الفضة
فصب عليهم ربك سوط عذاب فالصب كناية عن الدوام والسوط عن الإيلام فالمعنى عذبهم عذابا دائما مؤلما
1 - فائدة
4404 - أنكر قوم الاستعارة بناء على إنكارهم المجاز وقوم إطلاقها في القرآن لأن فيها إيهاما للحاجة ولأنه لم يرد في ذلك إذن من الشرع وعليه القاضي عبد الوهاب المالكي
4405 - وقال الطرطوشي إن أطلق المسلمون الاستعارة فيه أطلقناها وإنامتنعوا امتنعنا ويكون هذا من قبيل إن الله عالم والعلم هو العقل ثم لا نصفه به لعدم التوقيف
انتهى
2 - فائدة ثانية
4406 - تقدم أن التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها واتفق البلغاء على أن الإستعارة أبلغ منه لأنها مجاز وهو حقيقة والمجاز أبلغ فإذا الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة
وكذا الكناية أبلغ من التصريح والاستعارة أبلغ من الكناية كما قال في عروس الأفراح إنه الظاهر لأنها كالجامعة بين كناية واستعارة ولأنها مجاز قطعا وفي الكناية خلاف
4407 - وأبلغ أنواع الاستعارة التمثيلية كما يؤخذ من الكشاف ويليها المكنية صرح به الطيبي لاشتمالها على المجاز العقلي
والترشيحية أبلغ من المجردة والمطلقة والتخييلية أبلغ من التحقيقية والمراد بالأبلغية إفادة زيادة التأكيد والمبالغة في كمال التشبيه لا زيادة في المعنى لا توجد في غير ذلك

(2/125)


خاتمة
4408 - من المهم تحرير الفرق بين الاستعارة والتشبيه المحذوف الأداة نحو زيد أسد
4409 - قال الزمخشري في قوله تعالى صم بكم عمي فإن قلت هل يسمى ما في الآية استعارة قلت مختلف فيه والمحققون على تسميته تشبيها بليغا لا استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون وإنما تطلق الاستعارة حيث يطوى ذكر المستعار له ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد المنقول عنه والمنقول له لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام ومن ثم ترى المفلقين السحرة يتناسون التشبيه ويضربون عنه صفحا
4410 - وعلله السكاكي بأن من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر وتناسي التشبيه و زيد أسد لا يمكن كونه حقيقة فلا يجوز أن يكون استعارة وتابعه صاحب الإيضاح
4411 - قال في عروس الأفراح وما قالاه ممنوع وليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة في الظاهر
قال بل لو عكس ذلك وقيل لا بد من عدم صلاحيته لكان أقرب لأن الاستعارة مجاز لا بد له قرينة فإن لم تكن قرينة امتنع صرفه إلى الاستعارة وصرفناه إلى حقيقته وإنما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة إما لفظية أو معنوية نحو زيد أسد فالإخبار به عن زيد قرينة صارفة عن إرادة حقيقته
قال والذي نختاره في نحو زيد أسد أنه قسمان تارة يقصد به التشبيه فتكون أداة التشبيه مقدرة وتارة يقصد به الاستعارة فلا تكون مقدرة ويكون الأسد مستعملا في حقيقته وذكر زيد والإخبار عنه بما لا يصلح له حقيقة قرينة صارفة إلى الاستعارة دالة عليها فإن قامت قرينة على حذف الأداة صرنا إليه وإن لم تقم فنحن بين إضمار واستعارة والاستعارة أولى فيصار إليها
4412 - وممن صرح بهذا الفرق عبد اللطيف البغدادي في قوانين

(2/126)


البلاغة
وكذا قال حازم الفرق بينهما أن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه فتقدير حرف التشبيه لا يجوز فيها والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك لأن تقدير حرف التشبيه واجب فيه

(2/127)


النوع الرابع والخمسون
في كناياته وتعريضه
4413 - هما من أنواع البلاغة وأساليب الفصاحة وقد تقدم أن الكناية أبلغ من التصريح
وعرفها أهل البيان بأنها لفظ أريد به لازم معناه
4414 - وقال الطيبي ترك التصريح بالشيء إلى ما يساويه في اللزوم فينتقل منه إلى الملزوم
وأنكر وقوعها في القرآن من أنكر المجاز فيه بناء على أنها مجاز وقد تقدم الخلاف في ذلك
4415 - وللكناية أسباب
أحدها التنبيه على عظم القدرة نحو هو الذي خلقكم من نفس واحدة كناية عن آدم
4416 - ثانيها ترك اللفظ إلى ما هو أجمل نحو إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فكنى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك لأن ترك التصريح بذكر النساء أجمل منه ولهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلا مريم
4417 - قال السهيلي وإنما ذكرت مريم باسمها على خلاف عادة الفصحاء لنكتة وهو أن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ ولا يبتذلون أسماءهن بل يكنون عن الزوجة بالفرش والعيال ونحو ذلك فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر فلما قالت النصارى في مريم ما قالوا صرح الله باسمها ولم يكن تأكيدا للعبودية إلا التي هي صفة لها وتأكيدا لأن عيسى لا أب له وإلا لنسب إليه

(2/128)


4418 - ثالثها أن يكون التصريح مما يستقبح ذكره ككناية الله عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والدخول والسر في قوله ولكن لا تواعدوهن سرا
والغشيان في قوله فلما تغشاها
4419 - أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال المباشرة الجماع ولكن الله يكني
4420 - وأخرج عنه قال إن الله كريم يكني ما شاء وإن الرفث هو الجماع وكنى عن طلبه بالمراودة في قوله وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وعنه أو عن المعانقة باللباس في قوله هن لباس لكم وأنتم لباس لهن وبالحرث في قوله نساؤكم حرث لكم
4421 - وكنى عن البول ونحوه بالغائط في قوله أو جاء أحد منكم من الغائط وأصله المكان المطمئن من الأرض
4422 - وكني عن قضاء الحاجة بأكل الطعام في قوله في مريم وإبنها كانا يأكلان الطعام
4423 - وكنى عن الأستاه بالأدبار في قوله يضربون وجوههم وأدبارهم أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال يعني أستاههم ولكن الله يكني
4424 - وأورد على ذلك التصريح بالفرج في قوله التي أحصنت فرجها
وأجيب بأن المراد به فرج القميص والتعبير به من ألطف الكنايات وأحسنها أي لم يعلق ثوبها بريبة فهي طاهرة الثوب كما يقال نقى الثوب وعفيف الذيل كناية عن العفة ومنه وثيابك فطهر وكيف يظن أن نفخ جبريل وقع في فرجها وإنما نفخ في جيب درعها
ونظيره أيضا ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن

(2/129)


قلت وعلى هذا ففي الآية كناية عن كناية ونظيره ما تقدم من مجاز المجاز
4425 - رابعها قصد البلاغة والمبالغة نحو أو من ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين كنى عن النساء بأنهن ينشأن في الترفه والتزين الشاغل عن النظر في الأمور ودقيق المعاني ولو أتى بلفظ النساء لم يشعر بذلك والمراد نفي ذلك عن الملائكة
4426 - وقوله بل يداه مبسوطتان كناية عن سعة جوده وكرمه جدا
4427 - خامسها قصد الإختصار كالكناية عن ألفاظ متعددة بلفظ فعل نحو لبئس ما كانوا يفعلون فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله
4428 - سادسها التنبيه على مصيره نحو تبت يدا أبي لهب أي جهنمي مصيره إلى اللهب حمالة الحطب في جيدها حبل أي نمامة مصيرها إلى أن تكون حطبا لجهنم في جيدها غل
4429 - قال بدر الدين بن مالك في المصباح إنما يعدل عن التصريح إلى الكناية لنكتة كالإيضاح أو بيان حال الموصوف أو مقدار حاله أو القصد إلى المدح أو الذم أو الإختصار أو الستر أو الصيانة أو التعمية والإلغاز أو التعبير عن الصعب بالسهل أو عن المعنى القبيح باللفظ الحسن
4430 - واستنبط الزمخشري نوعا من الكناية غريبا وهو أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر فتأخذ الخلاصة من غير إعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز فتعبر بها عن المقصود كما تقول في نحو الرحمن على العرش استوى إنه كناية عن الملك فإن الإستواء على السرير لا يحصل إلا مع الملك فجعل كناية عنه وكذا قوله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات

(2/130)


بيمينه كناية عن عظمته وجلالته من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتين حقيقة ومجاز
تذنيب
4431 - من أنواع البديع التي تشبه الكناية الإرداف وهو أن يريد المتكلم معنى ولا يعبر عنه بلفظه الموضوع له ولا بدلالة الإشارة بل بلفظ يرادفه كقوله تعالى وقضي الأمر والأصل وهلك من قضى الله هلاكه ونجا من قضى الله نجاته
وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع وقضاء من لا يرد قضاؤه والأمر يستلزم آمرا فقضاؤه يدل على قدرة الآمر به وقهره وأن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضان على طاعة الآمر ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص
4432 - وكذا قوله واستوت على الجودي حقيقة ذلك جلست فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى مرادفه لما في الإستواء من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس
4433 - وكذا فيهن قاصرات الطرف الأصل عفيفات وعدل عنه للدلالة على أنهن مع العفة لا تطمح أعينهن إلى غير أزواجهن ولا يشتهين غيرهم
ولا يؤخذ ذلك من لفظ العفة
4434 - قال بعضهم والفرق بين الكناية والإرداف أن الكناية إنتقال من لازم إلى ملزوم والإرداف من مذكور إلى متروك
4435 - ومن أمثلته أيضا ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى عدل في الجملة الأولى عن قوله بالسوءى مع أن فيه مطابقة للجملة الثانية إلى بما عملوا تأدبا أن يضاف السوء إلى الله تعالى
فصل
4436 - للناس في الفرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة فقال

(2/131)


الزمخشري الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شيء لم تذكره
4437 - وقال ابن الأثير الكناية ما دل على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما والتعريض اللفظ الدال على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي كقول من يتوقع صلة والله إني محتاج فإنه تعريض بالطلب مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا وإنما فهم من عرض اللفظ أي جانبه
4438 - وقال السبكي في كتاب الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا منه لازم المعنى فهي بحسب إستعمال اللفظ في المعنى حقيقة والتجوز في إرادة أفادة ما لم يوضع له
وقد لا يراد منها المعنى بل يعبر بالملزوم عن اللازم وهي حينئذ مجاز ومن أمثلته قل نار جهنم أشد حرا فإنه لم يقصد أفادة ذلك لأنه معلوم بل إفادة لازمه وهو أنهم يردونها ويجدون حرها إن لم يجاهدوا
وأما التعريض فهو لفظ إستعمل في معناه للتلويح بغيره نحو بل فعله كبيرهم هذا نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتخذة آلهة كأنه غضب أن تعبد الصغار معه تلويحا لعابدها بأنها لا تصلح أن تكون آلهة لما يعلمون إذا نظروا بعقولهم من عجز كبيرها عن ذلك الفعل والإله لا يكون عاجزا فهو حقيقة أبدا
4439 - وقال السكاكي التعريض ما سيق لأجل موصوف غير مذكور ومنه أن يخاطب واحد ويراد غيره وسمي به لأنه أميل الكلام إلى جانب مشارا به إلى آخر يقال نظر إليه بعرض وجهه أي جانبه
4440 - قال الطيبي وذلك يفعل إما لتنويه جانب الموصوف ومنه ورفع بعضهم درجات أي محمدا إعلاء لقدره أي أنه العلم الذي لا يشتبه
4441 - وإما لتلطف به واحتراز عن المخاشنة نحو وما لي لا أعبد الذي فطرني أي ومالكم لا تعبدون بدليل قوله وإليه ترجعون وكذا قوله

(2/132)


أأتخذ من دونه آلهة ووجه حسنه إسماع من يقصد خطابه الحق على وجه يمنع غضبه إذ لم يصرح بنسبته للباطل والإعانة على قبوله إذ لم يرد له إلا ما أراده لنفسه
4442 - وإما لإستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم ومنه لئن أشركت ليحبطن عملك خوطب النبي وأريد غيره لإستحالة الشرك عليه شرعا
4443 - وإما للذم نحو إنما يتذكر أولوا الألباب فإنه تعريض بذم الكفار وأنهم في حكم البهائم الذين لا يتذكرون
4444 - وإما للإهانة والتوبيخ نحو وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت فإن سؤالها لإهانة قاتلها وتوبيخه
4445 - وقال السبكي التعريض قسمان
قسم يراد به معناه الحقيقي ويشار به إلى المعنى الآخر المقصود كما تقدم
وقسم لا يراد بل يضرب مثلا للمعنى الذي هو مقصود التعريض كقول إبراهيم بل فعله كبيرهم هذا

(2/133)


النوع الخامس والخمسون
في الحصر والاختصاص
4446 - أما الحصر ويقال له القصر فهو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص ويقال أيضا إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه
4447 - وينقسم إلى قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف وكل منهما إما حقيقي وإما مجازي
4448 - مثال قصر الموصوف على الصفة حقيقيا نحو ما زيد إلا كاتب أي لا صفة له غيرها وهو عزيز لا يكاد يوجد لتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلية وعلى عدم تعذرها يبعد أن تكون للذات صفة واحدة ليس لها غيرها ولذا لم يقع في التنزيل
4449 - ومثاله مجازيا وما محمد إلا رسول أي أنه مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى التبري من الموت الذي استعظموه الذي هو من شأن الإله
4450 - ومثال قصر الصفة على الموصوف حقيقيا لا إله إلا الله
4451 - ومثاله مجازيا قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة . . الآية كما قال الشافعي فيما تقدم نقله عنه في أسباب النزول إن الكفار لما كانوا يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكانوا يحرمون كثيرا من المباحات وكانت سجيتهم تخالف وضع الشرع ونزلت الآية مسبوقة بذكر شبههم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي وكان الغرض أبانة كذبهم فكأنه قال لا حرام إلا ما أحللتموه والغرض الرد عليهم والمضادة لا الحصر الحقيقي وقد تقدم بأبسط من هذا

(2/134)


4452 - وينقسم الحصر باعتبار آخر إلى ثلاثة أقسام قصر إفراد وقصر قلب وقصر تعيين
4453 - فالأول يخاطب به من يعتقد الشركة نحو إنما هو إله واحد خوطب به من يعتقد إشتراك الله والأصنام في الألوهية
4454 - والثاني يخاطب به من يعتقد إثبات الحكم لغير من أثبته المتكلم له نحو ربي الذي يحيي ويميت خوطب به نمرود الذي اعتقد أنه هو المحيي المميت دون الله ألا إنهم هم السفهاء خوطب به من اعتقد من المنافقين أن المؤمنين سفهاء دونهم وأرسلناك للناس رسولا خوطب به من يعتقد من اليهود إختصاص بعثته بالعرب
4455 - والثالث يخاطب به من تساوى عنده الأمران فلم يحكم بإثبات الصفة لواحد بعينه ولا لواحد بإحدى الصفتين بعينها
فصل
4456 - طرق الحصر كثيرة
أحدها النفي والإستثناء سواء كان النفي بلا أو ما أو غيرهما والإستثناء بإلا أو غير نحو لا إله إلا الله وما من إله إلا الله ما قلت لهم إلا ما أمرتني به
ووجه إفادته الحصر أن الإستثناء المفرغ لا بد أن يتوجه النفي فيه إلى مقدر وهو مستثنى منه لأن الإستثناء إخراج فيحتاج إلى مخرج منه والمراد التقدير المعنوي لا الصناعي ولا بد أن يكون عاما لأن الإخراج لا يكون إلا من عام ولا بد أن يكون مناسبا للمستثنى في جنسه مثل ما قام إلا زيد أي أحد وما أكلت إلا تمرا أي مأكولا
ولا بد أن يوافقه في صفته أي إعرابه وحينئذ يجب القصر إذا أوجب منه شيء بإلاضرورة ببقاء ما عداه على صفة الإنتفاء
4457 - وأصل إستعمال هذا الطريق أن يكون المخاطب جاهلا بالحكم وقد يخرج عن ذلك فينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب نحو وما محمد إلا

(2/135)


رسول فإنه خطاب للصحابة وهم لم يكونوا يجهلون رسالة النبي لأنه نزل إستعظامهم له عن الموت منزلة من يجهل رسالته لأن كل رسول فلا بد من موته فمن استبعد موته فكأنه استبعد رسالته
4458 - الثاني إنما الجمهور على أنها للحصر فقيل بالمنطوق وقيل بالمفهوم
وأنكر قوم أفادتها إياه منهم أبو حيان
واستدل مثبتوه بأمور
منها قوله تعالى إنما حرم عليكم الميتة بالنصب فإن معناه ما حرم عليكم إلا الميتة لأنه المطابق في المعنى لقراءة الرفع فإنها للقصر فكذا قراءة النصب والأصل إستواء معنى القراءتين
4459 - ومنها أن إن للإثبات و ما للنفي فلا بد أن يحصل القصر للجمع بين النفي والإثبات لكن تعقب بأن ما زائدة كافة لا نافية
4460 - ومنها أن إن للتأكيد و ما كذلك فاجتمع تأكيدان فأفادا الحصر
قاله السكاكي وتعقب بأنه لو كان إجتماع تأكيدين يفيد الحصر لأفاده نحو إن زيدا لقائم
وأجيب بأن مراده لا يجتمع حرفا تأكيد متواليان إلا للحصر
4461 - ومنها قوله تعالى قال إنما العلم عند الله قال إنما يأتيكم به الله قل إنما علمها عند رب فإنه إنما تحصل مطابقة الجواب إذا كانت إنما للحصر ليكون معناها لا آتيكم به إنما يأتي به الله ولا أعلمها إنما يعلمها الله وكذا قوله ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ما على المحسنين من سبيل إلى قوله إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي وإن تولوا فإنما عليك البلاغ
ولا يستقيم المعنى في هذه الآيات ونحوها إلا بالحصر

(2/136)


4462 - وأحسن ما تستعمل إنما في مواقع التعريض نحو إنما يتذكر أولوا الألباب
4463 - الثالث أنما بالفتح عدها من طرق الحصر الزمخشري والبيضاوي فقالا في قوله تعالى قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد إنما لقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم نحو إنما زيد قائم و إنما يقوم زيد
وقد اجتمع الأمران في هذه الآية لأن إنما يوحي إلي مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد و أنما الهكم بمنزلة إنما زيد قائم وفائدة إجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى الرسول مقصور على إستئثار الله بالوحدانية
4464 - وصرح التنوخي في الأقصى القريب بكونها للحصر فقال كلما أوجب أن إنما بالكسر للحصر أوجب أن أنما بالفتح للحصر لأنها فرع عنها وما ثبت للأصل ثبت للفرع ما لم يثبت مانع منه والأصل عدمه
4465 - ورد أبو حيان على الزمخشري ما زعمه بأنه يلزمه إنحصار الوحي في الوحدانية وأجيب بأنه حصر مجازي باعتبار المقام
4466 - الرابع العطف بلا أو بل ذكره أهل البيان ولم يحكوا فيه خلافا
4467 - ونازع فيه الشيخ بهاء الدين في عروس الأفراح فقال أي قصر في العطف بلا إنما فيه نفي وإثبات فقولك زيد شاعر لا كاتب لا تعرض فيه لنفي صفة ثالثة والقصر إنما يكون بنفي جميع الصفات غير المثبت حقيقة أو مجازا وليس هو خاصا بنفي الصفة التي يعتقدها المخاطب وأما العطف ببل فأبعد منه لأنه لا يستمر فيها النفي والإثبات
4467 - الخامس تقديم المعمول نحو إياك نعبد لإلى الله تحشرون وخالف فيه قوم وسيأتي بسط الكلام فيه قريبا
4468 - السادس ضمير الفصل نحو فالله هو الولي أي لا غيره

(2/137)


وأولئك هم المفلحون إن هذا لهو القصص الحق إن شانئك هو الأبتر
وممن ذكر أنه للحصر البيانيون في بحث المسند إليه
واستدل له السهيلي بأنه أتي به في كل موضع ادعي فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله ولم يؤت به حيث لم يدع وذلك في قوله وأنه هو أضحك وأبكى . . إلى آخر الآيات فلم يؤت به في وأنه خلق الزوجين وأن عليه النشأة وأنه أهلك عادا الأولى لأن ذلك لم يدع لغير الله وأتي به في الباقي لادعائه لغيره
قال في عروس الأفراح وقد استنبطت دلالته على الحصر من قوله فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم . . لأنه لو لم يكن للحصر لما حسن لأن الله لم يزل رقيبا عليهم وإنما الذي حصل بتوفيته أنه لم يبق لهم رقيب غير الله تعالى ومن قوله لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون فإنه ذكر لتبيين عدم الإستواء وذلك لا يحسن إلا بأن يكون الضمير للإختصاص
4469 - السابع تقديم المسند إليه على ما قال الشيخ عبد القاهر قد يقدم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي والحاصل على رأيه أن له أحوالا
أحدها أن يكون المسند إليه معرفة والمسند مثبتا فيأتي للتخصيص نحو أنا قمت وأنا سعيت في حاجتك فإن قصد به قصر الإفراد أكد بنحو وحدي أو قصر القلب أكد بنحو لا غيري ومنه بل أنتم بهديتكم تفرحون فإن ما قبله من قوله أتمدونن بمال ولفظ بل المشعر بالإضراب يقضي بأن المراد بل أنتم لا غيركم فإن المقصود نفي فرحه هو بالهدية لا إثبات الفرح لهم بهديتهم
قاله في عروس الأفراح
قال وكذا قوله لا تعلمهم نحن نعلمهم أي لا نعلمهم إلا نحن
وقد يأتي للتقوية والتأكيد دون التخصيص قال الشيخ بهاء الدين ولا يتميز ذلك إلا بما يقتضيه الحال وسياق الكلام
ثانيها أن يكون المسند منفيا نحو أنت لا تكذب فإنه أبلغ في نفي الكذب من لا تكذب ومن لا تكذب أنت
وقد يفيد التخصيص ومنه فهم لا يتساءلون

(2/138)


ثالثها أن يكون المسند إليه نكرة مثتبا نحو رجل جاءني فيفيد التخصيص إما بالجنس أي لا امرأة أو الوحدة أي لا رجلان
رابعها أن يلي المسند إليه حرف النفي فيفيده نحو ما أنا قلت هذا أي لم أقله مع أن غيري قاله ومنه وما أنت علينا بعزيز أي العزيز علينا رهطك لا أنت ولذا قال أرهطي أعز عليكم من الله
هذا حاصل رأي الشيخ عبد القاهر ووافقه السكاكي وزاد شروطا وتفاصيل بسطناها في شرح ألفية المعاني
4470 - الثامن تقديم المسند ذكر ابن الأثير وابن النفيس وغيرهما أن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الإختصاص
ورده صاحب الفلك الدائر بأنه لم يقل به أحد وهو ممنوع فقد صرح السكاكي وغيره بأن تقديم ما رتبته التأخير يفيده ومثلوه بنحو تميمي أنا
4471 - التاسع ذكر المسند إليه ذكر السكاكي أنه قد ذكر ليفيد التخصيص
وتعقبه صاحب الإيضاح
وصرح الزمخشري بأنه أفاد الإختصاص في قوله الله يبسط الرزق في سورة الرعد وفي قوله الله نزل أحسن الحديث وفي قوله والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
ويحتمل أنه أراد أن تقديمه أفاده فيكون من أمثله الطريق السابع
4472 - العاشر تعريف الجزءين ذكر الإمام فخر الدين في نهاية الإيجاز أنه يفيد الحصر حقيقة أو مبالغة نحو المنطلق زيد ومنه في القرآن فيما ذكر الزملكاني في أسرار التنزيل الحمد لله قال إنه يفيد الحصر كما في إياك نعبد أي الحمد لله لا لغيره
4473 - الحادي عشر نحو جاء زيد نفسه نقل بعض شراح التلخيص عن بعضهم أنه يفيد الحصر

(2/139)


4474 - الثاني عشر نحو إن زيدا لقائم نقله المذكور ايضا
4475 - الثالث عشر نحو قائم في جواب زيد إما قائم أو قاعد
ذكره الطيبي في شرح التبيان
4476 - الرابع عشر قلب بعض حروف الكلمة فإنه يفيد الحصر على ما نقله في الكشاف في قوله والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها قال القلب للإختصاص بالنسبة إلى لفظ الطاغوت لأن وزنه على قول فعلوت من الطغيان كملكوت ورحموت قلب بتقديم اللام على العين فوزنه فلعوت ففيه مبالغات التسمية بالمصدر والبناء بناء مبالغة والقلب وهو للاختصاص إذ لا يطلق على غير الشيطان
تنبيه
4477 - كاد أهل البيان يطبقون على أن تقديم المعمول يفيد الحصر سواء كان مفعولا أو ظرفا أو مجرورا ولهذا قيل في إياك نعبد وإياك نستعين معناه نخصك بالعبادة والاستعانة وفي لإلى الله نحشرون معناه إليه لا إلى غيره وفي لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا أخرت الصلة في الشهادة الأولى وقدمت في الثانية لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم وفي الثاني إثبات إختصاصهم بشهادة النبي عليهم
4478 - وخالف في ذلك ابن الحاجب فقال في شرح المفصل الإختصاص الذي يتوهمه كثير من الناس من تقديم المعمول وهم واستدل على ذلك بقوله فاعبد الله مخلصا له الدين ثم قال بل الله فاعبد
ورد هذا الإستدلال بأن مخلصا له الدين أغنى عن إفادة الحصر في الآية الأولى ولو لم يكن فما المانع من ذكر المحصور في محل بغير صيغة الحصر كما قال تعالى واعبدوا ربكم وقال أمر ألا تعبدوا إلا إياه بل قوله بل الله فاعبد من أقوى أدلة الإختصاص فإن قبلها لئن أشركت ليحبطن عملك فلو لم يكن للإختصاص وكان معناها أعبد الله لما حصل الإضراب الذي هو معنى بل

(2/140)


4479 - واعترض أبو حيان على مدعي الإختصاص بنحو أفغير الله تأمروني أعبد
وأجيب بأنه لما أشرك بالله غيره كأنه لم يعبد الله وكان أمرهم بالشرك كأنه أمر بتخصيص غير الله بالعبادة
4480 - ورد صاحب الفلك الدائر الإختصاص بقوله كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل وهو من أقوى ما رد به
وأجيب بأنه لا يدعى فيه اللزوم بل الغلبة وقد يخرج الشيء عن الغالب
4481 - قال الشيخ بهاء الدين وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة وهي أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فإن التقديم في الأول قطعا ليس للإختصاص وفي إياه قطعا للإختصاص
4482 - وقال والده الشيخ تقي الدين في كتاب الإقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص اشتهر كلام الناس في أن تقديم المعمول يفيد الإختصاص ومن الناس من ينكر ذلك ويقول إنما يفيد الاهتمام وقد قال سيبويه في كتابه وهم يقدمون ما هم به أعنى
والبيانيون على إفادته الإختصاص ويفهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر وليس كذلك وإنما الإختصاص شيء والحصر شيء آخر والفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظة الحصر وإنما عبروا بالإختصاص والفرق بينهما أن الحصر نفي غير المذكور وإثبات المذكور والاختصاص قصد الخاص من جهة خصوصه وبيان ذلك أن الإختصاص افتعال من الخصوص والخصوص مركب من شيئين أحدهما عام مشترك بين شيئين أو أشياء والثاني معنى منضم إليه يفصله عن غيره كضرب زيد فإنه أخص من مطلق الضرب فإذا قلت ضربت زيدا أخبرت بضرب عام وقع منك على شخص خاص فصار ذلك الضرب المخبر به خاصا لما إنضم إليه منك ومن زيد
وهذه المعاني الثلاثة أعني مطلق الضرب وكونه واقعا منك وكونه واقعا على زيد قد يكون قصد المتكلم لها ثلاثتها على السواء
وقد يترجح قصده لبعضها على بعض ويعرف ذلك بما إبتدأ به كلامه فإن الإبتداء بالشيء يدل على الإهتمام به وأنه هو الأرجح في غرض المتكلم فإذا قلت زيدا ضربت علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود
ولا شك أن كل مركب من خاص وعام له جهتان فقد يقصد من جهة عمومه وقد يقصد من جهة

(2/141)


خصوصه والثاني هو الإختصاص وأنه هو الأهم عند المتكلم وهو الذي قصد إفادته السامع من غير تعرض ولا قصد لغيره بإثبات ولا نفي ففي الحصر معنى زائد عليه وهو نفي ما عدا المذكور
وإنما جاء هذا في إياك نعبد للعلم بأن قائليه لا يعبدون غير الله تعالى ولذا لم يطرد في بقية الآيات فإن قوله أفغير دين الله يبغون لو جعل في معنى ما يبغون إلا غير دين الله وهمزة الإنكار داخلة عليه لزم أن يكون المنكر الحصر لا مجرد بغيهم غير دين الله وليس المراد
وكذلك آلهة غير الله تريدون المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر
وقد قال الزمخشري في وبالآخرة هم يوقنون في تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هم تعريض بأهل الكتاب وما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك
4483 - وهذا الذي قاله الزمخشري في غاية الحسن وقد اعترض عليه بعضهم فقال تقديم الآخرة أفاد ان إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها وهذا الإعتراض من قائلة مبني على ما فهمه من أن تقديم المعمول يفيد الحصر وليس كذلك ثم قال المعترض وتقديم هم أفاد أن هذا القصر مختص بهم فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها حيث قالوا لن تمسنا النار وهذا منه أيضا إستمرار على ما في ذهنه من الحصر أي أن المسلمين لا يوقنون إلا بالآخرة وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها
وهذا فهم عجيب ألجأه إليه فهمه الحصر وهو ممنوع
وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام
أحدها بما وإلا كقولك ما قام إلا زيد صريح في نفي القيام عن غير زيد ويقتضي إثبات القيام لزيد قيل بالمنطوق وقيل بالمفهوم وهو الصحيح لكنه أقوى المفاهيم لأن إلا موضوعة للإستثناء وهو الإخراج فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم ولكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام بل قد يستلزمه فلذلك رجحنا أنه بالمفهوم والتبس على بعض الناس لذلك فقال إنه بالمنطوق

(2/142)


والثاني الحصر ب إنما وهو قريب من الأول فيما نحن فيه وإن كان جانب الإثبات فيه أظهر فكأنه يفيد إثبات قيام زيد إذا قلت إنما قام زيد بالمنطوق ونفيه عن غيره بالمفهوم
الثالث الحصر الذي قد يفيده التقديم وليس هو على تقدير تسليمه مثل الحصرين الأولين بل هو في قوة جملتين إحداهما ما صدر به الحكم نفيا كان أو إثباتا وهو المنطوق والأخرى ما فهم من التقديم والحصر يقتضي نفي المنطوق فقط دون ما دل عليه من المفهوم لأن المفهوم لا مفهوم له فإذا قلت أنا لا أكرم إلا إياك أفاد التعريض بأن غيرك يكرم غيره ولا يلزم أنك لا تكرمه وقد قال تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة أفاد أن العفيف قد ينكح غير الزانية وهو ساكت عن نكاحه الزانية فقال سبحانه وتعالى بعده والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك بيانا لما سكت عنه في الأولى
فلو قال بالآخرة يوقنون أفاد بمنطوقه إيقانهم بها ومفهومه عند من يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها
وليس ذلك مقصودا بالذات والمقصود بالذات قوة إيقانهم بالآخرة حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض فهو حصر مجازي وهو دون قولنا يوقنون بالآخرة لا بغيرها فاضبط هذا وإياك أن تجعل تقديره لايوقنون إلا بالآخرة
إذا عرفت هذا فتقديم هم أفاد أن غيرهم ليس كذلك فلو جعلنا التقدير لا يوقنون إلا بالآخرة كان المقصود المهم النفي فيتسلط المفهوم عليه فيكون المعنى إفادة أن غيرهم يوقن بغيرها كما زعم المعترض ويطرح أفهام أنه لا يوقن بالآخرة
ولا شك أن هذا ليس بمراد بل المراد إفهام أن غيرهم لا يوقن بالآخرة فلذلك حافظنا على أن الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة ليتسلط المفهوم عليه وأن المفهوم لا يتسلط على الحصر لأن الحصر لم يدل عليه بجملة واحدة مثل ما و إلا ومثل إنما وإنما دل عليه بمفهوم مستفاد من منطوق وليس أحدهما متقيدا بالآخر حتى نقول إن المفهوم أفاد نفي الإيقان المحصور بل أفاد نفي الإيقان مطلقا عن غيرهم وهذا كله على تقدير تسليم الحصر ونحن نمنع ذلك ونقول إنه اختصاص وأن بينهما فرقا
إنتهى كلام السبكي

(2/143)


النوع السادس والخمسون
في الإيجاز والإطناب
4484 - اعلم أنهما من أعظم أنواع البلاغة حتى نقل صاحب سر الفصاحة عن بعضهم أنه قال البلاغة هي الإيجاز والإطناب
4485 - قال صاحب الكشاف كما أنه يجب على البليغ في مظان الإجمال أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل ويشبع أنشد الجاحظ
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحى الملاحظ خيفة الرقباء
4486 - واختلف هل بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة أو لا وهي داخلة في قسم الإيجاز فالسكاكي وجماعة على الأول لكنهم جعلوا المساواة غير محمودة ولا مذمومة لأنهم فسروها بالمتعارف من كلام أوساط الناس الذين ليسوا في رتبة البلاغة وفسروا الإيجاز بأداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف والإطناب أداؤه بأكثر منها لكون المقام خليقا بالبسط
وابن الأثير وجماعة على الثاني فقالوا الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد والإطناب بلفظ أزيد
4487 - وقال القزويني الأقرب أن يقال إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله إما بلفظ مساو للأصل المراد أو ناقص عنه واف أو زائد عليه لفائدة والأول المساواة والثاني الإيجاز والثالث الإطناب
4488 - واحترز ب واف عن الإخلال وبقولنا لفائدة عن الحشو

(2/144)


والتطويل فعنده ثبوت المساواة واسطة وأنها من قسم المقبول
4489 - فإن قلت عدم ذكرك المساواة في الترجمة لماذا هل هو لرجحان نفيها أو عدم قبولها أو لأمر غير ذلك
قلت لهما ولأمر ثالث وهو أن المساواة لا تكاد توجد خصوصا في القرآن وقد مثل لها في التلخيص بقوله تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وفي الإيضاح بقوله وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا
وتعقب بأن في الآية الثانية حذف موصوف الذين وفي الأولى إطناب بلفظ السيء لأن المكر لا يكون إلا سيئا وإيجاز بالحذف إن كان الاستثناء غير مفرغ أي بأحد وبالقصر في الإستثناء وبكونها حاثة على كف الأذى عن جميع الناس محذرة عن جميع ما يؤدي إليه وبأن تقديرها يضر بصاحبه مضرة بليغة فأخرج الكلام مخرج الاستعارة التبعية الواقعة على سبيل التمثيلية لأن يحيق بمعنى يحيط فلا يستعمل إلا في الأجسام
تنبيه
4490 - الإيجاز والاختصار بمعنى واحد كما يؤخذ من المفتاح وصرح به الطيبي
4491 - وقال بعضهم الاختصار خاص بحذف الجمل فقط بخلاف الإيجاز قال الشيخ بهاء الدين وليس بشيء
والإطناب قيل بمعنى الإسهاب والحق أنه أخص منه فإن الإسهاب التطويل لفائدة أو لا لفائدة كما ذكره التنوخي وغيره
فصل
في نوعي الإيجاز
4492 - الإيجاز قسمان إيجاز قصر وإيجاز حذف

(2/145)


إيجاز القصر
4493 - فالأول هو الوجيز بلفظه قال الشيخ بهاء الدين الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف وإن كان كلاما يعطي معنى أطول منه فهو إيجاز قصر
4494 - وقال بعضهم إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ
4495 - وقال آخر هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة
وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة ولهذا قال أوتيت جوامع الكلم
4496 - وقال الطيبي في التبيان الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام
أحدها إيجاز القصر وهو أن يقصر اللفظ على معناه كقوله إنه من سليمان إلى قوله واتوني مسلمين جمع في أحرف العنوان والكتاب والحاجة
وقيل في وصف بليغ كانت ألفاظه قوالب معناه
قلت وهذا رأي من يدخل المساواة في الإيجاز
الثاني إيجاز التقدير وهو أن يقدر معنى زائد على المنطوق ويسمى بالتضييق أيضا وبه سماه بدر الدين بن مالك في المصباح لأنه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه نحو فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف أي خطاياه غفرت فهي له لا عليه هدى للمتقين أي للضالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى
الثالث الإيجاز الجامع وهو أن يحتوي اللفظ على معان متعددة نحو إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . الآية فإن العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط المومى به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق

(2/146)


والعبودبة
والإحسان هو الإخلاص في واجبات العبودية لتفسيره في الحديث بقوله أن تعبد الله كأنك تراه أي تعبده مخلصا في نيتك وواقفا في الخضوع آخذا أهبة الحذر . . إلى ما لا يحصى
وإيتاء ذي القربى هو الزيادة على الواجب من النوافل هذا في الأوامر
وأما النواهي فبالفحشاء الإشارة إلى القوة الشهوانية وبالمنكر إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية أو كل محرم شرعا وبالبغي إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية
4497 - قلت ولهذا قال ابن مسعود ما في القرآن آية أجمع للخير والشر من هذه الآية أخرجه في المستدرك
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن أنه قرأها يوما ثم وقف فقال إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه
4498 - وروى أيضا عن ابن أبي شهاب في معنى حديث الشيخين بعثت بجوامع الكلم قال بلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك
4499 - ومن ذلك قوله تعالى خذ العفو . . الآية فإنها جامعة لمكارم الأخلاق لأن في أخذ العفو التساهل والتسامح في الحقوق واللين والرفق في الدعاء إلى الدين وفي الأمر بالمعروف كف الأذى وغض البصر وما شاكلهما من المحرمات وفي الإعراض الصبر والحلم والتؤدة
4500 - ومن بديع الإيجاز قوله تعالى قل هو الله أحد . . إلى آخرها فإنه نهاية التنزيه وقد تضمنت الرد على نحو أربعين فرقة كما أفرد ذلك بالتصنيف بهاء الدين بن شداد
4501 - وقوله أخرج منها ماءها ومرعاها دل بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والثمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح لأن النار من العيدان والملح من الماء

(2/147)


4502 - وقوله لا يصدعون عنها ولا ينزفون جمع فيه جميع عيوب الخمر من الصداع وعدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب
4503 - وقوله وقيل يا أرض ابلعي ماءك . . الآية أمر فيها ونهى وأخبر ونادى ونعت وسمى وأهلك وأبقى وأسعد وأشقى وقص من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفت الأقلام
وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف
4504 - وفي العجائب للكرماني أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها وحسن نظمها وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال
4505 - وقوله تعالى يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم . . الآية جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام نادت وكنت ونبهت وسمت وأمرت وقصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وعذرت فالنداء يا والكناية أي والتنبيه ها والتسمية النمل والأمر ادخلوا والقصص مساكنكم والتحذير لا يحطمنكم والتخصيص سليمان والتعميم جنوده والإشارة وهم والعذر لا يشعرون فأدت خمس حقوق حق الله وحق رسوله وحقها وحق رعيتها وحق جنود سليمان
4506 - وقوله يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد . . الآية جمع فيها أصول الكلام النداء والعموم والخصوص والأمر والإباحة والنهي والخبر
4507 - وقال بعضهم جمع الله الحكمة في شطر آية وكلوا واشربوا ولا تسرفوا
4508 - وقوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه . . الآية قال

(2/148)


ابن العربي هي من أعظم أي في القرآن فصاحة إذ فيها أمران ونهيان وخبران وبشارتان
4509 - وقوله فاصدع بما تؤمر قال ابن أبي الأصبع المعنى صرح بجميع ما أوحي إليك وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظم إيجازها وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة
4510 - وقد حكي أن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية سجد وقال سجدت لفصاحة هذا الكلام
4511 - وقوله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين قال بعضهم جمع بهاتين اللفظين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه
4512 - وقوله تعالى ولكم في القصاص حياة فإن معناه كثير ولفظه قليل لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا إلى ألا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان ارتفاع القتل حياة لهم
وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم القتل أنفى للقتل بعشرين وجها أو أكثر
4513 - وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك
4514 - الأول أن ما يناظره من كلامهم وهو قوله القصاص حياة أقل حروفا فإن حروفه عشرة وحروف القتل أنفى للقتل أربعة عشر
4515 - الثاني أن نفي القتل لا يستلزم الحياة والآية ناصة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه

(2/149)


4516 - الثالث أن تنكير حياة يفيد تعظيما فيدل على أن في القصاص حياة متطاولة كقوله تعالى ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ولا كذلك المثل فإن اللام فيه للجنس ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء
4517 - الرابع أن الآية فيه مطردة بخلاف المثل فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل بل قد يكون أدعى له وهو القتل ظلما وإنما ينفيه قتل خاص وهو القصاص ففيه حياة أبدا
4518 - الخامس أن الآية خالية من تكرار لفظ القتل الواقع في المثل والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة
4519 - السادس أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف بخلاف قولهم فإن فيه حذف من التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها وحذف قصاصا مع القتل الأول وظلما مع القتل الثاني والتقدير القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه
4520 - السابع أن في الآية طباقا لأن القصاص مشعر بضد الحياة بخلاف المثل
4521 - الثامن أن الآية اشتملت على فن بديع وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت محلا ومكانا لضده الذي هو الحياة واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة ذكره في الكشاف وعبر عنه صاحب الإيضاح بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال في عليه
4522 - التاسع أن في المثل توالي أسباب كثيرة حفيفة وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكرة فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به وظهرت فصاحته بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون فالحركات تنقطع بالسكنات
نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فحبست ثم تحركت فحبست لا يتبين إطلاقها ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره فهي كالمقيدة
4523 - العاشر أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر لأن الشيء لا ينفي نفسه

(2/150)


4524 - الحادي عشر سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة وبعدها عن غنة النون
4525 - الثاني عشر اشتمالها على حروف متلائمة لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد إذ القاف من حروف الاستعلاء والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض فهو غير ملائم للقاف وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق
4526 - الثالث عشر في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت ولا كذلك تكرير القاف والتاء
4527 - الرابع عشر سلامتها من لفظ القتل المشعر بالوحشة بخلاف لفظ الحياة فإن الطباع أقبل له من لفظ القتل
4528 - الخامس عشر أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة فهو منبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل
4529 - السادس عشر الآية مبنية على الإثبات والمثل على النفي والإثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان عنه
4530 - السابع عشر أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة وقوله في القصاص حياة مفهوم من أول وهلة
4531 - الثامن عشر أن في المثل بناء أفعل التفضيل من فعل متعد والآية سالمة منه
4532 - التاسع عشر أن أفعل في الغالب يقتضي الاشتراك فيكون ترك القصاص نافيا للقتل ولكن القصاص أكثر نفيا وليس الأمر كذلك والآية سالمة من ذلك
4533 - العشرون أن الآية رادعة عن القتل والجرح معا لشمول القصاص لهما والحياة أيضا في قصاص الأعضاء لأن قطع العضو ينقص مصلحة الحياة وقد يسرى إلى النفس فيزيلها ولا كذلك المثل

(2/151)


في أول الآية ولكم وفيها لطيفة وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم لنخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم
تنبيهات
الأول
4534 - ذكر قدامة من أنواع البديع الإشارة وفسرها بالإتيان بكلام قليل ذي معان جمة وهذا هو إيجاز القصر بعينه لكن فرق بينهما ابن أبي الأصبع بأن الإيجاز دلالته مطابقة ودلالة الإشارة إما تضمن أو التزام فعلم منه أن المراد بها ما تقدم في مبحث المنطوق
الثاني
4535 - ذكر القاضي أبو بكر في إعجاز القرآن أن من الإيجاز نوعا يسمى التضمين وهو حصول معنى في لفظ من غير ذكر له باسم هي عبارة عنه قال وهو نوعان أحدهما ما يفهم من البنية كقوله معلوم فإنه يوجب أنه لا بد من عالم والثاني من معنى العبارة كبسم الله الرحمن الرحيم فإنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله تعالى والتبرك باسمه
الثالث
4536 - ذكر ابن الأثير وصاحب عروس الأفراح وغيرهما أن من أنواع إيجاز القصر باب الحصر سواء كان بإلا أو بإنما أو غيرهما من أدواته لأن الجملة فيها نابت مناب جملتين وباب العطف لأن حرفه وضع للإغناء عن إعادة العامل
وباب النائب عن الفاعل لأنه دل على الفاعل بإعطائه حكمه وعلى المفعول بوضعه
وباب الضمير لأنه وضع للاستغناء به عن الظاهر اختصارا ولذا لا يعدل إلى المنفصل مع إمكان المتصل
وباب علمت أنك قائم لأنه متحمل لاسم واحد سد مسد المفعولين من غير حذف
4537 - ومنها باب التنازع إذا لم نقدر على رأي الفراء
4538 - ومنها طرح المفعول اقتصارا على جعل المتعدي كاللازم وسيأتي تحريره
4539 - ومنها جميع أدوات الاستفهام والشرط فإن كم مالك يغني عن

(2/152)


قولك أهو عشرون أم ثلاثون وهكذا إلى ما لا يتناهى
4540 - ومنها الألفاظ اللازمة للعموم كأحد
4541 - ومنها لفظ التثنية والجمع فإنه يغني عن تكرير المفرد وأقيم الحرف فيهما مقامه اختصارا
4542 - ومما يصلح أن يعد من أنواعه المسمى بالاتساع من أنواع البديع وهو أن يؤتى بكلام يتسع فيه التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه من المعاني كفواتح السور ذكره ابن أبي الإصبع
إيجاز الحذف
4543 - القسم الثاني من قسمي الإيجاز الحذف وفيه فوائد
ذكر أسبابه
منها مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث لظهوره
4544 - ومنها التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء وقد اجتمعا في قوله تعالى ناقة الله وسقياها فناقة الله تحذير بتقدير ذروا و سقياها إغراء بتقدير الزموا
4545 - ومنها التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام
4546 - قال حازم في منهاج البلغاء إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفي بالحال عن ذكرها قال ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس ومنه قوله في وصف أهل الجنة حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها فحذف الجواب إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه وتركت النفوس تقدر ما شاءته ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك

(2/153)


4547 - وكذا قوله ولو ترى إذ وقفوا على النار أي لرأيت أمرا فظيعا لا تكاد تحيط به العبارة
4548 - ومنها التخفيف لكثرة دورانه في الكلام كما في حذف حرف النداء نحو يوسف أعرض ونون لم يك والجمع السالم ومنه قراءة والمقيمي الصلاة وياء والليل إذا يسر
وسأل المؤرج السدوسي الأخفش عن هذه الآية فقال عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه والليل لما كان لا يسرى وإنما يسرى فيه نقص منه حرف كما قال تعالى وما كانت أمك بغيا الأصل بغية فلما حول عن فاعل نقص منه حرف
4549 - ومنها كونه لا يصلح إلا له نحو عالم الغيب والشهادة فعال لما يريد
4550 - ومنها شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء قال الزمخشري وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال وحمل عليه قراءة حمزة تساءلون به والأرحام لأن هذا مكان شهر بتكرر الجار فقامت الشهرة مقام الذكر
4551 - ومنها صيانته عن ذكره تشريفا كقوله تعالى قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات . . الآيات حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع قبل ذكر الرب أي هو رب الله ربكم الله رب المشرق لأن موسى استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال فأضمر اسم الله تعظيما وتفخيما ومثله في عروس الأفراح بقوله تعالى رب أرني أنظر إليك أي ذاتك
4552 - ومنها صيانة اللسان عنه تحقيرا له نحو صم بكم أي هم أو المنافقون

(2/154)


4553 - ومنها قصد العموم نحو وإياك نستعين أي على العبادة وعلى أمورنا كلها
والله يدعو إلى دار السلام أي كل واحد
4554 - ومنها رعاية الفاصلة نحو ما ودعك ربك وما قلى أي وما قلاك
4555 - ومنها قصد البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة نحو ولو شاء لهداكم أي ولو شاء هدايتكم فإنه إذا سمع السامع ولو شاء تعلقت نفسه بم شاء ابنهم عليه لا يدري ما هو فلما ذكر الجواب استبان بعد ذلك وأكثر ما يقع ذلك بعد أداة شرط لأن مفعول المشيئة مذكور في جوابها
4556 - وقد يكون مع غيرها استدلالا بغير الجواب نحو ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وقد ذكر أهل البيان أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكر إلا إذا كان غريبا أو عظيما نحو لمن شاء منكم أن يستقيم لو أردنا أن نتخذ لهوا وإنما اطرد أو كثر حذف مفعول المشيئة دون سائر الأفعال لأنه يلزم من وجود المشيئة وجود المشاء فالمشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مشيئة الجواب ولذلك كانت الإرادة مثلها في اطراد حذف مفعولها ذكره الزملكاني والتنوخي في الأقصى القريب قالوا وإذا حذف بعد لو فهو المذكور في جوابها أبدا وأورد في عروس الأفراح قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإن المعنى لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة لأن المعنى معين على ذلك
فائدة
4557 - قال الشيخ عبد القاهر ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره وسمى ابن جني الحذف شجاعة العربية لأنه يشجع على الكلام
قاعدة في حذف المفعول اختصارا واقتصارا
4558 - قال ابن هشام جرت عادة النحويين أن يقولوا بحذف المفعول

(2/155)


اختصارا واقتصارا ويريدون بالاختصار الحذف لدليل ويريدون بالاقتصار الحذف لغير دليل ويمثلونه بنحو كلوا واشربوا أي أوقعوا هذين الفعلين والتحقيق أن يقال يعني كما قال أهل البيان تارة يتعلق الغرض بالإعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه ومن أوقع عليه فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عام فيقال حصل حريق أو نهب وتارة يتعلق بالإعلام بمجرد إيقاع الفعل للفاعل فيقتصر عليهما ولا يذكر المفعول ولا ينوى إذ المنوى كالثابت ولا يسمى محذوفا لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له
ومنه ربي الذي يحيي ويميت قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون كلوا واشربوا ولا تسرفوا وإذا رأيت ثم إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة
وهل يستوي من يتصف بالعلم ومن ينتفي عنه العلم وأوقعوا الأكل والشرب وذروا الإسراف وإذا حصلت منك رؤية
4559 - ومنه ولما ورد ماء مدين . . الآية ألا ترى أنه عليه الصلاة و السلام رحمهما إذ كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقي لا لكون مذودهما غنما وسقيهم إبلا وكذلك المقصود من لا نسقى السقي لا المسقي
ومن لم يتأمل قدر يسقون إبلهم و تذودان غنمهما و لا نسقي غنما
وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله فيذكران نحو لا تأكلوا الربا ولا تقربوا الزنا وهذا النوع الذي إذا لم يذكر محذوفه قيل محذوف
4560 - وقد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجوب تقديره نحو أهذا الذي بعث الله رسولا وكلا وعد الله الحسنى
4561 - وقد يشتبه الحال في الحذف وعدمه نحو قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن قد يتوهم أن معناه نادوا فلا حذف أو سموا فالحذف واقع

(2/156)


ذكر شروطه
4562 - هي ثمانية
أحدها وجود دليل إما حالي نحو قالوا سلاما أي سلمنا سلاما أو مقالي نحو وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا قال سلام قوم منكرون أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون
4563 - ومن الأدلة العقل حيث يستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف
4564 - ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه بل يستفاد التعيين من دليل آخره نحو حرمت عليكم الميتة فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة لأن التحريم لا يضاف إلى الأجرام وإنما هو والحل يضافان إلى الأفعال فعلم بالعقل حذف شيء
وأما تعينه وهو التناول فمستفاد من الشرع وهو قوله
إنما حرم أكلها لأن العقل لا يدرك محل الحل ولا الحرمة وأما قول صاحب التلخيص إنه من باب دلالة العقل أيضا فتابع فيه السكاكي من غير تأمل أنه مبنى على أصول المعتزلة
4565 - وتارة يدل العقل أيضا على التعيين نحو وجاء ربك أي أمره بمعنى عذابه لأن الحق دل على استحالة مجيء البارئ لأنه من سمات الحادث وعلى أن الجائي أمره
أوفوا بالعقود وأوفوا بعهد الله أي بمقتضى العقود وبمقتضى عهد الله لأن العقد والعهد قولان قد دخلا في الوجود وانقضيا فلا يتصور فيهما وفاء ولا نقض وإنما الوفاء والنقض بمقتضاهما وما ترتب عليهما من أحكامهما
4566 - وتارة يدل على التعيين العادة نحو فذلكن الذي لمتنني فيه دل العقل على الحذف لأن يوسف لا يصح ظرفا للوم ثم يحتمل أن يقدر لمتنني في حبه لقوله قد شغفها حبا وفي مراودتها لقوله تراود فتاها والعادة

(2/157)


دلت على الثاني لأن الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة لأنه ليس اختياريا بخلاف المراودة للقدرة على دفعها
4567 - وتارة يدل عليه التصريح به في موضع آخر وهو أقواها نحو هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله أي أمره بدليل أو يأتي أمر ربك وجنة عرضها السموات أي كعرض بدليل التصريح به في ىية الحديد الآية 22
رسول من الله أي من عند الله بدليل ولما جاءهم رسول من عند الله
4568 - ومن الأدلة على أصل الحذف العادة بأن يكون العقل غير مانع من إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف نحو لو نعلم قتالا لاتبعناكم أي مكان قتال والمراد مكانا صالحا للقتال وإنما كان كذلك لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال ويتعيرون بأن يتفوهوا بأنهم لا يعرفونه فالعادة تمنع أن يريدوا لو نعلم حقيقة القتال فلذلك قدره مجاهد مكان قتال
ويدل عليه أنهم أشاروا على النبي ألا يخرج من المدينة
4569 - ومنها الشروع في الفعل نحو بسم الله فيقدر ما جعلت التسمية مبدأ له فإن كانت عند الشروع في القراءة قدرت أقرأ أو الأكل قدرت آكل وعلى هذا أهل البيان قاطبة خلافا لقول النحاة أنه يقدر ابتدأت أو ابتدائي كائن بسم الله
ويدل على صحة الأول التصريح به في قوله وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها وفي حديث باسمك ربي وضعت جنبي
4570 - ومنها الصناعة النحوية كقولهم في لا أقسم التقدير لأنا أقسم لأن فعل الحال لا يقسم عليه وفي تالله تفتأ التقدير لا تفتأ لأنه لو كان الجواب مثبتا دخلت اللام والنون كقوله وتالله لأكيدن
4571 - وقد توجب الصناعة التقدير وإن كان المعنى غير متوقف عليه كقولهم في لا إله إلا الله إن الخبر محذوف أي موجود وقد أنكره الإمام

(2/158)


فخر الدين وقال هذا الكلام لا يحتاج إلى تقدير وتقدير النحاة فاسد لأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة فإنها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر
ورد بأن تقديرهم موجود يستلزم نفي كل إله غير الله قطعا فإن العدم لا كلام فيه فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة
ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهر أو مقدر وإنما يقدر النحوي ليعطي القواعد حقها وإن كان المعنى مفهوما
تنبيه
4572 - قال ابن هشام إنما يشترط الدليل فيما إذا كان المحذوف الجملة بأسرها أو أحد ركنيها أو يفيد معنى فيها هي مبنية عليه نحو تالله تفتأ
أما الفضلة فلا يشترط لحذفها وجدان دليل بل يشترط ألا يكون في حذفها ضرر معنوي أو صناعي
قال ويشترط في الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف ورد قول الفراء في أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين إن التقدير بلى ليحسبنا قادرين لأن الحسبان المذكور بمعنى الظن والمقدر بمعنى العلم لأن التردد في الإعادة كفر فلا يكون مأمورا به
قال والصواب فيها قول سيبوية إن قادرين حال أي بل نجمعها قادرين لأن فعل الجمع أقرب من فعل الحسبان ولأن بلى لإيجاب المنفى وهو فيها فعل الجمع
4573 - الشرط الثاني ألا يكون المحذوف كالجزء ومن ثم لم يحذف الفاعل ولا نائبه ولا اسم كان وأخواتها
4574 - قال ابن هشام وأما قول ابن عطية في بئس مثل القوم إن التقدير بئس المثل مثل القوم فإن أراد تفسير الإعراب وأن الفاعل لفظ المثل محذوفا فمردود وإن أراد تفسير المعنى وأن في بئس ضمير المثل مستترا فسهل
4575 - الثالث ألا يكون مؤكدا لأن الحذف مناف للتأكيد إذ الحذف مبني

(2/159)


على الإختصار والتأكيد مبنى على الطول ومن ثم رد الفارسي على الزجاج في قوله في إن هذان لساحران إن التقدير إن هذان لهما ساحران فقال الحذف والتوكيد باللام متنافيان وأما حذف الشيء لدليل وتوكيده فلا تنافي بينهما لأن المحذوف لدليل كالثابت
4576 - الرابع ألا يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر ومن ثم لم يحذف اسم الفعل لأنه اختصار للفعل
4577 - الخامس ألا يكون عاملا ضعيفا فلا يحذف الجار والناصب للفعل والجازم إلا في مواضع قويت فيها الدلالة وكثر فيها استعمال تلك العوامل
4578 - السادس ألا يكون المحذوف عوضا عن شيء ومن ثم قال ابن مالك إن حرف النداء ليس عوضا من أدعو لإجازة العرب حذفه ولذا أيضا لم تحذف التاء من إقامة واستقامة وأما وإقام الصلاة فلا يقاس عليه ولا خبر كان لأنه عوض أو كالعوض من مصدرها
4579 - السابع ألا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل القوي ومن ثم لم يقس على قراءة وكل وعد الله الحسنى
فائدة
4580 - اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن ولهذا قال في قوله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا إن الأصل لا تجزى فيه فحذف حرف الجر فصار تجزيه ثم حذف الضمير فصار تجزي وهذه ملاطفة في الصناعة ومذهب سيبويه أنهما حذفا معا قال ابن جني وقول الأخفش أوفق في النفس وآنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد
1 - قاعدة
4581 - الأصل أن يقدر الشيء في مكانه الأصلي لئلا يخالف الأصل من

(2/160)


وجهين الحذف ووضع الشيء في غير محله فيقدر المفسر في نحو زيدا رأيته مقدما عليه
وجوز البيانيون تقديره مؤخرا عنه لإفادة الاختصاص كما قاله النحاة وإذا منع منه مانع نحو وأما ثمود فهديناهم إذ لا يلي أما فعل
2 - قاعدة
4582 - ينبغي تقليل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل ومن ثم ضعف قول الفارسي في واللائي لم يحضن إن التقدير فعدتهن ثلاثة أشهر والأولى أن يقدر كذلك
4583 - قال الشيخ عز الدين ولا يقدر من المحذوفات إلا أشدها موافقة للغرض وأفصحها لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب لذلك الكلام كما يفعلون في ذلك في الملفوظ به نحو جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس قدر أبو علي جعل الله نصب الكعبة وقدر غيره حرمة الكعبة وهو أولى لأن تقدير الحرمة في الهدى والقلائد والشهر الحرام لا شك في فصاحته وتقدير النصب فيها بعيد من الفصاحة
قال ومهما تردد المحذوف بين الحسن والأحسن وجب تقدير الأحسن لأن الله وصف كتابه بأنه أحسن الحديث فليكن محذوفه أحسن المحذوفات كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات
قال ومتى تردد بين أن يكون مجملا أو مبينا فتقدير المبين أحسن نحو وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث لك أن تقدر في أمر الحرث و في تضمين الحرث وهو أولى لتعينه والأمر مجمل لتردده بين أنواع
3 - قاعدة
4584 - إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلا والباقي فاعلا وكونه مبتدأ والباقي خبرا فالثاني أولى لأن المبتدأ عين الخبر وحينئذ فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفا كلا حذف
فأما الفعل فإنه غير الفاعل اللهم إلا أن يعتضد الأول برواية

(2/161)


أخرى في ذلك الموضع أو بموضع آخر يشبهه
فالأول كقراءة يسبح له فيها بفتح الباء كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله بفتح الحاء فإن التقدير يسبحه رجال و يوحيه الله ولا يقدران مبتدأين حذف خبرهما لثبوت فاعلية الاسمين في رواية من بنى الفعل للفاعل
والثاني نحو ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فتقدير خلقهم الله أولى من الله خلقهم لمجيء خلقهن العزيز العليم
4 - قاعدة
4585 - إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولا أو ثانيا فكونه ثانيا أولى ومن ثم رجح أن المحذوف في نحو أتحاجوني نون الوقاية لا نون الرفع وفي نارا تلظى التاء الثانية لا تاء المضارعة وفي والله ورسوله أحق أن يرضوه أن المحذوف خبر الثاني لا الأول وفي نحو الحج أشهر أن المحذوف مضاف للثاني أي حج أشهر لا الأول أي أشهر الحج
وقد يجب كونه من الأول نحو إن الله وملائكته يصلون على النبي في قراءة من رفع ملائكته لاختصاص الخبر بالثاني لوروده بصيغة الجمع وقد يجب كونه من الثاني نحو أن الله بريء من المشركين ورسوله أي بريء أيضا لتقدم الخبر على الثاني
فصل في أنواع الحذف
4486 - الحذف على أنواع
أحدها ما يسمى بالاقتطاع وهو حذف بعض حروف الكلمة وأنكر ابن الأثير ورود هذا النوع في القرآن ورد بأن بعضهم جعل منه فواتح السور على القول بأن كل حرف منها من اسم من أسمائه كما تقدم
وادعى بعضهم أن الباء في وامسحوا برءوسكم أول كلمة بعض ثم حذف الباقي
ومنه قراءة بعضهم ونادوا يا مال بالترخيم ولما سمعها بعض السلف قال ما أغنى أهل النار عن

(2/162)


الترخيم وأجاب بعضهم بأنهم لشدة ما هم عجزوا عن إتمام الكلمة
ويدخل في هذا النوع حذف همزة أنا في قوله لكنا هو الله وربي إذ الأصل لكن أنا حذفت همزة أنا تخفيفا وأدغمت النون في النون
ومثله ما قرئ ويمسك السماء أن تقع علرض بما أنزليك فمن تعجل في يومين فلثم عليه إنها لحدى الكبر
4587 - النوع الثاني ما يسمى بالاكتفاء وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتة
ويختص غالبا بالارتباط العطفي كقوله سرابيل تقيكم الحر أي والبرد وخصص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم لأنه أشد عندهم من البرد وقيل لأن البرد تقدم ذكر الامتنان بوقايته صريحا في قوله ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها وفي قوله وجعل لكم من الجبال أكنانا وفي قوله تعالى والانعام خلقها لكم فيها دفء
ومن أمثلة هذا النوع بيدك الخير أي والشر وإنما خص الخير بالذكر لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم أو لأنه أكثر وجودا في العالم أو لأن إضافة الشر إلى الله ليس من بابا الآداب كما قال والشر ليس إليك
4588 - ومنها وله ما سكن في الليل والنهار أي وما تحرك وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن كل متحرك يصير إلى السكون
4589 - ومنها الذين يؤمنون بالغيب أي والشهادة لأن الإيمان بكل منهما واجب وآثر الغيب لأنه أمدح ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس
4590 - ومنها ورب المشارق أي والمغارب
4591 - ومنها هدى للمتقين أي وللكافرين قاله ابن الأنباري ويؤيده قوله هدى للناس

(2/163)


ومنها إن امرؤ هلك ليس له ولد أي ولا والد بدليل أنه أوجب للأخت النصف وإنما يكون ذلك مع فقد الأب لأنه يسقطها
4593 - النوع الثالث ما يسمى بالاحتباك وهو من ألطف الأنواع وأبدعها وقل من تنبه له أو نبه عليه من أهل فن البلاغة ولم أره في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسي وذكره الزركشي في البرهان ولم يسمه هذا لاسم بل سماه الحذف المقابلي
4594 - وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعي قال الأندلسي في شرح البديعية من أنواع البديع الاحتباك وهو نوع عزيز وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول كقوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق . . الآية التقدير ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به فحذف من الأول الأنبياء لدلالة الذي ينعق عليه ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة الذين كفروا عليه
4595 - وقوله وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء التقدير تدخل غير بيضاء وأخرجها تخرج بيضاء فحذف من الأول غير بيضاء ومن الثاني وأخرجها
4596 - وقال الزركشي هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون التقدير إن افتريته فعلي إجرامي وأنتم برآء منه وعليكم إجرامكم وأنا بريء مما تجرمون
4597 - وقوله ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم التقدير ويعذب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم فلا يعذبهم

(2/164)


4598 - وقوله ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن أي حتى يطهرن من الدم ويتطهرن بالماء فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن
4599 - وقوله خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا أي عملا صالحا بسيئ وآخر سيئا صالح
4600 - قلت ومن لطيفه قوله فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت
4601 - وفي الغرائب للكرماني في الآية الأولى التقدير مثل الذين كفروا معك يا محمد كمثل الناعق مع الغنم فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر
وله في القرآن نظائر وهو أبلغ ما يكون من الكلام
انتهى
4602 - ومأخذ هذه التسمية من الحبك الذي معناه الشد والأحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب فحبك الثوب سد ما بين خيوطه من الفرج وشده وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق
وبيان أخذه منه من أن مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفرج بين الخيوط فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه فوضع المحذوف مواضعه كان حابكا له مانعا من خلل يطرقه فسد بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسبه من الحسن والرونق
4603 - النوع الرابع ما يسمى بالاختزال هو ما ليس واحدا مما سبق وهو أقسام لأن المحذوف إما كلمة اسم أو فعل أو حرف أو أكثر
4604 - أمثله حذف الاسم
حذف المضاف هو كثير في القرآن جدا حتى قال ابن جني في القرآن منه زهاء ألف موضع
وقد سردها الشيخ عز الدين في كتابه المجاز على ترتيب السور والآيات ومنه الحج أشهر أي حج أشهر أو أشهر الحج
ولكن البر من آمن أي ذا البر أو بر من
حرمت عليكم أمهاتكم أي نكاح أمهاتكم
لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات أي ضعف عذاب
وفي الرقاب أي وفي تحرير الرقاب

(2/165)


3605 - حذف المضاف إليه يكثر في ياء المتكلم نحو رب اغفر لي
4606 - وفي الغايات نحو لله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل الغلب ومن بعده
4607 - وفي كل وأي وبعض
وجاء في غيرهن كقراءة فلا خوف عليهم بضم بلا تنوين أي فلا خوف شيء عليهم
4608 - حذف المبتدأ يكثر في جواب الاستفهام نحو وما أدراك ما هيه نار أي هي نار
وبعد فاء الجواب من عمل صالحا فلنفسه أي فعمله لنفسه ومن أساء فعليها أي فإساءته عليها وبعد القول نحو وقالوا أساطير الأولين قالوا أضغاث أحلام
4609 - وبعد ما الخبر صفة له في المعنى نحو التائبون العابدون ونحو صم بكم عمي
4610 - ووقع في غير ذلك نحو لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ أي هذا
سورة أنزلناها أي هذه
4611 - ووجب في النعت المقطوع إلى الرفع حذف الخبر نحو أكلها دائم وظلها أي دائم
4612 - ويحتمل الأمرين فصبر جميل أي أجمل أو فأمري صبر
فتحرير رقبة أي عليه أو فالواجب
4613 - حذف الموصوف وعندهم قاصرات الطرف أي حور قاصرات
أن اعمل سابغات أي دروعا سابغات
أيها المؤمنون أي القوم المؤمنون

(2/166)