صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ الإتقان في علوم القرآن - السيوطي ]
الكتاب : الإتقان في علوم القرآن
المؤلف : عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي
عدد الأجزاء : 2

وضرب لبسطه نحو ليس كمثله شيء لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع
وضرب لنظم الكلام نحو أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما تقديره أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا
والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة فإن تلك الأوصاف لا تتصور لنا إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه
والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب
الأول من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو فاقتلوا المشركين والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو فانكحوا ما طاب لكم من النساء
والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو اتقوا الله حق تقاته
والرابع من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها نحو وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها إنما النسيء زيادة في الكفر فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه الآية
الخامس من جهة الشروط التي يصح بها الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح
قال وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم
ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب
ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك
وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة

(2/12)


وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم وهو المشار إليه بقوله لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل
وإذا عرفت هذه الجهة عرفت أن الوقف على قوله وما يعلم تأويله إلا الله ووصله بقوله والراسخون في العلم جائز وأن لكل واحد منهما وجها حسبما دل عليه التفصيل المتقدم
إنتهى
3781 - وقال الإمام فخر الدين صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل وهو إما لفظي أو عقلي
والأول لا يمكن إعتباره في المسائل الأصولية لأنه لا يكون قاطعا لأنه موقوف على إنتفاء الاحتمالات العشرة المعروفة وإنتفاؤها مظنون والموقوف على المظنون مظنون والظني لا يكتفي به في الأصول
وأما العقلي فإنما يفيد صرف اللفظ من ظاهره لكونه الظاهر محالا وأما إثبات المعنى المراد فلا يمكن بالعقل لأن طريق ذلك ترجيح مجاز على مجاز وتأويل على تأويل وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدليل اللفظي والدليل اللفظي في الترجيح ضعيف لا يفيد إلا الظن والظن لا يعول عليه في المسائل الأصولية القطعية فلهذا اختار الأئمة المحققون من السلف والخلف بعد إقامة الدليل القاطع على أن حمل اللفظ على ظاهره محال ترك الخوض في تعيين التأويل
انتهى
وحسبك بهذا الكلام من الإمام
2 - فصل
3782 - من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد نحو الرحمن على العرش استوى كل شيء هالك إلا وجهه ويبقى وجه ربك ولتصنع على عيني يد الله فوق أيديهم والسموات مطويات بيمينه

(2/13)


3783 - وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها
3784 - أخرج أبو القاسم اللالكائي في السنن عن طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى الرحمن على العرش استوى قالت الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر
3785 - وأخرج أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق
3786 - وأخرج أيضا عن مالك أنه سئل عن الآية فقال الكيف غير معقول والإستواء غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة
3787 - وأخرج البيهقي عنه أنه قال هو كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف
مرفوع
3788 - وأخرج اللالكائي عن محمد بن الحسن قال إتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه
3789 - وقال الترمذي في الكلام على حديث الرؤية المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم قالوا نروي هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال كيف ولا نفسر ولا نتوهم
3790 - وذهبت طائفة من أهل السنة على أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى وهذا مذهب الخلف
وكان إمام الحرمين يذهب إليه ثم رجع عنه فقال في الرسالة النظامية الذي نرتضيه دينا وندين الله به عقدا إتباع سلف الأمة فإنهم درجوا على ترك التعرض لمعانيها
3791 - وقال ابن الصلاح على هذه الطريقة مضى صدر الأمة وساداتها

(2/14)


وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدق عنها ويأباها
3792 - واختار ابن برهان مذهب التأويل قال ومنشأ الخلاف بين الفريقين هل يجوز أن يكون في القرآن شيء لم نعلم معناه أو لا بل يعلمه الراسخون في العلم
3792 - م وتوسط ابن دقيق العيد فقال إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر أو بعيدا توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه قال وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف كما في قوله تعالى يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله فنحمله على حق الله وما يجب له
ذكر ما وقفت عليه من تأويل الآية المذكورة على طريقة أهل السنة
3793 - من ذلك صفة الاستواء وحاصل ما رأيت فيها سبعة أجوبة
أحدها حكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن استوى بمعنى استقر وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل فإن الاستقرار يشعر بالتجسيم
3794 - ثانيها أن استوى بمعنى استولى ورد بوجهين
أحدهما أن الله تعالى مستول على الكونين والجنة والنار وأهلهما فأي فائدة في تخصيص العرش
والآخر أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك
3795 - أخرج اللالكائي في السنة عن ابن الأعرابي أنه سئل عن معنى استوى فقال هو على عرشه كما أخبر فقيل يا أبا عبد الله معناه استولى قال اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا إذا كان له مضاد فإذا غلب أحدهما قيل استولى
3796 - ثالثها أنه بمعنى صعد قاله أبو عبيد ورد بأنه تعالى منزه عن الصعود أيضا

(2/15)


3797 - رابعها أن التقدير الرحمن علا أي إرتفع من العلو والعرش له استوى
حكاه إسماعيل الضرير في تفسيره
ورد بوجهين أحدهما أنه جعل على فعلا وهي حرف هنا بإتفاق فلو كانت فعلا لكتبت بالألف كقوله علا في الأرض
والآخر أنه رفع العرش ولم يرفعه أحد من القراء
3798 - خامسها أن الكلام تم عند قوله الرحمن على العرش ثم ابتدأ بقوله استوى له ما في السموات وما في الأرض
ورد بأنه يزيل الآية عن نظمها ومرادها
قلت ولا يتأتى له في قوله ثم استوى على العرش
3799 - سادسها أن معنى استوى أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله ثم استوى إلى السماء وهي دخان أي قصد وعمد إلى خلقها قاله الفراء والأشعري وجماعة أهل المعاني
وقال إسماعيل الضرير إنه الصواب
قلت يبعده تعديته بعلى ولو كان كما ذكروه لتعدى بإلى كما في قوله ثم استوى إلى السماء
3800 - سابعها قال ابن اللبان الاستواء المنسوب إليه تعالى بمعنى اعتدل أي قام بالعدل كقوله تعالى قائما بالقسط والعدل هو إستواؤه ويرجع معناه إلى أنه أعطى بعزته كل شيء خلقه موزونا بحكمته البالغة
3801 - ومن ذلك النفس في قوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ووجه بأنه خرج على سبيل المشاكله مرادا به الغيب لأنه مستتر كالنفس
3802 - وقوله ويحذركم الله نفسه أي عقوبته وقيل إياه
3803 - وقال السهيلي النفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد وقد استعمل من لفظة النفاسة والشيء النفيس فصلحت للتعبير عنه سبحانه وتعالى

(2/16)


3804 - وقال ابن اللبان أولها العلماء بتأويلات منها أن النفس عبر بها عن الذات قال وهذا وإن كان سائغا في اللغة ولكن تعدي الفعل إليها بفي المفيدة للظرفية محال عليه تعالى
وقد أولها بعضهم بالغيب أي ولا أعلم ما في غيبك وسرك قال وهذا حسن لقوله في آخر الآية إنك أنت علام الغيوب
3805 - ومن ذلك الوجه وهو مؤول بالذات
وقال ابن اللبان في قوله يريدون وجهه إنما نطعمكم لوجه الله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى المراد إخلاص النية
3806 - وقال غيره في قوله فثم وجه الله أي الجهة التي أمر بالتوجه إليها
3807 - ومن ذلك العين وهي مؤولة بالبصر أو الإدراك
بل قال بعضهم إنها حقيقة في ذلك خلافا لتوهم بعض الناس أنها مجاز وإنما المجاز في تسمية العضو بها
3808 - وقال ابن اللبان نسبة العين إليه تعالى اسم لآياته المبصرة التي بها سبحانه ينظر للمؤمنين وبها ينظرون إليه قال تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة نسب البصر للآيات على سبيل المجاز تحقيقا لأنها المرادة بالعين المنسوبة إليه وقال قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها قال فقوله واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا أي بآياتنا تنظر بها إلينا وننظر بها إليك قال ويؤيد أن المراد بالأعين هنا الآيات كونه علل بها الصبر لحكم ربه صريحا في قوله إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك قال وقوله في سفينة نوح تجري بأعيننا أي بآياتنا بدليل وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها وقال ولتصنع على عيني أي على حكم آيتي التي أوحيتها إلى أمك أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم . . . الآية
إنتهى

(2/17)


وقال غيره المراد في الآيات كلاءته تعالى وحفظه
3809 - ومن ذلك اليد في قوله لما خلقت بيدي يد الله فوق أيديهم مما عملت أيدينا وأن الفضل بيد الله وهي مؤولة بالقدرة
3809 - م وقال السهيلي اليد في الأصل كالبصر عبارة عن صفة لموصوف ولذلك مدح سبحانه وتعالى بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله أولي الأيدي والأبصار ولم يمدحهم بالجوارح لأن المدح إنما يتعلق بالصفات لا بالجواهر قال ولهذا قال الأشعري إن اليد صفة ورد بها الشرع
والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص والقدرة أعم كالمحبة مع الإرادة والمشيئة فإن في اليد تشريفا لازما
3810 - وقال البغوي في قوله بيدي في تحقيق الله التثنية في اليد دليل على أنها ليست بمعنى القدرة والقوة والنعمة وإنما هما صفتان من صفات ذاته
3811 - وقال مجاهد اليد ها هنا صلة وتأكيد كقوله ويبقى وجه ربك قال البغوي وهذا تأويل غير قوي لأنها لو كانت صلة لكان لإبليس أن يقول إن كنت خلقته فقد خلقتني وكذلك في القدرة والنعمة لا يكون لآدم في الخلق مرية على إبليس
3812 - وقال ابن اللبان فإن قلت فما حقيقة اليدين في خلق آدم قلت الله أعلم بما أراد ولكن الذي إستثمرته من تدبر كتابه أن اليدين إستعارة لنور قدرته القائم بصفة فضله ولنورها القائم بصفة عدله
ونبه على تخصيص آدم وتكريمه بأن جمع له في خلقه بين فضله وعدله
قال وصاحبة الفضل هي اليمين التي ذكرها في قوله والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى
3813 - ومن ذلك الساق في قوله يوم يكشف عن ساق ومعناه عن

(2/18)


شدة وأمر عظيم كما يقال قامت الحرب على ساق
3814 - أخرج الحاكم في المستدرك من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله يوم يكشف عن ساق قال إذا خفى عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر
اصبر عناق إنه شر باق ... قد سن لي قومك ضرب الأعناق
وقامت الحرب بنا على ساق ...
قال ابن عباس هذا يوم كرب وشدة
3815 - ومن ذلك الجنب في قوله تعالى على ما فرطت في جنب الله أي في طاعته وحقه لأن التفريط إنما يقع في ذلك ولا يقع في الجنب المعهود
3816 - ومن ذلك صفة القرب في قوله فإني قريب ونحن أقرب إليه من حبل الوريد أي بالعلم
3817 - ومن ذلك صفة الفوقية في قوله وهو القاهر فوق عباده يخافون ربهم من فوقهم والمراد بها العلو من غير جهة وقد قال فرعون وإنا فوقهم قاهرون ولا شك أنه لم يرد العلو المكاني
3818 - ومن ذلك صفة المجيء في قوله وجاء ربك أو يأتي ربك أي أمره لأن الملك إنما يأتي بأمره أو بتسليطه كما قال تعالى وهم بأمره يعملون فصار كما لو صرح به
3819 - وكذا قوله فاذهب أنت وربك فقاتلا أي اذهب بربك أي بتوفيقه وقوته
3820 - ومن ذلك صفة الحب في قوله يحبهم ويحبونه فاتبعوني يحببكم الله

(2/19)


3821 - وصفة الغضب في قوله وغضب الله عليهم
3822 - وصفة الرضا في قوله رضي الله عنهم
3823 - وصفة العجب في قوله بل عجبت بضم التاء وقوله وإن تعجب فعجب قولهم
3824 - وصفة الرحمة في آيات كثيرة
3825 - وقد قال العلماء كل صفة يستحيل حقيقتها على الله تعالى تفسر بلازمها
3826 - قال الإمام فخر الدين جميع الأعراض النفسانية أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والاستهزاء لها أوائل ولها غايات مثاله الغضب فإن أوله غليان دم القلب وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب بل على غرضه الذي هو إرادة الإضرار وكذلك الحياء له أول وهو إنكسار يحصل في النفس وله غرض وهو ترك الفعل فلفظ الحياء في حق الله يحمل على ترك الفعل لا على إنكسار النفس
إنتهى
3827 - وقال الحسين بن الفضل العجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه
3828 - وسئل الجنيد عن قوله وإن تعجب فعجب قولهم فقال إن الله لا يعجب من شيء ولكن الله وافق رسوله فقال وإن تعجب فعجب قولهم أي هو كما تقول
3829 - ومن ذلك لفظه عند في قوله تعالى عند ربك و من عنده ومعناهما الإشارة إلى التمكين والزلفى والرفعة
3830 - ومن ذلك قوله وهو معكم أينما كنتم أي بعلمه وقوله وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم

(2/20)


3831 - قال البيهقي الأصح أن معناه أنه المعبود في السموات وفي الأرض مثل قوله وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله
3832 - وقال الأشعري الظرف متعلق ب يعلم أي عالم بما في السموات والأرض
3833 - ومن ذلك قوله سنفرغ لكم أيها الثقلان أي سنقصد لجزائكم
تنبيه
3834 - قال ابن اللبان ليس من المتشابه قوله تعالى إن بطش ربك لشديد لأنه فسره بعده بقوله إنه هو يبديء ويعيد تنبيها على أن بطشه عبارة عن تصرفه في بدئه وإعادته وجميع تصرفاته في مخلوقاته
فصل
3835 - ومن المتشابه أوائل السور والمختار فيها أيضا أنها من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال إن لكل كتاب سرا وإن سر هذا القرآن فواتح السور
3836 - وخاض في معناها آخرون فأخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق أبي الضحى عن ابن عباس في قوله الم قال أنا الله أعلم وفي قوله المص قال أنا الله أفصل وفي قوله الر أنا الله أرى
3837 - وأخرج من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله الم و حم و ن قال اسم مقطع
3838 - وأخرج من طريق عكرمة عن ابن عباس قال الر و حم و ن حروف الرحمن مفرقة
3839 - وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال الر من الرحمن
3840 - وأخرج عنه أيضا قال المص الألف من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد

(2/21)


3841 - وأخرج أيضا عن الضحاك في قوله المص قال أنا الله الصادق وقيل المص معناه المصور وقيل الر معناه أنا الله أعلم وأرفع حكاهما الكرماني في غرائبه
3842 - وأخرج الحاكم وغيره من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في كهيعص قال الكاف من كريم والهاء من هاد والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق
3843 - وأخرج الحاكم أيضا من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس في قوله كهيعص قال كاف هاد أمين عزيز صادق
3844 - وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله كهيعص قال هو هجاء مقطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء والعين من العزيز والصاد من المصور
3845 - وأخرج عن محمد بن كعب مثله إلا أنه قال والصاد من الصمد
3846 - وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه من وجه آخر عن سعيد عن ابن عباس في قوله كهيعص قال كبير هاد أمين عزيز صادق
3847 - وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله كهيعص قال الكاف الكافي والهاء الهادي والعين العالم والصاد الصادق
3848 - وأخرج من طريق يوسف بن عطية قال سئل الكلبي عن كهيعص فحدث عن أبي صالح عن أم هانىء عن رسول الله قال كاف هاد أمين عالم صادق
3849 - وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله كهيعص قال يقول أنا الكبير الهادي علي أمين صادق
3850 - وأخرج عن محمد بن كعب في قوله طه قال الطاء من ذي الطول وأخرج عنه أيضا في قوله طسم قال الطاء في ذي الطول والسين من القدوس والميم من الرحمن

(2/22)


3851 - وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله حم قال حاء اشتقت من الرحمن وميم اشتقت من الرحيم
3852 - وأخرج عن محمد بن كعب في قوله حمعسق قال الحاء والميم من الرحمن والعين من العليم والسين من القدوس والقاف من القاهر
3853 - وأخرج عن مجاهد قال فواتح السور كلها هجاء مقطع
3854 - وأخرج عن سالم بن عبد الله قال الم و حم و ن ونحوها اسم الله مقطعة
3855 - وأخرج عن السدي قال فواتح السور أسماء من أسماء الرب جل جلاله فرقت في القرآن
3856 - وحكى الكرماني في قوله ق إنه حرف من اسمه قادر وقاهر
3857 - وحكى غيره في قوله ن إنه مفتاح اسمه تعالى نور وناصر
3858 - وهذه الأقوال كلها راجعة إلى قول واحد وهو إنها حروف مقطعة كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى والاكتفاء ببعض الكلمة معهود في العربية قال الشاعر
قلت لها قفي فقالت قاف ...
أي وقفت
3859 - وقال
بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
أراد وإن شرا فشر وإلا أن تشاء
3860 - وقال
ناداهم ألا الجموا ألا تا ... قالوا جميعا كلهم ألافا
أراد ألا تركبون ألا فاركبوا
3861 - وهذا القول اختاره الزجاج وقال العرب تنطق بالحرف الواحد تدل

(2/23)


عليه به على الكلمة التي هو منها
وقيل إنها الاسم الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها
كذا نقله ابن عطية
3862 - وأخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن مسعود قال هو اسم الله الأعظم
3863 - وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي أنه بلغه عن ابن عباس قال الم
اسم من أسماء الله الأعظم
3864 - وأخرج ابن جرير وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال الم و طسم و ص وأشباهها قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله وهذا يصلح أن يكون قولا ثالثا أي أنها برمتها أسماء الله ويصلح أن يكون من القول الأول ومن الثاني
وعلى الأول مشى ابن عطية وغيره
3865 - ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه في تفسيره من طريق نافع بن أبي نعيم القارئ عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب أنها سمعت علي بن أبي طالب يقول يا كهيعص اغفر لي
3866 - وما أخرجه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله كهيعص قال يا من يجير ولا يجار عليه
3867 - وأخرج عن أشهب قال سألت مالك بن أنس أينبغي لأحد أن يتسمى ب يس فقال ما أراه ينبغي لقول الله يس والقرآن الحكيم يقول هذا اسم تسميت به
3868 - وقيل هي أسماء للقرآن كالفرقان والذكر أخرجه عبد الرزاق عن قتادة
3869 - وأخرجه ابن أبي حاتم بلفظ كل هجاء في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن
3870 - وقيل هي أسماء للسور نقله الماوردي وغيره عن زيد بن أسلم ونسبه صاحب الكشاف إلى الأكثر
3871 - وقيل هي فواتح للسور كما يقولون في أول القصائد بل و لا بل
3872 - أخرج ابن جرير من طريق الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الم و حم و المص و ص ونحوها فواتح افتتح الله بها القرآن

(2/24)


3873 - وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن جريج قال قال مجاهد الم و المر فواتح افتتح الله بها القرآن
قلت ألم يكن يقول هي أسماء قال لا
3874 - وقيل هذا حساب أبي جاد لتدل على مدة هذه الأمة
3875 - وأخرج ابن إسحاق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رياب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله وهو يتلو فاتحة سورة البقرة الم ذلك الكتاب لا ريب فيه فأتى أخاه حيي ابن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه الم ذلك الكتاب قال أنت سمعته قال نعم فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله فقالوا ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك الم ذلك الكتاب فقال بلى فقالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفندخل في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ثم قال يا محمد هل مع هذا غيره قال نعم المص قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد ستون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة هل مع هذا غيره قال نعم الر قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة
هل مع هذه غيره قال نعم المر قال هذه أثقل وأطول هذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ثم قال قوموا عنه
ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين
فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات أخرجه ابن جرير من هذا الطريق وابن المنذر ومن وجه آخر عن ابن جرير معضلا

(2/25)


3876 - وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله الم قال هذه الأحرف الثلاثة من الأحرف التسعة والعشرين دارت بها الألسن ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه تعالى وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم فالألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله فالألف سنة واللام ثلاثون والميم أربعون
3877 - قال الخويي وقد استخرج بعض الأئمة من قوله تعالى الم غلبت الروم أن البيت المقدس تفتحه المسلمون في سنة ثلاثة وثمانين وخمسمائة ووقع كما قاله
3878 - وقال السهيلي لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر للإشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة
3879 - قال ابن حجر وهذا باطل لا يعتمد عليه فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه الزجر عن عد أبي جاد والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر وليس ذلك ببعيد فإنه لا أصل له في الشريعة
3880 - وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي في فوائد رحلته ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور
3881 - وقد تحصل لي فيها عشرون قولا وأزيد ولا أعرف أحدا يحكم عليها بعلم ولا يصل منها إلى فهم
والذي أقوله إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولا متداولا بينهم لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي بل تلى عليهم حم فصلت و ص وغيرهما فلم ينكروا ذلك بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوفهم إلى عثرة وغيرها وحرصهم على زلة فدل على أنه كان أمرا معروفا بينهم لا إنكار فيه
انتهى
3882 - وقيل وهي تنبيهات كما في النداء عده ابن عطية مغايرا للقول بأنها فواتح والظاهر أنه بمعناه
3883 - قال أبو عبيدة الم افتتاح كلام

(2/26)


3884 - وقال الخويي القول بأنها تنبيهات جيد لأن القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة فينبغي أن يرد على سمع متنبه فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كون النبي في عالم البشر مشغولا فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله الم و الر و حم ليسمع النبي صوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه
قال وإنما لم تستعمل الكلمات المشهورة في التنبيه كألا وأما لأنها من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم والقرآن كلام لا يشبه الكلام فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد لتكون أبلغ في قرع سمعه
انتهى
3885 - وقيل إن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم منه سببا لاستماعهم واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب وتلين الأفئدة
وعد هذا جماعة قولا مستقلا والظاهر خلافه وإنما يصلح هذا مناسبة لبعض الأقوال لا قولا في معناه إذ ليس فيه بيان معنى
3886 - وقيل إن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف التي هي أ ب ت ث . . فجاء بعضها مقطعا وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعرفونها فيكون ذلك تعريفا لهم ودلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله بعد أن علموا أنه منزل بالحروف التي يعرفونها ويبنون كلامهم منها
وقيل المقصود بها الإعلام بالحروف التي يتركب منها الكلام فذكر منها أربعة عشر حرفا وهي نصف جميع الحروف وذكر من كل جنس نصفه
فمن حرف الحلق الحاء والعين والهاء
ومن التي فوقها القاف والكاف
ومن الحرفين الشفهيين الميم
ومن المهموسة السين والحاء والكاف والصاد والهاء
ومن الشديدة الهمزة والطاء والقاف والكاف
ومن المطبقة الطاء والصاد
ومن المجهورة الهمزة والميم واللام والعين والراء والطاء والقاف والياء والنون ومن المنفتحة الهمزة والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون ومن المستعلية القاف والصاد والطاء
ومن المنخفضة الهمزة واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون
ومن القلقلة القاف والطاء

(2/27)


ثم إنه تعالى ذكر حروفا مفردة وحرفين حرفين وثلاثة ثلاثة وأربعة وخمسة لأن تراكيب الكلام على هذا النمط ولا زيادة على الخمسة
3887 - وقيل هي أمارة جعلها الله لأهل الكتاب إنه سينزل على محمد كتابا في أول سور منه حروف مقطعة
3888 - هذا ما وقفت عليه من الأقوال في أوائل السور من حيث الجملة وفي بعضها أقوال أخر فقيل إن طه ويس بمعنى يا رجل أو يا محمد أو يا إنسان وقد تقدم في المعرب
3889 - وقيل هما اسمان من أسماء النبي
3890 - قال الكرماني في غرائبه ويقويه في يس قراءة يسن بفتح النون وقوله آل ياسين
وقيل طه أي طأ الأرض أو اطمئن فيكون فعل أمر والهاء مفعول أو للسكت أو مبدلة من الهمزة
3891 - أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله طه هو كقولك افعل
وقيل طه أي يا بدر لأن الطاء بتسعة والهاء بخمسة فذلك أربعة عشر إشارة إلى البدر لأنه يتم فيها
ذكره الكرماني في غرائبه
3892 - وقيل في قوله يس أي يا سيد المرسلين وفي قوله ص معناه صدق الله
3893 - وقيل أقسم بالصمد الصانع الصادق وقيل معناه صاد يا محمد عملك بالقرآن أي عارضه به فهو أمر من المصاداة
3894 - وأخرج عن الحسين قال صاد حادث القرآن يعني انظر فيه
3895 - وأخرج عن سفيان بن حسين قال كان الحسن يقرؤها صاد والقرآن يقول عارض القرآن
3896 - وقيل ص اسم بحر عليه عرش الرحمن وقيل اسم بحر يحيي به الموتى
3897 - وقيل معناه صاد محمد قلوب العباد حكاها الكرماني كلها
3898 - وحكى في قوله المص أي معناه ألم نشرح لك صدرك وفي

(2/28)


حم أنه وقيل معناه حم ما هو كائن وفي حمعسق أنه جبل قاف وقيل ق جبل محيط بالأرض
أخرجه عبد الرزاق عن مجاهد
3899 - وقيل أقسم بقوة قلب محمد وقيل هي الكاف من قوله قضي الأمر دلت على بقية الكلمة
3900 - وقيل معناها قف يا محمد على أداء الرسالة والعمل بما أمرت حكاهما الكرماني
3901 - وقيل ن هو الحوت
أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعا أول ما خلق الله القلم والحوت
قال اكتب قال ما أكتب قال كل شيء كائن إلى يوم القيامة ثم قرأ ن والقلم فالنون الحوت والقاف القلم
3902 - وقيل هو اللوح المحفوظ أخرجه ابن جرير من مرسل ابن قرة مرفوعا
3903 - وقيل هو الدواة أخرجه عن الحسن وقتادة
3904 - وقيل هو المداد حكاه ابن قرصة في غريبه
3905 - وقيل هو القلم حكاه الكرماني عن الجاحظ
3906 - وقيل هو اسم من أسماء النبي حكاه ابن عساكر في مبهماته
3907 - وفي المحتسب لابن جني أن ابن عباس قرأ حمسق بلا عين ويقول السين كل فرقة تكون والقاف كل جماعة تكون
3908 - قال ابن جنى وفي هذه القراءة دليل على أن الفواتح فواصل بين السور ولو كانت أسماء الله لم يجز تحريف شيء منها لأنها لا تكون حينئذ أعلاما والأعلام تؤدى بأعيانها ولا يحرف شيء منها
3909 - وقال الكرماني في غرائبه في قوله تعالى الم أحسب الناس الاستفهام هنا يدل على انقطاع الحروف عما بعدها في هذه السورة وغيرها
خاتمة
3910 - أورد بعضهم سؤالا وهو أنه هل للمحكم مزية على المتشابه أو لا فإن قلتم بالثاني فهو خلاف الإجماع أو بالأول فقد نقضتم أصلكم في أن جميع كلام

(2/29)


الله سبحانه وتعالى سواء وأنه منزل بالحكمة
3911 - وأجلب أبو عبد الله البكراباذي بأن المحكم كالمتشابه من وجه ويخالفه من وجه فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع وأنه لا يختار القبيح ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه فمن سمعه أمكنه أن يستدل به في الحال والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر ليحمله على الوجه المطابق ولأن المحكم أصل والعلم بالأصل أسبق ولأن المحكم يعلم مفصلا والمتشابه لا يعلم إلا مجملا
3912 - وقال بعضهم إن قيل ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده به البيان والهدى قلت إن كان مما يمكن علمه فله فوائد
منها الحث للعلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب
ومنها ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات إذ لو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره
3913 - وإن كان مما لا يمكن علمه فله فوائد
منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقف فيه والتفويض والتسليم والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ وإن لم يجز العمل بما فيه وإقامة الحجة عليهم لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وأفهامهم دل على أنه نزل من عند الله وأنه الذي أعجزهم عن الوقوف على معناه
3914 - وقال الإمام فخر الدين من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات وقال إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه فالجبري متمسك بآيات الجبر كقوله تعالى وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا والقدري يقول هذا مذهب الكفار بدليل أنه تعالى حكى ذلك عنهم في معرض الذم في قوله وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر

(2/30)


وفي موضع آخر وقالوا قلوبنا غلف
ومنكر الرؤية متمسك بقوله تعالى لا تدركه الأبصار
ومثبت الجهة متمسك بقوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم الرحمن على العرش استوى والنافي متمسك بقوله تعالى ليس كمثله شيء
ثم يسمى كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات المخالفة له متشابهة وإنما آل في ترجيح بعضها على البعض إلى ترجيحات خفية ووجوه ضعيفة فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا
قال والجواب أن العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد
منها أنه يوجب المشقة في الوصول إلى المراد وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب
ومنها أنه لو كان القرآن كله محكما لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان بصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به فإذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه طمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه وينصر مقالته فينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات وبهذا الطرق يتخلص المبطل من باطله ويتصل إلى الحق
ومنها أن القرآن إذا كان مشتملا على المتشابه افتقر إلى العلم بطريق التأويلات وترجيح بعضها على بعض وافتقر في تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو والمعاني والبيان وأصول الفقه ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة فكان في إيراد المتشابه هذه الفوائد الكثيرة
ومنها أن القرآن مشتمل على دعوة الخواص والعوام وطبائع العوام تنفر في

(2/31)


أكثر الأمر عن درك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما توهموه وتخيلوه ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من المتشابهات والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر من المحكمات

(2/32)


النوع الرابع والأربعون
في مقدمه ومؤخره
وهو قسمان
3915 - الأول ما أشكل معناه بحسب الظاهر فلما عرف أنه من باب التقديم والتأخير اتضح
وهو جدير أن يفرد بالتصنيف وقد تعرض السلف لذلك في آيات
3916 - فأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا قال هذا من تقاديم الكلام يقول لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة
3917 - وأخرج عنه أيضا في قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى قال هذا من مقاديم الكلام يقول لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما
3918 - وأخرج عن مجاهد في قوله تعالى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما قال هذا من التقديم والتأخير أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا
3919 - وأخرج عن قتادة في قوله تعالى إني متوفيك ورافعك إلي قال هذا من المقدم والمؤخر أي رافعك إلي ومتوفيك
3920 - وأخرج عن عكرمة في قوله تعالى لهم عذاب شديد بما نسوا يوم

(2/33)


الحساب قال هذا من التقديم والتأخير يقول لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا
3921 - وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا قال هذه الآية مقدمة ومؤخرة إنما هي أذاعوا به إلا قليلا منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير
3922 - وأخرج عن ابن عباس في قوله تعالى فقالوا أرنا الله جهرة قال إنهم إذا رأوا الله فقد رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله قال هو مقدم ومؤخر
قال ابن جرير يعني أن سؤالهم كان جهرة
3923 - ومن ذلك قوله وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها قال البغوي هذه أول القصة وإن كان مؤخرا في التلاوة
3924 - وقال الواحدي كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة وإنما أخر في الكلام لأنه تعالى لما قال إن الله يأمركم . . الآية علم المخاطبون أن البقرة لا تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم فلما استقر علم هذا في نفوسهم أتبع بقوله وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فسألتم موسى فقال إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة
3925 - ومنه أرأيت من اتخذ إلهه هواه والأصل هواه إلهه لأن من اتخذ إلهه هواه غير مذموم فقدم المفعول الثاني للعناية به
3926 - وقوله والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى على تفسير أحوى بالأخضر
وجعله نعتا للمرعى أي أخرجه أحوى وأخر رعاية للفاصلة
3927 - وقوله وغرابيب سود والأصل سود غرابيب لأن الغربيب الشديد السواد
3928 - وقوله فضحكت فبشرناها . . أي فبشرناها فضحكت

(2/34)


3929 - وقوله ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه أي لهم بها وعلى هذا فالهم منفي عنه
3930 - الثاني ما ليس كذلك وقد ألف فيه العلامة شمس الدين بن الصائغ كتابه المقدمة في سر الألفاظ المقدمة قال فيه الحكمة الشائعة الذائعة في ذلك الاهتمام كما قال سيبويه في كتابه كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم وهم ببيانه أعنى
3931 - قال هذه الحكمة إجمالية وأما تفاصيل أسباب التقديم وأسراره فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع
الأول التبرك كتقديم اسم الله تعالى في الأمور ذات الشأن ومنه قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا لعلم وقوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول . . . الآية
3932 - الثاني التعظيم كقوله ومن يطع الله والرسول إن الله وملائكته يصلون والله ورسوله أحق أن يرضوه
3933 - الثالث التشريف كتقديم الذكر على الأنثى نحو إن المسلمين والمسلمات . . . الآية والحر في قوله الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى والحي في قوله يخرج الحي من الميت الآية وما يستوى الأحياء ولا الأموات والخيل في قوله والخيل والبغال والحمير لتركبوها والسمع في قوله وعلى سمعهم وعلى أبصارهم وقوله إن السمع والبصر والفؤاد وقوله إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم حكى ابن عطية عن النقاش أنه استدل بها على تفضيل السمع والبصر ولذا وقع في وصفه تعالى سميع بصير بتقديم السميع
3934 - ومن ذلك تقديمه على نوح ومن معه في قوله وإذ أخذنا من

(2/35)


النبين ميثاقهم ومنك ومن نوح الآية وتقديم الرسول في قوله من رسول ولا نبي وتقديم المهاجرين في قوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وتقديم الإنس على الجن حيث ذكرا في القرآن وتقديم النبيين ثم الصديقين ثم الشهداء ثم الصالحين في آية النساء وتقديم إسماعيل على إسحاق لأنه أشرف بكون النبي من ولده وأسن وتقديم موسى على هارون لاصطفائه بالكلام وقدم هارون عليه في سورة طه رعاية للفاصلة
وتقديم جبريل على ميكائيل في آية البقرة لأنه أفضل وتقديم العاقل على غيره في قوله متاعا لكم ولأنعامكم يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات
3935 - وأما تقديم الأنعام في قوله تأكل منه أنعامهم وأنفسهم فلأنه تقدم ذكر الزرع فناسب تقديم الأنعام بخلاف آية عبس فإنه تقدم فيها فلينظر الإنسان إلى طعامه فناسب تقديم لكم
وتقديم المؤمنين على الكفار في كل موضع وأصحاب اليمين على أصحاب الشمال والسماء على الأرض والشمس على القمر حيث وقع إلا في قوله خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا فقيل لمراعاة الفاصلة وقيل لأن انتفاع أهل السموات العائد عليهن الضمير به أكثر
3936 - وقال ابن الأنباري يقال إن القمر وجهه يضيء لأهل السموات وظهره لأهل الأرض ولهذا قال تعالى فيهن لما كان أكثر نوره يضيء إلى أهل السماء
3937 - ومنه تقديم الغيب على الشهادة في قوله عالم الغيب والشهادة لأن علمه أشرف وأما فإنه يعلم السر وأخفى فأخر فيه رعاية للفاصلة
3938 - الرابع المناسبة وهي إما مناسبة المتقدم لسياق الكلام كقوله ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون فإن الجمال بالجمال وإن كان ثابتا حالتي السراح والإراحة إلا أنها حالة إراحتها وهو مجيئها من المرعى آخر النهار يكون الجمال بها أفخر إذ هي فيه بطان وحالة سراحها للمرعى أول النهار

(2/36)


يكون الجمال بها دون الأول إذ هي فيه خماص
ونظيره قوله والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا قدم نفي الإسراف لأن الشرف في الإنفاق
3939 - وقوله يريكم البرق خوفا وطمعا لأن الصواعق تقع مع أول برقة ولا يحصل المطر إلا بعد توالي البرقات
3940 - وقوله وجعلناها وابنها آية للعالمين قدمها على الابن لما كان السياق في ذكرها في قوله والتي أحصنت فرجها ولذلك قدم الابن في قوله وجعلنا ابن مريم وأمه آية وحسنه تقدم موسى في الآية قبله
3941 - ومنه قوله وكلا آتينا حكما وعلما قدم الحكم وإن كان العلم سابقا عليه لأن السياق فيه لقوله في أول الآية إذ يحكمان في الحرث
3942 - وإما مناسبة لفظ هو من التقدم أو التأخر كقوله الأول والآخر ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر بما قدم وأخر ثلة من الأولين وثلة من الآخرين لله الأمر من قبل ومن بعد له الحمد في الأولى والآخرة وأما قوله فلله الآخرة والأولى فلمراعاة الفاصلة وكذا قوله جمعناكم والأولين
3943 - الخامس الحث عليه والحض على القيام به حذرا من التهاون به كتقديم الوصية على الدين في قوله من بعد وصية يوصي بها أو دين مع أن الدين مقدم عليها شرعا
3944 - السادس السبق وهو إما في الزمان باعتبار الإيجاد بتقديم الليل على النهار والظلمات على النور وآدم على نوح ونوح على إبراهيم وإبراهيم على موسى وهو على عيسى وداود على سليمان والملائكة على البشر في قوله الله

(2/37)


يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس وعاد على ثمود والأزواج على الذرية في قوله قل لأزواجك وبناتك
3945 - والسنة على النوم في قوله لا تأخذه سنة ولا نوم
3946 - أو باعتبار الإنزال كقوله صحف إبراهيم وموسى وأنزل التواراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان
3947 - أو باعتبار الوجوب والتكليف نحو اركعوا واسجدوا فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الآية إن الصفا والمروة من شعائر الله ولهذا قال نبدأ بما بدأ الله به
3948 - أو بالذات نحو مثنى وثلاث ورباع ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم وكذا جميع الأعداد كل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات
وأما قوله أن تقوموا لله مثنى وفرادى فللحث على الجماعة والاجتماع على الخير
3949 - السابع السببية كتقديم العزيز على الحكيم لأنه عز فحكم والعليم عليه لأن الإحكام والإتقان ناشئ عن العلم
وأما تقديم الحكيم عليه في سورة الأنعام فلأنه مقام تشريع الأحكام
3950 - ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة لأنها سبب حصول الإعانة وكذا قوله يحب التوابين ويحب المتطهرين لأن التوبة سبب الطهارة لكل أفاك أثيم لأن الإفك سبب الإثم يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم لأن البصر داعية إلى الفرج
3951 - الثامن الكثرة كقوله فمنكم كافر ومنكم مؤمن لأن الكفار أكثر فمنهم ظالم لنفسه الآية قدم الظالم لكثرته ثم المقتصد ثم

(2/38)


السابق ولهذا قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر والزانية على الزاني لأن الزنى فيهن أكثر
3952 - ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن غالبا ولهذا ورد إن رحمتي غلبت غضبي
3953 - وقوله إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم قال ابن الحاجب في أماليه إنما قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار أن فيهم أعداء ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد وكان أقعد في المعنى المراد فقدم ولذلك قدمت الأموال في قوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة إن الإنسان ليطغى أن راه استغنى وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها فكان تقديمها أولى
3954 - التاسع الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقوله ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها الآية بدأ بالأدنى لغرض الترقي لأن اليد أشرف من الرجل والعين أشرف من اليد والسمع أشرف من البصر
3955 - ومن هذا النوع تأخير الأبلغ وقد خرج عليه تقديم الرحمن على الرحيم والرءوف على الرحيم والرسول على النبي في قوله وكان رسولا نبيا وذكر لذلك نكت أشهرها مراعاة الفاصلة
3956 - العاشر التدلي من الأعلى إلى الأدنى وخرج عليه لا تأخذه سنة ولا نوم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون
3957 - هذا ما ذكره ابن الصائغ وذكر غيره أسبابا أخر منها كونه أدل

(2/39)


على القدرة وأعجب كقوله فمنهم من يمشي على بطنه الآية وقوله وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير قال الزمخشري قدم الجبال على الطير لأن تسخيرها له وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق
ومنها رعاية الفواصل وسيأتي لذلك أمثلة كثيرة
ومنها أفادة الحصر للاختصاص وسيأتي في النوع الخامس والخمسين
تنبيه
3958 - قد يقدم لفظ في موضع ويؤخر في آخر ونكتة ذلك إما لكون السياق في كل موضع يقتضي ما وقع فيه كما تقدمت الإشارة إليه وإما لقصد البداءة والختم به للاعتناء بشأنه كما في قوله يوم تبيض وجوه الآيات وإما لقصد التفنن في الفصاحة وإخراج الكلام على عدة أساليب كما في قوله وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وقوله وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا
وقوله إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور
وقال في الأنعام قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس

(2/40)


النوع الخامس والأربعون
في عامه وخاصه
3959 - العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر وصيغته كل مبتدأة نحو كل من عليها فان أو تابعة نحو فسجد الملائكة كلهم أجمعون
3960 - والذي والتي وتثنيتهما وجمعهما نحو والذي قال لوالديه أف لكما فإن المراد به كل من صدر منه هذا القول بدليل قوله بعد أولئك الذين حق عليهم القول والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة للذين اتقوا عند ربهم جنات واللائي يئسن من المحيض . . الآية واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا . . الآية واللذان يأتيانها منكم فآذوهما
3961 - وأي وما ومن شرطا واستفهاما وموصولا نحو أياما تدعو فله الأسماء الحسنى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم من يعمل سوءا يجز به
3962 - والجمع المضاف نحو يوصيكم الله في أولادكم
والمعرف بأل نحو قد أفلح المؤمنون فاقتتلوا المشركين
3963 - واسم الجنس المضاف نحو فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي كل أمر الله

(2/41)


3964 - والمعرف بأل نحو وأحل الله البيع أي كل بيع إن الإنسان لفي خسر أي كل إنسان بدليل إلا الذين آمنوا
3965 - والنكرة في سياق النفي والنهي نحو فلا تقل لهما أف وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ذلك الكتاب لا ريب فيه فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
وفي سياق الشرط نحو وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله
وفي سياق الإمتنان نحو وأنزلنا من السماء ماء طهورا
1 - فصل
3966 - العام على ثلاثة أقسام
الأول الباقي على عمومه قال القاضي جلال الدين البلقيني ومثاله عزيز إذ مامن عام إلا ويتخيل فيه التخصيص فقوله يأيها الناس اتقوا ربكم قد يخص منه غير المتكلف و حرمت عليكم الميتة خص منها حالة الاضطرار وميتة السمك والجراد وحرم الربا خص منه العرايا
3967 - وذكر الزركشي في البرهان أنه كثير في القرآن وأورد منه وأن الله بكل شيء عليم إن الله لا يظلم الناس شيئا ولا يظلم ربك أحدا والله خلقكم من تراب ثم من نطفة الله الذي جعل لكم الأرض قرارا
3968 - قلت هذه الآيات كلها في غير الأحكام الفرعية فالظاهر أن مراد البلقيني أنه عزيز في الأحكام الفرعية وقد استخرجت من القرآن بعد الفكر آية فيها وهي قوله حرمت عليكم أمهاتكم . . الآية فإنه لا خصوص فيها
3969 - الثاني العام المراد به الخصوص
3970 - الثالث العام المخصوص وللناس بينهما فروق

(2/42)


أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة تناول اللفظ ولا من جهة الحكم بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها
والثاني أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها لا من جهة الحكم
3971 - ومنها أن الأول مجاز قطعا لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي بخلاف الثاني فإن فيه مذاهب أصحها أنه حقيقة وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة ونقله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء
3972 - وقال الشيخ أبو حامد إنه مذهب الشافعي وأصحابه وصححه السبكي لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص وذلك التناول حقيقي اتفاقا فليكن هذا التناول حقيقيا أيضا
3973 - ومنها أن قرينة الأول عقلية والثاني لفظيه
3974 - ومنها أن قرينة الأول لا تنفك عنه وقرينة الثاني قد تنفك عنه
3975 - ومنها أن الأول يصح أن يراد به واحدا اتفاقا وفي الثاني خلاف
3976 - ومن أمثلة المراد به الخصوص قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم والقائل واحد نعيم بن مسعود الأشجعي أو أعرابي من خزاعة كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع لقيامه مقام كثير في تثبيط المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان
3977 - قال الفارسي ومما يقوي أن المراد به واحد قوله إنما ذلكم الشيطان فوقعت الإشارة بقوله ذلكم إلى واحد بعينه ولو كان المعنى جمعا لقال إنما أولئكم الشيطان فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ
3978 - ومنها قوله تعالى أم يحسدون الناس أي رسول الله لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة
3979 - ومنها قوله ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أخرج ابن جرير من

(2/43)


طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله من حيث أفاض الناس قال إبراهيم
3980 - ومن الغريب قراءة سعيد بن جبير من حيث أفاض الناسي قال في المحتسب يعني آدم لقوله فنسي ولم نجد له عزما
3981 - ومنها قوله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أي جبريل كما في قراءة ابن مسعود
3982 - وأما المخصوص فأمثلته في القرآن كثيرة جدا وهو أكثر من المنسوخ إذ ما من عام إلا وقد خص
ثم المخصص له إما متصل وإما منفصل
فالمتصل خمسة وقعت في القرآن
أحدها الاستثناء نحو والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا والشعراء يتبعهم الغاوون . . إلى قوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . الآية ومن يفعل ذلك يلق أثاما . . إلى قوله ألا من تاب والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كل شيء هالك إلا وجهه
3983 - الثاني الوصف نحو وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن
3984 - الثالث الشرط نحو والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية
3985 - الرابع الغاية نحو قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . . إلى قوله حتى يعطوا الجزية ولا تقربوهن حتى يطهرن ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض . . الآية

(2/44)


3986 - والخامس بدل البعض من الكل نحو ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا
والمنفصل آية أخرى في محل آخر أو حديث أو إجماع أو قياس
3987 - ومن أمثلة ما خص بالقرآن قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء خص بقوله إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة وبقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن
3988 - وقوله حرمت عليكم الميتة والدم خص من الميتة السمك بقوله أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ومن الدم الجامد بقوله أو دما مسفوحا
3989 - وقوله وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا . . الآية خص بقوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به
3990 - وقوله الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة خص بقوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب
3991 - وقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء خص بقوله حرمت عليكم أمهاتكم . . الآية
3992 - ومن أمثلة ما خص بالحديث قوله تعالى وأحل الله البيع خص منه البيوع الفاسدة وهي كثيرة بالسنة وحرم الربا خص منه العرايا بالسنة
3993 - وآيات المواريث خص منها القاتل والمخالف في الدين بالسنة

(2/45)


3994 - وآية تحريم الميتة خص منها الجراد بالسنة وآية ثلاثة قروء خص منها الأمة بالسنة
3995 - وقوله ماء طهورا خص منه المتغير بالسنة
3996 - وقوله والسارق والسارقة فاقطعوا خص منه من سرق دون ربع دينار بالسنة
3997 - ومن أمثلة ما خص بالإجماع آية المواريث خص منها الرقيق فلا يرث بالإجماع ذكره مكي
3998 - ومن أمثلة ما خص بالقياس آية الزنا فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة خص منها العبد بالقياس على الأمة المنصوصة في قوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب المخصص لعموم الآية ذكره مكي أيضا
2 - فصل
3999 - من خاص القرآن ما كان مخصصا لعموم السنة وهو عزيز ومن أمثلته قوله تعالى حتى يعطوا الجزية خص عموم قوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله
4000 - وقوله حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى خص عموم نهيه عن الصلاة في الأوقات المكروهة بإخراج الفرائض
4001 - وقوله ومن أصوافها وأوبارها . . الآية خص عموم قوله ما أبين من حي فهو ميت
4002 - وقوله والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم خص عموم قوله لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي
4003 - وقوله فقاتلوا التي تبغي خص عموم قوله إذا التقى المسلمان بالسيف فالقاتل والمقتول في النار

(2/46)


فروع منثورة تتعلق بالعموم والخصوص
4004 - الأول إذا سيق العام للمدح أو الذم فهل هو باق على عمومه فيه مذاهب أحدها نعم إذ لا صارف عنه ولا تنافي بين العموم وبين المدح أو الذم
والثاني لا لأنه لم يسق للتعميم بل للمدح أو للذم
والثالث وهو الأصح التفصيل فيعم إن لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك ولا يعم ' ن عارضه ذلك جمعا بينهما
مثاله ولا معارض قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم
ومع المعارض قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنه سيق للمدح وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعا وعارضه في ذلك وأن تجمعوا بين الأختين فإنه شامل لجمعهما بملك اليمين ولم يسق للمدح فحمل الأول على غير ذلك بأن لم يرد تناوله له
4005 - ومثاله في الذم والذين يكنزون الذهب والفضة . . الآية فإنه سيق للذم وظاهره يعم الحلي المباح وعارضه في ذلك حديث جابر ليس في لحلي زكاة فحمل الأول على غير ذلك
4006 - الثاني اختلف في الخطاب الخاص به نحو يأيها النبي يأيها الرسول هل يشمل الأمة فقيل نعم لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا والأصح في الأصول المنع لاختصاص الصيغة به
4007 - الثالث اختلف في الخطاب ب يأيها الناس هل يشمل الرسول على مذاهب أصحها وعليه الأكثرون نعم لعموم الصيغة له
4008 - أخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال إذا قال الله يأيها الذين آمنوا افعلوا فالنبي منهم
4009 - والثاني لا لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره ولما له من الخصائص

(2/47)


4010 - والثالث إن اقترن ب قل لم يشمله لظهوره في التبليغ وذلك قرينة عدم شموله وإلا فيشمله
4011 - الرابع الأصح في الأصول أن الخطاب يأيها الناس يشمل الكافر والعبد لعموم اللفظ
وقيل لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه بالفروع ولا العبد لصرف منافعه إلى سيده شرعا
4012 - الخامس اختلف في من هل تتناول الأنثى فالأصح نعم خلافا للحنفية لنا قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى فالتفسير بهما دال على تناول من لهما وقوله ومن يقنت منكن لله
4013 - واختلف في جمع المذكر السالم هل يتناولها فالأصح لا وإنما يدخلن فيه بقرينة أما المكسر فلا خلاف في دخولهن فيه
4014 - السادس اختلف في الخطاب يا أهل الكتاب هل يشمل المؤمنين فالأصح لا لأن اللفظ قاصر على من ذكر
وقيل إن شركوهم في المعنى شملهم وإلا فلا
واختلف في الخطاب يأيها الذين آمنوا هل يشمل أهل الكتاب فقيل لا بناء على أنهم غير مخاطبين بالفروع
وقيل نعم واختاره ابن السمعاني قال وقوله يأيها الذين آمنوا خطاب تشريف لا تخصيص

(2/48)


النوع السادس والأربعون
في مجمله ومبينه
4015 - المجمل مالم تتضح دلالته وهو واقع في القرآن خلافا لداود الظاهري وفي جواز بقائه مجملا أقوال أصحها لا يبقى المكلف بالعمل به بخلاف غيره
4016 - وللإجمال أسباب
منها الاشتراك نحو والليل إذا عسعس فإنه موضوع لأقبل وأدبر ثلاثة قروء فإن القرء موضوع للحيض والطهر أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح يحتمل الزوج والولي فإن كلا منهما بيده عقدة النكاح
4017 - ومنها الحذف نحو وترغبون أن تنكحوهن يحتمل في و عن
4018 - ومنها اختلاف مرجع الضمير نحو إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يحتمل عود ضمير الفاعل في يرفعه إلى ما عاد عليه ضمير إليه وهو الله
ويحتمل عوده إلى العمل والمعنى أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب
ويحتمل عوده إلى الكلم الطيب أي أن الكلم الطيب وهو التوحيد يرفع العمل الصالح لأنه لا يصح العمل إلا مع الإيمان
4019 - ومنها احتمال العطف والاستئناف نحو إلا الله والراسخون في العلم يقولون

(2/49)


4020 - ومنها غرابة اللفظ نحو فلا تعضلوهن
4021 - ومنها عدم كثرة الاستعمال الآن نحو يلقون السمع أي يسمعون ثاني عطفه أي متكبرا فأصبح يقلب كفيه أي نادما
4022 - ومنها التقديم والتأخير نحو ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى أي ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما يسألونك كأنك حفي عنها أي يسألونك عنها كأنك حفي
4023 - ومنها قلب المنقول نحو وطور سينين أي سيناء على آل ياسين أي على الياس
4024 - ومنها التكرير القاطع لوصل الكلام في الظاهر نحو للذين استضعفوا لمن آمن منهم
فصل
4025 - قد يقع التبيين متصلا نحو من الفجر بعد قوله الخيط الأبيض من الخيط الأسود
4026 - ومنفصلا في آية أخرى نحو فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره بعد قوله الطلاق مرتان فإنها بينت أن المراد به الطلاق الذي يملك الرجعة بعده ولولاها لكان الكل منحصرا في الطلقتين
4027 - وقد أخرج أحمد وأبو داود في ناسخه وسعيد بن منصور وغيرهم عن أبي رزين الأسدي قال قال رجل يا رسول الله أرأيت قول الله الطلاق مرتان فأين الثالثة قال التسريح بإحسان
4028 - وأخرج ابن مردويه عن أنس قال قال رجل يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين فأين الثالثة قال إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان

(2/50)


4029 - وقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة دال على جواز الرؤية ومفسر أن المراد بقوله لا تدركه الأبصار لا تحيط به دون لا تراه
4030 - وقد أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله لا تدركه الأبصار لا تحيط به
4031 - وأخرج عن عكرمة أنه قيل له عند ذكر الرؤية أليس قد قال لا تدركه الأبصار فقال ألست ترى السماء أفكلها ترى
4032 - وقوله أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم . . الآية فسره قوله حرمت عليكم الميتة
4033 - وقوله مالك يوم الدين فسره قوله وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك . . الآية
4034 - وقوله فتلقى آدم من ربه كلمات فسره قوله قالا ربنا ظلمنا أنفسنا . . الآية
4035 - وقوله وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا فسره قوله في آية النحل بالأنثى
4036 - وقوله وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم قال العلماء بيان هذا العهد قوله لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي . . إلى آخره فهذا عهده وعهدهم لأكفرن عنكم سيئاتكم . . إلى آخره
4037 - وقوله صراط الذين أنعمت عليهم بينه قوله أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين . . الآية
4038 - وقد يقع التبيين بالسنة مثل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ولله على

(2/51)


الناس حج البيت وقد بينت السنة أفعال الصلاة والحج ومقادير نصب الزكوات في أنواعها
1 - تنبيه
4039 - اختلف في آيات هل هي من قبيل المجمل أو لا
4040 - منها آية السرقة قيل إنها مجملة في اليد لأنها تطلق على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب وفي القطع لأنه يطلق على الإبانة وعلى الجرح ولا ظهور لواحد من ذلك وإبانة الشارع من الكوع تبين أن المراد ذلك
وقيل لا إجمال فيها لأن القطع ظاهر في الإبانة
4041 - ومنها وامسحوا برؤوسكم قيل إنها مجملة لترددها بين مسح الكل والبعض ومسح الشارع الناصية مبين لذلك
وقيل لا وإنما هي لمطلق المسح الصادق بأقل ما يطلق عليه الاسم ويفيده
4042 - ومنها حرمت عليكم أمهاتكم قيل مجملة لأن إسناد التحريم إلى العين لا يصح لأن إنما يتعلق بالفعل فلا بد من تقديره وهو محتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها ولا مرجح لبعضها
وقيل لا لوجود المرجح وهو العرف فإنه يقضي بأن المراد تحريم الاستمتاع بوطء أو نحوه ويجري ذلك في كل ما علق فيه التحريم والتحليل بالأعيان
4043 - ومنها وأحل الله البيع وحرم الربا قيل إنها مجملة لأن الربا الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة فافتقر إلى بيان ما يحل وما يحرم
وقيل لا لأن البيع منقول شرعا فحمل على عمومه مالم يقم دليل التخصيص
4044 - وقال الماوردي للشافعي في هذه الآية أربعة أقوال
أحدها أنها عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابه لأنه نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز فدل على أن الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها فبين المخصوص
قال فعلى هذا في العموم قولان

(2/52)


أحدهما أنه عموم أريد به العموم وإن دخله التخصيص
والثاني أنه عموم أريد به الخصوص قال والفرق بينهما أن البيان في الثاني متقدم على اللفظ وفي الأول متأخر عنه مقترن به
قال وعلى القولين يجوز الاستدلال بالآية في المسائل المختلف فيها ما لم يقع دليل تخصيص
والقول الثاني أنها مجملة لا يعقل منها صحه بيع من فساده إلا ببيان النبي قال ثم هل هي مجملة بنفسها أم بعارض ما نهي عنه من البيوع وجهان
وهل الإجمال في المعنى المراد دون لفظها لأن لفظ البيع اسم لغوي معناه معقول لكن لما قام بإزائه من السنة ما يعارضه تدافع العمومان ولم يتعين المراد إلا ببيان السنة فصار محلا لذلك دون اللفظ أو في اللفظ أيضا لأنه لما لم يكن المراد منه ما وقع عليه الاسم وكانت له شرائط غير معقولة في اللغة كان مشكلا أيضا وجهان
قال وعلى الوجهين لا يجوز الاستدال بها على صحة بيع ولا فساده وإن دلت على صحة البيع من أصله
قال وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل
والقول الثالث أنها عامة مجملة معا قال واختلف في وجه ذلك على أوجه
أحدها أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى فيكون اللفظ عاما مخصوصا والمعنى مجملا لحقه التفسير
والثاني أن العموم في وأحل الله البيع والإجمال في وحرم الربا
والثالث أنه كان مجملا فلما بينه صار عاما فيكون داخلا في المجمل قبل البيان وفي العموم بعد البيان فعلى هذا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها
والقول الرابع أنها تناولت بيعا معهودا ونزلت بعد أن أحل النبي بيوعا وحرم بيوعا فاللام للعهد فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها
انتهى
4045 - ومنها الآيات التي فيها الأسماء الشرعية نحو وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولله على الناس حج البيت قيل

(2/53)


إنها مجملة لاحتمال الصلاة لكل دعاء والصوم لكل إمساك والحج لكل قصد والمراد بها لا تدل عليه اللغة فافتقر إلى البيان
وقيل لا بل يحمل على كل ما ذكر إلا ما خص بدليل
2 - تنبيه
4046 - قال ابن الحصار من الناس من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد
قال والصواب أن المجمل اللفظ المبهم الذي لا يفهم المراد منه والمحتمل اللفظ الواقع بالوضع الأول على معنيين مفهومين فصاعدا سواء كان حقيقة في كلها أو بعضها
قال والفرق بينهما أن المحتمل يدل على أمور معروفة واللفظ مشترك متردد بينهما والمبهم لا يدل على أمر معروف مع القطع بأن الشارع لم يفوض لأحد بيان المجمل بخلاف المحتمل

(2/54)


النوع السابع والأربعون
في ناسخه ومنسوخه
4047 - أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وأبو داود السجستاني وأبو جعفر النحاس وابن الأنباري ومكي وابن العربي
وآخرون
4048 - قال الأئمة لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ
4049 - وقد قال علي لقاض أتعرف الناسخ من المنسوخ قال لا قال هلكت وأهلكت
4050 - وفي هذا النوع مسائل
الأولى يرد النسخ بمعنى الإزالة ومنه قوله فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته
4051 - وبمعنى التبديل ومنه وإذا بدلنا آية مكان آية
4052 - وبمعنى التحويل كتناسخ المواريث بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد
4053 - وبمعنى النقل من موضع إلى موضع ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكيا للفظه وخطه
4054 - قال مكي وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن وأنكر على النحاس إجازته ذلك محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ وأنه إنما يأتي بلفظ آخر

(2/55)


4055 - وقال السعيدي يشهد لما قاله النحاس قوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون وقال وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم
4056 - ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما جميعه في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ كما قال تعالى في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون
4057 - الثانية النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير وقد أجمع المسلمون على جوازه وأنكره اليهود ظنا منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له وهو باطل لأنه بيان مدة الحكم كالإحياء بعد الإماتة وعكسه والمرض بعد الصحة وعكسه والفقر بعد الغنى وعكسه وذلك لا يكون بداء فكذا الأمر والنهي
4058 - واختلف العلماء فقيل لا ينسخ القرآن إلا بقرآن لقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها قالوا ولا يكون مثل القرآن وخيرا منه إلا قرآن
4059 - وقيل بل ينسخ القرآن بالسنة لأنها أيضا من عند الله قال تعالى وما ينطق عن الهوى وجعل منه آية الوصية الآتية
4060 - والثالث إذا كانت السنة بأمر الله من طريق الوحي نسخت وإن كانت باجتهاد فلا
حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره
4061 - وقال الشافعي حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له ليتبين توافق القرآن والسنة وقد بسطت فروع هذه المسألة في شرح منظومة جمع الجوامع في الأصول
4062 - الثالثة لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد
وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيرا من آيات الإخبار والوعد والوعيد
4063 - الرابعة النسخ أقسام

(2/56)


أحدها نسخ المأمور به قبل امتثاله وهو النسخ على الحقيقة كآية النجوى
الثاني ما نسخ مما كان شرعا لمن قبلنا كآية شرع القصاص والديه أو كان أمر به أمرا جمليا كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة وصوم عاشوراء برمضان وإنما يسمى هذا نسخا تجوزا
الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال وهذا في الحقيقة ليس نسخا بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى أو ننسأها فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ أنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله
4064 - وقال مكي ذكر جماعة أن ما ورد في الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره محكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل والمؤجل بأجل لا نسخ فيه
4065 - الخامسة قال بعضهم سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ وهو ثلاثة وأربعون سورة الفاتحة ويوسف ويس والحجرات والرحمن والحديد والصف والجمعة والتحريم والملك والحاقة ونوح والجن والمرسلات وعم والنازعات والانفطار وثلاث بعدها والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن إلا التين والعصر والكافرين
وقسم فيه الناسخ والمنسوخ وهي خمسة وعشرون البقرة وثلاث بعدها والحج والنور وتالياها والأحزاب وسبأ والمؤمن والشورى والذاريات والطور والواقعة والمجادلة والمزمل والمدثر وكورت والعصر
وقسم فيه الناسخ فقط وهو ست الفتح والحشر والمنافقون والتغابن والطلاق والأعلى

(2/57)


وقسم فيه المنسوخ فقط وهو الأربعون الباقية
كذا قال وفيه نظر يعرف مما سيأتي
4066 - السادسة قال مكي الناسخ أقسام
فرض نسخ فرضا ولا يجوز العمل بالأول كنسخ الحبس للزواني بالحد
وفرض نسخ فرضا ويجوز العمل بالأول كآية المصابرة
وفرض نسخ ندبا كالقتال كان ندبا ثم صار فرضا
وندب نسخ فرضا كقيام الليل نسخ بالقراءة في قوله فاقرءوا ما تيسر من القرآن
4067 - السابعة النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب
أحدها ما نسخ تلاوته وحكمه معا قالت عائشة كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله وهن مما يقرأ من القرآن رواه الشيخان
وقد تكلموا في قولها وهن مما يقرأ فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك
وأجيب بأن المراد قارب الوفاة أو أن التلاوة نسخت أيضا ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله فتوفي وبعض الناس يقرؤها
وقال أبو موسى الأشعري نزلت ثم رفعت
وقال مكي هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو والناسخ أيضا غير متلو ولا أعلم له نظيرا
انتهى
4068 - الضرب الثاني ما نسخ حكمه دون تلاوته وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة وهو على الحقيقة قليل جدا وإن أكثر الناس من تعداد الآيات فيه فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر بن العربي بين ذلك وأتقنه
4069 - والذي أقوله أن الذي أورده المكثرون أقسام قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه وذلك مثل قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون و أنفقوا مما رزقناكم ونحو ذلك
قالوا

(2/58)


إنه منسوخ بآية الزكاة وليس كذلك بل هو باق أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة وبالإنفاق على الأهل وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة والآية الثانية يصلح حملها على الزكاة وقد فسرت بذلك
4070 - وكذا قوله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمين قيل إنها مما نسخ بآية السيف وليس كذلك لأنه تعالى أحكم الحاكمين أبدا لا يقبل هذا الكلام النسخ وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة
4071 - وقوله في البقرة وقولوا للناس حسنا عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف
وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهو خبر لا نسخ فيه وقس على ذلك
4072 - وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد كقوله إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا والشعراء يتبعهم الغاوون إلا الذين آمنوا . . فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء أو غاية
وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ
4073 - ومنه قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قيل أنه نسخ بقوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وإنما هو مخصوص به
4074 - وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام ولم ينزل في القرآن كإبطال نكاح نساء الآباء ومشروعية القصاص والدية وحصر الطلاق في الثلاث وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب ولكن عدم إدخاله أقرب وهو الذي رجحه مكي وغيره ووجهوه بأن ذلك لو عد في الناسخ لعد جميع القرآن منه إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب
قالوا وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية
انتهى

(2/59)


نعم النوع الأخير منه وهو رافع ما كان في أول الإسلام إدخاله أوجه من القسمين قبله
4075 - إذا عملت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير مع آيات الصفح والعفو إن قلنا إن آية السيف لم تنسخها وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير وقد أفردته بأدلته في تأليف لطيف وها أنا أورده هنا محررا
فمن البقرة
4076 - قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت . . الآية منسوخة قيل بأية المواريث وقيل بحديث ألا لا وصية لوارث وقيل بالإجماع حكاه ابن العربي
4077 - قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية قيل منسوخة بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقيل محكمة و لا مقدرة
4078 - وقوله أحل لكم ليلة الصيام الرفث ناسخة لقوله كما كتب على الذين من قبلكم لأن مقتضاها الموافقة فيما كانوا عليه من تحريم الأكل والوطء بعد النوم ذكره ابن العربي
وحكى قولا آخر أنه نسخ لما كان بالسنة
4078 - قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام الآية منسوخة بقوله وقاتلوا المشركين كافة . . الآية أخرجه ابن جرير عن عطاء بن ميسرة
4079 - قوله تعالى والذين يتوفون منكم . . إلى قوله متاعا إلى الحول منسوخة بآية أربعة أشهر وعشرا والوصية منسوخة بالميراث والسكنى ثابتة عند قوم منسوخة عند آخرين بحديث ولا سكنى
4080 - وقوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله منسوخة بقوله بعده لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

(2/60)


ومن آل عمران
4081 - قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قيل إنه منسوخ بقوله فاتقوا الله ما استطعتم وقيل لا بل هو محكم
وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه الآية
ومن النساء
4082 - قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم منسوخة بقوله وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله
4083 - قوله تعالى وإذا حضر القسمة . . الآية قيل منسوخة وقيل لا ولكن تهاون الناس في العمل بها
4084 - قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة . . الآية منسوخة بآية النور
ومن المائدة
4085 - قوله تعالى ولا الشهر الحرام منسوخة بإباحة القتال فيه
4086 - قوله تعالى فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم منسوخة بقوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله
4087 - وقوله تعالى أو آخران من غيركم منسوخ بقوله وأشهدوا ذوى عدل منكم
ومن الأنفال
4088 - قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون . . الآية منسوخة بالآية بعدها
ومن براءة
4089 - قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا منسوخة بآيات العذر وهو

(2/61)


قوله ليس على الأعمى حرج . . الآية وقوله تعالى ليس على الضعفاء . . الآيتين وبقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة
ومن النور
4090 - قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية . . الآية منسوخة بقوله وأنكحوا الأيامى منكم
4091 - قوله تعالى ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم . . الآية قيل منسوخة وقيل لا ولكن تهاون الناس في العمل بها
ومن الأحزاب
4092 - قوله تعالى لا يحل لك النساء . . الآية منسوخة بقوله إنا أحللنا لك أزواجك . . الآية
ومن المجادلة
4093 - قوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا . . الآية منسوخة بالأية بعدها
ومن الممتحنة
4094 - قوله تعالى فاتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا قيل منسوخ بآية السيف وقيل بآية الغنيمة وقيل محكم
ومن المزمل
4095 - قوله قم الليل إلا قليلا قيل منسوخ بآخر السورة ثم نسخ الآخر بالصلوات الخمس
4096 - فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلاف في بعضها لا يصح دعوى النسخ في غيرها
والأصح في آية الإستئذان والقسمة الإحكام فصارت تسعة

(2/62)


عشر ويضم إليها قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله على رأي ابن عباس أنها منسوخة بقوله فول وجهك شطر المسجد الحرام . . الآية فتمت عشرون
4097 - وقد نظمتها في أبيات فقلت
قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر
وهاك تحرير آي لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر
آي التوجه حيث المرء كان وأن ... يوصي لأهليه عند الموت محتضر
وحرمة الأكل بعد النوم من رفث ... وفدية لمطيق الصوم مشتهر
وحق تقواه فيما صح من أثر ... وفي الحرام قتال للألي كفروا
والاعتداد بحول مع وصيتها ... وأن يدان حديث النفس والفكر
والحلف والحبس للزاني وترك أولى ... كفروا شهادتهم والصبر والنفر
ومنع عقد لزان أو لزانية ... وما على المصطفى في العقد محتظر
ودفع مهر لمن جاءت وآية نجواه ... كذاك قيام الليل مستطر
وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا
4098 - فإن قلت ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة
فالجواب من وجهين
أحدهما أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة
والثاني أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا للنعمة ورفع المشقة وأما ما ورد في القرآن ناسخا لما كان عليه الجاهلية أو كان في شرع من قبلنا أو في أول الإسلام فهو أيضا قليل العدد كنسخ استقبال بيت المقدس بآية القبلة وصوم عاشوراء بصوم رمضان في أشياء أخر حررتها في كتابي المشار إليه
فوائد منثورة
4099 - قال بعضهم ليس في القرآن ناسخ إلا والمنسوخ قبله في الترتيب إلا في آيتين آية العدة في البقرة وقوله لا يحل لك النساء تقدم

(2/63)


وزاد بعضهم ثالثة وهي آية الحشر في الفئ على رأي من قال إنها منسوخة بآية الأنفال واعلموا أنما غنمتم من شيء
وزاد قوم رابعة وهي قوله خذ العفو يعني الفضل من أموالهم على رأي من قال إنها منسوخة بآية الزكاة
4100 - وقال ابن العربي كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف وهي فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين . . الآية نسخت مائة وأربعا وعشرين آية ثم نسخ آخرها أولها
انتهى وقد تقدم ما فيه
4101 - وقال أيضا من عجيب المنسوخ قوله تعالى خذ العفو . . الآية فإن أولها وآخرها وهو وأعرض عن الجاهلين منسوخ ووسطها محكم
وهو وأمر بالعرف
4102 - وقال من عجيبه أيضا آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ ولا نظير لها وهي قوله عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم يعني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا ناسخ لقوله عليكم أنفسكم
4103 - وقال السعيدي لم يمكث منسوخ مدة أكثر من قوله تعالى قل ما كنت بدعا من الرسل . . الآية مكثت ست عشرة سنة حتى نسخها أول الفتح عام الحديبية
4104 - وذكر هبة الله بن سلامة الضرير أنه قال في قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه . . الآية إن المنسوخ من هذه الجملة وأسيرا والمراد بذلك أسير المشركين فقرئ عليه الكتاب وابنته تسمع فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت له أخطأت يا أبت قال وكيف قالت أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا فقال صدقت
4105 - وقال شيذلة في البرهان يجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخا كقوله

(2/64)


لكم دينكم ولي دين نسخها قوله تعالى فاقتلوا المشركين ثم نسخ هذه بقوله حتى يعطوا الجزية كذا قال وفيه نظر من وجهين
أحدهما ما تقدمت الإشارة إليه
والآخر أن قوله حتى يعطوا الجزية مخصص للآية لا ناسخ
نعم يمثل له بأخر سورة المزمل فإنه ناسخ لأولها منسوخ بفرض الصلوات
4106 - وقوله انفروا خفافا وثقالا ناسخ لآيات الكف منسوخ بآيات العذر
4107 - وأخرج أبو عبيد عن الحسن وأبي ميسرة قالا ليس في المائدة منسوخ
ويشكل بما في المستدرك عن ابن عباس أن قوله فاحكم بينهم أو أعرض عنهم منسوخ بقوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله
4108 - وأخرج أبو عبيد وغيره عن ابن عباس قال أول ما نسخ من القرآن نسخ القبلة
4109 - وأخرج أبو داود في ناسخه من وجه آخر عنه قال أول آية نسخت من القرآن القبلة ثم الصيام الأول
4110 - قال مكي وعلى هذا فلم يقع في المكي ناسخ
قال وقد ذكر أنه وقع في آيات منها قوله تعالى في سورة غافر والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا فإنه ناسخ لقوله ويستغفرون لمن في الأرض
4111 - قلت أحسن من هذه نسخ قيام الليل في أول سورة المزمل بآخرها أو بإيجاب الصلوات الخمس وذلك بمكة اتفاقا
1 - تنبيه
4112 - قال ابن الحصار إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله أو عن صحابي يقول آية كذا نسخت كذا

(2/65)


4113 - قال وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به من علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر
4114 - قال ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بينة لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهده والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد
4115 - قال والناس في هذا بين طرفي نقيض فمن قائل لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد
والصواب خلاف قولهما
انتهى
4116 - الضرب الثالث ما نسخ تلاوته دون حكمه وقد أورد بعضهم فيه سؤالا وهو ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم وهلا بقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها
وأجاب صاحب الفنون بأن ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طريق الوحي وأمثلة هذا الضرب كثيرة
4117 - قال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر
4118 - وقال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلا على ما هو الآن
4119 - وقال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن المبارك بن فضالة عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال قال لي أبي بن كعب كأي تعد سورة الأحزاب قلت اثنتين وسبعين آية أو ثلاثة وسبعين آية قال إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم
قلت وما آية الرجم قال إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم

(2/66)


4120 - وقال حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت لقد أقرأنا رسول الله آية الرجم الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة
4121 - وقال حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن أبي حميد عن حميدة بنت أبي يونس قالت قرأ علي أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما
وعلى الذين يصلون الصفوف الأول قالت قبل أن يغير عثمان المصاحف
4122 - وقال حدثنا عبد الله بن صالح عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي قال كان رسول الله إذا أوحي إليه أتيناه فعلمنا مما أوحي إليه
قال فجئت ذات يوم فقال إن الله يقول إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو أن لابن آدم واديا لأحب أن يكون إليه الثاني ولو كان له الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب
4123 - وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال قال لي رسول الله إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومن بقيتها لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانيا وإن سأل ثانيا فأعطيه سأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب
وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره
4124 - وقال أبو عبيد حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي حرب ابن أبي الأسود عن أبي موسى الأشعري قال نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها أن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب
4125 - وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال كنا نقرأ سورة نشبهها المسبحات فأنسيناها غير أني حفظت منها يأيها الذين آمنوا لا تقولوا مالا

(2/67)


تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة
4126 - وقال أبو عبيد حدثنا حجاج عن سعيد عن الحكم بن عتيبة عن عدي بن عدي قال قال عمر كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ثم قال لزيد بن ثابت أكذلك قال نعم
4127 - وقال حدثنا ابن أبي مريم عن نافع بن عمر الجمحي وحدثني ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال قال عمر لعبد الرحمن بن عوف ألم تجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة فإنا لا نجدها قال أسقطت فيما أسقط من القرآن
4128 - وقال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي سفيان الكلاعي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك فقال مسلمة إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون
4129 - وأخرج الطبراني في الكبير إن ابن عمر قال قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله فكانا يقرآن بها فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله فذكرا ذلك له فقال إنها مما نسخ فالهوا عنها
4130 - وفي الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت يدعو على قاتليهم قال أنس ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا
4131 - وفي المستدرك عن حذيفة قال ما تقرءون ربعها يعني براءة
4132 - قال الحسين بن المنادي في كتابه الناسخ والمنسوخ ومما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر وتسمى سورتي الخلع والحفد

(2/68)


2 - تنبيه
4133 - حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا الضرب لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخار آحاد لا حجة فيها
4134 - وقال أبو بكر الرازي نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ولا يعرف اليوم منها شيء
ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي حتى إذا توفي لا يكون متلوا في القرآن أو يموت وهو متلو موجود بالرسم ثم ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانهم
وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي
انتهى
4135 - وقال في البرهان في قول عمر لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها يعني آية الرجم ظاهره أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب
وقد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ولم يعرج على مقالة الناس لأن مقالة الناس لا تصلح مانعا
وبالجملة هذه الملازمة مشكلة ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم ومن هنا أنكر ابن ظفر في الينبوع عد هذا مما نسخ تلاوته قال لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن
قال وإنما هذا المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يعلم حكمه
انتهى

(2/69)


4136 - وقوله لعله كان يعتقد أنه خبر واحد مردود فقد صح أنه تلقاها من النبي
4137 - وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصامت قال كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف فمرا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله يقول الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة فقال عمر لما نزلت أتيت النبي فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم
4138 - قال ابن حجر في شرح المنهاج فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها
4139 - قلت وخطر لي في ذلك نكتة حسنة وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود وفيه الإشارة إلى ندب الستر
4140 - وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت ألا تكتبها في المصحف قال ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر أنا أكفيكم فقال يا رسول الله اكتب لي آية الرجم قال لا تستطيع
قوله اكتب لي أي ائذن لي في كتابتها أو مكني من ذلك
4141 - وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن يعلى بن حكيم عن زيد بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال لا تشكوا في الرجم فإنه حق ولقد هممت أن أكتبه في المصحف فسألت أبي بن كعب فقال أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله فدفعت في صدري وقلت تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر
4142 - قال ابن حجر وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها وهو الاختلاف

(2/70)


3 - تنبيه
4143 - قال ابن الحصار في هذا النوع إن قيل كيف يقع النسخ إلى غير بدل وقد قال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وهذا إخبار لا يدخله خلف
فالجواب أن نقول كل ما ثبت الآن في القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته وكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله بما علمناه وتواتر إلينا لفظه ومعناه

(2/71)


النوع الثامن والأربعون
في مشكله وموهم الاختلاف والتناقض
4144 - أفرده بالتصنيف قطرب والمراد به ما يوهم التعارض بين الآيات وكلامه تعالى منزه عن ذلك كما قال ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به في الحقيقة فاحتيج لإزالته كما صنف في مختلف الحديث وبيان الجمع بين الأحاديث المتعارضة وقد تكلم في ذلك ابن عباس وحكى عنه التوقف في بعضها
4145 - قال عبد الرزاق في تفسيره أنبأنا معمر عن رجل عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال رأيت أشياء تختلف علي من القرآن فقال ابن عباس ما هو أشك قال ليس بشك ولكنه اختلاف قال هات ما اختلف عليك من ذلك قال أسمع الله يقول ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين وقال ولا يكتمون الله حديثا فقد كتموا وأسمعه يقول فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم قال وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقال أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين . . حتى بلغ طائعين ثم قال في الآية الأخرى أم السماء بناها ثم قال والأرض بعد ذلك دحاها وأسمعه يقول كان الله ما شأنه يقول وكان الله
فقال ابن عباس أما قوله ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين فإنهم لما رأوا يوم القيامة وأن الله يغفر الذنوب ولا يغفر شركا ولا

(2/72)


يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا
وأما قوله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون
وأما قوله خلق الأرض في يومين فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض
وأما قوله والأرض بعد ذلك دحاها يقول جعل فيها جبلا وجعل فيها نهرا وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحورا
وأما قوله كان الله فإن الله كان ولم يزل كذلك وهو كذلك عزيز حكيم عليم قدير لم يزل كذلك
فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك وإن الله لم ينزل شيئا إلا وقد أصاب الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون
4146 - أخرجه بطوله الحاكم في المستدرك وصححه وأصله في الصحيح قال ابن حجر في شرحه حاصل ما فيه السؤال عن أربعة مواضع
الأول نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها
الثاني كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه
الثالث خلق الأرض أو السماء أيهما تقدم
الرابع الإتيان بحرف كان الدالة على المضي مع أن الصفة لازمة
وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المساءلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك
وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم
وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة ثم خلق السموات

(2/73)


فسواهن في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين فتلك أربعة أيام للأرض
وعن الرابع بأن كان وإن كانت للماضي لكنها لا تستلزم الانقطاع بل المراد أنه لم يزل كذلك
4147 - فأما الأول فقد جاء فيه تفسير آخر أن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك وهذا منقول عن السدي أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن نفي المساءلة عند النفخة الأولى وإثباتها بعد النفخة الثانية
4148 - وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر وهو طلب بعضهم من بعض العفو فأخرج ابن جرير من طريق زاذان قال أتيت ابن مسعود فقال يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فينادى ألا إن هذا فلان فمن كان له حق قبله فليأت قال فتود المرأة يومئذ أن يثبت لها حق على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون
ومن طريق أخرى قال لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئا ولا يتساءلون به ولا يمت برحم
4149 - وأما الثاني فقد ورد بأبسط منه فيما أخرجه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال قول الله ولا يكتمون الله حديثا وقوله والله ربنا ما كنا مشركين فقال إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت لهم آتي ابن عباس ألقي عليه متشابه القرآن فأخبرهم أن الله إذا جمع الناس يوم القيامة قال المشركون إن الله لا يقبل إلا ممن وحده فيسألهم فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين قال فيختم على أفواههم وتستنطق جوارحهم
4150 - ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في أثناء حديث وفيه ثم يلقى الثالث فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك ويثني ما استطاع فيقول الآن نبعث شاهدا عليك فيذكر في نفسه من الذي يشهد علي فيختم علي فيه وتنطق جوارحه

(2/74)


4151 - أما الثالث ففيه أجوبة أخرى منها أن ثم بمعنى الواو فلا إيراد
وقيل المراد ترتيب الخبر لا المخبر به كقوله ثم كان من الذين آمنوا
وقيل على بابها وهي لتعارف ما بين الخلقين لا للتراخي في الزمان
وقيل خلق بمعنى قدر
4152 - وأما الرابع وجواب ابن عباس عنه فيحتمل كلامه أنه أراد أنه سمى نفسه غفورا رحيما وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقضى
وأما الصفتان فلا تزالان كذلك لا ينقطعان لأنه تعالى إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده قاله الشمس الكرماني
4153 - قال ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين أحدهما أن التسمية هي التي كانت وانتهت والصفة لا نهاية لها والآخر أن معنى كان الدوام فإنه لا يزال كذلك
ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين
والجواب على دفعهما كأن يقال هذا اللفظ مشعر بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ كان
4154 - والجواب عن الأول بأن كان في الماضي تسمى به
وعن الثاني بأن كان تعطى معنى الدوام وقد قال النحاة كان لثبوت خبرها ماضيا دائما أو منقطعا
4155 - وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن يهوديا قال له إنكم تزعمون أن الله كان عزيزا حكيما فكيف هو اليوم فقال إنه كان في نفسه عزيزا حكيما
4156 - موضع آخر توقف فيه ابن عباس
قال أبو عبيدة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال سأل رجل ابن عباس عن في يوم كان

(2/75)


مقداره ألف سنة وقوله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله أعلم بهما
4157 - وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وزاد ما أدرى ما هما وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم قال ابن أبي مليكة فضربت البعير حتى دخلت على سعيد بن المسيب فسئل عن ذلك فلم يدر ما يقول فقلت له ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس فأخبرته فقال ابن المسيب للسائل هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيهما وهو أعلم مني
4158 - وروى عن ابن عباس أيضا أن يوم الألف هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه ويوم الألف في سورة الحج هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات ويوم الخمسين ألفا هو يوم القيامة
فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا قال له حدثني ما هؤلاء الآيات في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة و يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة
وإن يوما عند ربك كألف سنة فقال يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة والسموات في ستة أيام كل يوم يكون ألف سنة و يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة قال ذلك مقدار المسير
4159 - وذهب بعضهم إلى أن المراد بهما يوم القيامة وأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل قوله يوم عسير على الكافرين غير يسير
فصل
4160 - قال الزركشي في البرهان للإختلاف أسباب
أحدها وقوع المخبر به على أنواع مختلفة وتطويرات شتى كقوله في خلق آدم من تراب ومرة من حمإ مسنون ومرة من طين لازب

(2/76)


ومرة من صلصال كالفخار فهذه ألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة لأن الصلصال غير الحمإ والحمأ غيرالتراب إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال
4161 - وكقوله فإذا هي ثعبان وفي موضع تهتز كأنها جان والجان الصغير من الحيات والثعبان الكبير منها وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته
4162 - الثاني لاختلاف الموضوع كقوله وقفوهم إنهم مسئولون وقوله فلنسألن الذين أرسل إليهم ولتسألن المرسلين مع قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان قال الحليمي فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل والثانية على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه
وحمله غيره على إختلاف الأماكن لأن في القيامة مواقف كثيرة ففي موضع يسألون وفي آخر لا يسألون وقيل إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ والمنفى سؤال المعذرة وبيان الحجة
4163 - وكقوله اتقوا الله حق تقاته مع قوله فاتقوا الله ما استطعتم حمل الشيخ أبو الحسن الشاذلي الآية الأولى على التوحيد بدليل قوله بعدها ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون والثانية على الأعمال
وقيل بل الثانية ناسخة للأولى
وكقوله فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة مع قوله ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فالأولى تفهم إمكان العدل والثانية تنفيه
والجواب أن الأولى في توفية الحقوق والثانية في الميل القلبي وليس في قدرة الإنسان

(2/77)


4164 - وكقوله إن الله لا يأمر بالفحشاء مع قوله أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فالأولى في الأمر الشرعي والثانية في الأمر الكوني بمعنى القضاء والتقدير
4165 - الثالث لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت أضيف القتل إليهم والرمي إليه على جهة الكسب والمباشرة ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير
4166 - الرابع لاختلافهما في الحقيقة والمجاز كقوله وترى الناس سكارى وما هم بسكارى أي سكارى من الأهوال مجازا لا من الشراب حقيقة
4167 - الخامس بوجهين واعتبارين كقوله فبصرك اليوم حديد مع قوله خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي قال قطرب فبصرك أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم بصر بكذا أي علم وليس المراد رؤية العين
4168 - قال الفارسي ويدل على ذلك قوله فكشفنا عنك غطاءك
4169 - وكقوله الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله مع قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم فقد يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة
وجوابه أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجه القلوب لذلك وقد جمع بينهما في قوله تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله
4170 - ومما استشكلوه قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين
وقال في آية أخرى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث

(2/78)


الله بشرا رسولا فهذا حصر آخر في غيرهما
وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية الأولى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة أن تأتيهم سنة الأولين من الخسف أو غيره أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ينافي المراد
فهذا حصر في السبب الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة
ومعنى الآية الثانية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثه بشرا رسولا لأن قولهم ليس مانعا من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك وهو يدل على الإستغراب بالإلتزام وهو المناسب للمانعية واستغرابهم ليس مانعا حقيقيا بل عاديا لجواز وجود الإيمان معه بخلاف إرادة الله تعالى فهذا حصر في المانع العادي والأول حصر في المانع الحقيقي فلا تنافى أيضا
4171 - ومما استشكل أيضا قوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا فمن أظلم ممن كذب على الله مع قوله ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ومن أظلم ممن منع مساجد الله ألى غير ذلك من الآيات
ووجهه أن المراد بالإستفهام هنا النفي والمعنى لا أحد أظلم فيكون خبرا وإذا كان خبرا وأخذت الآيات على ظواهرها أدى إلى لتناقص
وأجيب بأوجه
منها تخصيص كل موضع بمعنى صلته أي لا أحد من المعاندين أظلم ممن منع مساجد الله ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذا تخصص بالصلات زال التناقض
ومنها أن التخصيص بالنسبة إلى السبق لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقهم وهذا يئول معناه إلى ما قبله لأن المراد السبق إلى المانعية والإفترائية
ومنها وادعى أبو حيان أنه الصواب أن نفي الأظلمية لا يستدعي نفي

(2/79)


الظالمية لأن نفى المقيد لا يدل على نفي المطلق وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يلزم التناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر لأنهم يتساوون في الأظلمية وصار المعنى لا أحد أظلم ممن إفترى وممن منع ونحوها ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر كما إذا قلت لا أحد أفقه منهم
إنتهى
وحاصل الجواب أن نفي التفضيل لا يلزم منه نفي المساواة
وقال بعض المتأخرين هذا إستفهام مقصود به التهويل والتفظيع من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة ولا نفيها عن غيره
4172 - وقال الخطابي سمعت ابن أبي هريرة يحكى عن أبي العباس بن سريج قال سأل رجل بعض العلماء عن قوله لا أقسم بهذا البلد فأخبر أنه لا يقسم به
ثم أقسم به في قوله وهذا البلد الأمين فقال أيما أحب إليك أجيبك ثم أقطعك أو أقطعك ثم أجيبك فقال أقطعني ثم أجبني فقال له أعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله بحضرة رجال وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه ولكن القوم علموا وجهلت ولم ينكروا منه ما أنكرت
ثم قال له إن العرب قد تدخل لا في أثناء كلامها وتلغى معناها وأنشد فيه أبياتا
تنبيه
4173 - قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب والجمع طلب التاريخ وترك المتقدم بالمتأخر ويكون ذلك نسخا وإن لم يعلم وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا

(2/80)


على العمل بها
قال ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوضعين
4174 - قال غيره وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين نحو وأرجلكم بالنصب والجر ولهذا جمع بينهما بحمل النصب على الغسل والجر على مسح الخف
4175 - وقال الصيرفي جماع الإختلاف والتناقص أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة ولا يوجد في الكتاب والسنة شيء من ذلك أبدا وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين
4176 - وقال القاضي أبو بكر لا يجوز تعارض أي القرآن والآثار وما يوجبه العقل فلذلك لم يجعل قوله الله خالق كل شيء معارضا لقوله وتخلقون إفكا وإذ تخلق من الطين لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله فتعين تأويل ما عارضه فيؤول وتخلقون على تكذبون وتخلق على تصور
فائدة
4177 - قال الكرماني عند قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا الإختلاف على وجهين إختلاف تناقض وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر وهذا هو الممتنع على القرآن وإختلاف تلازم وهو ما يوافق الجانبين كاختلاف مقادير السور والآيات وإختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ والأمر والنهي والوعد والوعيد

(2/81)


النوع التاسع والأربعون
في مطلقه ومقيده
4178 - المطلق الدال على الماهية بلا قيد وهو مع المقيد كالعام مع الخاص قال العلماء متى وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه وإلا فلا بل يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده لأن الله تعالى خاطبنا بلغة العرب
4179 - والضابط أن الله إذا حكم في شيء بصفة أو شرط ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر فإن لم يكن له أصل يرد إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به وإن كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر فالأول مثل اشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والفرق والوصية في قوله وأشهدوا ذوى عدل منكم وقوله شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية إثنان ذوا عدل منكم وقد أطلق الشهادة في البيوع وغيرها في قوله وأشهدوا إذا تبايعتم فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم
والعدالة شرط في الجميع
4180 - ومثل تقييده ميراث الزوجين بقوله من بعد وصية يوصي بها أو دين وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه
4181 - وكذلك ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين
4182 - وكذلك ما اشترط في كفارة القتل من الرقبة المؤمنة وإطلاقها في كفارة الظهار واليمين والمطلق كالمقيد في وصف الرقبة

(2/82)


4183 - وكذلك تقييد الأيدي بقوله إلى المرافق في الوضوء وإطلاقه في التيمم
4184 - وتقييد إحباط العمل بالردة بالموت على الكفر في قوله ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر . . الآية وأطلق في قوله ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله
4185 - وتقييد تحريم الدم بالمسفوح في الأنعام وأطلق فيما عداها
4186 - فمذهب الشافعي حمل المطلق على المقيد في الجميع
4187 - ومن العلماء من لا يحمله ويجوز أعتاق الكافر في كفارة الظهار واليمين ويكتفي في التيمم بالمسح إلى الكوعين ويقول إن الردة تحبط العمل بمجردها
4188 - والثاني مثل تقييد الصوم بالتتابع في كفارة القتل والظهار وتقييده بالتفريق في صوم التمتع
وأطلق كفارة اليمين وقضاء رمضان فيبقى على إطلاقه من جوازه مفرقا ومتتابعا لا يمكن حمله عليهما لتنافي القيدين وهما التفريق والتتابع ولا على أحدهما لعدم المرجح
تنبيهات
4189 - الأول إذا قلنا بحمل المطلق على المقيد فهل هو من وضع اللغة أو بالقياس مذهبان
الأول أن العرب من مذهبها إستحباب الإطلاق إكتفاء بالمقيد وطلبا للإيجاز والإختصار
4190 - الثاني ما تقدم محله إذا كان الحكمان بمعنى واحد وإنما إختلفا في الإطلاق والتقييد فأما إذا حكم في شيء بأمور ثم في أخر ببعضها وسكت فيه عن بعضها فلا يقتضى الإلحاق كالأمر بغسل الأعضاء الأربعة في الوضوء وذكر في التيمم عضوين فلا يقال بالحمل ومسح الرأس والرجلين بالتراب فيه أيضا وكذلك ذكر العتق والصوم والإطعام في كفارة الظهار واقتصر في كفارة القتل على الأولين ولم يذكر الإطعام فلا يقال بالحمل وإبدال الصيام بالطعام

(2/83)


النوع الخمسون
في منطوقه ومفهومه
4191 - المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص نحو فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جدا في الكتاب والسنة
وقد بالغ إمام الحرمين وغيره في الرد عليهم قال لأن الغرض من النص الإستقلال بإفادة المعنى على قطع مع إنحسام جهات التأويل والإحتمال وهذا وإن عز حصوله بوضع الصيغ ردا إلى اللغة فما أكثره مع القرائن الحالية والمقالية إنتهى
أو مع إحتمال غيره إحتمالا مرجوحا فالظاهر نحو فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم وهو فيه أظهر وأغلب ونحو ولا تقربوهن حتى يطهرن فإنه يقال للإمقطاع طهر وللوضوء والغسل وهو في الثاني أظهر
فإن حمل على المرجوح لدليل فهو تأويل ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولا كقوله وهو معكم أينما كنتم فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات فتعين صرفه عن ذلك وحمله على القدرة والعلم أو على الحفظ والرعاية
4192 - وكقوله واخفض لهما جناح الذل من الرحمة فإنه يستحيل حمله على الظاهر لإستحالة أن يكون للإنسان أجنحة فيحمل على الخضوع وحسن الخلق

(2/84)


4193 - وقد يكون مشتركا بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز ويصح حمله عليهما جميعا سواء قلنا بجواز إستعمال اللفظ في معنييه أو لا ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين مرة أريد هذا ومرة أريد هذا
4194 - ومن أمثلته ولا يضار كاتب ولا شهيد فإنه يحتمل لا يضارر الكاتب والشهيد صاحب الحق بجور في الكتابة والشهادة و لا يضارر بالفتح أي لا يضرهما صاحب الحق بإلزامهما مالا يلزمهما وإجبارهما على الكتابة والشهادة
4195 - ثم أن توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمار سميت دلالة إقتضاء نحو واسأل القرية أي أهلها وإن لم تتوقف ودل اللفظ على ما لم يقصد به سميت دلالة إشارة كدلالة قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم على صحة صوم من أصبح جنبا إذ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنبا في جزء من النهار
وقد حكي هذا الإستنباط عن محمد بن كعب القرظي
فصل
4196 - والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق وهو قسمان مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة
فالأول ما يوافق حكمه المنطوق فإن كان أولى سمي فحوى الخطاب كدلالة فلا تقل لهما أف على تحريم الضرب لأنه أشد وإن كان مساويا سمي لحن الخطاب أي معناه كدلالة إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما على تحريم الإحراق لأنه مساو للأكل في الإتلاف
واختلف هل دلالة ذلك قياسية أو لفظية مجازية أو حقيقية على أقوال بيناها في كتبنا الأصولية
4197 - والثاني ما يخالف حكمه المنطوق وهو أنواع
مفهوم صفة نعتا كان أو حالا أو ظرفا أو عددا نحو إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا مفهومه أن غير الفاسق لا يجب التبين في خبره فيجب قبول خبر الواحد العدل

(2/85)


ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد
الحج أشهر معلومات أي فلا يصح الإحرام به في غيرها
فاذكروا الله عند المشعر الحرام أي فالذكر عند غيره ليس محصلا للمطلوب فاجلدوهم ثمانين جلدة أي لا أقل ولا أكثر
4198 - وشرط نحو وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن أي فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن
4199 - وغاية نحو فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره أي فإذا نكحته تحل للإول بشرطه
4200 - وحصر نحو لا إله إلا الله إنما إلهكم الله أي فغيره ليس بإله فالله هو الولي أي فغيره ليس بولي لإلى الله تحشرون أي لا إلى غيره إياك نعبد أي لا غيرك
4201 - واختلف في الإحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة والأصح في الجملة أنها كلها حجة بشروط
منها ألا يكون المذكور خرج للغالب ومن ثم لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله وربائبكم اللاتي في حجوركم فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج فلا مفهوم له لأنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن
وألا يكون موافقا للواقع ومن ثم لا مفهوم لقوله ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به وقوله لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وقوله ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا
والإطلاع على ذلك من فوائد معرفة أسباب النزول

(2/86)


فائدة
4202 - قال بعضهم الألفاظ إما أن تدل بمنطوقها أو بفحواها أو باقتضائها وضرورتها أو بمعقولها المستنبط منها
حكاه ابن الحصار
وقال هذا كلام حسن
قلت فالأول دلالة المنطوق والثاني دلالة المفهوم والثالث دلالة الاقتضاء والرابع دلالة الإشارة

(2/87)


النوع الحادي والخمسون
في وجوه مخاطباته
4203 - قال ابن الجوزي في كتابه النفيس الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجها
وقال غيره على أكثر من ثلاثين وجها
أحدها خطاب العام والمراد به العموم كقوله الله الذي خلقكم
4204 - والثاني خطاب الخاص والمراد به الخصوص كقوله أكفرتم بعد إيمانكم يأيها الرسول بلغ
4205 - الثالث خطاب العام والمراد به الخصوص كقوله يأيها الناس اتقوا ربكم لم يدخل فيه الأطفال والمجانين
4206 - الرابع خطاب الخاص والمراد العموم كقوله يأيها النبي إذا طلقتم النساء افتتح الخطاب بالنبي والمراد سائر من يملك الطلاق وقوله يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك . . الآية قال أبو بكر الصيرفي كان إبتداء الخطاب له فلما قال في الموهوبة خالصة لك علم أن ما قبلها له ولغيره
4207 - الخامس خطاب الجنس كقوله يأيها النبي
4208 - السادس خطاب النوع نحو يا بني إسرائيل
4209 - السابع خطاب العين نحو وقلنا يا آدم اسكن يا نوح

(2/88)


اهبط يا إبراهيم قد صدقت يا موسى لا تخف يا عيسى إني متوفيك
ولم يقع في القرآن الخطاب ب يا محمد بل يأيها النبي يأيها الرسول تعظيما له وتشريفا وتخصيصا بذلك عما سواه وتعليما للمؤمنين ألا ينادوه باسمه
4210 - الثامن خطاب المدح نحو يأيها الذين آمنوا ولهذا وقع خطابا لأهل المدينة والذين آمنوا وهاجروا
أخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة ما تقرءون في القرآن يأيها الذين آمنوا فإنه في التوراة يأيها المساكين
4211 - وأخرج البيهقي وأبو عبيد وغيرهما عن ابن مسعود قال إذا سمعت الله يقول يأيها الذين آمنوا فأوعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه
4212 - التاسع خطاب الذم نحو يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم قل يأيها الكافرون ولتضمنه الإهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين وأكثر الخطاب ب يأيها الذين آمنوا على المواجهة وفي جانب الكفار جيء بلفظ الغيبة إعراضا عنهم كقوله إن الذين كفروا قل للذين كفروا
4213 - العاشر خطاب الكرامة كقوله يأيها النبي يأيها الرسول قال بعضهم ونجد الخطاب بالنبي في محل لا يليق به الرسول وكذا عكسه كقوله في الأمر بالتشريع العام يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وفي مقام الخاص يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قال وقد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام لكن مع قرينة إرادة العموم كقوله يأيها النبي إذا طلقتم ولم يقل طلقت
4214 - الحادي عشر خطاب الإهانة نحو فإنك رجيم اخسئوا فيها ولا تكلمون

(2/89)


4215 - الثاني عشر خطاب التهكم نحو ذق إنك أنت العزيز الكريم
4216 - الثالث عشر خطاب الجمع بلفظ الواحد نحو يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم
4217 - الرابع عشر خطاب الواحد بلفظ الجمع نحو يأيها الرسل كلوا من الطيبات . . إلى قوله فذرهم في غمرتهم فهو خطاب له وحده إذ لا نبي معه ولا بعده
4218 - وكذا قوله وإن عاقبتم فعاقبوا . . الآية خطاب له وحده بدليل قوله واصبر وما صبرك إلا بالله . . الآية وكذا قوله فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا بدليل قوله قل فأتوا وجعل منه بعضهم قال رب ارجعون أي ارجعني وقيل رب خطاب له تعالى و ارجعون للملائكة
4219 - وقال السهيلي هو قول من حضرته الشياطين وزبانية العذاب فاختلط فلا يدري ما يقول من الشطط
وقد إعتاد أمرا يقوله في الحياة من رد الأمر إلى المخلوقين
4220 - الخامس عشر خطاب الواحد بلفظ الإثنين نحو ألقيا في جهنم والخطاب لمالك خازن النار وقيل لخزنه النار والزبانية فيكون من خطاب الجمع بلفظ الإثنين وقيل للملكين الموكلين في قوله وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد فيكون على الأصل
وجعل المهدوي من هذا النوع قال قد أجيبت دعوتكما
قال الخطاب لموسى وحده لأنه الداعي
وقيل لهما لأن هارون أمن على دعائه والمؤمن أحد الداعيين
4221 - السادس عشر خطاب الإثنين بلفظ الواحد كقوله فمن ربكما يا موسى أي وياهرون وفيه وجهان
أحدهما أنه أفرده بالنداء لإدلاله عليه بالتربية
والآخر لأنه صاحب الرسالة والآيات وهارون تبع له ذكره ابن عطية

(2/90)