صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الإتقان في علوم القرآن
المؤلف : جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : الوراق

[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

السادس: السبق، وهوإما في الزمان باعتبار الإيجاد كتقديم الليل على النهار والظلمات على النور وآدم على نوح ونوح على إبراهيم على موسى وهوعلى عيسى وداود على سليمان والملائكة على البشر في قوله (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس وعاد على ثمود، والأزواج على الذرية في قوله (قل لأزواجك وبناتك والسنة على النوم في قوله (لا تأخذه سنة ولا نوم أوباعتبار الإنزال كقوله (صحف إبراهيم وموسى وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان أوباعتبار الوجوب والتكليف نحو اركعوا واسجدوا فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) الآية إن الصفا والمروة من شعائر الله ولهذا قال صلى الله عليه وسلم نبدأ بما بدأ الله به أوبالذات نحو مثنى وثلاث ورباع ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هورابعهم ولا خمسة إلا هوسادسهم وكذا جميع الأعداد كل مرتبة هي مقدمة على ما فوقها بالذات. وأما قوله (إن تقوموا لله مثنى وفرادى فللحث على الجماعة والاجتماع على الحير. السابع: السببية كتقديم العزيز على الحكيم لأنه عز فحكم، والعيم عليه بأن الأحكام والإتقان ناشئ عن العلم. وأما تقدم الحكيم عليه في سورة الأنعام فلأنه مقام تشريع الأحكام، ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في سورة الفاتحة لأنها سبب حصول الإعانة، وكذا قوله يحب التوابين ويحب المتطهرين، لأن التوبة سبب الطهارة لكل آفاك أثيم لأن الإفك سبب الاسم يغض من أبصارهم ويحفظ فروجهم لأن البصر داعية إلى الفرج.
الثامن: الكثرة كقوله (فمنكم كافر ومنكم مؤمن لأن الكفار أكثر فمنهم ظالم لنفسه) الآية، قدم الظالم لكثرته، ثم المقتصد ثم السابق، ولهذا قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر، والزاني على الزاني لأن الزنى فيهن أكثر، ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن غالباً، ولهذا ورد إن رحمتي غلبت غضبي وقوله (إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم قال ابن الحاجب في أماليه: إنما قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار أن فيهم أعداء، ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد، وكان أقعد في المعنى المراد فقدم، ولذلك قدمت الأموال في قوله (إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة إن الإنسان ليطغي أن رآه استغنى وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها فكان تقديمها أولى.
التاسع: الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقوله (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها) الآية، بدأ بالأدنى لغرض الترقي لأن اليد أشرف من الرجل والعين أشرف من اليد والسمع وأشرف من البصر، ومن هذا النوع تأخير الأبلغ، وقد خرج عليه تقديم الرحمن على الرحيم والرءوف على الرحيم والرسول على النبي في قوله (وكان رسولاً نبياً وذكر لذلك نكت أشهرها مراعاة الفاصلة.
العاشر: التدلي من الأعلى إلى الأدنى. وخرج عليه لا تأخذه سنة ولا نوم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون هذا ما ذكره ابن الصائغ. وزاد غيره أسباباً أخر منها: كونه أدل على القدرة وأعجب كقوله (ومنهم من يمشي على بطنه) الآية، وقوله (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير قال الزمخشري: قدم الجبال على الطير لأن تسخيرها له وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق. ومنها: رعاية الفواصل، وسيأتي ذلك أمثلة كثيرة، ومنها إفادة الحصر للاختصاص، وسيأتي في النوع الخامس والخمسين.
تنبيه قد يقدم لفظ في موضع ويؤخر في آخر، ونكتة ذلك إما لكون السياق في كل موضع يقتضي ما وقع فيه كما تقدمت الإشارة إليه، وإما لقصد البداءة والختم به للاعتناء بشأنه كما في قوله (يوم تبيض وجوه الآيات، وإما لقصد التفنن في الفصاحة وإخراج الكلام على عدة أساليب كما في قوله (وادخلوا الباب وقولوا حط وقوله (وقولوا حط وادخلوا الباب سجداً وقوله (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور وقال في الأنعام قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس) .

(1/246)


النوع الخامس والأربعون في عامه وخاصه
العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر وصيغة كل مبتدأة نحو كل من عليها فان أوتابعة نحو فسجد الملائكة كلهم أجمعون والذي والتي وتثنيتهما وجمعهما نحو والذي قال لوالديه أف لكما فإن المراد به كل من صدر منه هذا القول بدليل قوله بعد أولئك الذين حق عليهم القول والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة للذين اتقوا عند ربهم جنات واللائي يئسن من المحيض) الآية واللاتي يأتين الفاحشة من نساؤكم فاستشهدوا) الآية واللذان يأتيانها منكم فادوهما .
وأي ومن شرطاً واستفهاماً وموصولاً نحو أياماً تدعوا فله الأسماء الحسنى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم من يعمل سوءاً يجزى به والجمع المضاف نحو يوصيكم الله في أولادكم والمعرف بأل نحوقد أفلح المؤمنون واقتلوا المشركين واسم الجنس المضاف نحو فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي كل أمر الله. والمعرف بأل نحو وأحل الله البيع أي كل بيع إن الإنسان لفي خسر أي كل إنسان بدليل إلا الذين آمنوا أوالنكرة في سياق النفي والنهي نحو فلا تقل لهما أف وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ذلك الكتاب لا ريب فيه فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وفي سياق الشرط نحو وإن أحد المشركين استجارك أجره حتى يسمع كلام الله وفي سياق الامتنان نحو وأنزلنا من السماء ماء طهوراً .
فصل
العام على ثلاثة أقسام. الأول: الباقي على عمومه. قال القاضي جلال الدين البلقيني ومثاله عزيز، إذ ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص، فقوله (يا أيها الناس اتقوا ربكم قد يخص منه غير المكلف وحرمت عليكم الميتة خص منه حالة الاضطرار ومنه السمك والجراد وحرم الربا خص منه العرايا. وذكر الزركشي في البرهان أنه كثير في القرآن وأورد منه والله بكل شيء عليم إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولا يظلم ربك أحداً الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحيكم الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة الله الذي جعل لكم الأرض قراراً قل: هذه الآيات كلها في غير الأحكام الفرعية، فالظاهر أن مراد البلقيني أنه عزيز في الأحكام الفرعية وقد استخرجت من القرآن بعد الفكر آية فيها وهي قوله (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية، فإنه لا خصوص فيها. الثاني: العام المراد به الخصوص. والثالث: العام المخصوص، وللناس بينهما فروق: أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد، لا من جهة تناول اللفظ ولا من جهة الحكم، بل هوذوأفراد استعمل في فرد منها. والثاني أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها لا من جهة الحكم. ومنها: أن الأول مجاز قطعاً لنقل اللفظ عن موضعه الأصلي بخلاف الثاني فإن فيه مذاهب: أصحها أنه حقيقة، وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة ونقله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء. وقال الشيخ أبوحامد إنه مذهب الشافعي وأصحابه، وصححه السبكي لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص، وذلك التناول حقيقي اتفاقاً، فليكن هذا التناول حقيقياً أيضاً ومنها أن قرينة الأول عقلية والثاني لفظية. ومنها: أن قرينة الأول لا تنفك عنه وقرينة الثاني قد تنفك عنه. ومنها: أن الأول يصح أن يراد به واحد اتفاقاً وفي الثاني خلاف.
ومن أمثلة المراد به الخصوص قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم والقائل واحد: نعيم بن مسعود الاشجعي أوأعرابي من خزاعة، كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع لقيامه مقام كثير في تثبيطه المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان. قال الفارسي ومما يقوى أن المراد به واحد قوله (إنما ذلكم الشيطان فوقعت الإشارة بقوله ذلكم إلى واحد بعينه، ولوكان المعنى به جمعاً لقال: إنما أولئكم الشيطان، فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ. ومنها قوله تعالى أم يحسدون الناس أي رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة. ومنها: قوله (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) .
أخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن أبي عباس في قوله (من حيث أفاض الناس

(1/247)


قال: إبراهيم: ومن الغريب قراءة سعيد بن جبير من حيث أفاض الناس قال في المحتسب: يعني آدم لقوله (فنسي ولم نجد له عزماً ومنها قوله تعالى فنادته الملائكة وهوقائم يصلي في المحراب أي جبريل كما في قراءة ابن مسعود. وأما المخصوص فأمثلته في القرآن كثيرة جداً وهي أكثر من المنسوخ، إذ ما من عام إلا وقد خص، ثم المخصص له إما متصل وإما منفصل. فالمتصل خمسة وقعت في القرآن: أحدها الاستثناء نحو والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا والشعراء يتبعهم الغاوون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الآية ومن يفعل ذلك يلق آثاماً إلى قوله (إلا من تاب والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كل شيء هالك إلا وجهه .
الثاني: الوصف نحو وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن .
الثالث: الشرط نحو والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيراً الوصية .
الرابع: الغاية نحو قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله (حتى يعطوا الجزية ولا تقربوهن حتى يطهرن ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض) الآية.
الخامس: بدل البعض من الكل نحو والله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا والمنفصل آية أخرى في محل آخر أوحديث أوإجماع أوقياس. فمن أمثلة ما خص بالقرآن قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء خص بقوله (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة وبقوله (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وحرمت عليهم الميتة والدم خص من الميتة السمك بقوله (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة ومن الدم الجامد بقوله (أودماً مسفوحاً وقوله (وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً) الآية، خص بقوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقوله (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة خص بقوله (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وقوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء خص بقوله (حرمت عليكم أمهاتكم) الآية.
ومن أمثلة ما خص بالحديث قوله تعالى وأحل الله البيعة خص منه البيوع الفاسدة وهي كثيرة بالسنة وحرم الربا خص منه العرايا بالسنة، وآيات المواريث خص منها القائل والمخالف في الدين بالسنة، وآيات تحريم الميتة خص منها الجراد بالسنة، وآية ثلاثة قروء خص منها الأمة بالسنة، وقوله (ماءً طهوراً خص منه المتغير بالسنة، وقوله (والسارق والسارقة فاقطعوا خص منه من سرق دون ربع دينار بالسنة. ومن أمثلة ما خص بالإجماع آية المواريث خص منها الرقيق فلا يرث بالإجماع، ذكره مكي. ومن أمثلة ما خص بالقياس آية الزنا فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة خص منها العبد بالقياس على الأمة المنصوصة في قوله (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب المخصص لعموم الآية، ذكره مكي أيضاً.
فصل من خاص القرآن ما كان مخصصاً لعموم السنة وهوعزيز. ومن أمثلته قوله تعالى حتى يعطوا الجزية خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. وقوله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى خص عموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الأوقات المكروهة بإخراج الفرائض. وقوله (ومن أصوافها وأوبارها) الآية خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم ما أبين من حي فهوميت. وقوله (والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم خص عموم قوله عليه الصلاة والسلام لا تحل الصدقة لغنى ولا لذا مر سوى. وقوله (فقاتلوا التي تبغي خص عموم قوله عليه الصلاة والسلام إذا التقى المسلمان بسيفيهما والمقتول في النار.
فروع منثور تتعلق بالعموم والخصوص.
الأول: إذا سيق العام للمدح أوالذم فهل هوباق على عمومه؟ فيه مذاهب. أحدها: نعم إذا لا صارف عنه ولا تنافي بين العموم وبين المدح أوالذم.
والثاني: لا لأنه لم يسق للتعميم بل للمدح أوللذم.

(1/248)


والثالث وهوالأصح: التفصيل فيعم إن لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك، ولا يعم إن عارضه ذلك جمعاً بينهما مثاله ولا معارض قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ومع المعارض قوله تعالى والذين لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت إيمانهم فإنه سيق للمدح، وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعاً، وعارضه في ذلك وأن تجمعوا بين الأختين فإنه شامل لجمعهما بملك اليمين ولم يسق للمدح، فحمل الأول على غير ذلك بأن لم يرد تناوله له، ومثاله في الذم والذين يكنزون الذهب والفضة الآية، فإنه سيق للذم وظاهره يعم الحلى المباح، وعارضه في ذلك حديث جابر ليس في الحلى زكاة وحمل الأول على غير ذلك.
والثاني: اختلف في الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم نحو: يا أيها النبي، يا أيها الرسول، هويشمل الأمة؟ فقيل نعم، لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفاً، والأصح في الأصول المنع لاختصاص الصيغة.
الثالث: اختلف في الخطاب بيا أيها الناس، هل يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ على مذاهب أصحها وعليه الأكثرون نعم لعموم الصيغة له. أخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال: إذا قال الله يا أيها اللذين آمنوا افعلوا فالنبي صلى الله عليه وسلم منهم. والثاني: لا لأنه ورد في لسانه لتبليغ غيره ولما له من الخصائص.
والثالث إن اقترن بقل لم يشمله لظهوره في التبليغ، وذلك قرينة عدم شموله وإلا فيشمله.
الرابع: الأصح في الأصول أن الخطاب بيا أيها الناس يشمل الكافر والعبد لعموم اللفظ. وقيل لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه بالفروع. ولا العبد لصرف منافعه إلى سيده شرعاً.
الخامس: اختلف في من هل يتناول الأنثى؟ فالأصح نعم خلافاً للحنفية لنا قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أوأنثى فالتفسير بهما دال على تناول من لهما، وقوله (ومن يقنت منكن الله واختلف في جمع المذكر السالم هي يتناولها؟ لا أصح لا، وإنما يدخلن بقرينة، أما المكسر فلا خلاف في دخولهن فيه.
السادس: اختلف في الخطاب بيا أهل الكتاب، هل يشمل المؤمنين؟ فالأصح لا، لأن اللفظ قاصر على من ذكر. وقيل إن شاركوهم في المعنى شملهم وإلا فلا. واختلف في الخطاب بيا أيها الذين آمنوا، هل يشمل أهل الكتاب؟ فقيل لا بناء على أنهم غير مخاطبين بالفروع، وقيل نعم، واختاره ابن السمعاني قال: وقوله يا أيها الذين آمنوا خطاب تشريف لا تخصيص.

النوع السادس والأربعون في مجمله ومبينه
المجمل ما لم تتضح دلالته وهوواقع في القرآن خلافاً لداود الظاهري. وفي جواز بقائه مجملاً أقوال. أصحها: لا يبقى المكلف بالعمل به بخلاف غيره. وللإجمال أسباب: منها الاشتراك نحو والليل إذا عسعس فإنه موضوع لأقبل وأدبر ثلاثة قروء فإن القرء موضوع للحيض والطهر أويعفوالذي بيده عقدة النكاح يحمل الزوج والولي فإن كلاً منهما بيده عقدة النكاح. ومنها الحذف نحو وترغبون أن تنكحوهن يحمل في وعن ومنها: اختلاف مرجع الضمير نحو إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يحتمل عود ضمير الفاعل في يرفعه إلى ما عاد عليه ضمير إليه وهوالله، ويحتمل عودة إلى العمل، والمعنى: أن العمل الصالح هو الذي يرفعه الكلم الطيب، ويحتمل عوده إلى الكلم: أي أن الكلم الطيب وهوالتوحيد يرفع العمل الصالح لأنه لا يصح العمل إلا مع الإيمان. ومنها: احتمال العطف والاستئناف نحو إلا الله والراسخون في العلم يقولون ومنها غرابة اللفظ نحو فلا تعضلوهن ومنها عدم كثرة الاستعمال نحو يلقون السمع أي يسمعون ثاني عطفه أي متكبر فأصبح يقلب كفيه أي نادماً. ومنها التقديم والتأخير نحو ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى أي ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً يسألونك كأنك حفي عنها أي يسألونك عنها كأنك خفي. ومنها: قلب المنقول نحو طور سينين أي سيناً على آل ياسين أي على إلياس. ومنها: التكريم القاطع لووصل الكلام في الظاهر نحو للذين استضعفوا لمن آمن منهم .

(1/249)


فصل قد يقع التبيين متصلاً نحو من الفجر بعد قوله (الخيط الأبيض من الخيط الأسود ومنفصلاً في آية أخرى نحو فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيرها بعد قوله (الطلاق مرتان بينت أن المراد به الطلاق الذي تملك الرجعة بعده، ولولاها لكان الكل منحصراً في الطلقتين. وقد أخرج أحمد وأبوداود في ناسخه وسعيد بن منصور وغيرهم عن أبي رزين الأسدي قال قال رجل: يا رسول الله أرأيت قول الله الطلاق مرتان فأين الثالثة؟ قال أوتسريح بإحسان .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال قال رجل: يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين فأين الثالثة؟ قال إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان وقوله (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة دال على جواز الرؤية، ويفسره ا، المراد بقوله (لا تدركه الأبصار قال: لا تحيط به. وأخرج عن عكرمة أنه قيل له عند ذكر الرؤية: أليس قد قال لا تدركه الأبصار فقال: ألست ترى السماء أفكلها ترى؟ وقوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم فسره قوله (حرمت عليكم الميتة) الآية. وقوله (مالك يوم الدين فسره قوله (وا أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين) الآية. وقوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فسره قوله (قال ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية. وقوله (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً فسره قوله في آية النحل بالأنثى وقوله (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم قال العلماء: بيان هذا العهد قوله (لئن اقمتم الصلاة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلي الخ، فهذا عهده وعهدهه لأكفرن عنكم سيئاتكم الخ. وقوله (صراط الذين أنعمت عليهم بينه قوله (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) الآية، وقد يقع التبيين بالسنة مثل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ولله على الناس حج البيت وقد بينت السنة أفعال الصلاة والحج ومقادير نصب الزكوات في أنواعها.

(1/250)


تنبيه اختلف في آيات هل هي من قبيل المجمل أولا؟ آية السرقة، قيل إنها مجملة في اليد لأنها تطلق على العضوإلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب. وفي القطع لأنه يطلق على الإبانة، وعلى الجرح ولا ظهور لواحد من ذلك، وإبانة الشارع من الكوع تبيين أن المراد ذلك. وقيل لا إجمال فيها لأن القطع ظاهر في الإبانة، ومنها وامسحوا بؤوسكم قيل إنها مجملة لترددها بين مسح الكل والبعض ومسح الشارع الناصية مبين لذلك، وقيل لا وإنما هي لمطلق المسح الصادق بأقل ما ينطلق عليه الاسم وبغيره، ومنها حرمت عليكم أمهاتكم قيل مجملة لأن إسناد التحريم إلى العين لا يصح لأنه إنما يتعلق بالفعل فلا بد من تقديره، وهومحتمل لأمور لا حاجة إلى جميعها والمرجح لبعضها. وقيل لا لوجود المرجح وهوالعرف، فإنه يقضي بأن المراد تحريم الاستمتاع بوطء أونحوه، ويجري ذلك في كل ما علق فيه التحريم والتحليل بالأعيان. ومنها وأحل الله البيع وحرم الربا قيل إنها مجملة لأن الربا الزيادة، وما من بيع إلا وفيه زيادة، فافتقر إلى بيان ما يحل وما يحرم. وقيل لأن البيع منقول شرعاً فحمل على عمومه ما لم يقل دليل التخصيص. وقال الماوردي: للشافعي في هذه الآية أربعة أقوال. أحدها: أنها عامة، فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل، وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابه، لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز، فدل على أن الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها، فبين صلى الله عليه وسلم الخصوص قال: فعلى هذا في العموم قولان. أحدهما: أنه عموم أريد به العموم وإن دخله التخصيص. والثاني: أنه عموم أريد به الخصوص. قال: والفرق بينهما أن البيان في الثاني متقدم على اللفظ، وفي الأول متأخر عنه مقترن به. قال: وعلى القولين يجوز الاستدلال بالآية في المسائل المختلف فيها ما لم يقل دليل تخصيص. والقول الثاني: أنها مجملة لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: هل هي مجملة بنفسها أم بعارض ما نهى عنه من البيوع؟ وجهان. وهل الإجمال في المعنى المراد دون لفظها لأن لفظ البيع اسم لغوي معناه معقول، لكن لما قام بإزائه من السنة ما يعارضه تدافع معمومان ولم يتعين المراد إلا ببيان السنة فصار مجملاً لذلك دون اللفظ، وفي اللفظ أيضاً لأنه لما يكن المراد منه ما وقع عليه الاسم وكانت له شرائط غير معقولة في اللغة كان مشكلاً أيضاً وجهان. قال: وعلى الوجهين لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده وإن دلت على صحة البيع من أصله. قال: وهذا هو الفرق بين العام والمجمل حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل. والقول الثالث: أنها عامة مجملة معاً. قال: واختلف في وجه ذلك على أوجه. أحدها: أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى، فيكون اللفظ عاماً مخصوصاً والمعنى مجملاً لحقه التفسير. والثاني: أن العموم في وأحل الله البيع والإجمال في وحرم الربا والثالث: أنه كان مجملا، فلما بينه النبي صلى الله عليه وسلم صار عاماً فيكون داخلاً في المجمل قبل البيان وفي العموم بعد البيان، فعلى هذا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها. والقول الرابع: أنها تناولت بيعاً معهوداً ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعاً وحرم بيوعاً، فللام للعهد، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها أه. ومنها: الآيات التي فيها الأسماء الشرعية نحو وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فمن شهد منكم الشهر فليصمه ولله على الناس حج البيت قيل إنها مجملة لاحتمال الصلاة لكل دعاء والصيام لكل إمساك والحج لكل قصد، والمراد بها لا تدل عليه اللغة وافتقر إلى البيان. وقيل لا بل يحمل على كل ما ذكر إلا ما خص بدليل.
تنبيه قال ابن الحصار: من الناس من جعل المجمل والمحتمل بإزاء شيء واحد. قال: والصواب بأن المجمل اللفظ المبهم الذي لا يفهم المراد منه، والمحتمل اللفظ الواقع بالوضع الأول على معنيين مفهومين فصاعداً سواء كان حقيقة في كلها أوبعضها. قال: بينهما أن المحتمل يدل على أمور معروفة واللفظ مشترك متردد بينهما، والمبهم لا يدل على أمر معروف مع القطع بأن الشارع لويفوض لأحد بيان المجمل بخلاف المحتمل.

(1/251)


النوع السابع والأربعون في ناسخه ومنسوخه
أفرده بالتصنيف خلائق لا يخصون، منهم أبوعبيد القاسم بن سلام وأبوداود السجستاني وأبوجعفر النحاس وابن الأنباري ومكي وابن العربي وآخرون. قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ. وقد قال علي لقاض: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. وفي هذا النوع مسائل. الأولى: يرد الناسخ بمعنى الإزالة ومنه قوله (فينسخ اله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته وبمعنى التبديل ومنه وإذا بدلنا آية مكان آية وبمعنى التحويل كتناسخ المواريث بمعنى تحويل الميراث من واحد إلى واحد، وبمعنى النقل من موضع إلى موضع. ومنه نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه حاكياً للفظه وخطه. قال: وهذا الوجه لا يجوز أ، يصح في القرآن، وأنكر على النحاس أجازته ذلك محتجاً بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ، وأنه إنما يأتي بلفظ آخر. وقال السعيدي. يشهد لما قاله النحاس قوله تعالى إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون وقال وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ومعلوم أن ما نزل من الوحي نحو ما جميعه في أم الكتاب وهواللوح المحفوظ كما قال تعالى في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون الثانية: النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير، وقد أجمع المسلمون على جوازه وأنكره اليهود ظناً منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدوله وهوباطل لأنه بيان مدة الحكم كالإحياء بعد الإماتة وعكسه والمرض بعد الصحة وعكسه، والفقر بعد الغنى وعكسه، وذلك لا يكون بداء فكذا الأمر والنهي. واختلف العلماء فقيل: لا ينسخ القرآن إلا بقرآن كقوله تعالى ما ننسخ من آية أوننسها نأت بخير منها لومثلها قالوا: ولا يكون مثل القرآن وخيراً منه إلا قرآن. وقيل بل ينسخ القرآن بالسنة لأنها ايضاً من عند الله، قال تعالى وما ينطق عن الهوى وجعل منه آية الوصية الآتية. والثالث: إذا كانت السنة بأمر الله من طريق الوحي نسخت وإن كانت باجتهاد فلا، حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره. وقال الشافعي: حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن معه سنة عاضدة له ليتبين توافق القرآن والسنة. وقد بسطت فروع هذه المسئلة في شرح منظومة جمع الجوامع في الأصول. الثالثة: لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولوبلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد، وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيراً من آيات الإخبار والوعد والوعيد الرابعة: النسخ أقسام. أحدها: نسخ المأمور قبل امتثاله وهوالنسخ على الحقيقة كآية النجوى. الثني: نسخ مما كان شرعاً لمن قبلنا كآية شرع القصاص والدية، أوكان أمر به أمراً إجمالياً كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة وصوم عاشوراء برمضان، وإنما يسمى هذا نسخاً تجوزاً. الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخاً بل هومن قسم المنسأ كما قال تعالى أوننسأها فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم، بل ينتقل بانتقال تلك العة إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله. وقال مكي: ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعر بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره محكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه

(1/252)


الخامسة. قال بعضهم: سور القرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام: قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ وهوثلاثة وأربعون: سورة الفاتحة ويس والحجرات والرحمن والحديد والصف والجمعة والتحريم والملك والحاقة ونوح والجن والمرسلات وعم والنازعات والانفطار وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن إلا التين والعصر والكافرين. وقسم فيه الناسخ والمنسوخ وهوخمس وعشرون: البقرة وثلاث بعدها، والحج والنور وتاليها، والأحزاب وسبأ والمؤمن والشورى والذاريات والطور والواقعة والمجادلة والمزمل والمدثر وكورت والعصر. وقسم فيه الناسخ فقط وهوستة: الفتح والحشر والمنافقون والتغابن والطلاق والأعلى. وقسم فيه المنسوخ فقط وهوالأرعون الباقية. وفيه نظر يعرف مما سيأتي. السادسة: قال مكي: الناسخ أقسام: فرض نسخ فرضاً لا يجوز العمل بالأول كنسخ الحبس للزواني بالحد. وفرض نسخ فرضاً ويجوز العمل بالأول كآية المصاهرة. وفرض نسخ ندباً كالقتال كان ندباً ثم صار فرضاً. وندب نسخ فرضاً كقيام الليل نسخ بالقراءة في قوله (فاقرءوا ما تيسر من القرآن. السابعة: النسخ في القرآن على ثلاثة أضرب. أحدها: ما نسخ تلاوته وحكمه معاً. قالت عائشة: كان فيما أنزل عشر مرضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ في القرآن. رواه الشيخان، وقد تكلموا في قولها: وهن مما يقرأ من القرآن، فإن ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك. وأجيب بأن المراد قارب الوفاة، أوأن التلاوة نسخت أيضاً ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوفي وبعض الناس يقرؤها. وقال أبوموسى الأشعري: نزلت ثم رفعت. وقال مكي: هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو، والناسخ أيضاً غير متلو، ولا أعلم له نظيراً أه. الضرب الثاني: ما نسخ حكمه دون تلاوته، وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة، وهوعلى الحقيقة قليل جداً وإن أكثر الناس من تعديد الآيات فيه فإن المحققين منهم كالقاضي أبي بكر بن العربي بين ذلك وأتقنه.

(1/253)


والذي أقوله: إن الذي أورده المكثرون أقسام: قسم ليس من النسخ في شيء ولا من التخصيص ولا له علاقة هما بوجه من الوجوه، وذلك مثل قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون وأنفقوا مما رزقناكم ونحوذلك، قالوا: إنه منسوخ بآية الزكاة، وليس كذلك هوباق، أما الأولى فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة على الأهل وبالإنفاق في الأمور المندوبة كالإعانة والإضافة، وليس في الآية ما يدل على أنها نفقة واجبة غير الزكاة، والآية الثانية يصلح حملها على الزكاة وقد فسرت بذلك، وكذا قوله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمين قيل إنها مما نسخ بآية السيف، وليس كذلك لأنه تعالى احكم الحاكمين أبداً،، لا يقبل هذا الكلام النسخ وإن كان معناه الأمر بالتفويض وترك المعاقبة. وقوله في البقرة وقولوا للناس حسناً عده بعضه من المنسوخ بآية السيف، وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهوخبر فلا نسخ فيه وقس على ذلك، وقسم هون قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ. وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد كقوله (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا والشعراء يتبعهم الغاوون إلا الذين آمنوا فاغفروا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء أوغاية. وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ، ومنه قوله (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قيل إنه نسخ بقوله (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وإنما هومخصوص به. وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أوفي شرائع من قبلنا أوفي أول الإسلام ولم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية القصاص والدية، وحصر الطلاق في الثلاث، وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب، ولكن عدم إدخاله أقرب، وهوالذي رجحه مكي وغيره، ووجهوه ب، ذلك لوعد في الناسخ لعد جميع القرآن منه إذ كله أوأكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب. قالوا: وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية أه. نعم النوع الآخر منه وهورافع ما كان في أول الإسلام إدخاله أوجه من القسمين قبله، إذا علمت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير مع آيات الصفح والعفوإن قلنا إن آية السيف لم تنسخها، وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير، وقد أفردته بأدلته في تأليف لطيف، وها أنا أورده هنا محرراً.

(1/254)


فمن البقرة قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) الآية منسوخة، قيل بآية المواريث، وقيل بحديث ألا لا وصية لوارث وقيل بالإجماع حكاه ابن العربي. قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية قيل منسوخه بقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقيل محكمة ولا مقدرة. قوله (أحل لكم ليلة الصيام الرفث ناسخة لقوله (كما كتب على الذين من قبلكم لأن مقتضاها الموافقة فيما كان عليهم من تحريم الأكل والوطء بعد النوم، ذكره ابن العربي. وحكى قولاً آخر أنه نسخ لما كان بالسنة قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام) الآية منسوخة بقوله (وقاتلوا المشركين كافة) الآية، أخرجه ابن جرير عن عطاء بن ميسرة. قوله تعالى والذين يتوفون منكم إلى قوله (متاعاً إلى الحول منسوخة بآية أربعة أشهر وعشراً والوصية منسوخه بالميراث، والسكنى ثابتة عند قوم منسوخة عند آخرين بحديث ولا سكنى قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أوتخفوه يحاسبكم به الله منسوخة بقوله بعده لا يكلف الله نفساً إلا وسعها . ومن آل عمران قوله تعالى اتقوا الله حق تقاته قيل إنه منسوخ بقوله (فاتقوا الله ما استطتعم وقيل لا بل هومحكم، وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه الآية. ومن النساء قوله تعالى والذين عاقدت إيمانكم فآتوهم نصيبهم منسوخة بقوله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله قوله تعالى وإذا حضر القسمة) الآية، قيل منسوخة، وقيل لا، ولكن تهاون الناس بالعمل بها. قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة) الآية منسوخة بآية النور من المائدة. قوله تعالى ولا الشهر الحرام منسوخة بإباحة القتال فيه. قوله تعالى فإن جاءوك فاحكم بينهم أوأعرض عنهم منسوخة بقوله (وأن احكم بينهم بما أنزل الله قوله تعالى وآخران من غيركم منسوخ بقوله (وأشهدوا ذوي عدل منكم ومن الأنفال قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون) الآية منسوخة بالآية بعدها. ومن براءة قوله تعالى انفروا خفافاً وثقالاً منسوخة بآية العذر وهوقوله (ليس على الأعمى حرج) الآية. وقوله (ليس على الضعفاء الآيتين، وبقوله (وما كان المؤمنون لينفروا كافة .
ومن النور قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية) الآية منسوخة بقوله (وانكحوا الأيامي منكم قوله تعالى ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) الآية، قيل منسوخة، وقيل لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها. ومن الأحزاب قوله تعالى لا تحل لك النساء) الآية منسوخة بقوله (إنا أحللنا لك أزواجك) الآية. ومن المجادلة قوله تعالى إذ ناجيتم الرسول فقدموا) الآية منسوخة بالآية بعدها. ومن الممتحنة قوله تعالى فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا قل منسوخ بآية السيف، وقيل بآية الغنيمة، وقيل محكم. ومن المزمل قوله (قم الليل إلا قليلا منسوخ بآخر السورة، ثم نسخ الآخر بالصلوات الخمس. فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلاف في بعضها لا يصح دعوى النسخ في غيرها، والأصح في آية الاستئذان والقسمة الأحكام فصارت تسعة عشر. ويضم إليها قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله على رأي ابن عباس أنها منسوخة بقوله (فول وجهك شطر المسجد الحرام) الآية، فتمت عشرون، وقد نظمتها في أبيات فقلت:
وقد أكثر الناس في المنسوخ من عدد ... وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر
وهاك تحرير أي لا مزيد لها ... عشرين حررها الحذاق والكبر
آي التوجه حيث المرء كان وإن ... يوصي لأهليه عند الموت محتضر
وحرمة الكل بعد النوم مع رفث ... وفدية لمطيق الصوم مشتهر
وحق تقواه فيما صح في أثر ... وفي الحرام قتال للألى كفروا
والاعتداد بحول مع وصيتها ... وإن يدان حديث النفس والفكر
والحلف والحبس للزاني وترك أولى ... كفروا شهادهم والصبر والنفر
ومنع عقد لزان أولزانية ... وما على المصطفى في العقد محتظر
ودفع مهر لمن جاءت وآية نج ... واه كذاك قيام الليل مستطر
وزيد آية الاستئذان من ملكت ... وآية القسمة الفضلى لمن حضروا

(1/255)


فإن قلت: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة. والثاني: أن النسخ غالباً يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيراً للنعمة ورفع المشقة. وأما ما ورد في القرآن ناسخاً لما كان عليه الجاهلية أوكان في شرع من قبلنا أوفي أول الإسلام فهوأيضاً قليل العدد كنسخ استقبال بيت المقدس بآية القبلة وصوم عاشوراء بصوم رمضان في أشياء أخر حررتها في كتابي المشار إليه.
فوائد منثورة قال بعضهم: ليس في القرآن ناسخ إلا والمنسوخ قبله في الترتيب إلا في آيتين: آية العدة في البقرة، وقوله (لا تحل لك النساء كما تقدم. وزاد بعضهم ثالثة وهي آية الحشر في الفيء على رأي من قال إنها منسوخة بآية الأنفال واعلموا أنما غنمتم من شيء وزاد قوم رابعة وهي قوله (خذ العفو يعني الفضل من أموالهم على رأي من قال أنها نسوخة بآية الزكاة. وقال ابن العربي: كل ما في القرآن من الصفح على الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم منسوخ بآية السيف وهي فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) الآية نسخ مائة وأربعة وعشرين آية، ثم نسخ آخرها أولها أه. وقد تقدم ما فيه. وقال أيضاً: من عجيب المنسوخ قوله تعالى خذ العفو الآية فإن أولها وآخرها وهو وأعرض عن الجاهلين منسوخ، ووسطها محكم، وهو وأمر بالعرف وقال: من عجيبه أيضاً آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ ولا نظير لها، وهي قوله (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم يعني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا ناسخ لقوله (عليكم أنفسكم وقال السعيدي: لم يمكث منسوخ مدة أكثر من قوله تعالى قل ما كنت بدعاً من الرسل) الآية، مكثت ستة عشر سنة حتى نسخها أول الفتح عام الحديبية. وذكر هبة الله بن سلامة الضرير أنه قال في قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه) الآية: أن المنسوخ من هذه الجملة وأسيراً والمراد بذلك أسير المشركين، فقرئ عليه الكتاب وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت له: أخطأت يا أبت، قال: وكيف؟ قالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعاً، فقال: صدقت. وقال شيدلة في البرهان: يجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخاً كقوله (لكم دينكم ولي دين نسخها قوله تعالى اقتلوا المشركين ثم نسخ هذه بقوله (حتى يعطوا الجزية كذا قال، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: ما تقدمت الإشارة إليه. والآخر أن قوله (حتى يعطوا الجزية مخصص للآية لا ناسخ. نعم يمثل له بآخر سورة المزمل فإنه ناسخ لأولها منسوخ بفرض الصلوات. وقوله (انفروا خفافاً وثقالاً ناسخ لآيات الكف منسوخ بآيات العذر. وأخرج أبوعبيد عن الحسن وأبي ميسرة قالا: ليس في المائدة منسوخ، ويشكل بما في المستدرك عن ابن عباس أن قوله (فاحكم بينهم أوأعرض عنهم منسوخ بقوله (وأن احكم بينهم بما أنزل الله وأخرج أبوعبيد وغيره عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن نسخ القبلة. وأخرج أبوداود في ناسخه من وجه أخذ عنه قال: أول آية نسخت من القرآن القبلة، ثم الصيام الأول. قال مكي: وعلى هذا فلم يقع في المكي ناسخ. قال: وقد ذكر أنه وقع فيه في آيات منها قوله تعالى في سورة غافر والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا فإنه ناسخ لقوله (ويستغفرون لمن في الأرض قلت: أحسن من هذه نسخ قيام الليل في أول سورة المزمل بآخرها، وبإيجاب الصلوات الخمس وذلك بمكة اتفاقاً.
تنبيه قال ابن الحصار: إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوعن صحابي يقول آية كذا نسخت كذا. قال: وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر. قال: ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بينة، لا، النسخ يتضمن رفع حكم إثبات حكم تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد. قال: والناس في هذا بين طري نقيض، فمن قائل لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أومجتهد، والصواب خلاف قولهما أه.

(1/256)


الضرب الثالث: ما نسخ تلاوته دون حكمه. وقد أورد بعضهم فيه سؤالاً وهو: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم، وهلا أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وأجاب صاحب الفنون بأن الذي ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طريق الوحي. وأمثلة هذا الضرب كثيرة. قال أبوعبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله قد ذهب قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر.

(1/257)


قال: حدثنا ابن أبي مريم عن أبي لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير بن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن. وقال: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن المبارك بنفضالة عن عاصم بن أبي النجود عن ذر بن حبسش: قال لي أبيّ بن كعب: كأين تعد سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين آية أوثلاثة وسبعين آية، قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. قلت: وما آية الرجم قال: إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم. وقال: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن أبي أمامة بن سهل أن خالته قالت: لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم: الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة. وقال: حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن أبي حميد عن حميدة بنت أبي يونس قالت: قرأ على أبي وهوابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلى الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف. وقال: حدثنا عبد الله ابن صالح عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا مما أوحى إليه. قال: فجئت ذات يوم فقال: إن الله يقول: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولوأن لابن آدم لأحب أن يكون إليه الثاني، ولوكان غليه الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومن بقيتها: لوأن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانياً، وإن سأل ثانياً فأعطيه سأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرنية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره وقال أبوعبيد: حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحوبراءة ثم رفعت وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولوأن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب وأخرج ابن أبى حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات ما نسناها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون: فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة وقال أبوعبيد: حدثنا حجاج عن سعيد عن الحكم بت عتيبة عن عديّ ابن عديّ قال: قال عمر: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم. ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك؟ قال: نعم. وقال: حدثنا ابن أبى مريم عن نافع بن عمر الجمحي، حدثني ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة فإنا لا نجدها. قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن. وقال حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمروالمعافري عن أبي سفيان الكلاعي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم: أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف، فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال ابن مسلمة: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال: إنها مما نسخ فألهوا عنها. وفي الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت يدعوعلى قاتليهم قال أنس: ونزل فيهم قرآناً

(1/258)


قرأناه حتى رفع: أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. وفي المستدرك عن حذيفة قال: ما تقرءون ربعها: يعني براءة. قال الحسين بن المناري في كتابه الناسخ والمنسوخ: ومما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر وتسمى سورتي الخلع والحفد.ناه حتى رفع: أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. وفي المستدرك عن حذيفة قال: ما تقرءون ربعها: يعني براءة. قال الحسين بن المناري في كتابه الناسخ والمنسوخ: ومما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا القنوت في الوتر وتسمى سورتي الخلع والحفد.
تنبيه حكى القاضي أبو بكر في الانتصار عن قوم إنكار هذا الضرب، لأن الأخبار فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها. وقال أبو بكر الرازي: نسخ الرسم والتلاوة، وإنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرناها في كتابه في قوله (إن هذا لفي الصحف الأولى. صحف إبراهيم وموسى ولا يعرف اليوم منها شيء، ثم لا يخلوذلك من أن يكون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا توفي لا يكون متلواً من القرآن أويموت وهومتلوموجود بالرسم ثك ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانهم، وغير جائز نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أه. وقال في البرهان في قول عمر: لولا أن تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: يعني آية الرجم. ظاهرة أن كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس. والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه، فإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة لأن هذا شأن المكتوب. وقد يقال لوكانت التلاوة باقية لبادر عمر ولم يعرج على مقالة الناس، لأن مقالة الناس لا يصلح مانعاً. وبالجملة هذه الملازمة مشكلة، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم، ومن هنا أنكر ابن ظفر في الينبوع عد هذا مما نسخ تلاوته. قال: لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن. قال: وإنما هذا من المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان، والفرق بينهما أن المنسأ لفظ قد يعلم حكمه أه. وقوله لعله كان يعتقد أنه أخبر واحد مردود، فقد صح أن تلقاها من النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال: كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان المصحف فمرا على هذه الآية فقال زيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، فقال عمر: لما نزلت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أكتبها، فكأنه كره ذلك، فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنا وقد أحصن رجم؟ قال ابن حجر في شرح المنهاج: فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها، قلت: وخطر لي في ذلك نكتة حسنة، وهوأ، سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقياً لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود، وفيه الإشارة إلى ندب الستر. وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: ألا تكتبها في المصحف؟ قال: ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان، ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر: أنا أكفيكم فقال: يا رسول الله اكتب لي آية الرجم، قال: لا تستطيع. قوله اكتب لي: أي ائذن في كتابتها ومكني من ذلك. واخرج ابن الضريس في فضل القرآن عن يعلي بن حكيم عن زيد أن عمر خطب الناس فقال: لا تشكوفي الرجم فإنه حق، ولقد هممت ا، أكتبه في المصحف، فسألت أبيّ بن كعب فقال: أليس أتيتني وأنا استقرئها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فدفعت في صدري وقلت: تستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر؟ قال ابن حجر وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها وهوالاختلاف.
تنبيه قال ابن الحصار: في هذا النوع إن قيل كيف يقع النسخ إلى غير بدل وقد قال تعالى ما ننسخ من آية أوننسها نأت بخير منها أومثلها وهذا إخبار لا يدخله خلف، فالجواب أن تقول: كل ما ثبت الآن في القرآن ولم ينسخ فهوبدل مما قد نسخت تلاوته، فكل ما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله بما علمناه وتواتر إلينا لفظه ومعناه.

(1/259)


النوع الثامن والأربعون في مشكله وموهم الاختلاف والتناقض
أفرده بالتصنيف قطرب، والمراد به ما يوهم التعارض بين الآيات، وكلامه تعالى منزه عن ذلك كما قال ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافاً وليس به في الحقيقة فاحتيج لإزالته، وكما صنف في مختلف الحديث وبيان الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وقد تكلم في ذلك ابن عباس، وحكى عنه التوقف في بعضها. قال عبد الرزاق في تفسيره: أنبأنا معمر عن رجل عن المنهال بن عمروعن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: رأيت أشياء تختلف عليّ من القرآن، فقال ابن عباس: ما هو، أشك؟ قال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، قال: هات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع الله يقول ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين وقال ولا يكتمون الله حديثاً فقد كتموا، وأسمعه يقول فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم قال وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقال أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين حتى بلغ طائعين ثم قال في الآية الأخرى أم السماء بناها ثم قال والأرض بعد ذلك دحاها وأسمعه يقول وكان الله ما شأنه يقول وكان الله؟ فقال ابن عباس: أما قوله (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين فإنهم لما رأوا يوم القيامة والله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركاً ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم، فقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك يود الذين كفروا وعصوا الرسول لوتسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً وأما قوله (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإنه إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله (خلق الأرض في يومين فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله (والأرض بعد ذلك دحاها يقول: جعل فيها جبلاً وجعل فيها نهراً شجراً وجعل فيها بحوراً. وأما قوله (كان الله فإن الله كان ولم يزل كذلك وهوكذلك عزيز حكيم عليم قدير لم يزل كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهويشبه ما ذكرت لك، وإن الله لم ينزل إلا وقد أصاب به الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون أخرجه بطوله الحاكم في المستدرك وصححه، وأصله في الصحيح.

(1/260)


قال ابن حجر في شرحه: حاصل فيه السؤال عن أربعة مواضع. الأول: نفي المسألة يوم القيامة وإثباتها. الثاني: كتمان المشركين حالهم وإفشؤه. الثالث: خلق الأرض أوالسماء أيهما تقدم. الرابع: الإتيان بحرف كان الدالة على المضي مع أن الصفة لازمة. وحاصل جواب ابن عباس عن الأول: أن نفى المسألة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك. وعن الثاني: أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم وعن الثالث: أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة، ثم خلق السموات فسواهن في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين، فتلك أربعة أيام للأرض. وعن الرابع: بأن كان وإن كانت للماضي لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل المراد أنه لم يزل كذلك، فأما الأول فقد جاء فيه تفسير آخر أن نفي المسئلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك، وهذا منقول عن السدي، أخرجه ابن جرير من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أن نفي المسئلة عند النفخة الأولى وإثباتها بعد النفخة الثانية. وقد تأول ابن مسعود نفي المسألة على معنى آخر وهوطلب بعضهم من بعض العفو، فأخرج ابن جرير من طريق زاذان قال: أتيت ابن مسعود فقال: يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فينادي: ألا إن هذا فلان بن فلان، فمن كان له حق قبله فليأت، قال: فتود المرأة يومئذ أن يثبت لها حق على أبيها أوابنها أوأخيها أوزوجها فلا أنساب بينهم يومئ ولا يتساءلون ومن طريق أخرى قال: لا يسئل أحد يومئذ بنسب شيئاً ولا يتساءلون به، ولا يمت برحم. وأما الثاني فقد ورد بأبسط منه فيما أخرجه ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: قول الله ولا يكتمون الله حديثاً وقوله (والله ربنا ما كنا مشركين فقال: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت لهم آتى ابن عباس ألقى عليه متشابه القرآن؟ فأخبرهم أن الله إذا جمع الناس يوم القيامة قال المشركون: إن الله لا يقبل إلا ممن وحده، قيسألهم فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم على أفواههم وتستنطق جوارحهم. ويؤيده ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في أثناء حديث وفيه: ثم يلقي الثالث فيقول: رب آمنت بك وبكتابك ورسولك. ويثني ما استطاع فيقول: الآن نبعث شاهداً عليك، فيذكر في نفسه من الذي يشهد عليّ فيختم على فيه وتنطق جوارحه. وأما الثالث ففيه أجوبة أخرى: منها أن ثم بمعنى الواوفلا إيراد. وقيل المراد ترتيب الخبر لا المخبر به كقوله (ثم كان من الذين آمنوا وقيل على بابها وهي لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في الزمان. وقيل خلق بمعنى قدر. وأما الرابع وجواب ابن عباس عنه فيحتمل كلامه أنه أراد أنه سمى نفسه غفوراً رحيماً، وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقضى. وأما الصفتان فلا تزالان كذلك لا ينقطعان، لأنه تعالى إذا أراد المغفرة والرحمة في لا حال أوالاستقبال وقع مراده، قاله الشمس الكرماني. قال: ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين: أحدهما أن التسمية هي التي كانت وانتهت والصفة لا نهاية لها. والآخر أن معنى كان الدوام فإنه لا يزال كذلك. ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين والجواب على دفعهما، كأن يقال: هذا اللفظ مشعر بأنه في الزمان الماضي كان غفوراً رحيماً، مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أويرحم، وبأنه ليس في الحال كذلك كما يشعر به لفظ كان. والجواب عن الأول بأنه كان في الماضي يسمى به. وعن الثاني بأن كان تعطي معنى الدوام. وقد قال النحاة: كان لثبوت خبرها ماضياً دائماً أومنقطعاً. وقد أخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أن يهودياً قال له: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزاً حكيماً فكيف هو اليوم؟ فقال: إنه كان في نفسه عزيزاً حكيماً. موضع آخر توقف فيه ابن عباس قال أبوعبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة، وقوله (يوم كان مقدره خمسين ألف سنة فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه الله أعلم بهما. وأخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه وزاد: ما أدري ما هي وأكره أن أقول فيهما ما لا أعلم. قال ابن أبي مليكة: فضربت البعير حتى دخلت على سعيد بن المسيب، فسئل عن ذلك فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما حضرت من ابن عباس؟ فأخبرته فقال

(1/261)


ابن المسيب للسائل: هذا ابن عباس قد اتقى فيها وهوأعلم مني. وروي عن ابن عباس أيضاً أن يوم الألف هومقدار سير الأمر وعروجه إليه، ويوم الألف في سورة الحج هوأحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات، ويوم الخمسين ألف، هويوم القيامة. فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك بن عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً قال له: حدثني ما هؤلاء الآيات في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة و يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة قال: وإن يوماً عند ربك كألف سنة فقال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة، والسموات في ستة أيام كل يوم يكون ألف سنة، ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدراه ألف سنة. قال: ذلك مقدار السير. وذهب بعضهم إلى أن المراد بها يوم القيامة، وأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل قوله (يوم عسير على الكافرين غير يسير .ن المسيب للسائل: هذا ابن عباس قد اتقى فيها وهوأعلم مني. وروي عن ابن عباس أيضاً أن يوم الألف هومقدار سير الأمر وعروجه إليه، ويوم الألف في سورة الحج هوأحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات، ويوم الخمسين ألف، هويوم القيامة. فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سماك بن عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً قال له: حدثني ما هؤلاء الآيات في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة و يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة قال: وإن يوماً عند ربك كألف سنة فقال: يوم القيامة حساب خمسين ألف سنة، والسموات في ستة أيام كل يوم يكون ألف سنة، ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدراه ألف سنة. قال: ذلك مقدار السير. وذهب بعضهم إلى أن المراد بها يوم القيامة، وأنه باعتبار حال المؤمن والكافر بدليل قوله (يوم عسير على الكافرين غير يسير .
فصل قال الزركشي في البرهان: للاختلاف أسباب. أحدها: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى كقوله في خلق آدم من تراب، ومرة من حمأ مسنون، ومرة من طين لازب، ومرة من صلصال كالفخار، فهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة، لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر، وهوالتراب، ومن التراب درجت هذه الأحوال. وكقوله (فإذا هي ثعبان وفي موضع تهتز كأنها جان والجان: الصغير من الحيات، والثعبان الكبير منها، وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم، واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته. الثاني: لاختلاف الموضع كقوله (وقفوهم إنهم مسئولون وقوله (فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين مع قوله (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل. والثانية على ما يستلزمه الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه، وحمله غيره على اختلاف الأماكن لأن في القايمة مواقف كثيرة. ففي موضع يسئلون، وفي آخر لا يسألون. وقيل إن السؤال المثبت سؤال تبكيت وتوبيخ، والمنفي سؤال المعذرة وبيان الحجة. وكقوله (اتقوا الله حق تقاته مع قوله (فاتقوا الله ما استطعتم حمل الشيخ أبو الحسن الشاذلي الأولى على التوحيد بدليل قوله بعدها ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون والثانية على الأعمال. وقيل: بل الثانية ناسخة للأولى. وكقوله (فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة مع قوله (ولن يستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولوحرصتم فالأولى تفهم إمكان العدل، والثانية تنفيه. والجواب أن الأولى في توفية الحقوق، والثانية في الميل القلبي، وليس في قدرة الإنسان. وكقوله (إن الله لا يأمر بالفحشاء مع قوله (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فالأولى في الأمر الشرعي، والثانية في الأمر الكوني، بمعنى القضاء والتقدير.
الثالث: لاختلافهما في جهتي الفعل كقوله (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. وما رميت إذ رميت أضيف القتل إليهم والرمي إليه صلى الله عليه وسلم على جهة الكسب والمباشرة. ونفاه عنهم وعنه باعتبار التأثير.

(1/262)


الرابع: لاختلافهما في الحقيقة والمجاز وترى الناس سكارى وما هم بسكارى أي سكارى من الأهوال مجازاً لا من الشراب حقيقة. الخامس: بوجهين واعتبارين كقوله (فبصر اليوم حديد مع قوله (خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي قال قطرب: فبصرك: أي علمك ومعرفتك بها قوية من قولهم بصر بكذا: أي علم، وليس المراد رؤية العين. قال الفارسي: ويدل على ذلك قولك فكشفنا عنك غطاءك وكقوله (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله مع قوله (إنما المؤمنون الذين ذكر الله وجلت قلوبهم فق يظن أن الوجل خلاف الطمأنينة. وجوابه أن الطمأنينة تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك، وقد جمع بينهما في قوله (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ومما استشكلوه قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أويأتيهم العذاب قبلاً فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد هذين الشيئين. وقال في آية أخرى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاء الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً فهذا حصر آخر في غيرهما. وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية الأولى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة أن تأتيهم سنة الأولين من الخسف أوغيره أويأتيهم العذاب قبلاً في الآخرة، فأخبر انه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين. ولا شك أن إرادة الله ما نعة من وقوع ما ينافي المراد، فهذا حصر في السبب الحقيقي لأن الله هو المانع في الحقيقة. ومعنى الآية الثانية وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثه بشراً ورسولاً، لأن قولهم ليس مانعاً من الإيمان لأنه لا يصلح لذلك وهويدل على الاستغراب بالالتزام وهوالمناسب للمانعية، واستغرابهم ليس مانعاً حقيقياً بل عادياً لجواز وجود الإيمان معه بخلاف إرادة الله تعالى، فهذا حصر في المانع العادي، والأول حصر في المانع الحقيقي فلا تنافي أيضاً. ومما استشكل أيضاً قوله تعالى فمن افترى على الله كذباً فمن أظلم ممن كذب على الله مع قوله (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ومن أظلم ممن منع مساجد الله إلى غير ذلك من الآيات. ووجهه أن المراد بالاستفهام هنا النفي، والمعنى: لا أحد أظلم، فيكون خبراً، وإذا كان خبراً وأخذت الآيات على ظواهرها أدى إلى التناقض. وأجيب بأوجه. منها: تخصيص كل موضع بمعنى صلته: أي لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذباً، وإذا تخصص بالصلاة فيها زال التناقض. ومنها: أن التخصيص بالنسبة إلى السبق لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكاً طريقهم، وهذا يئول معناه إلى ما قبله، لأن المراد السبق إلى المانعية والافترائية. ومنها: وادعى أبوحيان أنه الصواب أن نفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية لأن نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق، وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يلزم التناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية، وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر لأنهم يتساوون في الأظلمية، وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن افترى، ومن منع ونحوها، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية، ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر كما إذا قلت: لا أحد أفقه منهم أه. وحاصل الجواب أن نفي التفضيل لا يلزم منه نفي المساواة. وقال بعض المتأخرين: هذا استفهام مقصود به التهويل والتفظيع من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة ولا نفيها عن غيره. وقال الخطابي: سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال: سأل رجل بعض العلماء عن قوله (لا أقسم بهذا البلد فأخبر أنه لا يقسم به، ثم أقسم به في قوله و هذا البلد الأمين فقال: أيما أحب إليك أجيبك ثم أفظعك، أوأفظعك ثم أجيبك، فقال: بل أفظعني ثم أجبني، فقال له: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم، وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيهم غمزاً وعليه مطعناً، فلوكان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه، ولكن القوم علموا وجهلت ولم ينكروا منه ما أنكرت. ثم قال له: إن العرب

(1/263)


قد ندخل لا في كلامها وتلغي معناها، وأنشد فيه أبياتاً.د ندخل لا في كلامها وتلغي معناها، وأنشد فيه أبياتاً.
تنبيه قال الأستاذ أبوإسحاق الإسفرايني: إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب والجمع طلب التاريخ وترك المتقم بالمتأخر ويكون ذلك نسخاً، وإن لم يعلم وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على العمل بها. قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوصفين. قال غيره: وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين نحو وأرجلكم بالنصب والجر، ولهذا جمع بينهما بحمل النصب على الغسل، والجر على مسح الخف. وقال الصيرفي: جماع الاختلاف والتناقض أن كلام صح أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ ما ضاده من كل جهة، ولا يوجد في الكتاب والسنة شيء من ذلك أبداً، وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين. وقال القاضي أبو بكر: لا يجوز تعارض أي القرن والآثار وما يوجبه العقل، فلذلك لم يجعل قوله (الله خالق كل شيء معارضاً لقوله (وتخلقون إفكاً وإذ تخلق من الطين لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله، فتعين تأويل ما عارضه فيؤول وتخلقون على تكذبون، وتخلق على تصور.
فائدة قال الكرماني عند قوله تعالى ولوكان من عند غير الله لوجدوا فيها اختلافاً كثيراً الاختلاف على وجهين: اختلاف تناقض وهوما يدعوفيه أحد الشيئين إلى الخلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرن. واختلاف تلازم وهوما يوافق الجانبين كاختلاف وجوه القراءة واختلاف مقادير السور والآيات واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ والأمر والنهي والوعد والوعيد.

النوع التاسع والأربعون في مطلقه ومقيده
المطلق الدال على الماهية بلا قيد، وهومع القيد كالعام مع الخاص. قال العلماء: متى وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه وإلا فلا، بل يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، لأن الله تعالى خاطبنا بلغة العرب. والضابط أن الله إذا حكم في شيء بصفة أوشرط ثم ورد حكم آخر مطلق النظر: فإن لم يكن له أصل يرد إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به، وإن كان له أصل يرد غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر. فالأول مثل اشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والفراق والوصية في قوله (واشهدوا ذوي عدل منكم وقوله (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم وقد أطلق الشهادة في البيوع وغيرها في قوله (واشهدوا إذا تبايعتم فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم والعدالة شرط في الجميع. ومثل تقييده ميراث الزوجين بقوله (من بعد وصية يوصين بها أودين وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه، وكذلك ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين، وكذلك ما اشترط في كفارة القتل من الرقبة المؤمنة، وإطلاقها في كفارة الظهار واليمين، والمطلق كالمقيد في وصف الرقبة، وكذلك تقييد الأيدي بقوله (إلى المرافق في الوضوء وإطلاقه التيمم وتقييد إحباط العمل بالردة بالموت على الكفر في قوله ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهوكافر) الآية، وأطلق في قوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وتقييد تحريم الدم بالمسفوح في الأنعام وأطلق فيما عداها. فمذهب الشافعي حمل المطلق على المقيد في الجميع ومن العلماء من لا يحمله، ويجوز إعتاق الكافر في كفارة الظهار واليمين، ويكتفى في التيمم بالمسح إلى الكوعين، ويقول: إن الردة تحبط العمل بمجردها. والثاني: مثل تقييد الصوم بالتتابع في كفارة القتل والظهار، وتفييده بالتفريق في صوم التمتع، وأطلق كفارة اليمين وقضاء رمضان، فيبقى على إطلاقه من جوازه مفرقاً ومتتابعاً لا يمكن حمله عليهما لتنافي القيدين، وهما التفريق والتتابع، وعلى أحدهما لعدم المرجح.
تنبيهان. الأول إذا قلنا: يحمل المطلق على المقيد هل هومن وضع اللغة أوبالقياس؟ مذهبان.
وجه الأول أن العرب من مذهبها استحباب الإطلاق اكتفاء بالقيد وطلباً للإيجاز والاختصار.

(1/264)


الثاني: ما تقدم محله إذا كان الحكمان بمعنى واحد. وإنما اختلفا في الإطلاق والتقييد، فأما إذا حكم في شيء بأمور ثم في آخر ببعضها وسكت فيه عن بعضها فلا يقتضي الإلحاق كالأمر بغسل الأعضاء الأربعة في الوضوء وذكر في التيمم عضوين، فلا يقال بالحمل ومسح الرأس والرجلين بالتراب فيه أيضاً، وكذلك ذكر العتق والصوم والإطعام في كفارة الظهار، واقتصر في كفارة القتل على الأولين ولم يذكر الإطعام، فلا يقال بالحمل وإبدال الصيام بالطعام.

النوع الخمسون في منطوقه ومفهومه
المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق، فإن أفاد معنى لا يحتمل غيره فالنص نحو فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وقد نقل عن قوم من المتكلمين أنهم قالوا بندور النص جداً في الكتاب والسنة، وقد بالغ إمام الحرمين وغيره في الرد. قال: لأن الغرض من النص الاستقلال بإفادة المعنى على قطع مع انحسام جهات التأويل والاحتمال، وهذا وإن عز حصوله بوضع الصيغ رداً إلى اللغة فما أكثره مع القرأئن الحالية والمقالية أومع احتمال غيره احتمالاً مرجوحاً، فالظاهر نحو فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الباغي يطلق على الجاهل وعلى الظالم وهوفيه أظهر وأغلب، ونحو ولا تقربوهن حتى يطهرن فإنه يقال للانقطاع طهر وللوضوء والغسل، وهوفي الثاني أظهر وإن حمل على المرجوح لدليل فهوتأويل، ويسمى المرجوح المحمول عليه مؤولاً كقوله (وهومعكم أينما كنتم فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات فتعين صرفه عن ذلك، وحمله على القدرة والعلم والحفظ الرعاية، وكقوله (وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة فإنه يستحيل حمله على الظاهر لاستحالة أن يكون للإنسان أجنحة فيحمل على الخضوع وحسن الخلق، وقد يكون مشتركاً بين حقيقتين أوحقيقة ومجاز ويصح حمله عليهما جميعاً فيحمل عليهما جميعاً، سواء قلنا بجواز استعمال اللفظ في معنييه أولاً. ووجهه على هذا أن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين، مرة أريد هذا ومرة أريد هذا، ومن أمثلته ولا يضار كاتب ولا شهيد فإنه يحتمل ولا يضار الكاتب والشهيد صاحب الحق بجور في الكتابة والشهادة. ولا يضار بالفتح: أي لا يضار هما صاحب الحق بإلزامهما مالا يلزمهما وإجبارهما على الكتابة والشهدة. ثم إن توقفت صحة دلالة اللفظ على إضمار سميت دلالة اقتضاء نحو واسئل القرية أي أهلها. وإن لم تتوقف ودل اللفظ على ما لم تقصد به سميت دلالة إشارة كدلالة قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم على صحة صوم من أصبح جنباً، وإذ إباحة الجماع إلى طلوع الفجر تستلزم كونه جنباً في جزء من النهار، وقد حكى هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي.
فصل والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، وهوقسمان: مفهوم موافق، ومفهوم مخالفة. فالأول: ما يوافق حكمه المنطوق، فإن كان أولى سمي فحوى الخطاب كدلالة فلا تقل لهما أف على تحريم الضرب لأنه أشد، وإن كان مساوياً سمي لحن الخطاب: أي معناه كدلالة إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً على تحريم الإراق لأنه مساوللأكل في الإتلاف. واختلف هل دلالة ذلك قياسية أولفظية، مجازية أوحقيقية على أقوال بيناها في كتبنا الأصولية. والثاني: ما يخالف حكمه المنطوق، وهوأنواع: مفهوم صفة نعتاً كان أوحالاً أوظرفاً أوعدداً نحو إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا مفهومه أن غير الفاسق لا يجب التبيين في خبره فيجب قبول خبر الواحد العدل ولا تباشرهن وأنتم عاكفون في المساجد.

(1/265)


الحج اشهر معلومات أي فلا يصح الإحرام به في غيرها فاذكروا الله عند المشعر الحرام أي فالذكر عند غيره ليس محصلاً للمطلوب فاجلدوهم ثمانين جلدة أي لا أقل ولا أكثر. وشرط نحو وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن أي فغير أولات الحمل لا يجب الإنفاق عليهن. وغاية نحو فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره أي فإذا نكحته تحل الأول بشرطه. وحصر نحو لا إله إلا الله إنما إلهكم الله أي فغيره ليس بإله، فالله هو الولي: أي فغيره ليس بولي لئلا الله تحشرون أي لا إلى غيره إياك نعبد أي لا غيرك. واختلف في الاحتجاج بهذه المفاهيم على أقوال كثيرة، والأصح في الجملة أنها كلها حجة بشروط. منها: أن لا يكون المذكور خرج للغالب ومن ثم لم يعتبر الأكثرون مفهوم قوله (وربائبكم اللاتي في حجوركم فإن الغالب كون الربائب في حجور الأزواج فلا مفهوم له، لأنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن، وأن لا يكون موافقاً للواقع، ومن ثم لا مفهوم لقوله (ومن يدع إلى الله إلهاً آخر لا برهان له به وقوله (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وقوله (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً والإطلاع على ذلك من فوائد معرفة أسباب النزول.
فائدة قال بعضهم: الألفاظ إما أن تدل بمنطوقها أوبفحواها ومفهومها، أوباقتضائها وضرورتها، أوبمعقولها المستنبط منها، حكاه ابن الحصار: وقال: هذا كلام حسن. قلت: فالأول دلالة المنطوق، والثاني دلالة المفهوم، والثالث دلالة الاقتضاء، والرابع دلالة الإشارة

النوع الحادي والخمسون في وجود مخاطباته
قال ابن الجوزي في كتاب النفيس: الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجهاً. وقال غيره: على أكثر من ثلاثين وجهاً. أحدها خطاب العام والمراد به العموم كقوله: (الله الذي خلقكم).
والثاني: خطاب الخاص والمراد به الخصوص كقوله: (أكفرتم بعد إيمانكم. يا أيها الرسول بلغ).
الثالث: خطاب العام والمراد به الخصوص كقوله (يا أيها الناس اتقوا ربكم لم يدخل فيه الأطفال والمجانين.
الرابع: خطاب الخاص والمراد العموم كقوله (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء افتتح الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سائر من يملك الطلاق. وقوله (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) الآية.
قال أبو بكر الصيرفي: كان ابتداء الخطاب له فلما قال في الموهوبة خالصة لك علم أن ما قبلها له ولغيره.
الخامس: خطاب الجنس كقوله يا أيها النبي السادس: خطاب النوع نحو يا بني إسرائيل .
السابع: خطاب العين نحو يا آدم أسكن. يا نوح أهبط. يا إبراهيم قد صدقت. يا موسى لا تخف. يا عيسى إني متوفيك ولم يقع في القرن الخطاب بيا محمد، بل يا أيها النبي يا أيها لرسول تعظيماً له وتشريفاً وتخصيصاً بذلك عما سواه، وتعليماً للمؤمنين أن لا ينادوه باسمه. الثامن: خطاب المدح، نحو يا أيها الذين آمنوا ولهذا وقع الخطاب بأهل المدينة الذين آمنوا وهاجروا. أخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة قال: ما تقرءون في القرآن يا أيها الذين آمنوا، فإنه في التوراة: يا أيها المساكين. وأخرج البيهقي وأوعبيد وغيرهما عن ابن مسعود قال: إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأوعها سمعك فإنه خير يؤمر به أوشر ينهي عنه.
التاسع: خطاب الذم نحو يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم قل يا أيها الكافرون ولتضمنه الإهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين، وكثر الخطاب بيا أيها الذين آمنوا على المواجهة، وفي جانب الكفار جيء بلفظ الغيبة إعراضاً عنهم كقوله (إن الذين كفروا. قل للذين كفروا .
العاشر: خطاب الكرامة كقوله (يا أيها النبي يا أيها الرسول قال بعضهم: ونجد الخطاب بالنبي في محل لا يليق به الرسول، وكذا عكسه في الأمر بالتشريع العام يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك. وفي مقام الخاص يا أيها النبي لا تحرم ما أحل الله لك قال: وقد يعبر في النبي في مقام التشريع العام، لكن مع قرينة إرادة العموم كقوله (يا أيها النبي إذا طلقتم ولم يقل طلقت.
الحادي عشر: خطاب الإهانة نحو فإنك رجيم. اخسئوا فيها ولا تكلمون .
الثاني عشر: خطاب التهكم نحو ذق إنك أنت العزيز الكريم

(1/266)


الثالث عشر: خطاب الجمع بلفظ الواحد نحو يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم .
الرابع عشر: خطاب الواحد بفظ الجمع نحو يا أيها الرسل كلوا من الطيبات إلى قوله (فذرهم في غمرتهم فهوخطاب له صلى الله عليه وسلم وحده، إذ نبي معه ولا بعده وكذا قوله (وإن عاقبتم فعاقبوا) الآية، خطاب له صلى الله عليه وسلم وحده بدليل قوله (وأصبر وما صبرك إلا بالله) الآية، وكذا قوله (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا بدليل قوله (قل فائتوا وجعل منهم بعضهم قال رب ارجعون أي أرجعني. وقيل رب خطاب له تعالى وارجعون للملائكة. وقال السهيلي: هوقول من حضرته الشياطين وزبانية العذاب فاختلط فلا يدري ما يقول من الشطط، وقد اعتاد أمراً يقوله في الحياة من رد الأمر إلى المخلوقين. الخامس عشر: خطاب الواحد بلفظ الاثنين نحو ألقيا في جهنم والخطاب لمالك خازن النار، وقيل لخزنة النار والزبانية، فيكون من خطاب الجمع بلفظ الاثنين. وقيل للملكين الموكلين به في قوله (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد فيكون على الأصل وجعل المهدوي من من هذا النوع قال قد أجيبت دعوتكما قال: الخطاب لموسى وحده لأنه الداعي، وقيل لهما لأن هارون أمن على دعائه، والمؤمن أحد الداعيين.
السادس عشر: خطاب الاثنين بلفظ واحد كقوله (فمن ربكما يا موسى أي ويا هارون، وفيه وجهان: أحدهما أنه أفرده بالنداء لإدلاله عليه بالتربية. والآخر لأنه صاحب الرسالة والآيات وهارون تبع له، ذكره ابن عطية. وذكر في الكشاف آخر، وهوأن هارون لما كان أفصح من موسى نكب فرعون عن خطابه حذراً من لسانه، ومثله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال ابن عطية: أفرده بالشقاء لأنه المخاطب أولاً والمقصود في الكلام. وقيل لأن الله جعل الشقاء في معيشة الدنيا في جانب الرجال. وقيل إغضاء عن ذكر المرأة كما قيل من الكرم ستر الحرم. السابع عشر: خطاب الاثنين بلفظ الجمع كقوله (أن تبوآ لقومكا بمصر بيوتاً. واجعلوا بيوتكم قبلة . الثامن عشر: خطاب الجمع بلفظ الاثنين كما تقدم في ألقيا. التاسع عشر: خطاب الجمع بعد الواحد كقوله (وما تكون في شأن. وما تتلومنه من قرآن ولا تعملون من عمل قال ابن الأنباري: جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومثله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء . العشرون: عكسه نحو وأقيموا الصلاة وبشروا المؤمنين . الحادي والعشرون: خطاب الاثنين بعد الواحد نحو أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض . الثاني والعشرون: عكسه نحو من ربكما يا موسى . الثالث والعشرون: خطاب العين، والمراد به الغير نحو يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين الخطاب له، والمراد أمته لأنه صلى الله عليه وسلم كان تقياً، وحاشاه من طاعة الكفار، ومنه فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب) الآية، حاشاه صلى الله عليه وسلم من الشك، وإنما المراد بالخطاب التعريض بالكفار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال: لم يشك صلى الله عليه وسلم ولم يسأل، ومثله واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) الآية فلا تكونن من الجاهلين وأنحاء ذلك. الرابع والعشرون: خطاب الغير، والمراد به العين نحو لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم الخامس والعشرون: الخطاب العام الذي لم يقصد به مخاطب معين نحو ولوترى إذ وقفوا على النار ألم تر أن الله يسجد له ولوترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم ولم يقصد بذلك خطاب معين، بل كل أحد. وأخرج في صورة الخطاب لقصد العموم يريد أن حالهم تناهت في الظهور بحيث لا يختص بها راء دون راء، بل كل من أمكن منه الرؤية داخل في ذلك الخطاب.
السادس والعشرون: خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره نحو فإن لم يستجيبوا لكم خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال للكفار فاعلموا أن ما أنزل بعلم الله بدليل فهل أنتم مسلمون ومنه إنا أرسلناك شاهداً إلى قوله (لتؤمنوا في من قرأ بالفوقية. السابع والعشرون: خطاب التكوين وهوا لالتفات. الثامن والعشرون: خطاب الجمادات من يعقل نحو فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أوكرهاً .

(1/267)


التاسع والعشرون: خطاب التهييج نحو وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين . الثلاثون خطاب التحنن والاستعطاف نحو يا عبادي الذين أسرفوا) الآية. الحادي والثلاثون: خطاب التحبب نحو يا أبت لم تعبد يا بني إنها إن تك يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي .
الثاني والثلاثون: خطاب التعجيز نحو فائتوا بسورة . الثالث والثلاثون: خطاب التشريف، وهوكل ما في القرآن مخاطبة بقل فإنه تشريف منه تعالى لهذه الأمة بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة. الرابع والثلاثون: خطاب المعدوم، ويصح ذلك تبعاً لوجود نحو يا بني آدم فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولك من بعدهم.
فائدة قال بعضهم: خطاب القرآن ثلاثة أقسام: قسم لا يصلح إلا للنبي، صلى الله عليه وسلم، وقسم لا يصلح إلا لغيره، وقسم لهما.
فائدة قال ابن القيم: تأمل خطاب القرآن تجد ملكاً له الملك كله وله الحمد كله، أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه وموردها إليه، مستوياً على العرش لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته، عالماً بما في نفوس عبيده مطلعاً على أسرارهم وعلانيتهم، منفرداً بتدبير المملكة، يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور، نازلة من عنده دقيقها وجليلها، وصاعدة إليه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، فتأمل كيف تجده يثني على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، يذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تماماً، ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه، وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه، ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه، وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء، ويثني على أوليائه بمصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم، ويذم أعداءه بسيء أعمالهم وقبيح صفاتهم، ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين، ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة، ويصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويقول الحق ويهدي السبيل، ويدعوإلى دار السلام ويذكر أوصافها ونعيمها، ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وألامها، ويذكر عباده فقره إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين، ويذكرهم غناه عنهم وعن جميع الموجودات. وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، وأنه لا ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته، ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعد له وحكمته، وتشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب، وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر ذلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع عنهم والحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده، وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهومولاهم الحق وينصرهم على عدوهم فنعم المولى ونعم النصير، وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً جواداً رحيماً جميلاً هذا شأنه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل من سواه، وكيف لا تلهج بذكره وتصير حبه والشوق إليه، والأنس به هوغذاؤها وقوتها ودواؤها، بحيث إن فقدت ذلك فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها.

(1/268)


فائدة قال بعض الأقدمين: أنزل القرآن على ثلاثين نحواً، كل نحومنه غير صاحبه، فمن عرف وجوهها ثم تكلم في الدين أصاب ووفق، ومن لم يعرف وتكلم في الدين كان الخطأ إليه أقرب، وهوالمكي والمدني والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والتقديم والتأخير والمقطوع والموصول والسبب والإضمار والخاص والعام والأمر والنهي والوعد والوعيد والحدود والأحكام والخبر والاستفهام والأبهة والحروف المصرفة والإعذار والإنذار والحجة والاحتجاج والمواعظ والأمثال والقسم. قال: فالمكي مثل واهجرهم هجراً جميلاً والمدني مثل وقاتلوا في سبيل الله والناسخ والمنسوخ واضح. والمحكم مثل ومن يقتل مؤمناً متعمداً) الآية إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ونحوه مما أحكمه الله وبينه. والمتشابه مثل يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا) الآية، ولم يقل ومن فعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً كما قال في المحكم، وقد ناداهم في هذه الآية بالإيمان ونهاهم عن المعصية ولم يجعل فيها وعيداً، فاشتبه على أهلها ما يفعل الله بهم. والتقديم والتأخير مثل كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية التقدير: كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت. والمقطوع والموصول مثل لا أقسم بيوم القيامة ولا مقطوع من أقسم، وإنما هوفي المعنى: أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ولم يقسم. والسبب والإضمار مثل واسأل القرية أي أهل القرية. والخاص والعام مثل يا أيها النبي فهذا في المسموع خاص إذا طلقتم النساء فصار في المعنى عاماً. والأمر وما بعده إلى الاستفهام أمثلتها واضحة. والأبهة مثل إنا أرسلنا نحن قسمنا عبر بالصيغة الموضوعة للجماعة للواحد تعالى تفخيماً وتعظيماً وأبهة. والحروف المصرفة كالفتنة تطلق على الشرك نحو حتى لا تكون فتنة. وعلى المعذرة نحو ثم لم تكن فتنهم أي معذرتهم. وعلى الاختبار نحو قد فتنا قومك من بعدك والإعذار نحو فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم اعتذر إنه لم يفعل ذلك إلا بمعصيتهم، والبواقي أمثلتها واضحة.

النوع الثاني والخمسون في حقيقته ومجازه
لا خلاف في وقوع الحقائق في القرآن، وهي كل لفظ نقي على موضوعه ولا تقديم فيه ولا تأخير، وهذا أكثر الكلام. وأما المجاز فالجمهور أيضاً على وقوعه فيه، وأنكره جماعة منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية، وشبهتهم أن المجاز أخوالكذب والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله تعالى، وهذه شبهة باطلة، ولوسقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة ولووجب خلوالقرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنيه القصص وغيرها.
وقد أفرده بالتصنيف الإمام عز الدين ابن عبد السلام، ولخصته مع زيادات كثيرة في كتاب سميته مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن وهوقسمان.

(1/269)


الأول: المجاز في التركيب، ويسمى مجاز الإسناد. والمجاز العقلي وعلاقته الملابسة، وذلك أن يسند الفعل أوشبهه إلى غير ما هوله أصالة لملابسته له كقوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً نسبت الزيادة وهي فعل الله إلى الآيات لكونها سبباً لها يذبح أبناءهم يا هامان ابن لي نسب الذبح وهوفعل الأعوان إلى فرعون، والبناء وهوفعل العملة إلى هامان لكونهما آمرين به، وكذا قوله (وأحلوا قومهم دار البوار نسب الإحلال إليهم لتسببهم في كفرهم بأمرهم إياهم به. ومنه قوله تعالى يوماً يجعل الولدان شيباً نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه عيشة راضية أي مرضية فإذا عزم الأمر أي عزم عليه بدليل، فإذا عزمت. وهذا القسم أربعة أنواع. أحدها: ما طرفاه حقيقيان كالآية المصدر بها، وكقوله (وأخرجت الأرض أثقالها ثانيها: مجازيان نحو فما ربحت تجارتهم أي ما ربحوا فيها وإطلاق الربح والتجارة هنا مجاز. ثالثها، ورابعها: ما أحد طرفيه حقيقي دون الآخر، أما الأول والثاني. كقوله (أم أنزلنا عليهم سلطاناً أي برهاناً كلا إنها لظي نزاعة للشوي تدعو فإن الدعاء من النار مجاز. وقوله (حتى تضع الحرب أوزارها تؤتي أكلها كل حين فأمه هاوية فاسم الأم الهاوية مجاز: أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع.
القسم الثاني: المجاز في المفرد، ويسمى المجاز اللغوي وهواستعمال اللفظ من غير ما وضع له أولاً، وأنواعه كثيرة. أحدها: الحذف، وسيأتي مبسوطاً في نوع المجاز فهوبه أجدر، خصوصاً إذا قلنا إنه ليس من أنواع المجاز. الثاني: الزيادة، وسبق تحرير القول فيها في نوع الإعراب. الثالث: إطلاق اسم الكل على الجزء نحو يجعلون أصابعهم في آذانهم أي أناملهم، ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار، فكأنهم جعلوا الأصابع وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم أي وجوههم لأنه لم ير جملتهم فمن شهد منكم الشهر فليصمه أطلق الشهر وهواسم الثلاثين ليلة، وأراد جزءاً منه، كذا أجاب به الإمام فخر الدين عن استشكال أن الجزاء يكون بعد تمام الشرط، والشرط أن يشهد الشهر وهواسم لكله حقيقة فكأنه أمر بالصوم بعد مضي الشهر وليس كذلك. وقد فسره علي وابن عباس وابن عمر على أن المعنى: من شهد أول الشهر فليصم جميعه وإن سافر في أثنائه. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، وهوايضاً من هذا النوع، ويصلح أن يكون من نوع الحذف. الرابع: عكسه نحو ويبقى وجه ربك أي ذاته فولوا وجوهكم شطره أي ذواتكم إذ الاستقبال يجب بالصبر وجوه يومئذ ناعمة ووجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة عبر بالوجوه عن جميع الأجساد لأن التنعم والنصب حاصل لكلها ذلك بما قدمت يداك بما كسبت أيديكم أي قدمت وكسبت، ونسب ذلك إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها قم الليل وقرآن الفجر واركعوا مع الراكعين ومن الليل فاسجد له أطلق كلاً من القيام والقراءة والركوع والسجود على الصلاة وهوبعضها هديا بالغ الكعبة أي الحرم كلعه بدليل أنه لا يذبح فيها.
تنبيه ألحق بهذين النوعين شيئان. أحدهما: وصف البعض بصفة الكل كقوله (ناصية كاذبة خاطئة فالخطأ صفة الكل وصف به الناصية وعكسه كقوله (إن منكم وجلون والوجل صفة القلب ولملئت منهم رعباً والرعب إنما يكون في القلب. والثاني: إطلاق لفظ بعض مراد به الكل، ذكره أبوعبيدة وخرج عليه قوله (ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه أي كله وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم وتعقب بأنه لا يجب على النبي بيان كل ما اختلف فيه بدليل الساعة والروح نحوها، وبأن موسى كان وعدهم بعذاب في الدنيا وفي الآخرة فقال: يصبكم هذا العذاب في الدنيا، وهوبعض الوعيد من غير نفي عذاب الآخرة، ذكره ثعلب. قال الزركشي: ويحتمل ايضاً أن يقال، إن الوعيد مما لا يستنكر ترك جميعه فكيف بعضه؟ ويؤيد ما قاله ثعلب قوله (فإما نرينك بعض الذي نعدهم أونتوفينك فإلينا مرجعهم .

(1/270)


الخامس: إطلاق اسم الخاص على الصام نحو إنا رسول رب العالمين أي رسله. السادس: عكسه نحو ويستغفرون لمن في الأرض أي المؤمنين بدليل قوله (ويستغفرون للذين آمنوا السابع: إطلاق اسم الملزوم على اللازم. الثامن: عكسه نحو هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة أي هل يفعل؟ أطلق الاستطاعة على الفعل لأنها لازمة له. التاسع: إطلاق المسبب على السبب نحو ينزل لكم من السماء رزقاً. قد أنزلنا عليكم لباساً أي مطراً يتسبب عنه الرزق واللباس لا يجدون نكاحاً أي مئونة من مهر ونفقة ومما لا بد للمتزوج منه. العاشر: عكسه نحو ما كانوا يستطيعون السمع أي القبول والعمل به لأنه مسبب عن السمع.
تنبيه من ذلك نسبة الفعل إلى سبب السبب كقوله (فأخرجهما مما كانا فيه كما أخرج أبويكم من الجنة فإن المخرج في الحقيقة هو الله تعالى، وسبب ذلك أكل الشجرة، وسبب الأكل وسوسة الشيطان. الحادي عشر: تسمية الشيء باسم ما كان عليه نحو وآتوا اليتامى أموالهم أي الذين كانوا يتامى، إذ لا يتم بعد البلوغ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن أي الذين كانوا أزواجهن من يأت ربه مجرماً سماه مجرماً باعتبار ما كان في الدنيا من الإجرام. الثاني عشر: تسميته باسم ما يؤول إليه نحو إني أراني أعصر خمراً أي عنباً يؤوإلى الخمرية ولا يلد إلا فاجراً كفاراً أي صائر إلى الكفر والفجور حتى تنكح زوجاً غيره سماه زوجاً لأن العقد يؤول إلى زوجية، لأنها لا تنكح إلا في حال كونه زوجاً فبشرناه بغلام حليم نبشرك بغلام عليم وصفه في حال لا بشارة بما يؤول إليه من العلم والحلم. الثالث عشر: إطلاق اسم الحال على المحل نحو ففي رحمة الله هم فيها خالدون أي في الجنة لأنها محل الرحمة بل مكر الليل أي في الليل إذ يريكهم الله في منامك أي عيناك على قول الحسن. الرابع عشر: عكسه نحو فليدع ناديه أي أهل ناديه: أي مجلسه، ومنه التعبير باليد عن القدرة نحو بيده الملك وبالقلب عن العقل نحو لهم قلوب لا يفقهون بها أي عقول، وبالأفواه عن الألسن نحو ويقولون بأفواههم وبالقرية عن ساكنيها نحو واسأل القرية وقد اجتمع هذا النوع وما قبله في قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد فإن أخذ الزينة غير ممكن لأنها مصدر، فالمراد محلها فأطلق عليه اسم الحال وأخذها للمسجد نفسه لا يجب، فالمراد به الصلاة فأطلق عليه اسم المحل على الحال.
الخامس عشر: تسمية الشيء باسم آلته نحو واجعل لي لسان صدق في الآخرين أي ثناء حسناً، لأن اللسان آلته وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه أي بلغة قومه.

(1/271)


السادس عشر: تسمية الشيء باسم ضده نحو فبشرهم بعذاب أليم والبشارة حقيقة في الخبر السار، ومنه تسمية الداعي إلى الشيء باسم الصارف عنه، ذكره السكاكي وخرج عليه قوله تعالى ما منعك أن لا تسجد يعني: ما دعاك إلى أن لا تسجد، وسلم بذلك من دعوى زيادة ل. السابع عشر: إضافة الفعل إلى ما سصح منه تشبيهاً نحو جداراً يريد أن ينقض وصفه بالإرادة وهي من صفات الحي تشبيهاً لميله للوقوع بإرادته. الثامن عشر: إطلاق الفعل والمراد مشارفته ومقاربته وإرادته نحو فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن أي قاربن بلوغ الأجل: أي انقضاء العدة، لأن الإمساك لا يكون بعده، وهوفي قوله (فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن حقيقة فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة وال يستقدمون أي فإذا قرب مجيئه، وبه يندفع السؤال المشهور فيها أن عند مجيء الأجل لا يتصور تقديم ولا تأخير وليخش الذين لوتركوا من خلفهم) الآية: أي لوقاربوا أن يتركوا خافوا، لأن الخطاب للأوصياء، وإنما يتوجه عليهم قبل الترك لأنهم بعده أموات إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا أي أردتم القيام فإذا قرأت القرآن فاستعذ أي أردت القراءة لتكون الاستعاذة قبلها وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا أي أردنا إهلاكها، وإلا لم يصح العطف بالفاء، وجعل منه بعضهم قوله (من يهد الله فهوالمهتدي أي من يرد الله هدايته وهوحسن جداً لئلا يتحد الشرط والجزاء. التاسع عشر: القلب، إما قلب إسناد نحو ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أي لتنوء العصبة بها لكل أجل كتاب أي لكل كتاب أجل وحرمنا عليه المراضع أي حرمناه على المراضع ويوم يعرض الذين كفروا على النار أي تعرض النار عليه لأن المعروض عليه هو الذي له الاختيار وإنه لحب الخير لشديد أي وإن حبه للخير وإن يردك بخير أي يرد بك الخير فتلقى آدم من ربه كلمات لأن المتلقي حقيقة هوآدم كما قرئ بذلك أيضاَ. أوقبل عطف نحو ثم تول عنهم فانظر أي فانظر ثم تول ثم دنا فتدلى أي تدلى فدنا، لأنه بالتدلي مال إلى الدنو. أوقبل تشبيه وسيأتي في نوعه. العشرون: إقامة صيغة مقام أخرى، وتحته أنواع كثيرة. منها: إطلاق المصدر على الفاعل نحو فإنهم عدولي ولهذا أفرده، وعلى المفعول نحو ولا يحيطون بشيء من علمه أي من معلومه صنع الله أي مصنوعه وجاءوا على قميصه بدم كذب أي مكذوب فيه، لأن الكذب من صفات الأقوال لا الأجسام. ومنها: إطلاق البشرى على المبشر به والهوى على المهوي والقول على المقول. ومنها: إطلاق الفاعل والمفعول على المصدر نحو ليس لوقعتها كاذبة أي تكذيب بأيكم المفتون أي الفتنة على أن الباء غير زائدة. ومنها: إطلاق فاعل على مفعول نحو ماء دافق أي مدفوق لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم أي لا معصوم جعلنا حرماً آمنا أي مأموناً فيه، وعكسه نحو إنه كان وعده مأتياً أي آتياً حجاباً مستوراً أي ساتراً. وقيل هوعلى بابه: أي مستوراً عن العيون لا يحس به أحد. ومنها: إطلاق فعيل بمعنى مفعول نحو وكان الكافر على ربه ظهيراً ومنها: إطلاق واحد من المفرد والمثنى والجمع على آخر. منها: مثال إطلاق المفرد على المثنى والله ورسوله أحق أن يرضوه أي يرضوهما، فأفرد لتلازم الرضاءين، وعلى الجمع إن الإنسان لفي خسر أي الأناسي بدليل الاستثناء منه إن الإنسان خلق هلوعاً بدليل إلا المصلين . ومثال إطلاق المثنى على المفرد ألقيا في جهنم أي ألق، ومنه كل فعل نسب إلى شيئين وهولأحدهما فقط نحو يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما يخرج من أحدهما وهوالملح دون العذب ونظيره ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وإنما تخرج الحلية من الملح وجعل القمر فيهن نوراً أي في إحداهن نسيا حوتهما والناسي يوشع بدليل قوله لموسى إني نسيت الحوت وإنما أضيف النسيان إليهما معاً لسكوت موسى عنه فمن تعجل في يومين والتعجيل في اليوم الثاني على رجل من القريتين عظيم. قال الفارسي: أي من إحدى القريتين، وليس منه أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين وإنما المتخذ إلهاً عيسى دون مريم. ومثال إطلاقه على الجمع ثم ارجع البصر كرتين أي كرات، لأن البصر لا يحسر إلا بها، وجعل منه بعضهم قوله (الطلاق مرتان . ومثال إطلاق

(1/272)


الجمع على المفرد قال رب ارجعون أي أرجعني. وجعل منه ابن فارس فناظرة بم يرجع المرسلون والرسول واحد بدليل ارجع إليهم وفيه نظر لأنه يحتمل أنه خاطب رئيسهم لا سيما وعادة الملوك حجارية أن لا يرسلوا واحداً. وجعل منه فنادته الملائكة ينزل الملائكة بالروح أي جبريل وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها والقاتل واحد. ومثال إطلاقه على المثنى قالتا أتينا طائعين قالوا لا تخف خصمان فإن كان له إخوة فلأمه السدس أي أخوان فقد صنعت قلوبكما أي قلباكما وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى قوله (وكنا لحكمهم شاهدين ومنها: إطلاق الماضي على المستقبل لتحقق وقوعه نحو أتى أمر الله أي الساعة بدليل فلا تستعجلوه ونفخ في الصور فصعق من في السموات وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس) الآية وبرزوا الله جميعاً ونادى أصحاب الأعراف وعكسه لإفادة الدوام والاستمرار فكأنه وقع واستمر نحو أتأمرون الناس بالبر وتنسون. واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان أي تلت ولقد نعلم أي علمنا قد يعلم ما أنتم عليه أي علم فلم تقتلون أنبياء الله أي قتلتم وكذا فريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ويقول الذين كفروا لست مرسلاً أي قالوا. ومن لواحق ذلك التعبير عن المستقبل باسم الفاعل أوالمفعول، لأنه حقيقة في الحال لا في الاستقبال نحو وإن الدين لواقع ذلك يوم مجموع له الناس ومنها: إطلاق الخبر على الطلب أمراً أونهياً أودعاء مبالغة في الحث عليه حتى كأنه وقع وأخبر عنه. قال الزمخشري: ورود الخبر والمراد الأمر أوالنهي أبلغ من صريحي الأمر والنهي، كأنه سورع فيه إلى الامتثال وأخبر عنه نحو والوالدات يرضعن والطلقات يتربصن فلا رفث ولا فسوق والجدال في الحج على قراءة الرفع وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله أي لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله لا يمسه إلا المطهرون أي لا يمسه وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله أي لا تعبدوا بدليل وقولوا للناس حسناً لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم أي اللهم إغفر لهم. وعكسه نحو فليمدد له الرحمن مداً أي يمد اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم أي ونحن حاملون بدليل وإنهم لكاذبون والكذب إنما يرد على لخبر فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً . قال الكواشي: في الآية الأولى الأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمنه اللزوم نحوإن زرتنا فلنكرمك، يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم. وقال ابن عبد السلام: لأن الأمر للإيجاب يشبه الخبرية في إيجابه. ومنها: وضع النداء موضع التعجب نحو يا حسرة على العباد . قال الفراء: معناها فيالها حسرة. وقال ابن خالويه: هذه من أصعب مسئلة في القرآن، لأن الحسرة لا تنادي وإنما ينادي الأشخاص، لأن فائدته التنبيه، ولكن المعنى على التعجب. ومنها: وضع جمع القلة موضع الكثرة نحو وهم في الغرفات آمنون وغرف الجنة لا تحصى هم درجات عند ربهم ورتب الناس في علم الله أكثر من العشرة لا محالة الله يتوفي الأنفس أياماً معدودات ونكتة التقليل في هذه الآية التسهيل على المكلفين. وعكسه نحو يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ومنها: تذكير المؤنث على تأويله بمذكر نحو فمن جاءه موعظة من ربه أي وعظ وأحيينا به بلدة ميتاً على تأويل البلدة بالمكان فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أي الشمس أوالطالع إن رحمة الله قريب من الحسنين قال الجوهري: ذكرت على معنى الإحسان. وقال الشريف المرتضى في قوله (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم إن الإشارة للرحمة، وإنما لم يقل ولتلك، لأن تأنيثها غير حقيقي، ولأنه يجوز أن يكون في تأويل أن يرحم. ومنها: تأنيث المذكر نحو الذين يرثون الفردوس هم فيها أنث الفردوس وهومذكر حملاً على معنى الجنة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أنث عشراً حيث حذف الهاء مع إضافتها إلى الأمثال، وأحدها مذكر فقيل لإضافة الأمثال إلى مؤنث وهوضمير الحسنات فاكتسب منه التأنيث. وقيل هومن باب مراعاة المعنى، لأن الأمثال في المعنى مؤنثة، لأن مثل الحسنة حسنة، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها. وقد قدمنا في القواعد المهمة قاعدة في التذكير والتأنيث. ومنها: التغليب، وهوإعطاء الشيء حكم غيره.

(1/273)


وقيل ترجيح أحد المعلومين على الآخر وإطلاق لفظه عليهما إجراء للمختلفين مجرى المتفقين نحو وكانت من القانتين إلا امرأته كانت من الغابرين والأصل من القانتات والغابرات، فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب بل أنتم قوم تجهلون أتى بتاء الخطاب تغليباً لجانب أنتم على جانب قوم. والقياس أن يؤتى بياء الغيبة لأنه صفة لقوم، وحسن العدول عنه وقوع الموصوف خبراً عن ضمير المخاطبين قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم غلب ففي الضمير المخاطب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة، وحسنه أنه لما كان الغائب تبعاً للمخاطب في المعصية والعقوبة جعل تبعاً له في اللفظ أيضاً، وهومن محاسن أرتباط اللفظ بالمعنى ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض غلب غير العاقل حيث أتى بما لكثرته. وفي آية أخرى عبر بمن فغلب العاقل لشرفه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أولتعودن في ملتنا أدخل شعيباً في لتعودن، بحكم التغليب، إذ لم يكن في ملتهم أصلاً حتى يعود فيها. وكذا قوله (إن عدنا في ملتكم فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس عد منهم بالاستثناء تغليباً لكونه كان بينهم يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أي المشرق والمغرب. قال ابن الشجري: وغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين مرح البحرين أي الملح والعذب، والبحر خاص بالملح فغلب لكونه أعظم ولكل درجات أي من المؤمنين والكفار، فالدرجات للعلووالدركات للسفل، فاستعمل الدرجات في القسمين تغليباً للأشرف. قال في البرهان: وإنما كان التغليب من باب المجاز لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غر ما وضع له وكذا باقي الأمثلة. ومنها: استعمال حروق الجر في غير معانيها الحقيقية كما تقدم في النوع الأربعين. ومنها: استعمال صيغة أفعل لغير الوجوب، وصيغة لا تفعل لغير التحريم وأدوات الاستفهام لغير طلب التصور والتصديق، وأداة التمني والترجي والنداء لغيرها كما سيأتي كل ذلك في الإنشاء. ومنها: التضمين وهوإعطاء الشيء معنى الشيء، ويكون في الحروف والأفعال والأسماء أما الحروف فتقدم في حروف الجر وغيرها. وأما الأفعال فإن تضمن فعلاً معنى فعل آخر فيكون فيه معنى الفعلين معاً، وذلك بأن يأتي الفعل متعدياً بحرف ليس من عادته التعدي به فيحتاج إلى تأويله أوتأويل الحرف ليصح التعدي به، والأول تضمين الفعل والثاني تضمين الحرف. واختلفوا أيهما أولى، فقال أهل اللغة وقوم من النحاة: التوسع في الحرف. وقال المحققون: التوسع في الفعل لأنه في الأفعال أكثر، مثاله عيناً يشرب بها عباد الله فيشرب إنما يتعدى بمن، فتعديته بالباء إما على تضمينه معنى يروي أوتضمين الباء معنى من أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم فالرفث لا يتعدى بإلى إلا على تضمن معنى الإفضاء هل لك إلى أ، تزكي والأصل في أن تضمن معنى أدعوك يقبل التوبة عن عباده عديت بعن لتضمنها معنى العفووالصفح. وأما في الأسماء فأن يضمنم اسم معنى اسم لإفادة معنى الاسمين معاً نحو حقيق على أ، لا أقول على الله إلا الحق ضمن حقيق معنى حريص، ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه، وإنما كان التضمين مجازاً لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معاً فالجمع بينهما مجاز.قيل ترجيح أحد المعلومين على الآخر وإطلاق لفظه عليهما إجراء للمختلفين مجرى المتفقين نحو وكانت من القانتين إلا امرأته كانت من الغابرين والأصل من القانتات والغابرات، فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب بل أنتم قوم تجهلون أتى بتاء الخطاب تغليباً لجانب أنتم على جانب قوم. والقياس أن يؤتى بياء الغيبة لأنه صفة لقوم، وحسن العدول عنه وقوع الموصوف خبراً عن ضمير المخاطبين قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم غلب ففي الضمير المخاطب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة، وحسنه أنه لما كان الغائب تبعاً للمخاطب في المعصية والعقوبة جعل تبعاً له في اللفظ أيضاً، وهومن محاسن أرتباط اللفظ بالمعنى ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض غلب غير العاقل حيث أتى بما لكثرته. وفي آية أخرى عبر بمن فغلب العاقل لشرفه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أولتعودن في ملتنا أدخل شعيباً في لتعودن، بحكم التغليب، إذ لم يكن في ملتهم أصلاً حتى يعود فيها. وكذا قوله (إن عدنا في ملتكم فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس عد منهم بالاستثناء تغليباً لكونه كان بينهم يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين أي المشرق والمغرب. قال ابن الشجري: وغلب المشرق لأنه أشهر الجهتين مرح البحرين أي الملح والعذب، والبحر خاص بالملح فغلب لكونه أعظم ولكل درجات أي من المؤمنين والكفار، فالدرجات للعلووالدركات للسفل، فاستعمل الدرجات في القسمين تغليباً للأشرف. قال في البرهان: وإنما كان التغليب من باب المجاز لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، ألا ترى أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف فإطلاقه على الذكور والإناث إطلاق على غر ما وضع له وكذا باقي الأمثلة. ومنها: استعمال حروق الجر في غير معانيها الحقيقية كما تقدم في النوع الأربعين. ومنها: استعمال صيغة أفعل لغير الوجوب، وصيغة لا تفعل لغير التحريم وأدوات الاستفهام لغير طلب التصور والتصديق، وأداة التمني والترجي والنداء لغيرها كما سيأتي كل ذلك في الإنشاء. ومنها: التضمين وهوإعطاء الشيء معنى الشيء، ويكون في الحروف والأفعال والأسماء أما الحروف فتقدم في حروف الجر وغيرها. وأما الأفعال فإن تضمن فعلاً معنى فعل آخر فيكون فيه معنى الفعلين معاً، وذلك بأن يأتي الفعل متعدياً بحرف ليس من عادته التعدي به فيحتاج إلى تأويله أوتأويل الحرف ليصح التعدي به، والأول تضمين الفعل والثاني تضمين الحرف. واختلفوا أيهما أولى، فقال أهل اللغة وقوم من النحاة: التوسع في الحرف. وقال المحققون: التوسع في الفعل لأنه في الأفعال أكثر، مثاله عيناً يشرب بها عباد الله فيشرب إنما يتعدى بمن، فتعديته بالباء إما على تضمينه معنى يروي أوتضمين الباء معنى من أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم فالرفث لا يتعدى بإلى إلا على تضمن معنى الإفضاء هل لك إلى أ، تزكي والأصل في أن تضمن معنى أدعوك يقبل التوبة عن عباده عديت بعن لتضمنها معنى العفووالصفح. وأما في الأسماء فأن يضمنم اسم معنى اسم لإفادة معنى الاسمين معاً نحو حقيق على أ، لا أقول على الله إلا الحق ضمن حقيق معنى حريص، ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه، وإنما كان التضمين مجازاً لأن اللفظ لم يوضع للحقيقة والمجاز معاً فالجمع بينهما مجاز.

(1/274)


فصل: في أنواع مختلف في عدها من المجاز وهي ستة، أحدها: الحذف، فالمشهور أنه من المجاز، وأنكره بعضهم لأن المجاز استعمال اللفظ في غير موضوعه، والحذف ليس كذلك. وقال ابن عطية: حذف المضاف هوعين الإعجاز ومعظمه، وليس كل حذف مجازاً. وقال القرافي: الحذف أربعة أقسام: قم يتوقف عليه صحة اللفظ ومعناه من حيث الإسناد نحو واسأل القرية أي أهلها، إذ لا يصح إسناد السؤال إليها. وقسم يصح بدونه لكن يتوقف عليه شرعاً كقوله (فمن كان منكم مريضاً أوعلى سفر فعدة من أيام أخر أي فأفطر فعدة. وقسم يتوقف عليه عادة لا شرعاً نحو اضرب بعصاك البر فانفلق أي فضربه. وقسم يدل عليه دليل غير شرعي ولا هوعادة نحو فقبضت قبضة من أثر الرسول دل الدليل على أنه إنما قبض من أثر حافر فرس الرسول، وليس في هذه الأقسام مجاز إلا الأول. وقال الزنجاني في المعيار: إنما يكون مجازاً إذا تغير حكم، فأما لم يتغير كحذف خبر المبتدأ المعطوف على جملة فليس مجازاً، إذ لم يتغير حكم ما بقي من الكلام. وقال القزويني في الإيضاح: متى تغير إعراب الكلمة بحذف أوزيادة فهي مجاز نحو واسأل القرية. ليس كمثله شيء وإن كان الحذف أوالزيادة لا يوجب تغير الإعراب نحو أوكصيب فيما رحمة فلا توصف الكلمة بالمجاز. الثاني: التأكيد، زعم قوم أنه مجاز لأنه لا يفيد إلا ما أفاده الأول، والصحيح أنه حقيقة. قال الطرطوشي في العمد: ومن سماه مجازاً قلنا له إذا كان التأكيد بلفظ الأول نحوعجل عجل ونحوه، فإن جاز أن يكون الثاني مجازاً في الأول لأنهما في لفظ واحد، وإذا بطل حمل الأول على المجاز بطل حمل الثاني عليه لأنه مثل الأول. الثالث: التشبيه، زعم قوم أنه مجاز، والصحيح أنه حقيقة. قال الزنجاني في المعيار: لأنه معنى من المعاني، وله ألفاظ تدل عليه وضعاً، فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه. وقال الشيخ عز الدين: إن كان بحرف فهوحقيقة، أوبحذفه فمجاز بناء على أن الحذف من باب المجاز. الرابع: الكناية، وفيها أربعة مذاهب. أحدها: أنها حقيقة. قال ابن عبد السلام: وهوالظاهر لأنها استعملت فيما وضعت له وأريد بها الدلالة على غيره. الثاني: أنها مجاز. الثالث: أنها لا حقيقة ولا مجاز، وإليه ذهب صاحب التلخيص لمنعه في المجاز أن يراد المعنى الحقيقي مع المجازي وتجويزه ذلك فيها. الرابع: وهواختيار الشيخ تقي الدين السبكي أنها تقسم إلى حقيقة ومجاز، فإن استعملت اللفظ في معناه مراداً منه لازم المعنى أيضاً فهوحقيقة، وإن لم يرد المعنى بل عبر بالملزوم عن اللازم فهومجاز لاستعماله في غير ما وضع له. والحاصل أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له والمجاز منها أن يريد به غير موضوعه استعمالاً وإفادة. الخامس: التقديم والتأخير، عده قوم من المجاز لأن تقديم ما رتبته التأخر كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل، نقل لكل واحد منهما عن مرتبته وحقه. قال في البرهان: والصحيح أنه ليس منه، فإن المجاز نقل ما وضع إلى ما لم يوضع له. السادس: الالتفات:، قال الشيخ بهاء الدين السبكي لم أر من ذكر هل هوحقيقة أومجاز قال وهوحقيقة حيث لم يكن معه تجريد فصل: فيما يوصف بأنه حقيقة ومجاز باعتبارين هو الموضوعات الشرعية كالصلاة والزكاة والصوم والحج، فإنها حقائق بالنظر إلى الشرع مجازات بالنظر إلى اللغة.
فصل: في الواسطة بين الحقيقة والمجاز قيل بها في ثلاثة أشياء. أحدها: اللفظ قبل الاستعمال. وهذا القسم مفقود في القرآن، ويمكن أن يكون منه أوائل السور على القول بأنها للإشارة إلى الحروف التي يتركب منها الكلام. ثانياً: الأعلام. ثالثها: اللفظ المستعمل في المشاكلة نحو ومكروا وكر الله. وجزاء سيئة سيئة مثلها ذكر بعضهم أنه واسطة بين الحقيقة والمجاز. قال: لأنه لم يوضع لما استعمل فيه، فليس حقيقة، ولا علاقة معتبرة فليس مجازاً، كذا في شرح بديعية ابن جابر لرفيقه. قلت: والذي يظهر أنها مجاز، والعلاقة المصاحبة.

(1/275)


خاتمة لهم مجاز المجاز، وهوا، يجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر فيتجوز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة بينهما كقوله تعالى ولكن لا تواعدوهن سراً فإنه مجاز عن مجاز. فإن الوطء تجوز عنه بالسر لكونه لا يقع غالباً إلا في السر، وتجوز به عن العقد لأنه مسبب عنه، فالمصحح للمجاز الأول الملازمة، والثاني السببية، والمعنى: لا تواعدوهن عقد نكاح. وكذا قوله (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله فإن قوله لا إله إلا الله مجاز عن تصديق القلب بمدلول هذا اللفظ والعلاقة السببية، لأن توحيد اللسان مسبب عن توحيد الجنان، والتعبير بلا إله إلا الله عن الوحدانية من مجاز التعبير بالقول عن المقول فيه. وجعل منه ابن السيد قوله (أنزلنا عليكم لباساً فإن المنزل عليهم ليس هونفس اللباس، بل الماء المنبت للزرع المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس.

النوع الثالث والخمسون في تشبيهه واستعاراته
التشبيه نوع من اشرف أنواع البلاغة وأعلاها. قال المبرد في الكامل: لوقال قائل هوأكثر كلام العرب لم يبعد. وقد أفرد تشبيهات القرآن بالتصنيف أبو القاسم بن البندار البغدادي في كتاب سماه الجمان وعرفه جماعة منهم السكاكي بأنه الدلالة على مشاركة أوامر لأمر في معنى. وقال ابن أبي الأصبع: هوإخراج الأغمض إلى الأظهر. وقال غيره: هوإلحاق شيء بذي وصف في وصفه. وقال بعضهم: هوأن تثبت للمشبعه حكماً من أحكام المشبه به، والغرض منه تأنيس النفس بإخراجها من خفي إلى جلي، وإدنائه البعيد من القريب ليفيد بياناً. وقيل: الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار، وأدواته حروف وأسماء وأفعال، فالحروف: الكاف نحو كرماد وكأن نحو كأنه رؤوس الشياطين والأسماء مثل وشبه ونحوهما مما يشتق من المماثلة والمشابهة، قاله الطيبي. ولا تستعمل مثل إلا في حال أوصفة لها شأن وفيها غرابة نحو مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر . والأفعال نحو . يحسبه الظمآن ماء يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى قال في التخليص تبعاً للسكاكي: وربما يذكر فعل ينبئ عن التشبيه فيؤتى في التشبيه القريب بنحو: علمت زيداً أسداً، الدال على التحقيق. وفي البعيد بنحو: حسبت زيداً أسداً، الدال على الظن وعدم التحقيق وخالف جماعة منهم الطيبي فقالوا: في كون هذه الأفعال تنبئ عن التشبيه نوع خفاء، والأظهر أن الفعل ينبئ عن حال التشبيه في القرب والبعد، وأن الأداة محذوفة مقدرة لعدم استقامة المعنى بدونه.

(1/276)


ذكر أقسامه ينقسم التشبيه باعتبارات: الأول باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام، لأنهما إما حسيان أوعقليان، أوالمشبه به حسي والمشبه عقلي أوعكسه. مثال الأول والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. كأنهم أعجاز نخل منقعر ومثال الثاني ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أوأشد قسوة كذا مثل في البرهان، وكأنه ظن أن التشبيه واقع في القسوة وهوغير ظاهر، بل هوواقع بين القلوب والحجارة فهومن الأول. ومثال الثالث مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ومثال الرابع: لم يقع في القرآن بل منعه الإمام أصلاً، لأن العقل مستفاد من الحس، فالمحسوس أصل للمعقول وبشبيهه به يستلزم جعل الأصل فرعاً والفرع أصلاً وهوغير جائز وقد اختلف في قوله تعالى هن لباس لكم وأنتم لباس لهن الثاني: ينقسم باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب، والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض كقوله (كمثل الحمار يحمل أسفاراً فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهوحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه وقوله (إنما مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء إلى قوله (كأن لم تغن بالأمس فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لوسقط منها شيء اختل التشبيه، إذ التشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها واغترار الناس بها بحال ماء نزل من السماء وأنبت أنواع العشب وزين بزخرفها وجه الأرض، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس. وقال بعضهم: وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران. أحدهما: أن الماء إذا أخذت منه فوق حاجتك تضررت، وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به فكذلك الدنيا. والثاني: أن الماء إذا طبقت عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء، فكذلك الدنيا. وقوله (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) الآية فشبه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة، إما بوضعه في مشكاة وهي الطاقة التي لا تنفذ وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر. وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها، ودهن المصباح من أصفى الأذهان وأقواها وقوداً لأنه من زيت شجرة في وسط السراج، لا شرقية ولا غربية ولا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل تصيبها الشمس أعدل إصابة. وهذا مثل ضربه للمؤمن. ثم ضرب للكافر مثلين: أحدهما كسراب بقيعة، والآخر كظلمات في بحر لجي الخ. وهوأيضاً تشبيه تركيب. الثالث ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام. أحدها: تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع اعتماداً على معرفة النقيض والضد، فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة كقوله (طلعها كأنه رؤوس الشياطين شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صور الشياطين وإن لم ترها عياناً. الثاني: عكسه، وهوتشبيه ما لا تقع عليه الحاسة بما تقع عليه كقوله (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) الآية. أخرج ما لا يجس وهوالإيمان إلى ما يحس وهوالسراب، والمعنى الجامع بطلان التوهم مع شدة الحاجة وعظم الفاقة. الثالث: إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت كقوله تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظله والجامع بينهما الارتفاع في الصورة. الرابع: إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها كقوله (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض والجامع العظم، وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة وإفراط السعة. الخامس: إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ماله قوة فيها كقوله تعالى وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام والجامع فيهما العظم، والفائدة إبانة القدرة على تسخير الأجسام العظام في ألطف ما يكون من الماء، وما في ذلك من انتفاع الخلق بحمل الأثقال وقطعها الأقطار البعيدة في المسافة القريبة، وما يلازم ذلك من تسخير الرياح للإنسان فتضمن الكلام بناء عظيماً من الفخر وتعداد النعم على هذه الأوجه الخمسة تجري تشبيهات القرآن. السادس: ينقسم باعتبار آخر إلى مؤكد وهوما حذفت فيه الأداة نحو وهي تمرمرء السحاب أي مثل مر السحاب وأزواجه أمهاتهم. وجنة عرضها السموات والأرض ومرسل وهوما لم تحذف كالآيات السابقة، والمحذوفة الأداة أبلغ، لأنه نزل فيه الثاني منزلة الأول تجوزا.

(1/277)


قاعدة الأصل دخول أداة التشبيه على المشبه به، وقد تدخل على المشبه إما لقصد المبالغة فتقلب التشبيه وتجعل المشبه هو الأصل نحو قالوا إنما البيع مثل الربا كأن الأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع، فعدلوا عن ذلك وجعلوا الربا أصلاً ملحقاً به البيع في الجواز وأنه الخليق بالحل، ومنه قوله تعالى أفمن لا يخلق فإن الظاهر العكس لأن الخطاب لعبدة الأوثان الذين سموها آلهة تشبيهاً بالله سبحانه وتعالى، فجعلوا غير الخالق مثل الخالق، فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتهم وغلوحتى صارت عندهم أصلاً في العبادة فجاء الرد على وفق ذلك. وإما لوضوح الحال نحو وليس الذكر كالأنثى فإن الأصل وليس الأنثى كالذكر، وإنما عدل عن الأصل لأن المعنى: وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت. وقيل لمراعاة الفواصل لأن قبله إني وضعتها أنثى . وقد تدخل على غيرهما اعتماداً على فهم المخاطب نحو كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم) الآية، المراد كونوا أنصار الله خالصين في الانقياد كشأن مخاطبي عيسى إذ قالوا.
قاعدة القاعدة في المدح تشبيه الأدنى بالأعلى، وفي الذم تشبيه الأعلى بالأدنى، لأن الذم مقام الأدنى والأعلى طارئ عليه، فيقال في المدح الحصى كالياقوت، وفي الذم ياقوت كالزجاج، وكذا في السلب، ومنه يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أي في النزول لا في العلو أم نجعل المتقين كالفجار أي في سوء الحال: أي لا نجعلهم كذلك. نعم أورد على ذلك مثل نوره كمشكاة فإنه شبه في الأعلى بالأدنى لا في مقام السلب. وأجيب بأنه للتقريب إلى أذهان المخاطبين، إذ لا أعلى من نوره فيشبه به.
فائدة قال ابن أبي الأصبع: لم يقع في القرآن تشبيه شيئين بشيئين ولا أكثر من ذلك، إنما وقع فيه تشبيه واحد بواحد.
فصل زوج المجاز بالتشبيه فتولد بينهما الاستعارة فهي مجاز علاقته المشابهة، أويقال في تعريفها: اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي، والأصح أنها مجاز لغوي لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه ولا الأعم منهما، فأسد في قولك: رأيت أسدا يرمي، موضوع للسبع لا للشجاع. ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجريء مثلاً ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما. وقيل مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها في أمر عقلي لا لغوي، لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد إدعاء دخوله في جنس المشبه به، فكان استعمالها فيما وضعت له فيكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده، وليس نقل الاسم المجرد استعارة لأنه لا بلاغة فيه بدليل الأعلام المنقولة فلم يبق إلا أن يكون مجازاً عقلياً. وقال بعضهم: حقيقة الاستعارة أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي، أوحصول المبالغة أوالمجموع. مثال إظهار الخفي وإنه في أم الكتاب فإن حقيقته: وأنه في أصل الكتاب، فاستعير لفظ الأم للأصل لأن الأولاد تنشأ من الأم كإنشاء الفروع من الأصول، وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئياً، فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان، وذلك أبلغ في البيان. ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جلياً واخفض لهما جناح الذل فإن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة، فاستعير للذل أولاً جانب ثم للجانب جناحاً، وتقديره الاستعارة القريبة: واخفض لهما جانب الذل: أي اخفض جانبك ذلاً، وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئياً لأجل حسن البيان، ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين بحيث لا يبقي الولد من الذل لهما والاستكانة ممكناً احتيج في الاستعارة إلى ما هوأبلغ من الأولى، فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب، لأن من يميل جانبه إلى جهة السفل أدنى ميل الصدق عليه أنه خفض جانبه، والمراد خفض بلصق الجند بالأرض، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الجناح كالطائر. ومثال المبالغة وفجرنا الأرض عيوناً وحقيقته: وفجرنا عيون الأرض، ولوعبر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيوناً.

(1/278)


فرع أركان الاستعارة ثلاثة: مستعار وهولفظ المشبه به. ومستعار منه وهومعنى لفظ المشبه. ومستعار له وهوالعني الجامع. وأقسامها كثيرة باعتبارات. فتنقسم باعتبار الأركان الثلاثة إلى خمسة أقسام.
أحدها: استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس نحو واشتعل الرأس شيباً فالمستعار منه هو النار، والمستعار له الشيب، والوجه هو الانبساط ومشابهة ضوء النار لبياض الشيء، وكل ذلك محسوس، وهوأبلغ مما لوز قيل اشتعل شيب الرأس لإفادته عموم الشيب لجميع الرأس، ومثله وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض أصل الموج حركة الماء، فاستعمل في تركتهم على سبيل الاستعارة، والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة والصبح إذا تنفس استعير خروج النفس شيئاً فشيئاً لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلاً قليلاً بجامع التتابع على طريق التدريج، وكل ذلك محسوس. الثاني: استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي. قال ابن أبي الأصبع: وهي ألطف من الأولى نحو وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فالمستعار منه السلخ الذي هوكشط الجلد عن الشاة، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل وهما حسيان، والجامع ما يعقل من ترتب أمر على آخر وحصوله عقب حصوله كترتب ظهور اللحم على الكشط وظهور الظلمة على كشف الضوء عن مكان الليل، والترتب أمر عقلي ومثله فجعلناها حصيداً أصل الحصيد النبات، والجامع الهلاك وهوأمر عقلي. الثالث: استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي. وقال ابن أبي الأصبع: وهي ألطف الاستعارات نحو من بعثنا من مرقدنا المستعار منه الرقاد: أي النوم، والمستعار له الموت، والجامع عدم ظهور الفعل والكل عقلي، ومثله ولما سكت عن موسى الغضب المستعار السكوت، والمستعار منه الساكت، والمستعار له الغضب. الرابع: استعارة محسوس بوجه عقلي أيضاً نحو مستهم البأساء والضراء استعير المس وهوحقيقة في الأجسام وهومحسوس لمقاساة الشدة، والجامع اللحوق وهما عقليان بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فالقذف والدمغ مستعاران وهما محسوسان، والحق والباطل مستعار لهما وهما معقولان ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس استعير الحبل المحسوس للعهد وهومعقول فاصدع بما تؤمر استعير الصدع وهوكسر الزجاجة وهومحسوس للتبليغ وهومعقول، والجامع التأثير وهوأبلغ من بلغ وإن كان بمعناه لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ فقد لا يؤثر التبليغ والصدع يؤثر جزماً واخفض لهما جناح الذل، فكأنه قيل: ستعمل الذل الذي يرفعك عند الله. وكذا قوله (يخوضون في آياتنا فنبذوه وراء ظهورهم أفمن أسس بنيانه على تقوى ويبغونها عوجاً ليخرج الناس من الظلمات إلى النور فجعلناه هباء منثورا. في كل واد يهيمون ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك كلها من استعارة المحسوس للمعقول، والجامع عقلي. الخامس: استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي أيضاً نحو إنا لما طغى الماء المستعار منه التكثير وهوعقلي، والمستعار له كثرة الماء وهوحسي، والجامع الاستعلاء وهوعقلي أيضاً ومثله تكاد تميز من الغيظ وجعلنا آية النهار مبصرة وتنقسم باعتبار اللفظ إلى أصلية، وهي ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس كآية بحبل من الله من الظلمات إلى النور في كل واد . وتبعية وهي ما كان اللفظ فيها غير اسم جنس كالفعل والمشتقات كسائر الآيات السابقة وكالحروف نحو فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب علقة الغاية عليه، ثم استعير في المشبه اللام الموضوعة للمشبه به. وتنقسم باعتبار آخر إلى مرشحة ومجردة ومطلقة. فالأولى وهي أبلغها: أن تقترن بما يلائم المستعار منه نحو أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ااستعير الاشتراء لاستبدال والاختبار، ثم قرن بما يلائمه من الربح والتجارة.

(1/279)